الفصل العاشر

الفرار

قال المركيز لجان حين خلا به في المغارة: هلم نتحدث أيها الناباب عثمان، فقد عرفت الآن كل شيء، فأنت جان دي فرانس، وإنك خالي، أي أخو أمي سينتيا.

إن أمي أخبرتني بكل أمري، وكيف أنك تجاسرت وجعلتني من أعظم أشراف الإنكليز، وأنك وبولتون كنتما كاذبين حين أوهمتما الأعيان في الجمعية السرية أن سينتيا مجنونة، بل إنك كذبت عليَّ حين قلت لي إني ابن اللورد إسبرتهون الشرعي. فلماذا؟

قال: إنك ما دمت عرفت سر مولدك فلا بد لي من أن أخبرك بتفصيل ما جرى.

ثم قصَّ عليه كل حكايته، وكيف أنه كان ابنًا غير شرعي للورد إسبرتهون، وكيف أن السير جيمس قتل ولده وهو في مهده بسم الأفعى، وكيف أن أباه اللورد سرقه كي لا تعود ثروته إلى ابن أخيه جيمس؛ لأنه كان يعتقد أن ولده الثاني ليونيل ميت، وكيف أنه كان يراقبه الليل والنهار في لندرا وأميركا وفي كل مكان ذهب إليه كي يحميه من السير جيمس، إلى آخر ما عرفه القراء من أمره.

فلما فرغ من حديثه قال له المركيز: إنك إذا كنت قد أسأت إليَّ فقد كان شفيعك حسن القصد، وإني أغفر لك ولبولتون هذه الإساءة التي لا تغتفر، فإنك لو علمت ما أقاسيه الآن من العذاب لعذرتني على هذا القول، وكفى أني كنت لوردًا وقائد فرقة الملك ومن أعظم نبلاء الإنكليز، ثم وجدت نفسي نوريًّا لقيطًا لا فرق بيني وبين الخدم.

– ولكنك ابن اللورد إسبرتهون.

– هل أنا ولده الشرعي؟

– كلا، ولكن فات الأوان الآن، ولم يعد في وسعك أن تدوس تاج المركيزية وتخلع وشاح اللوردية، فقد لقينا في هذا السبيل أشد ما يلقاه بشر من العناء، وإذا كنت ترى أن وجودنا في لندرا يثقل عليك فقل كلمة نبرحها بجملتنا ويبقى سرك محفوظًا مدى الحياة.

فهز روجر رأسه وقال: لا تسافروا، وإذا رأدتم السفر سافرت معكم. واعلم أنه لو كان السير جيمس باقيًا في قيد الحياة لخشيت أن يعود اللقب والثروة إليه ولبثت على تنكري.

فقاطعه جان قائلًا: ولكن ماذا يحدث بهذه الثروة إذا تركتها فإنها تعود إلى بيت المال.

قال: إنك واهم، بل إنها تعود إلى وريثها الشرعي؛ أي إلى ليونيل ابن اللورد إسبرتهون الثاني؛ فإنه لم يمت كما تتوهمون.

فغطى جان وجهه بيديه وقال: وا أسفاه! لقد قُضِيَ على آمالي.

وعند ذلك ظهر رجل في باب المغارة فصاح الاثنان قائلين: هو ذا الطبيب بولتون.

أما بولتون، فإنه دنا منهما وقال: إني اجتزت خمسين ميلًا بست ساعات، ولكني وصلت قبل فوات الأوان.

فقال روجر: ماذا حدث؟

قال: حدث أن عدونا السير روبرت واقف على كل أمرنا.

– السير روبرت. ألم يكن صديق والدي؟

– نعم. ولكنه الآن عدوك الألد، بل إنه عدو طائفتك بأسرها؛ فإني أرى أنك عرفت الآن حقيقة أمرك فلم يبقَ سبيل إلى التكتم، فاعلم أن السير روبرت يشتغل بملء الجهد منذ أسبوعين، وقد زار جميع اللوردية في إيكوسيا ولندرا، وسيتكلم في المجلس الأعلى بعد أسبوع حين افتتاحه.

– ماذا يريد أن يتكلم؟

– يريد أن يطلب نفي النَّوَر من جميع إنكلترا، وأنت ترى إذا كان يوافق أن تتنازل الآن عن لقبك لأخيك وتدع هذا الرجل يقضي القضاء المبرم على طائفتك.

فأطرق المركيز مفكرًا ثم قال: كلا، إن الجندي لا يعتزل الخدمة في يوم القتال، وسيرى السير روبرت أني سأكون خير كفؤ له في ذلك المجلس، فاطمئنوا أيها الرفاق، فسأبقى المركيز دي إسبرتهون وقائد فرقة الملك إلى أن تزول هذه الأخطار.

•••

ولنعد الآن إلى ألن فقد أوصلها شمشون إلى منزل السير روبرت، ثم تركها وانصرف، فدخلت وهي تقول في نفسها: لقد نجوت الآن، وبات روجر يحتقرني، ولكن بقي لي ليونيل بشرط أن أجتمع به قبل أن يلقاه روجر.

ولما دخلت إلى المنزل وجدت السير روبرت فيه وعلائم القسوة بادية في وجهه، فقالت له: متى عدت يا عماه؟

فأجابها بلهجة ملؤها الاحتقار قائلًا: لقد وقفت على كل مكايدك، وعلمت أنك تجتمعين برجال طائفتك وبذلك المزوِّر المحتال الذي انتحل لقب المركيز دي إسبرتهون.

ولقد قرأت في الأمثال العربية أن أعرابية اختبرت جرو ذئب وربته مع شاة لها، فلما أصبح الجرو ذئبًا نسي التربية وافترس الشاة، فقالت فيه:

بقرت شويهتي وفجعت قلبي
فمن أنباك أن أباك ذيبُ

وهكذا أنتِ؛ فقد ربَّيتك خير تربية، وجعلتك من شريفات الإنكليز، فلما تكامل هداك نسيت التربية ولم تذكري إلا أن أمك نورية، فاعلمي أني لا أريد أن تقيمي في منزلي بعد الآن، وسيعطيك الصراف مكسويل مبلغًا من المال في كل شهر تنفقينه؛ لأني لا أريد أن تعيشي عيش المتسولين، والآن خذي هذا.

ثم دفع إليها محفظة فيها أوارق مالية، فأخذتها من يده وألقتها عند قدميه وهي تقول: إني لا أريد صدقتك ولا شفقة أحد.

وقد خرجت من ذلك المنزل الذي قضت فيه كل أيام حداثتها وهي تأنف أن تلتفت إلى الوراء.

•••

وقد وجدت نفسها على بلاط لندرا لا نصير لها ولا معين، ولو أصيبت امرأة ببعض ما أصيبت به لبكت بكاء الثكلى، ولكن قلبها كان قد صُنع من الحديد، فكان عزاؤها عن طردها من منزل السير روبرت قولها: إن هذا الرجل قد حلني من قيود الامتنان، فبت قادرة على أن أنهج مع ليونيل كما أشاء.

وكان البرد شديدًا في تلك الليلة والهواء زمهريرًا، فمن كان في موقفها التجأ إلى أحد الفنادق؛ فقد كان لديها شيء من النقود في كيسها.

ولكنها كانت مجربة تعلم أن الوقت ثمين، وأن الدقيقة الواحدة قد تغير مستقبل الإنسان بجملته.

ثم إنها كانت قد رأت السير روبرت لا يزال في ثياب السفر؛ فأيقنت أنه لم يجتمع بعد بليونيل؛ فذهبت مسرعة إلى مكان تجتمع فيه المركبات؛ فركبت مركبة، وأمرت سائقها أن يذهب بها إلى الثكنة التي تقيم فيها فرسان الملك، وهي تعلم أن ليونيل يبيت أكثر لياليه في الثكنة.

وهناك لقيت حارس الباب وقالت له: إني أريد مقابلة الضابط ليونيل في شأن خطير.

قال: إن الدخول محظور يا سيدتي، ولكنك تستطيعين أن تكتبي إليه.

قالت: لا حاجة إلى الكتابة؛ إذ يكفي أن تذكر له اسمي.

فنادى الحارس أحد الجنود فقالت له: قل للقائد ليونيل إن مس ألن فالدن تريد أن تراه في الحال.

فانطلق الجندي، وبعد هنيهة أقبل ليونيل، فصاح صيحة فرح حين رآها، وقالت في نفسها: إنه لم يعلم شيئًا بعد.

وكان ليونيل قد لقي عذابًا شديدًا في ذلك اليوم؛ فإنه ذهب إلى أخيه مرتين فلم يجده، ولكن المركيز أرسل له رسالة يقول فيها: إني وقفت على أثر مس ألن. فأقام كل يومه وهو يسير سير الهائمين بين منزل السير روبرت ومنزل أخيه، وأقبل المساء فلم تعد ألن إلى منزلها ولم يعد أخوه؛ فبات شبه المجانين.

وكانت واجباته تقضي عليه أن يبيت في الثكنة تلك الليلة؛ فعاد إليها، وجعل يتمعن في أمره فتارة يثق بأخيه فيطمئن وتارة يعاوده الشك فتقتله الغيرة.

وما زال على ذلك إلى أن جاءه الجندي وأخبره بأن مس ألن تريد أن تراه؛ فذهب إلى لقائها وقلبه يكاد أن يخرج من صدره لفرحه، وقال لها: أهذا أنت؟

فمدت إليه يدها وهي في المركبة فقطَّعها تقبيلًا، وقالت له: نعم. أنا هي، وإنك إذا لم تبادر إلى نجدتي كنت من الهالكات، فهل تستطيع التغيب عن الثكنة؟

قال: نعم. فإني أنيب عني أحد زملائي.

قالت: إذن. افعل أيها الحبيب وأسرع؛ فإن الوقت لا يتسع للإمهال.

فعاد ليونيل إلى الثكنة، فكتب رسالة إلى صديق له من الضباط يسأله فيها أن ينوب عنه ورجع إلى مس ألن فصعد إلى المركبة بجانبها وقال لها: ماذا حدث أيتها الحبيبة؛ فإنك لا تعلمين مقدار ما لقيت من العذاب.

فقبضت على ذراعه وقالت: ليونيل! أتحبني؟

قال: أتسألينني إذا كنت أحبك؟

– ماذا تفعل من أجلي؟

– خير ما عندي دمي، وإني أسفكه في سبيلك.

– إذن. فاعلم أن عمي وروجر قد تآمرا على إهلاكك؛ فإن عمي هو الذي اختطفني كي يبعدني عنك إلى الأبد ويزوجني بروجر.

فاصفرَّ وجهه من الغضب وقال: إنها خيانة سافلة.

قالت: أتريد أن أكون امرأتك يا ليونيل؟

– كيف تسألينني وأنت تعلمين أن هذا كل ما أرجوه في الحياة.

– إذن لنهرب ولنبرح لندرا في هذه الليلة إلى إحدى القرى، وهناك لا نعدم كاهنًا يعقد زواجنا أو يزوجوني بالرغم بروجر … ليونيل إني أموت إذا أكرهت على الزواج … ليونيل إني لا أحب سواك.

وكانت تضغط على يده وهي تقول له هذا القول ضغطًا على قلبه حتى سحرته ووافقها على الهرب.

فأمرت السائق أن يسير؛ فانطلق بالعاشقين وخرجت المركبة من لندرا بينما كان السير روبرت قد دخل إلى غرفة رقاده وعزم على أن يجتمع غدًا بليونيل ويشفيه من حب ألن.

•••

مضى على ذلك ثلاثة أيام والسير روبرت مضطرب أشد الاضطراب، فإن ليونيل لم يظهر في خلالها.

وكان قد سأل عنه في الثكنة، فعلم أنه خرج بعد انتصاف الليل مع امرأة كانت تنتظره في مركبة، وأن هذه المرأة تدعى مس ألن فالدن، وأنها سارت وإياه في تلك المركبة، فلم يبق لديه شك أنه هرب مع النورية.

وكان قد أنبأ البوليس بأمرهما، ولكن البوليس على مهارته في لندرا لم يقف على أثر الهاربين، فكاد يجن من يأسه لوثوقه أن ألن لا تعود إلى لندرا إلا وهي زوجة ليونيل.

وذلك أن في إنكلترا — ولا سيما في ذلك العهد — كان الزواج سهلًا، فلو ذهب عاشقان إلى دير كاهن وسألاه أن يعقد زواجهما لفعل دون اعتراض، فكان هذا الخاطر يعذب السير روبرت عذابًا شديدًا؛ لأنه كان قد آلى على نفسه قضاء أمرين؛ أحدهما أن لا يدع ربيبته تتزوج بليونيل لأنه من الأشراف، وثانيهما أن يكره روجر على أن يرد ثروته لأخيه ليونيل ابن اللورد الشرعي.

وفيما هو في منزله يتأهب للذهاب إلى مدير البوليس، دخل إليه خادم قال له: إن رجلًا يلبس ملابس التجار يريد أن يقابلك.

فأذن له فدخل، فقال روبرت في نفسه: يخال لي أني عرفت هذا الرجل.

أما الرجل، فإنه انحنى أمامه مسلمًا وقال له: ألا إن سيدي يعرفني دون شك.

قال: أذكر أني رأيتك، ولكن لا أذكر أين.

قال: لقد تشرفت بلقائك يا سيدي في الهند.

– في الهند؟

– نعم. وكان ذلك مرتين: إحداهما في الطريق من شاندرناجور إلى كلكوتا، والثانية في خمارة عند باب تلك العاصمة.

– أأنت هو؟

– نعم. أنا هو ناثائيل، والد توبسي الذي جلدوه خمسين سوطًا لأنه طلب أن ترد إليه ابنته.

فقطَّب حاجبيه وقال له: والآن ماذا تريد؟ أتريد مالًا؟

قال: إن تجارتي رابحة بإذن الله، وأنا أشتغل هنا منذ خمسة عشر عامًا ما شكوت فيها إلا يوم جلدوني، فإن هذا الشعب الخامل لا يفتأ ينتصر للظالم على المظلوم، وقد أبوا أن يصدقوا أن مس ألن الحسناء إنما هي ابنتي.

– أظن أنك لم تأت إلى هنا إلا لتقص عليَّ تاريخ حياتك.

– كلا دون شك.

– إذن؛ ماذا تريد؟

– إني أصبحت شيخًا كما ترى، وأنا الآن غني، وليس لي وريث؛ فأريد أن ترد إليَّ ابنتي.

– إني لا أعترضك؛ فإن ابنتك قد أساءت إليَّ بعد إحساني.

– لا عجب؛ فقد كانت أمها على شاكلتها.

– وقد طردتها من عندي.

– لقد عرفت ذلك أيضًا يا سيدي.

– إذا كنت قد عرفت ذلك، فلماذا أتيت إليَّ؟

– أصغ إليَّ يا سيدي، فإني أعرف أمورًا أخرى أيضًا.

– ألعلك تعرف أين هي؟

– نعم.

– تكلم.

– رفقًا يا سيدي. ولنبدأ بوضع شروطنا إذا أردت.

فأدرك أن لهجة العنف لا تفيد مع هذا الرجل، فقال له برفق: قل فإني مصغ إليك.

قال: إن توبسي ليست في لندرا؛ فقد هربت مع فتى جميل يهمك أمره وهي ستتزوج به.

– كلا. إن هذا لا يكون.

– إنك تستطيع منع هذا الزواج إذا تدخلت في شأنه، وأما إذا لم تتنازل إلى التدخل فإن الزواج كائن لا محالة.

– أرى أيها الرجل أنك تعلم أين هما، وأنك تريد أن تبيعني هذا السر.

– لقد قلت لك يا سيدي إني لست في حاجة إلى المال.

– إذن؛ ماذا تريد؟

– إن ليونيل أحب بنتي حبًّا عظيمًا، حتى إنه لم يعد يصغي إلا لصوت قلبه، ولا يستطيع منع هذا الزواج غير رجل واحد.

– وهذا الرجل؟

– هو أنا. ولكنك أنكرت — ولا تزال تنكر لسوء الحظ — أني أبو توبسي.

– سأعترف بهذه الحقيقة.

– إن اعترافك وحده لم يعد كافيًا الآن.

– ماذا يجب أن أفعل أيضًا؟

– يجب أن تذهب بي إلى الملك.

فلم يتمالك السير روبرت عن الضحك، فقال له النَّوَري: نعم. يجب أن تذهب بي إلى القصر فتقدمني للملك وتعترف أمامه بأني والد توبسي، ثم تلتمس من جلالته أن يصدر أمرًا برد ابنتي إليَّ. ومتى صار هذا الأمر في يدي منعت الزواج.

فكره السير روبرت أن يقول أمام الملك بأنه جعل فتاة نورية ابنة أخيه وقال له: إن هذا محال.

قال: إذا كان ذلك، فليتفضل مولاي بمعذرتي لإزعاجه ويأذن لي بالانصراف.

– بل ابقَ وقل لي أين هي الفتاة؟

– إني لا أخبرك إلا بهذا الشرط، فإما أن ترضى به وإما أن ترضى بأن تتزوج ليونيل.

– كلا. إن ذلك لا يكون وأنا في قيد الحياة.

وقد أدرك السير روبرت أنه لم يبقَ له حيلة مع هذا الرجل، وأنه إذا أبى موافقته تزوجت تلك النورية بليونيل، أي بالمركيز إسبرتهون الحقيقي؛ فرأى أنه لا بد له من الامتثال وقال: ليكن، فسأذهب بك إلى الملك.

ثم أمر الخادم أن يعد مركبته، فقال له ناثائيل: لقد أصبت يا سيدي؛ فإن توبسي لا تعرف أن تكون سيدة عظيمة، وهي ستكون في مخزني على خير حال.

•••

كان السير روبرت فالدن يعدُّ من عظماء الرجال في لندرا، وطالما اهتز منبر البرلمان لبلاغته، ومن كانت له هذه المنزلة بين قومه على ما هو فيه من شرف النسب لا يطول وقوفه في أبواب الملوك.

وقد وصل إلى سراي الملك فوجد كثيرين من الناس في الردهة ينتظرون بجازع الصبر صدور الإذن لهم بمقابلة جلالته، فلم يكد يذكر اسمه للحاجب حتى صدر الأمر بإدخاله قبل جميع المنتظرين.

وكان الملك جالسًا وحده في قاعته، فلما دخل إليه السير روبرت دهش؛ إذ رأى وراءه رجلًا بملابس التجار.

فأدرك سر دهشته، وبدأ الحديث فقال: إن ملوك الإنكليز من بدء عهدهم إلى عهد جلالتكم لم يَرُقْ لهم مثل أن يقضوا بأنفسهم بالحق.

قال: هو ذاك.

قال: مولاي! إن هذا الرجل الذي تراه يضطرب بحضرة جلالتكم إنما هو أب منكود أنكرته ابنته، وهو يلتمس من جلالتكم ردها إليه.

وعند ذلك بسط له حكاية توبسي بالتفصيل، وكيف أنه أخذها ورباها إلى أن رأى ما كان من فساد أخلاقها؛ فاضطر إلى التخلي عنها، وأن أباها يطلبها الآن، ولكنها تنكره وتأبى أن تعود إليه، وأنه يلتمس من جلالة الملك أن يصدر أمره الكريم برد الفتاة إلى أبيها.

وقد وجد الملك هذا الملتمس حقًّا؛ فنادى رئيس حراسه وأراه ناثائيل، ثم قال له: اذهب مع هذا الرجل ورد ابنته إليه باسم الملك، وإذا أصرت على الإنكار بأنها ليست بنته فقل لها إن السير روبرت فالدن شهد بذلك، وإن الملك وثق بهذه الشهادة.

فانحنى رئيس الحراس، وبينما كان السير روبرت يحاول الانصراف دخل إلى القاعة الملكية المركيز روجر من باب آخر غير الباب العام؛ فإن الملك كان قد أذن له بالدخول إليه متى شاء بصفته قائد فرقته الأكبر.

ولم يظهر على المركيز شيء من علائم الانذهال حين رأى ناثائيل في قاعة الملك خلافًا للسير روبرت؛ فإنه ارتعش حين رأى المركيز يحييه بيده.

أما المركيز، فإنه انحنى أمام الملك وقال: مولاي! إن فرقة الفرسان معسكرة في السراي، وقد جئت أسأل مولاي أن يعين كلمة السر التي يعينها بنفسه كل يوم.

فأشار إليه الملك إشارة مفادها اصبر إلى أن نكون وحدنا.

وحاول السير روبرت الانصراف، ولكن المركيز أوقفه بإشارة وقال للملك: مولاي! إني أعد نفسي سعيدًا بلقاء السير روبرت في حضرة جلالتكم؛ لأني سألتمس أن أقول لكم أقوالًا تهمه.

قال: قل أيها المركيز.

قال: مولاي! يوجد في فرقتي ضابط يدعى ليونيل أظن أن السير روبرت وصيه.

وإن هذا الضابط يا سيدي قد ارتكب خطأً عظيمًا؛ فإنه ترك الفرقة دون إذن وهرب مع فتاة أفَّاقة محتالة خدع بها وسيتزوجها إذا لم يحل أمر جلالتكم دون هذا الزواج.

وظهرت على الملك علائم الاشمئزاز، ومضى المركيز في حديثه فقال: إن هذه الفتاة كانت تدعو نفسها مس ألن فالدن، والحقيقة أنها بنت هذا الرجل الواقف بحضرة جلالتكم ويدعى ناثائيل.

فجعل الملك ينظر إليهما، وقال المركيز: إن وجودهما في قاعة جلالتكم يدل على أن جلالتكم قد أصدرتم أمركم بهذا الشأن.

قال: هو ذاك.

قال: إذا خرج ناثائيل التمست من جلالتكم أن تأذنوا لي بمقابلة بحضور السير روبرت.

فقطَّب السير روبرت حاجبيه؛ إذ لم يكن يعلم مراد المركيز، وأشار الملك إلى رئيس حراسه فأخرج ناثائيل وبقي روبرت والمركيز.

وكان الملك مصابًا بمرض قضى عليه بأن يكون ضيق الأخلاق، فلو لم يكن يعطف عطفًا خاصًّا على روجر لما صبر على بطئه في بيان مراده إلى هذا الحد، ولكنه نظر إليه وقال له برفق: قل أيها المركيز ما تريد قوله.

قال: مولاي إني مخبر جلالتكم خبرًا ستدهشون له لو لم يكن السير روبرت حاضرًا فيثبته.

ثم التفت إلى روبرت وقال: ألم تكن يا سيدي صديق والدي المرحوم اللورد إسبرتهون؟

قال: نعم.

قال: وإنك تعلم أن أبي صدق بامرأته اللادي سيسل وشايات كاذبة؛ فأبعدها عنه مع ولدها الثاني، وأن خوفها كان عظيمًا على ولدها؛ إذ كانت تخشى أن ينتقم منهما، فأوهمته أن ولده الثاني ميت.

فقال الملك: كيف ذلك؟ أهو حي؟ ألك أخ؟

قال: نعم يا مولاي، فهو ضابط في فرقتي، وإني ألتمس له العفو من جلالتكم، فهو ذلك العاشق المفتون الذي هام بتلك المحتالة وهرب وإياها.

قال: إنه ما زال أخاك أيها المركيز؛ فقد عفونا عنه وأعطيناه إجازة ثلاثة أشهر.

ثم رفع يده مسلمًا إشارة إلى انتهاء المقابلة، فانحنى الاثنان وانصرفا.

فلما وصلا إلى الردهة قال له السير روبرت: لي كلمة أقولها لك أيها المركيز.

قال: لك أن تقول أربعًا إذا أردت.

قال: إني أريد محادثتك اليوم مليًّا، فهل تريد أن تعين لي موعدًا للقاء؟

فأشار المركيز إلى الحديقة وقال له: إنها خالية وليس فيها أحد، فهلمَّ بنا إليها.

قال: ليكن ما تريد.

ونزل الاثنان إلى الحديقة، وجلسا تحت شجرة غضة، فبدأ السير روبرت الحديث فقال: إني تغيبت عن لندرا أيها المركيز مدة أسبوعين.

فأجابه بجفاء قائلًا: نعم. وقد عرفت أيضًا أنك سافرت على أثر جلسة سرية عقدت في نادي هرمين كما أظن.

قال: أعرفت ذلك؟

فأجابه بعظمة قائلًا: نعم. وقد عرفت أنك اتفقت مع مس ألن على اختطاف امرأة نورية تدعى سينتيا، وكانت تقول إنها أمي.

– إنك ما دمت قد بدأت أنت سرد هذه الحوادث، فقد هانت عليَّ مهمتي.

– كيف ذلك؟

– إن هذه المرأة التي تقول أنها أمك، والتي أخذها عمال مستشفى بلدام بحجة أنها هاربة منه، لم توجد فيه.

– إني أعرف ذلك، فقد عهدت إلى الطبيب بولتون معالجتها.

– ألعلك تعتقد أنها مجنونة؟

– نعم. وإنك سافرت منذ أسبوعين إلى إيكوسيا، واجتمعت بكثيرين من أعضاء مجلس اللوردية … خابرتهم بشأن نفي طائفة النور.

– هو ذاك. فإني أريد طرد النور من إنكلترا، وهي خير طريقة لإكراه المزورين على الجلاء.

– ولكن هذه الطائفة لا تنكر أصلها.

– أتعتقد ذلك؟

– أصغ إليَّ يا سير روبرت، فلا حاجة إلى المعميات بيننا؛ فإني أعلم ماذا تفتكر.

– ماذا؟

– إنك تحسبني ابنًا غير شرعي للورد إسبرتهون، وأن أمي هي سينتيا، ولكني في عيون الملك والنبلاء والناس المركيز روجر، وقائد فرقة فرسان الملك، وإني لا أقول لك إذا كنت مخطئًا أو مصيبًا في اعتقادك؛ فإن من كان مثلي لا يتدانى إلى تبرئة نفسه.

– ولكن ماذا تقول إذا أثبت اعتقادي بالبراهين؟

– إن براهينك ضرب من المحال، ولكن أصغِ إليَّ فإنك معروف بإخلاصك للادي سيسل، وبأنك تحب ولدها كأنه ولدك.

– هو ذاك؛ ولذلك أردت أن أرد له ميراث أبيه. فابتسم روجر وقال: أليس من العجيب أن تكون شيخًا وأن أكون فتى فتثور حدتك وأسكن؟ ألا تريد أن تصغي إليَّ بسكينة؟

– إني مصغٍ.

– أقول إنك إذا كنت تحب ليونيل حقيقة فلا تخاطر بمستقبله؛ فقد شاطرته أموالي.

فقاطعه قائلًا: إنك لو كنت ابن اللورد الشرعي …

فبرقت عينا المركيز وقال: إني أمنعك عن أن تشك بمولدي إلى أن تبرهن لإنكلترا بجملتها على صحة ما تقول.

فهاج ثائره وقال: إني أعلم كيف أكرهك على الاعتراف.

فأجابه قائلًا: كفاك هياجًا؛ فإننا إذا تبارزنا قتلتك لا محالة فنحرم ليونيل من وصيه وحاميه الوحيد، واعلم أني فتى ويقال بأني باسل وأن إنكلترا على وشك إثارة الحرب. ألا يجوز أن أقتل في غمارها وأنا في طليعة فرقتي؟

– ولكني لا أشير على ليونيل أن ينتظر هذه الصدفة.

– وأنا أرى أنه لا سبيل إلى الاتفاق بيننا، وإنك تريد الخصام. فليكن ما أردت.

– ليكن.

– ولكنك مخطئ يا سير روبرت.

– لا يخطئ من يعمل بما يوحيه إليه الواجب.

– إذن أنت تريد الخصام.

– نعم.

– وستطلب إلى البرلمان نفي طائفة النور.

– هذا لا ريب فيه.

– وأنا سأدافع عنها … إلى اللقاء.

ثم حياه وانصرف.

فوقف روبرت مطرقًا مفكرًا يقول في نفسه: إن هذا الرجل شديد، فكيف السبيل إلى إكراهه على الاعتراف، ومع ذلك فلا بد للحقيقة أن تظهر وأن يحل الولد الشرعي محل اللقيط.

وقد ترك الحديقة وانصرف، فلم يَسِرْ بضع خطوات حتى التقى بالطبيب بولتون، فحياه الطبيب وقال له: إني كنت أحسبك في إيكوسيا أيها الصديق.

قال: لقد كنت فيها وعدت أمس.

– إني رأيتك خارجًا من قاعة الملك، فهل أصبحت من الحاشية؟

– كلا. ولكني أدخل إلى الملك حين أحتاج إلى مقابلته وأسأل العدل.

– ألعلهم أساءوا إليك؟

– كلا. بل أساءوا إلى رجل كانوا يحسبونه ميتًا وهو حي يرزق.

– إني أعلم ما تعنيه؛ فإنك تريد بهذا الرجل ليونيل ابن اللورد إسبرتهون الثاني.

– بل وريثه الوحيد بعد موت أخيه المركيز.

– أيها الصديق أسألك المعذرة؛ لأني لم أنتبه إلى حالتك العقلية حين رأيتك، وأنت تعلم أني طبيب.

فقبض روبرت على ذراعه فهزه بعنف وقال له: إنك تعلم يقينًا بأني لست من المجانين.

– وأنا أريد أن أعتقد هذا الاعتقاد إلا إذا عدت إلى مباحثتي في هذه الشئون؛ فإني التقيت الآن بالمركيز روجر وأنت تقول إنه ميت؟

– ليس هو بالمركيز روجر، بل هو ابن سينتيا.

– أأنت تصدق وشايات توبسي التي جعلتها ابنة أخيك؟

فنظر إليه محدقًا وقال له: إنه يجب أن تكون واقفًا على هذه الحقيقة أكثر من سواك؛ فقد كنت طبيب اللورد الخاص.

– لا شك أني أعرفها.

– إذن تكلم.

– أتريد؟

– بل ألتمس منك أن تقول الحقيقة.

– إذن فاعلم أيها الصديق أنك على وشك الجنون، وأن خير ما تفعله هو أن تعد أمتعتك وتسافر إلى أوربا؛ فإن السفر مفيد في هذه الحالات.

ثم حياه وانصرف؛ فضرب السير روبرت الأرض برجله مغضبًا وقال: إن جميع الناس من حزبه فليس لي به حيلة.

•••

ولنعد الآن إلى ألن وليونيل، فإنهما خرجا من لندرا إلى إحدى القرى فباتا فيها، وعند الصباح سألها ليونيل قائلًا: إلى أين نذهب؟

قالت: إن عمي وروجر سيطوفان إنكلترا للبحث عنا، وخير ما أراه أن نذهب إلى منزل أمك في إيكوسيا، وهناك ندعو كاهنًا من إحدى القرى فيعقد زواجنا ثم نعود، ولا خوف علينا من أحد.

فوافقها إلى ما أرادت، وسافرا إلى هوتغور فأقاما كل يومهما مختبئين في أحد فنادقها.

وفي اليوم التالي أرادا استئناف السفر، فقال له صاحب الفندق: إن الخيل لا تعود قبل ساعتين؛ فاضطر العاشقان إلى الصبر ساعتين مرت بهما مرور عامين، وكان ليونيل يخرج من حين إلى حين إلى الطريق مفتقدًا قدوم الخيل.

وفي خلال ذلك كانت ألن مختلية في الغرفة تسمع حديث الخدم في الردهة، فسمعت أحدهما يقول للآخر: إني لم أر لوردًا كهذا اللورد الذي مرَّ بنا.

فأجابه رفيقه: الحق أنه أشبه بالإسبانيين منه بالهنود؛ فإن شعره الأسود يشبه جانح الغراب ولون وجهه يشبه الزيتون.

فاضطربت ألن لهذا القول؛ إذ ذكرت جان دي فرانس، وعاد ليونيل إليها فأخبرها بقدوم الجياد وسافرا إلى إيكوسيا.

وهناك دعا ليونيل إليه أحد الكهنة وسأله أن يزوجهما في الغد؛ فوافقه الكاهن، ولكنه اعترض على أن يكون الزواج في الغد بحجة أن ذلك اليوم يوم جمعة، أي اليوم الذي صلب فيه المسيح، واتفقوا على أن يكون الزواج يوم السبت.

وفي ذلك اليوم ذهب ليونيل وألن إلى الكنيسة في الساعة المعينة، وكان فيها بعض أهل القرية حضروا للصلاة، ودخل في أثرهما ثمانية رجال غرباء كان أربعة منهم بملابس التجار وأربعة متشحون بوشاحات تخفي ملابسهم.

حتى إذا انتهت الصلاة وأراد الكاهن أن يبدأ حفلة الإكليل وقف في باب الهيكل وقال: أيها الناس، إني سأزوج ليونيل دي إسبرتهون من مس ألن فالدن، فهل يوجد من يعترض على هذا الزواج؟

فأجابه صوت قائلًا: أنا.

وقد دنا هذا الرجل من الكاهن، فاضطربت ألن؛ إذ عرفت أن هذا الرجل أبوها ناثائيل، وقال له الكاهن: لماذا تريد الاعتراض؟ ومن أنت؟

قال: إني والد هذه الفتاة، وهؤلاء هم شهودي.

وعند ذلك دنا الثلاثة الذين كانوا معه، فقالوا: نعم نشهد أنه أبوها.

فصاحت ألن صيحة قنوط؛ إذ رأت أن هؤلاء الثلاثة كانوا جان دي فرانس وشمشون والمركيز روجر، وصاح ليونيل بصوت يتهدج بالغضب قائلًا: روجر؟

فقالت مس ألن: إن هؤلاء الشهود كاذبون.

فتقدم عندئذ واحد من الأربعة الذين كانوا يخفون ملابسهم وأزاح الوشاح وظهرت ملابسه العسكرية وقال: إني أعترض باسم الملك على هذا الزواج، وأدعو توبسي باسم الملك أن تذهب مع أبيها ناثائيل.

فهجم ليونيل على أخيه وقال: أيها الشقي، ماذا فعلت؟

فوضع المركيز يده على كتف أخيه وقال له بملء السكينة: إني أنقذتك من العار؛ فإن مس ألن تدعى توبسي، وهي نورية وابنة هذا النوري، وقد طردها السير روبرت فعادت لك حتى كادت أن ترميك في فخها.

فأطرق ليونيل برأسه، وسقطت دمعتان من عينيه إلى الأرض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠