الفصل الثاني عشر

الرحيل

في اليوم التالي — أي في اليوم الذي عينه الملك لمقابلة السير روبرت فالدن — ركب روبرت مركبته وذهب لزيارة اللادي سيسلي قبل موعد الملك بساعة؛ فإنها لم تكن أشهرت أمرها بعد.

وكان ليونيل قد برح به الوجد؛ فإنه على أنفته ونفوره من الزواج بنورية كان لا يزال يحب توبسي، وقد أمرضه هذا الحب حتى أوشك أن يُشرف على الموت.

فلما دخل روبرت كان ليونيل نائمًا، فسأل أمه عنه فقالت له: إن الطبيب يبشرنا بقرب شفائه، ولكنه أول من أمس كاد أن ينتحر.

– كيف ذلك؟

– إنه أراد أن يلقي بنفسه من النافذة، ولو لم يتفق دخول روجر في تلك الساعة ويمنعه عن قصده لقضي عليه، ولكنه سكن بعد ذلك، وذهب يأسه بذهاب الحمى.

فقطَّب روبرت حاجيبه عند ذكر روجر وقال: إني أتيتك لأحدثك بشأن المركيز روجر.

– ولدي؟

– المركيز روجر.

– إني مصغية إليك.

– إني لم أرك بعد ذهابي إلى قصر إسبرتهون، وقد اتصل بي أن المركيز روجر يريد أن يعترف علنًا بأن ليونيل أخوه وأن يشاطره ثروته.

– هو ذاك. فكيف تشكك الآن بمولده؟

– بل لم يبق سبيل إلى الشك.

– تريد أنه ولدي أليس كذلك؟

– كلا. إنه ليس ولدك. وقد ثبت لي ذلك بالبرهان.

– ما هو برهانك؟

– لقد لقيت العبد الذي كان يحرس ولدك روجر حين كان خادمًا عند اللورد إسبرتهون، وهو يثبت أن ولدك لسعته حية وهو في مهده فمات، وكان ذلك في اليوم الذي قتلت فيه السير جاك.

– رباه! ماذا أسمع؟! ألا يمكن أن يكون هذا الرجل كاذبًا؟

– كلا. بل إنه يقول الحق.

– وإذا لم يكن ولدي، فعلى ماذا عزمت؟

– على أن ألتمس من الملك أن يجعل ليونيل مركيزًا بدلًا منه.

– وروجر؟

– يعود إلى طائفة النور التي خرج منها.

– كلا. إن ذلك لا يكون؛ فإنه إذا لم يكن ولدي فإني أحبه كأنه ولدي، وكفى أنه كاد أن يقتل ليونيل، فلما سمع صوتي ألقى حسامه إلى الأرض.

– تمعني؛ فإنك تسيئين إلى ليونيل وتحرمينه من لقبه.

– إن ليونيل نفسه لا يريد حرمان من يدعوه بأخيه.

– ولكنه ليس كذلك، بل هو مزور.

– ليس هو الذي ارتكب هذا التزوير، وفوق ذلك فإنه إذا لم يكن ولدي فهو ابن اللورد.

فنظر إليها بحزن وقال في نفسه: لا أرى أحدًا غيري يسمع صوت الواجب. ثم نهض فودعها وقال: أرى يا سيدتي أنه يجب أن أعمل قصدي.

قالت: ماذا تريد أن تعمل؟

قال: واجباتي.

وقد تركها وانصرف إلى دكان كان يجتمع فيه العبيد الذي يطلبون الاستخدام، فنادى واحدًا منهم — وهو أحد العبدين اللذين كانا في خدمة اللورد إسبرتهون في الهند — وقال له: هل أنت متأهب؟

قال: نعم يا مولاي.

– أتقول ما قلته لي أمام الملك؟

– نعم يا مولاي.

– إذن أنت واثق أن المركيز الحقيقي قد مات.

– كل الثقة؛ فقد أخبرتك كيف أن الطبيب بولتون أخذه من مهده وهو ميت بموافقة اللورد، وكيف أنه عاد في الليلة نفسها بطفل حي يشبهه فوضعه في مهده، وكيف أن هذا الطبيب رشاني بمبلغ عظيم من المال حين علم بأني رأيته، وأمرني أن أسافر إلى سنجابور.

– أتعيد كل هذه الأقوال أمام الملك؟

– نعم.

– إذن تعالَ معي.

فصعد العبد إلى جانب السائق، وسارت المركبة إلى قصر الملك، فلما أراد السير روبرت الدخول اعترضه حاجب قائلًا: الدخول ممنوع.

قال: إن الملك أرسل إليَّ كتابًا يأمرني فيه بالحضور.

– ألعلك لم تعلم يا مولاي بماذا حدث؟

– ماذا؟

– إن الملك أصيب بالليل بعارض جنون، وقد تولى البرنس دي غال مكانه إدارة المملكة.

فاغتم السير روبرت وحاول الانصراف، وعند ذلك جاءه ضابط فقال له: أأنت السير روبرت يا مولاي؟

قال: نعم.

قال: تعال فقد أمر سمو البرنس أن ندخلك إليه.

فأمر العبد أن ينتظر في الردهة، ودخل وحده إلى القاعة الملكية، فابتسم له البرنس دي غال وقال: إنك التمست مقابلة جلالة الملك؛ فأمرني أن أتولى مقابلتك عنه لأنه مريض.

ثم إنك التمست أن تكون هذه المقابلة بحضور شاهدين من أشراف المملكة فاخترت شريفين من خيرة رجال بلاطنا.

ثم قرع جرسًا، فدخل كاتم أسراره دلتون فأشار البرنس إليه، وقال مخاطبًا السير روبرت: هذا أحد الشاهدين، وهو اللورد أرشيبالد دلتون كاتم أسراره، وإن أحد أجداده قاتل بجانب الملك غيليوم الفاتح.

فانحنى السير روبرت أمامه، وقرع الملك الجرس أيضًا وقال: هذا شريف آخر لا سبيل إلى الشك بشرفه وبسالته.

وعند ذلك فتح الباب ودخل المركيز روجر دي إسبرتهون وهو بملابس التشريفات الكبرى.

فتراجع السير روبرت كأنما هوة قد فتحت أمامه.

أما المركيز فإنه حَيَّاه وجلس إلى يمين البرنس كما جلس دلتون عن يساره، فنظر البرنس إلى السير روبرت وقال له: تكلم فإننا مصغون إليك.

فبذل السير روبرت جهدًا عنيفًا حتى تمكن من ضبط نفسه، ونظر نظرة منكرة إلى المركيز، ثم انحنى أمام البرنس وقال: إن طائفة يا مولاي قد جاءت إلى إنكلترا منذ عشرين عامًا وهي طامعة بالمناصب، وتنذر بأن تحل محل أبناء البلاد فيها.

قال: أوضح ما تقول. فمن هذه الطائفة؟

قال: إنها طائفة النَّوَر يا مولاي.

فضحك البرنس وقال: لقد كنت أحسب أن أعمال هذه الطائفة مقصورة على التجول في الشوارع والرقص في الطرقات.

– كلا يا مولاي؛ إذ يوجد واحد منهم من كبار الجوهريين.

– حسنًا.

– ويوجد واحد منهم من الصيارفة.

– وبعد ذلك؟

– وآخر من القضاة.

– لم أجد إلى الآن موضع الضرر.

– وأخيرًا، فإن واحدًا منهم يجلس مع النواب في مجلس اللوردية.

– ما هذا القول؟ ألعلك فقدت صوابك؟

– كلا يا مولاي، بل إني أقول الحق.

– ألديك برهان على ما تقول؟

– دون شك.

– إذن أنت تعتقد أنه يوجد نوري بين أعضاء اللوردية؟

– هو ذاك.

– إنك تروي لنا حادثًا جللًا، فكيف يكون هذا الانتحال؟

– إنه ابن أحد اللوردية، ولكن أمه النورية ولدته سِفاحًا، فحل محل ولده الشرعي.

– إنك إذا استطعت أن تبرهن لي عن ذلك طردت جميع النورية من المملكة.

– وإني ألتمس منك أن تأذن لي بتقديم هذا البرهان.

– ولكني أريد قبل ذلك أن تذكر لي اسم هذا المنتحل.

– إنه يدعى روجر دي إسبرتهون، وهو على يمينك يا مولاي.

أما روجر فإنه لم يبد عليه شيء من علائم الاضطراب، بل إنه نظر إلى البرنس وقال له بملء السكينة: إني أرى يا مولاي ما يراه سموكم، وهو أن السير روبرت فالدن قد فقد صوابه.

ومع ذلك؛ فإنه إذا استطاع أن يبرهن أني نوري رضيت أن أطرد مع طائفتي.

فأجابه البرنس قائلًا: لا شك أن السير روبرت اغترَّ بأقوال تلك النَّوَرية المجنونة التي أتتك يوم عودتك من أميركا، فذكرت ولدها الميت، وادَّعت أنها أمك.

فقال السير روبرت: إنها كانت تقول الحق يا مولاي.

– هات برهانك.

– أتأذن لي يا مولاي أن أدخل رجلًا كان في خدمة اللورد إسبرتهون حين كان حاكم الهند، فهو يثبت أن روجر الحقيقي، أي أن ابن اللورد الشرعي قد مات.

– أين هو هذا الرجل؟

– في الردهة يا مولاي.

فأصدر البرنس أمره بإدخال العبد، ولكنه قبل أن يدخل أزيحت ستارة بجانب الباب وظهر رجل مختبئًا وراءها وهو بملابس فرسان الملك؛ فنظر إلى العبد نظرة منكرة، ثم رفع سبابته على فمه يأمره بالتكتم، ودخل وراء الستارة.

وقد ارتجف العبد حين رأى هذا الرجل واصفرَّ وجهه الأسود، ثم أطرق برأسه إطراق المستسلم للقضاء ودخل، فقال له البرنس: ماذا تُدْعَى أيها الرجل؟

– ألينيو.

– أكنت في خدمة اللورد إسبرتهون في الهند؟

– نعم يا مولاي.

– أكان له ولد؟

– نعم يا مولاي.

– وهذا الولد مات؟

– لا أعلم.

فتوهجت عينا السير روبرت من الغضب لهذا الجواب غير المنتظر، وقال له: ويحك أيها الشقي! ألم تقل لي إنه …

قال: لقد قلت لك يا سيدي إن حية لسعته وإنه كان مريضًا.

– بل قلت لي إنه مات.

– لا أعلم يا سيدي إذا كان قد مات؛ فقد طردوني من القصر في اليوم نفسه، وكان الطفل لا يزال في قيد الحياة.

فاصفرَّ وجه السير روبرت، ووضع يده على جبهته، فابتسم البرنس وقال لروجر: اطمئنَّ أيها المركيز فقد ثبت لنا الآن جنون السير روبرت فالدن.

ولما خرج العبد من القاعة الملكية انصرف وهو يقول: لقد كذبت، ولكنني اضطررت إلى الكذب؛ فإن هذا الرجل الذي أمرني بالكتمان قد أنقذني مرة في الهند من الخناقين، فلم أجد بدًّا من طاعته.

أما هذا الرجل، فقد كان جان دي فرانس.

•••

بعد ذلك بأسبوعين كان المركيز روجر مريضًا في سريره، وقد اشتد به المرض حتى خشي عليه من الموت.

وذلك أنه بينما كان ساهرًا ذات ليلة في نادي الحسان أصيب بدوار شديد فجائي وسقط بين يدي الناباب عثمان.

وقد حملوه إلى قصره وجاءوه بالطبيب بولتون فتولى معالجته.

وكان قبل ذلك بأسبوع أعلن أن ليونيل أخوه، واستأذن البرنس دي غال، واستصدر أمرًا من البرلمان فأشرك أخاه بثروته ولقبه؛ فانتقل مع أمه إلى قصر المركيز.

فلما جاء الطبيب بولتون وفحص المركيز قال: إنه مصاب بحمى هندية، وإنها حمى خطيرة، ولكنه غير قانط من شفائها.

وقد اضطربت لندرا لمرض المركيز؛ فإن انتصاراته الأخيرة حبَّبَتْه إلى جميع الناس، ولا سيما حين ذاع بينهم أنه لم يجرِ على نظام اللوردية وأنه ساوى نفسه.

ففي تلك الليلة، أي بعد أسبوعين من مرضه كان مرضه يحول إلى غيبوبة، فلم يكن يعود إليه صوابه إلا في النادر.

وكان الطبيب بولتون واللادي سيسلي وليونيل واقفين بجانب سريره، وقد فتح عينيه ونظر إليهم، فأسرعت اللادي إليه وأخذت يده بين يديها وقالت له بملء الحنو: ولدي … كيف أنت …؟ ألم تعرفني؟

وقبل ليونيل جبينه وقال له: وأنا، ألست بأخيك؟

فبرقت عينا روجر وفتح فمه يحاول الكلام، ولكنه ما لبث أن سقط برأسه على الوسادة وعاد إلى الغيبوبة.

فصاحت أم ليونيل قائلة: رباه أنقذه مما هو فيه.

وأمسك ليونيل يده وجعل يغسلها بدموعه، فنظر الطبيب إلى اللادي وقال لها بصوت منخفض: إن مرضه شديد.

قالت: إنك ستشفيه. أليس كذلك؟

قال: لا أستطيع أن أجزم بشفائه. وا أسفاه!

فجعلت تشهق بالبكاء، فقال الطبيب: إن الموقف خطير يا سيدتي، ولا بد لي من أن أقول لك الحقيقة في هذا الموقف.

– رباه! ماذا تريد أن تقول لي؟

– إن روجر ليس بولدك.

– إني عارفة بذلك، ولكني أحبه كأنه ولدي؛ فإنه كريم شريف.

ثم بسطت يديها إلى السماء وقالت: رباه! خذ حياتي واجعلني فداء هذا الفتى الكريم؛ فقد كان يحبني ويحترمني حب الأبناء للأمهات.

وركع ليونيل وقال: أيها الأخ العزيز، إني لا أعلم إذا كان بطن واحد قد حملنا، ولكني أعلم أن أبانا واحد، وأنك أليق مني بإرث لقبه المجيد.

فأنهضه بولتون وقال له: إذن أتوافق إذا قدرت السلامة لروجر أن يكون هو المركيز الحقيقي وتكون أنت ثاني أنجال اللورد إسبرتهون؟

قال: أنقذه أيها الطبيب وإني أقسم بالله أن لا أقول كلمة في حياتي تدل أني واقف على الحقيقة.

قال: إذن سأفرغ مجهودي في سبيل شفائه، فدعوني أبقى وحدي معه.

فخرج ليونيل وأمه وعيونهما غارقة بالدموع، وذهب بولتون فأقفل الباب من الداخل وعاد إلى المركيز وقد فتح عينيه واستوى جالسًا في سريره وعاد إليه هداه، فقال له بولتون: أسمعت الحديث؟

قال: نعم. وقد أيقنت الآن أنهما جديران بفضيحتي.

ثم نظر إلى شعار أسرة إسبرتهون المنقوش فوق المستوقد وإلى صور أعضاء تلك الأسرة المعلقة على الجدران، فقال يخاطبها: أيتها الرسوم الكريمة، اصفحي عن ابن النوَرية اللقيط لحلوله زمنًا محل الابن الشرعي ولإقامته في قصر لا يحق له الإقامة فيه.

يا آل إسبرتهون، إني لا يحق لي أن أتسمى باسمكم، وإن كانت دماؤكم تجول في عروقي فسأرجع سيفكم القديم إلى من يعرف أن يتقلده، وسأرجع ثروتكم العظيمة إلى من يعرف كيف ينفقها في سبيل مجدكم.

ثم التفت إلى الطبيب وقال له: أيها الصديق القديم، إني فعلت الآن واجباتي، فهات الشراب الذي أعددته فإني أشربه بملء الارتياح ودون خوف.

فذهب بولتون إلى منضدته، فأخذ كأسًا من الفضة وأخرج من جيبه زجاجة صغيرة، فأفرغ ما كان فيها في تلك الكأس وجاء بها إلى روجر.

فأخذ روجر الكأس وهو يتبسم وشرب ما فيها جرعة واحدة وقال: ما هذه النهاية! فليحفظ الله المركيز ليونيل دي إسبرتهون من كل كيد.

ثم انقلب على سريره وقد أطبقت عيناه واصفر وجهه وبردت يداه.

وذهب بولتون ففتح الباب وخرج إلى حيث كان ليونيل وأمه فقال له بصوت يتهدج من الحزن: إن قضاء الله لا يرد يا سيدي الكولونيل؛ فأنت الآن المركيز دي إسبرتهون، وستجلس في مجلس اللوردية.

وفي اليوم التالي غصت ردهات قصر إسبرتهون بالمركبات وغصت قاعاته الرحبة باللوردية وأشراف الإنكليز؛ فإن المركيز روجر دي إسبرتهون وقائد فرسان الملك قد أدركته الوفاة.

وكانوا قد وضعوه في القاعة الكبرى، وأقبل الأشراف يودعون جثته، وكان البرنس دي غال نفسه قد حضر مع جميع بطانته، وسمعه الناس يقول حين انصرافه: إن الملك فقد بفقده أبسل قواده، وأنا فقدت خير صديق.

وبعد انصراف البرنس أقفلت أبواب القصر، فقد انتهى عرض الجثة، وعند ذلك قال الناباب عثمان لليونيل: يجب أن تخرج من هذه القاعة يا سيدي المركيز.

قال: أأترك أخي كلا … كلا.

قال: إن هذا لا بد منه، فقد دنا وضع الجثة في التابوت، وعادة الإنكليز أنهم لا يدعون أهل الميت يحضرون هذا المشهد الذريع.

فأكبَّ ليونيل على وجه روجر ليعانقه، ويغسله بدموعه فنهض عثمان وأخرجه من القاعة.

وعاد إليها، فأشار إلى الكاهن أن ينصرف، فخرج ولبث عثمان وحده أمام روجر وهو يتحقق في وجهه ويقول: إني أعددت لك مستقبلًا عظيمًا، ولكنك أبيت.

وعند ذلك فتح الباب ودخل منه الطبيب بولتون ووراءه رجلان يحملان التابوت وهما شمشون وذلك النوَري حارس مقبرة سانت جيل.

فوضع عثمان أصبعه على فمه إشارة إلى السكوت، وسأله بصوت منخفض قائلًا: أأعددت المعدات؟

قال: نعم فإن تشييع الجنازة سيكون عند هبوط الليل، وسندخل التابوت إلى مدفن العائلة وجميع حراس المقبرة من رجالنا.

– أأنت واثق من الدواء الذي أعددته؟

– نعم، ولكن لا يستطيع سواي استعماله.

– وإذا اتفق أنك مت هذه الليلة؟

– يلبث روجر ميتًا إلى أن يستفيق يوم الحشر في وادي يهوشافاط.

فارتعد عثمان وقال له الطبيب: ولكن المحني فسأبقى حيًّا إلى انتصاف الليل، وإن أبواب القبر المقفلة على المركيز روجر ستفتح فيخرج منها أميري ملك النور وهو في أتم عافية.

قال: إذن افعل فعالك، واذكر أنك ضمنت حياته.

قال: لا تخف واذهب في شأنك.

فذهب جان ونقل شمشون ورفيقه روجر إلى التابوت وأقفلاه.

فقال لهما الطبيب: اذهبا الآن إلى المقبرة ولا تبرحاها واذكرا.

فقال شمشون: اطمئن فإننا لا ننسى.

ثم انصرفا فأخرج بولتون زجاجة صغيرة من جيبه وقال: إني أرتعد حين أفتكر أن حياة روجر في هذه الزجاجة، وأني إذا مت …

ولكنه قبل أن يتم جملته اضطرب وجعل العرق البارد يسيل من وجهه؛ فإنه رأى وجه رجل قد ارتسم في مرآة كانت بجانبه ولم يدر من أين دخل فإن الباب كان مقفلًا.

أما الرجل فإنه مشى إلى بولتون وقال له: إنك أخطأت أيها الطبيب بإبعادك الخدم وأهل الميت وجان دي فرانس عنك.

فتوقع بولتون خطرًا عظيمًا وقال: السير روبرت فالدن؟

قال: نعم. أنا هو؛ فإنك اتخذت كل أسباب الاحتياط. لكنك نسيت أن تقفل بالمفتاح هذا الباب.

فوضع الطبيب يده على قبضة حسامه وجرد السير روبرت حسامه ببطء وقال: لك الخيار الآن بين أن تعطيني هذه الزجاجة وبين أن تموت؛ فإني لا أريد أن يعود روجر إلى الحياة في هذه الليلة.

وقد مشى بحسامه إلى الطبيب؛ فجرى بينهما قتال عنيف لم يكن يسمع في خلاله غير صوت أنفاسهما.

وكان بولتون يقاتله وهو يرتعد خوفًا على روجر ويقول في نفسه: إنه إذا قتلني مات روجر.

فكان هذا الخاطر يشدوه في القتال، ولكن السير روبرت كان من أشهر رجال السيف، وقد عول على قتل بولتون وكسر الزجاجة.

وفيما هما يتقاتلان صاح بولتون صيحة يأس هائلة فإن حسامه قد انكسر، وشعر برأس حسام السير روبرت على صدره وسمعه يقول: إني لست من الذين يقتلون الناس غيلة، ولكن أقسم بالله إنك إذا لم تعطني الزجاجة قتلتك دون إشفاق.

فتراجع بولتون إلى الوراء واحتمى وراء كرسي كبير وهو يقول: من لي بسيف … رباه لا تقض بموت هذا البريء.

وعند ذلك فتح الباب الذي دخل منه السير روبرت بعنف، ودخلت منه توبسي ربيبة السير روبرت وهي تحمل سيفًا؛ فأسرعت بإعطائه إلى الطبيب وهي تقول: وأنا أيضًا لا أريد أن يموت روجر؛ فقد أنقذني من الموت، وأنا أحبه.

فأخذ السيف من يدها، وعاد الاثنان إلى القتال بأشد عنف.

•••

وفي الساعة الثامنة من المساء احتفل بتشييع جنازة المركيز روجر دي إسبرتهون إلى مقبرة سانت جيل، حيث كان لأسرة إسبرتهون ضريح خاص.

وقد مشى في ذلك الموكب المهيب جميع نبلاء إنكلترا، وكان يتقدمهم اثنان مكشوفا الرأس؛ أحدهما ليونيل الذي أصبح الآن مركيزًا، والثاني أعظم نبيل بعد الملك وهو البرنس دي غال.

وكان الناباب عثمان يسير بين أعضاء نادي الحسان وهو حزين القلب كاسف البال.

ووراء الجميع الطبيب بولتون. أما السير روبرت فالدن فلم يره أحد بين جموع المشيعين.

وقد وضعوا التابوت على بلاطة عند مدخل الضريح، وجعل كل من المشيعين يقف في دوره عند التابوت فينحني وينصرف، إلى أن جاء دور الطبيب فانحنى أمامه وقال بصوت منخفض: رحمك الله يا سير روبرت فالدن.

ذلك أنه كان قد قتله ووضعه في التابوت بدلًا من روجر.

•••

وكان رجل واقفًا وراء شجرة كبيرة وهو متشح برداء كبير وقد قنع وجهه بقناع كثيف فلم يفته شيء من تفاصيل هذه الحفلة.

وقد مرَّ الناس به، فكان يراهم من وراء مكمنه ولا يرونه، فرأى ليونيل يسير وهو يشهق بالبكاء، ورأى عثمان يسير وهو مطرق الرأس، ورأى البرنس دي غال يسير وإلى جانبه الدوق دي سومنرست، وسمع هذا الدوق يقول للبرنس: هل تصدقون سموكم ما أشيع من أن المركيز دي إسبرتهون كان من النور؟

فأجابه البرنس قائلًا: لا أعلم إذا كان البرنس نوريًّا، ولكن الذي أعلمه أنه لو كان النور مثله لجعلتهم كلهم حين أصير ملكًا من الأشراف.

فقال الرجل المقنع في نفسه: إنك شرفتني أعظم تشريف، وسأخدم عرشك بدمي.

ولما انصرف الناس خرج الرجل المقنع من مكمنه، فوجد عند باب المقبرة فارسين كان أحدهما يمسك عنان جواد أدهم فترجلا عند وصوله وقدما له الجواد، ثم انحنيا بملء الاحترام وقالا له: أيها الملك، إن رعاياك ينتظرون أوامرك.

أما هذا الرجل فقد كان روجر؛ فإن بولتون كان قد رد إليه الحياة بعد أن سقاه ذلك المخدر، وبعد أن قتل السير روبرت ووضعه في نفسه فتقنع وشهد جنازة نفسه مع المشيعين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠