الفصل الأول

الطَّوتَميَّة١ عند القبائل المتوحشة الآن

  • الطَّوتم: هو لفظٌ دخل اللغات الإفرنجية في أواخر القرن الثامن عشر من لغة الأوجيبي من هنود أميركا، ويراد به كائنات تحترمها بعض القبائل المتوحشة، ويعتقد كل فرد من أفراد القبيلة بعلاقة نسب بينه وبين واحد منها يسميه طوتمه، وقد يكون الطوتم حيوانًا أو نباتًا أو غير ذلك، وهو يحمي صاحبه وصاحبه يحترمه ويقدسه أو يعبده، وإذا كان حيوانًا لا يُقدِم على قتله، أو نباتًا فلا يقطعه أو يأكله. وتختلف الطوتمية عن عبادة الحيوانات والنباتات الشائعة عند بعض تلك القبائل المعبَّر عنها بالديانة الفتشية، أن هذه عبادة صنم بصورة حيوان، وتلك تقديس نوع من أنواع الحيوان أو النبات أو عبادته.

    والطوتم بالنظر إلى مجموع القبائل ثلاث طبقات؛ أولًا طوتم القبيلة: وهو عام يشترك في احترامه كل أفرادها ويتوارثونه. ثانيًا طوتم الجنس: وهو ما يختص باحترامه أفراد أحد الجنسين الذكور أو الإناث، فيكون خاصًّا بنساء القبيلة أو برجالها. ثالثًا الطوتم الشخصي: وهو ما يختص باحترامه الفرد الواحد ولا يرثه أبناؤه. والأول أحراها بالاعتبار، وعليه نجعل مدار كلامنا.

  • طوتم القبيلة: هو حيوان أو نبات أو شيء آخَر يشترك في تقديسه أو عبادته أفراد قبيلة من القبائل ويتسمون باسمه، ويعتقدون أنه جدهم الأعلى، وأنهم من دم واحد مرتبطون بعهود متبادلة ترجع إلى ذلك الطوتم، وله عندهم اعتباران: أحدهما ديني والآخَر اجتماعي، فالديني يراد به ما بين الرجل وطوتمه من العلاقة المتبادلة؛ الرجل يحترم الطوتم والطوتم يحميه ويحفظه. وأما الاجتماعي فهو الحقوق المتبادلة بين أفراد تلك القبيلة التي يجمعها اسم ذلك الطوتم بالنظر إلى القبائل الأخرى المنسوبة إلى طوتمات أخرى، وقد يختلف الاعتباران في كثيرٍ من الأحوال.

فالطوتم من الوجهة الدينية يُعتبر أبًا للقبيلة وأنها من نسله، ولكل قبيلة حديث خرافي عن طوتمها يتناقلونه أبًا عن جد، يغلب أن يكون مداره على كيفية انتقاله من الحيوانية أو النباتية إلى الإنسانية؛ فمن قبائل الأيروكوا من هنود أميركا قبيلة تُعرَف بقبيلة السلحفاة، يعتقد أهلها أنهم متسلسلون من سلحفاة سمينة استثقلت صدفتها فألقتها عن ظهرها، ثم تحوَّلت إلى إنسان أولد أولادًا. ومنهم قبيلة الحلزون (البزاقة) يعتقدون أنهم متسلسلون من الحلزون وأنثى الجند بادستر؛ وذلك أن حلزونًا ذكرًا خلع صدفته ونبت له يدان ورجلان ورأس، وتحوَّل إلى رجل طويل القامة جميل الصورة، فتزوَّج أنثى الجند بادستر وأولدها هذه القبيلة. وقِسْ على ذلك قبائل تُنسَب إلى البط أو الأوز أو غيرهما من الطيور المائية. وفي سينغمبيا قبائل تنتسب إلى: وحيد القرن، وفرس البحر، أو إلى العقرب، أو الثعبان؛ فكلٌّ من هذه الحيوانات يُعَدُّ طوتمًا للقبيلة التي تُسمَّى باسمه، وهي تحترمه وتقدسه فلا تؤذيه ولا تقتله، فقبيلة البط مثلًا لا تؤذي هذا الطير ولا تقتله إلا إذا عضَّ أحدها الجوع، فيأكل البطة وهو يأسف ويستغفر، وكذلك إذا كان الطوتم نباتًا، فإنهم يحترمونه ويتجنبون أن يدوسوه أو يأكلوه، فمَن كان طوتمه الذرة مثلًا فأَكْلُها محرَّمٌ عليه، وإذا كان الطوتم شجرة حرَّموا إحراق عيدانها.

ولا يقتصر احترامهم الطوتم على تحريم أكله أو أذيته، فإن بعضهم يحرِّم لمسه أو النظر إليه؛ فقبيلة الأيل من قبائل الأوهاما لا تأكل لحم الأيل ولا تمس أيلًا ذكرًا، وقبيلة رأس الغزال لا تمس جلد غزال قطُّ. وقد يحرِّمون التلفُّظ باسم الطوتم، فإذا اضطروا إلى ذكره عمدوا إلى الكناية أو الإشارة، فمن هنود الدولاورس في أميركا قبيلة تُنسَب إلى الذئب، وأخرى إلى السلحفاة، وأخرى إلى ديك الحبش، فإذا اضطروا إلى ذِكْر أحدها كنُّوا عن الأول بالقَدَم المستديرة، وعن الثاني بالساحف، وعن الثالث بغير الماضغ، والقبائل المذكورة تُعرَف بهذه الكنايات.

وإذا مات حيوان من نوع طوتم القبيلة احتفل أهلها بدفنه، وحزنوا عليه حزنهم على واحدٍ منهم، فقبيلة البومة في ساموا إذا وجد أحد رجالها بومة ميتة، فإنه يقعد إلى جانبها ويأخذ في الندب والبكاء، ويضرب جبينه بالحجارة حتى يدميه، ثم يكفن البومة ويحملها إلى المدفن كأنها بعض أفراد القبيلة. ويعتقدون أن مَن أهان الطوتم أو أساء إليه يصاب بالمصائب، ويختلف اعتقادهم ذلك باختلاف القبائل أو البلاد؛ فبعضهم يعتقدون أن مَن يأكل طوتمه تصبح نساء قبيلته عواقر، وغيرهم يعتقدون أنهم يصابون بالأمراض أو النكبات أو نحو ذلك، ويتوهم آخَرون أن آكِل طوتمه يُجازَى بالموت بأن يقيم الطوتم في بدنه ولا يزال يأكل منه حتى يموت.

ويؤمنون من الجهة الأخرى أن الطوتم لا يؤذي صاحبه، فالذين طوتمهم الحية مثلًا لا يخافون لسعها، وعندهم أن الحية لا تلسعهم، وكذلك قبائل العقرب في سينغمبيا، فهم على ثقة أن العقرب السامة تمر على جسم أحدهم ولا تؤذيه. وقِسْ على ذلك قبائل الذئاب ونحوها، وكثيرًا ما يمتحنون بذلك قرابة مَن يدَّعِي انتسابه إلى أحدها، فمَن زعم أنه من قبيلة الثعبان أطلقوا عليه الثعبان، فإذا لسعه قالوا أنه مُدَّعٍ كاذب، وعلى هذا المبدأ ينبذون كلَّ مَن لا يراعي الطوتم جانبه ويتجنب أذيته.

على أنهم لا يكتفون من الطوتم أن يكف أذاه عن أصحابه أو عباده، ولكنهم يتوقعون أن يُحسِن إليهم ويدافِع عنهم؛ فتعتقد قبيلة الذئاب أن الذئاب تدافع عنها في ساحة القتال، ويتوهم أكثر أصحاب الطوتمية أن الطوتم ينذر أصحابه بالخطر قبل وقوعه بعلامات أو رموز على نحو ما يُعبَّر عنه بالفأل أو الطيرة.

ومما يتقرَّبون به إلى الطوتم ابتغاءَ رضاه وحمايته أن يتشبهوا به، فيقلِّدونه بشكله ومظهره ويلبسون جلده أو قسمًا من جلده، أو يتخذون جزءًا منه يعلقونه في أعناقهم أو أذرعهم على نحو التعاويذ في الأمم الأخرى، فلا يخلو فرد من تعويذة تدل على علاقته بطوتمه.

ومن عاداتهم الدالة على اعتبارهم أنفسهم من نسل الطوتم ما يجرونه من الاحتفال عند الولادة أو الزواج أو الوفاة ونحوها من الأحوال؛ فقبيلة الغزال الأحمر مثلًا إذا وُلِد لهم طفل نقشوا ظهره بالحمرة، وإذا كان من قبيلة الذئب صاحت الولائد عند وضعه «قد وُلِد لنا ذئب صغير»، ويخيطون بقميص الطفل قطعة من عين الذئب أو قلبه. وإذا تزوَّج واحد من قبيلة الكلب الأحمر في جاوى دهنوا العروسين برماد عظام كلب أحمر، وقِسْ على ذلك سائر القبائل بما ينتسبون إليه من أنواع الطوتم، ويحتفلون نحو هذه الاحتفالات عند الوفاة أو الزواج.

أما الطوتم الجنسي فيراد به اختصاص ذكور القبيلة أو إناثها بطوتم خاص، فبعض القبائل في أستراليا لذكورها طوتم ولإناثها طوتم آخَر، وكلاهما غير طوتم القبيلة، وكذلك الطوتم الشخصي فإن الرجل قد يكون له طوتم خاص به غير طوتم القبيلة وغير الطوتم الجنسي.

أما طوتم القبيلة من الوجهة الاجتماعية فيراد به تعاقُد أهل القبيلة فيما بينها باعتبار علاقتها بالقبائل الأخرى، فأهل الطوتم الواحد يُعدُّون إخوة وأخوات يتعاونون في السراء والضراء، بروابط هي أشد مما بين أفراد العائلة الواحدة اليوم؛ فيتزوج الرجل بامرأة من غير قبيلته وطوتم غير طوتمه، وربما نشأ الأولاد على طوتم آخَر، فإذا انتشبت حرب تعاون أهل الطوتم الواحد على أصحاب الطوتم الآخَر؛ فينفصل الرجل عن زوجته، والولد عن أبيه أو أمه.

ومن شروط الطوتمية أن رجال الطوتم الواحد لا يتزوجون نساء من قبيلتهم، ولا النساء برجال منها، وهو ما يعبِّر عنه علماء العمران بالزواج الخارجي (Exogamy)، ويعتقد أصحاب الطوتم أن التزاوج في نفس القبيلة مضر بالصحة حتى ينخر العظام، ويعاقِبون مَن يُقدِم عليه بالموت أو العذاب الأليم؛ ولذلك فهم يتخذون نساء من القبائل الأخرى بالغزو أو المراضاة أو نحو ذلك، والأولاد يرثون على الغالب طوتم أمهاتهم، فكأن النسب يتصل بينهم بالأمهات وليس بالآباء كما هو المعهود بيننا.

وقد تتفرع القبيلة إلى بطون وأفخاذ تُنسَب إلى آباء من الحيوان أو النبات بينها نسبة تفرعية، مثل تفرُّع الحيوان إلى الأنواع وما تحتها من الفصائل والتباينات، أو بعلاقة أخرى بين طوتم القبيلة وطوتمات الفروع، كأن يكون طوتم القبيلة حيوانًا وطوتم فرعها نباتًا يأكله ذلك الحيوان مما لا سبيل إلى بسطه.

والطوتمية منتشرة الآن في العالم المتوحش، فهي عامة بين قبائل أستراليا، وكثيرة الانتشار في شمالي أميركا وفي بناما، والطوتم الشائع هناك «الببغاء»، ولا تخلو أميركا الجنوبية من آثار الطوتمية على حدود كولمبيا وفنزويلا وفي جيانيا وبيرو، وللطوتمية شأن كبير في أفريقيا، فإنها شائعة في سينغمبيا وبين قبائل البقالي على خط الاستواء، وعلى شاطئ الذهب الإشانتي، وبين الدامارية والبكوانية في جنوبي أفريقيا، وفي أماكن كثيرة من تلك القارة المظلمة، ولها آثار في مداغسكر وبعض جزر ملقا، أما في آسيا فلها أثر في أواسط الهند بين بعض قبائل البنغال غير الآريين، وفي سيبيريا وبعض جهات الصين وجزائر المحيط. وأكثر هذه القبائل أدخلها العلماء في الطوتمية بالقياس التمثيلي؛ لأنها تقدِّس بعض الحيوانات أو النباتات وإن لم تَتَسَمَّ بأسمائها.

الخلاصة

فالطوتمية تُلخَّص فيما يأتي:
  • (١)

    أنها شائعة الآن بين أكثر الأمم إعراقًا في الوحشية.

  • (٢)

    أن قوامها اتخاذ القبيلة حيوانًا أو نباتًا أو شيئًا آخَر من الكائنات المحسوسة أبًا لها تعتقد أنها متسلسلة منه وتتسمَّى باسمه.

  • (٣)

    أن كل قبيلة تقدِّس طوتمها أو تعبده.

  • (٤)

    تعتقد كل قبيلة أن طوتمها يحميها ويدافع عنها، أو هو على الأقل لا يؤذيها وإن كان الأذى طبعه.

  • (٥)

    الزواج ممنوع بين أهل الطوتم الواحد، وأساس التناسل عندهم التزوُّج ببناتٍ من أصحاب الطوتمات الأخرى (الإكسوجامي).

  • (٦)

    إن الأبوَّة ضائعة عندهم، ومرجع النسب إلى الأم.

  • (٧)

    لا عبرة عندهم بالعائلة، وإنما القرابة تنتهي إلى الطوتم، وأهل الطوتم الواحد إخوة وأخوات يجمعهم دم واحد.

  • أصل هذا المذهب: ومذهب الطوتمية بالنظر إلى نظام الاجتماع حديث، أول مَن قاله الدكتور مكلينان الباحث الاجتماعي الإنكليزي المتوفَّى سنة ١٨٨١، فإنه ألَّف في هذا الموضوع كتابه الزواج عند القدماء (Primitive Marriage)، ونشره للمرة الأولى سنة ١٨٦٥، ثم كتب كتبًا كثيرة في هذا الموضوع وما يتفرع عنه، نشر فيها أصل مذهبه والقواعد التي بنى عليها رأيه في الطوتمية. ولم يكد ينشر رأيه حتى تصدَّى علماء الاجتماع لانتقاده، وفي مقدمتهم الفيلسوف سبنسر والسير جون لبك العالم الاجتماعي الشهير، ولا سيما الأول، فإنه أفاض في نقد هذا المذهب بكتابه «أصول العمران» وكتاب «أصول التمدن» وغيرهما مما لا شأن لنا به، وإنما ننظر الآن في الأمر من حيث ما يهمنا، ونغض الطرف عن صحة هذا المذهب أو فساده، ونبحث في ما أراده الأستاذ روبرتسن سميث من تطبيقه على العرب قبل الإسلام.
  • رأي سميث في طوتمية العرب: يرى سميث أن العرب كانوا في أقدم أزمانهم ينتسبون إلى آباء من الحيوانات أو النباتات، كانوا يعبدونها أو يقدسونها ويتسمون بأسمائها، وكان شأنهم في الزواج والأمومة وغيرها مثل شأن القبائل المتوحشة في أستراليا وأميركا وإفريقيا، وإن المشهور من انتساب العرب إلى إسماعيل وقحطان من آباء التوراة، وتسلسل القبائل على الصورة المعروفة إنما هو حادث وضعه أهل الأغراض في زمن حديث لا يتجاوز القرن الأول للهجرة، مبنيًّا على ديوان الإمام عمر بن الخطاب من حيث حقوق المسلمين في العطاء بالنظر إلى القبائل وأنسابها (صفحة ٦ من كتابه).

    ولتأييد هذا الرأي بدأ أولًا بإثبات الأمومة عند العرب، فقال إن العرب في الزمن القديم لم يكن عندهم عائلة رئيسها الأب، ولا كانت الأنساب تتصل بالآباء، بل كان الزواج عندهم نحو ما هو في بلاد تيبت اليوم، ويُعرَف بالزواج التيبتي؛ وذلك أن المرأة تتزوج برجلين فأكثر، وأولادها لا ينتسبون لأحدهم، وإنما ينتسبون إلى القبيلة ويسمون بطوتمها كما تقدَّمَ. فعمد أولًا إلى إيراد الأدلة على إثبات الأمومة وشيوعها عند العرب القدماء، ولما ظَنَّ نفسه أثبتها عمد إلى إثبات الطوتمية، فبذل قصارى جهده في استخراج الأدلة والشواهد مما سنفصله ونبيِّن وجه الخطأ فيه.

١  Totemism.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١