الفصل الثالث

الأمومة عند العرب

(١) الأمومة على الإجمال

الأمومة: الانتساب إلى الأم، ويراد بها انتساب أهل القبيلة أو الأمَّة إلى أمهاتهم بدلًا من آبائهم، فيقال فلان بن فلانة، كما يقال في الأبوة فلان بن فلان، والأمومة من الأبحاث التي حدثت في أواسط القرن الماضي بعد شيوع مذهب الارتقاء، وأول مَن استلفت الأنظار إليها عالم ألماني اسمه باخوفن في كتاب نشره سنة ١٨٦١؛ فاهتمَّ به علماء العمران لاختلافه عما تعوَّدوه من نظام العائلة المألوف، ومرجع بحثه أن الأمومة سابقة في تاريخ العائلة للأبوة، فعنده أن الزواج كان عند الأقدمين فوضويًّا بلا شرط، وهو زواج المشاركة، فإذا ولدت بعض النساء غلامًا لا يمكن تعيين والده وهو ملازِم أمه للرضاع؛ فينتسب إليها ويُعرَف بها، فيصير الانتساب إلى الأمهات قاعدة عامة؛ فأصبح للمرأة المقام الأول في الهيئة الاجتماعية، وهي صاحبة النفوذ كما هو حال الرجل اليوم.

ثم ظهر كتاب مكلينان الإنكليزي في الزواج عند القدماء (Primitive Marriage) نشره سنة ١٨٦٥، فذهب في الأمومة مذهبًا جعل أساسه الزواج الخارجي، أيْ تزوُّج الرجال ببنات من غير قبيلتهم بالغزو، لقلة البنات عندهم بالوأد (على زعمه)، فنشأ عن ذلك في اعتقاده زيادة عدد الرجال؛ فاضطر كل جماعة منهم إلى الاكتفاء بامرأة واحدة وهو تعدد الأزواج، وانحصر النسب في الأم وعلت منزلتها. وهو قول ضعيف الإسناد متناقض المعنى؛ كيف يمكن حفظ النسب بالأمهات وكل منهن مجلوبة من الخارج ولها نسب خاص؟ على أن مذهب مكلينان في أصل العائلة ما لبث أن سقط بما كتبه فيه المنتقدون، وخصوصًا مورجن العالم الأميركاني صاحب كتاب نظام الاجتماع عند القدماء، فقد برهن أن الزواج الداخلي لا ينافي الأمومة، وكتب في الأمومة ونظام العائلة غير واحد من علماء الاجتماع الألمان والفرنساويين والإنكليز والروس وغيرهم، مثل: باجيهوت، ودارغون، وأميرا، وويلكن، وستارك، وبريد، وجيرو، وسميث، ووستر مارك، وغيرهم مما يطول بنا تعداده، فنكتفي بآخِر مَن خاض هذا العُبَاب الأستاذ ويلكن المستشرق في كلية ليدن، فإنه وضع كتابًا في الأمومة عند العرب على الخصوص، كتبه بعد مطالعة كتاب الأستاذ روبرتسن سميث في طوتمية العرب، فوافقه من وجوه وانتقده من وجوه، ولكنه يرى رأيه في أن الأمومة كانت سائدة عند العرب قبل الإسلام، وأن الأنساب التي يتناقل العرب أخبارها موضوعة، واستشهد بقول نولدكي المستشرق الألماني الشهير في هذا الشأن، وخلاصة قوله أن الأنساب العربية وضعها ابن الكلبي وغيره بعد الإسلام لفَّقوها تلفيقًا،١ وهو قول قد بيَّنَّا بُعْده عن الإمكان وستأتي تتمة الكلام.

ولو أردنا الإتيان على أقوال الباحثين في هذا الموضوع، لضاق بنا المقام فنتقدم إلى النظر في أدلة سميث التي نحن في صددها ومَن قال قوله.

(٢) أدلتهم على أمومة العرب

ليس في أدلة سميث ولا غيره على الأمومة عند العرب قول صريح أو دليل ثابت، وإنما هي قرائن أو إشارات لو ثبتت أمومة العرب، لكانت مؤيدة لها لا أن تكون هي وحدها دليلًا عليها؛ فانتساب بعض القبائل أو البطون أو العشائر إلى أمهاتهم، وتأنيث أسماء القبائل، واشتقاق لفظ الأمة من الأم، وإطلاق لفظ الخال على أهل الأم جميعًا، وامتلاك بعض النساء عصمتهن بالطلاق، وغير ذلك مما عوَّل عليه صاحبنا في إثبات قوله على ما سنبيِّنه؛ فهذه كلها إذا فرضنا ثبوتها لا يجوز اتخاذها دليلًا على أن العرب كانوا ينتسبون إلى أمهاتهم، أو أن أساس العائلة عندهم المرأة؛ لأن وجود هذه الأحوال في جاهلية العرب لا ينافي انتسابهم إلى آبائهم، بل هي تُعَدُّ من قبيل الشواذ، أو أنها وقعت على سبيل الاتفاق، ولو جاز لنا أن نجعل الشواذ قواعد، لفسدت أحكامنا وضللنا في أقوالنا وعقائدنا. فالثابت منذ قرون عديدة أن العرب وغيرهم من الشعوب السامية كان نظام الاجتماع عندهم كما هو الآن، أيْ إن الرجل رأس العائلة، وهو سيدها، ويؤيِّد ذلك لفظ «البعل» للزوج والسيد جميعًا. ناهيك بشهادة التوراة، فإنها مع قِدَم عهدها لم يَرِد في نص من نصوصها فقرة تشير إلى الأمومة أو تدل على وجودها، أو أثر شيوعها عند الساميين أو غيرهم، ولو على سبيل النقد أو النهي أو الإصلاح، ولا ورد شيء من ذلك في القرآن، ولا شوهد منقوشًا على الآثار في مملكة من ممالك الشرق قديمًا ولا حديثًا، بل كل ما جاءنا من هذه السبيل يؤكد سيادة الأبوة عند الساميين. ولو افترضنا وجودها لاقتضى أن يكون ذلك قبل أسفار موسى بمدة لا نعلم مقدارها؛ لأن هذه الأسفار لما كُتِبَتْ لم يكن للأمومة أثر على الإطلاق، بل ينبغي أن تكون قد أمحت آثارها قبل موسى بعدة قرون؛ لأن شريعة حمورابي التي اكتشفوا نصها مؤخرًا دُوِّنَتْ نحو القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد،٢ وكل ما جاء فيها عن الزواج والطلاق ونحوهما يدل على أن نظام العائلة كان في عصر حمورابي نحو ما هو عليه الآن؛ الرجل رب العائلة. وليس في نص من نصوص شريعته أو موادها لفظ أو عبارة أو قرينة تدل على وجود الأمومة تصريحًا ولا تلميحًا، ولا اطَّلَعْنا على ذكر الأمومة أو الإشارة إليها في كتاب من الكتب القديمة المتصلة بالخرافات مع ما تتضمنه من أقاصيص الآلهة ونحوها، ولا اكتشف المستكشفون على نقش من نقوش الأطلال فيه أقل إشارة إلى ذلك؛ فكيف يجوز القول بوجودها والاستناد في إثباتها إلى بعض القرائن الضعيفة؟!

(٣) قول استرابون

والظاهر أن القائلين بالأمومة عند العرب نبَّههم إليها ما طالعوه في كتب السياح عن وجود زواج المشاركة عند بعض القبائل المتوحشة بين هنود أميركا وأستراليا وفي تيبت ونحوها، وأن العرب الجاهلية كان عندهم نوع من هذا الزواج؛ فذهبوا إلى شيوعها قبل الإسلام، وخصوصًا بعد أن قرءوا ما قاله الرحَّالة استرابون عن الزواج عند العرب في عصره، أيْ نحو القرن الأول قبل الميلاد، فقد جاء في الكتاب السادس عشر من رحلته ما ترجمته:
والزواج عندهم مشترك بين الإخوة، فللإخوة جميعًا امرأة واحدة، والذي يدخل منهم إليها أولًا يترك عصاه بالباب، وأما الليل فهو خاص بأكبرهم، وقد يأتون أمهاتهم، والزناة يُعاقَبون بالقتل، وهم الذين يتزوجون من غير قبيلتهم.٣
فقد يتبادر إلى ذهن المطالع لأول وهلة أن هذه الفقرة تؤيد الأمومة، وليس الأمر كذلك؛ لأن هذه القصة إنما تشير إلى اشتراك الإخوة في الزواج بامرأة واحدة وليس أهل العشيرة جميعًا، فهي تدل على وجود العائلة واستقلالها مما يخالف شروط الأمومة، وتشير أيضًا إلى تحريم الزواج الخارجي، وهو من أُسُس الأمومة عند أصحابنا. ويقول استرابون إن العرب كانوا يعاقبون مرتكبه بالقتل.

وهَبْ أن نص هذه الحكاية لا يخالف ما يريدونه بالأمومة، فتكون الأمومة شائعة عند العرب حوالي تاريخ الميلاد، وقد تقدَّم قول الأستاذ سميث إن العرب والعبران والآراميين كانوا في أقدم أزمانهم عائشين معًا في جزيرة العرب، ثم خرج العبرانيون والآراميون وظل العرب مكانهم، وبيَّنَّا قبلًا أن العبرانيين لا ذِكْر لهذا الزواج عندهم على الإطلاق، ولا سمعنا بمثله عند الآراميين، وإغفال حمورابي ذكره في نصوص شريعته يدل على أنه لم يكن معروفًا في عصره بين النهرين أو ما يجاورهما، فكيف نصدق وجوده عند العرب نحو تاريخ الميلاد؟! فالأرجح عندنا أن يكون استرابون قد شاهد حادثة من هذا النوع عند بعض الناس فأطلقها على سائر العرب، أو سمعها من بعض الرواة فصدَّقها لغرابتها فأوردها على علاتها، كما يفعل كثيرون من أمثاله الذين يرحلون إلى بلاد الشرق، فيعوِّلون في وصف أهله وعاداتهم على ما يلقيه إليهم بعض التراجمة أو عابري السبيل بما فيه من المبالغة أو الاختلاق، وهم أرغب في نشر الغريب استجلابًا لإعجاب قرَّائهم، كما حدث في الأجيال الوسطى وما بعدها على إثر انتشار الإسلام.

ومع اشتغال الإفرنج بنقل العلم عن الكتب العربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، واختلاطهم بالمسلمين في قرطبة وطليطلة وغيرهما، فقد ظلوا يجهلون تهجئة اسم النبي، فيكتبونه تارة مفمت Mophomet، وآونة بفمت Bophomet، وحينًا بافون Bafon، وكانوا يظنون محمدًا صنمًا يعبده المسلمون. حتى يولوجيوس أحد كهنة قرطبة العلماء مع مخالطته المسلمين في تلك العاصمة، فقد كتب عن الإسلام مفتريات لا أصل لها في كتبهم ولا في تعاليمهم، كقوله مثلًا إن النبي أعلن أصحابه أن الملائكة ستحمله إلى السماء بعد موته بثلاثة أيام. زعم أنه نقل ذلك من مسودات لاتينية عثر عليها في بمبلونة؛ فقِسْ عليه ما قد يختلقه غير العارفين كما حدث ويحدث كل يوم إلى عهد غير بعيد، حتى الذين يقيمون بين أظهرنا أعوامًا فقد ينقلون عنَّا الأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان، وربما رأوا حادثة غريبة ارتكبها بعض الناس عن جهل أو اتفاق، فيعدُّونها من القواعد المرعية عند سائر أفراد الأمة، وبين يدينا رحلات عديدة كُتِبَت ونُشِرَت في أثناء القرنين الماضيين عن سوريا ومصر، وفيها من المفتريات ما لا أصل له إلا في ذهن الكاتب أو مُلَقِّنه، ولولا انتشار الطباعة وخروج الناس إلى نور العلم وتصحيح تلك المفتريات؛ لرسخ في أذهان أهل الغرب أن الشرقي يكدن امرأته للحراثة، وأنه يزرع القوارما (اللحم المقلي) وهو يعتقد أنه سيستغل خرفانًا، ويزرع الفحم ليستغل عبيدًا؛ فكيف في عصر استرابون منذ نيف وتسعة عشر قرنًا وهو يكتب عن قوم لا يعرف لسانهم ولا أقام بينهم؟! ويؤيد ذلك أن تتمة قوله في هذا الموضوع تدل على أنه أورده على سبيل الحكاية، ولم يغفل الإشارة إلى ضعف إسناده بقوله يزعمون (on dit)؛ فلا عبرة فيما ذكره استرابون بالنظر إلى الأمومة، وهو بظاهره أصرح أدلة صاحب طوتمية العرب، وأما سائر أدلته فإنما هي قرائن ضعيفة لا يصح الاعتماد عليها، وحتى لا يقال إننا لم ننصفه نأتي بتلك الأدلة وننظر في كلٍّ منها على حدة، وهي:

الانتساب إلى الأمهات (صفحة ٢٧ و٣٠ من كتابه)

كقولهم بنو خندف وبنمو ظاعنة، وكلاهما اسم امرأة نُسِبت القبيلة إليها، ولو نقبنا بين المئات من أسماء القبائل والبطون والأفخاذ ما وجدنا بينها مَن ينسب إلى أمهم إلا بضعة قليلة، فأي غرابة في ذلك وبين العائلات اليوم نحو عشرة في المئة يُنْسَبون إلى الأمهات؛ كآل ظريفة، وآل تقلا، وآل نور، وآل نائلة، وآل مارية، وقِسْ عليه أهل اللغات الأخرى، فهل يجوز الذهاب إلى أن هذه الأسماء من آثار الأمومة عند أسلافنا؟! أم نأتي على تعليلها من الطريق الأقرب، وهو أن بعض هذه العائلات نُسِبت إلى امرأة هي جدتهم العليا؛ لأن جدهم مات وهي كفلتهم وربَّتهم فعُرِفوا باسمها. وقد يكون الأب مجهولًا لحصول الحمل من السفاح مما يحدث في الجاهلية وغيرها، فيُولَد الولد لا يعرف أبوه فينسبونه إلى أمه، كما وقع لزياد ابن أبيه الصحابي الداهية، فقد كان يُعرَف بأمه سميَّة، فيقال: زياد بن سمية، ولولا استلحاق معاوية إياه بنسبه، لعُرِف أعقابه بآل سمية، ولو تقادم عهد هذه العائلة وتنوسي خبر أمها، لأضافها صاحبنا إلى أسماء أمهات القبائل وعدَّها من بقايا الأمومة.

ويكثر الانتساب إلى الأمهات على الخصوص في الأمم التي يتزوج رجالها امرأتين فأكثر، فيُولَد للرجل ولدان من والدتين يسميهما باسم واحد، فيُنسَب كلٌّ منهما إلى أمه فضلًا عن انتسابه لأبيه؛ تمييزًا له عن ابن الأم الأخرى، وقد يُشتَهر بنسبته إلى أمه دون أبيه، وأمثلة ذلك كثيرة قبل الإسلام وبعده، فقد كان لعلي بن أبي طالب غير امرأة وُلِدَ له منهنَّ عدة أولاد من جملتهم ثلاثة كل منهم اسمه محمد، فنُسِب أحدهم محمد الأكبر إلى أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة؛ فسمَّاه محمد ابن الحنفية، فلو عاش هذا في الجاهلية، لعُرِف أعقابه ببني الحنفية بطن من هاشم أو من قريش، كما عُرِف بنو العدوية نسبةً إلى أمهم من قبيلة عدي.

وقد يشتهر الرجل باسم أمه، وإن لم يكن له سمي من إخوته وإنما يقع ذلك لشهرة والدته؛ فمحمد الأمين بن هارون الرشيد اشتهر بابن زبيدة، لفضل أمه على سائر أمهات الخلفاء وشهرتها، وقِسْ عليه. فهل يجوز أن تؤخذ هذه الحوادث أدلة على الأمومة؟! وزِدْ على ذلك أن القبائل العربية التي تُنْسَب إلى امرأة ترجع أخيرًا إلى النسب الأبوي وهو العام الشامل؛ فبنو ظاعنة مثلًا نُسِبُوا إلى أمهم ظاعنة، وهم ينتسبون أيضًا إلى أبيهم، فيقال لهم بنو ثعلبة بن مراد بن أُد، وبنو خندف هم أيضًا بنو إلياس بن مضر، وقد نُسِبوا إلى أمهم امرأة إلياس واسمها خندف، وبنو طهية نسبوا إلى أمهم وهم بنو سود بن مالك، وقِسْ عليه.٤

تأنيث أسماء القبائل (صفحة ٢٨)

أي إن العرب تقول: جاءت مضر، وسَطَتْ قيس … إلخ، ولا يقولون: جاء مضر، وسَطَا قيس؛ فلا ندري العلاقة بين تأنيث الاسم والأمومة، والتأنيث والتذكير في العربية لا قياس لهما، ولو صحت الأمومة لما ضرَّها أن تكون أسماء القبائل مذكَّرة، كما أن تأنيثها لا يثبت وجود الأمومة، على أن لتأنيث القبائل سببًا مبنيًّا على قاعدة من قواعد اللغة، وهو تقدير لفظ «القبيلة» قبل كل اسم، فقولنا «مضر» يراد به «قبيلة مضر»، وقولنا «قيس» يراد به «قبيلة قيس»؛ فالتأنيث للفظ القبيلة المحذوف، والحكمة في ذلك دفع الالتباس بين أن يكون المراد بالفاعل رجلًا اسمه قيس أو مضر، أو القبيلة، فإذا كان الفعل مؤنثًا انصرف الذهن إلى القبيلة، وعلى هذا المبدأ يؤنثون أسماء المدن وإن لم يكن لفظها مؤنثًا؛ فنقول: فُتِحت بغداد، وعُمِّرت مصر أو الشام، بتقدير لفظ «مدينة». ونحن نقول اليوم: رَوَتْ المقطم، وذكَرَتْ المؤيد، وقالَتْ الهلال، فنُؤَنِّث الفعل والفاعل مذكَّر لفظًا ومعنى، وإنما تُقَدَّر قبله كلمة الصحيفة أو المجلة.

التعبير عن القرابة بالبطن (صفحة ٢٨)

فيزعم أن تسمية القبيلة بالبطن يؤيد اعتماد العرب على قرابة الأم، والواقع أن البطن فرع من فروع القبيلة على سبيل التشعب كالشجرة، وإنما جعلوا أسماءها شبيهة بأسماء أجزاء البدن بالنظر إلى علاقتها بعضها ببعض أو تفرعها بعضها عن بعض؛ فالمجموع الأكبر عندهم «الحي» كناية عن الإنسان كله، ويراد به الجماعة المتنازلون بمربع، وهو ينقسم إلى «الشعوب» أي الفروع، والشعبان النصفان، كأنهم أرادوا انقسام الجسم إلى شطرين متساويين أيمن وأيسر، ويليها «القبائل» وهي قطع عظم الرأس المشعوب بعضها من بعض، ثم «العمارة» كناية عن الصدر، ثم «البطن»، وبعده «الفخذ»، وأخيرًا «الفصائل»؛ فترى استخدام البطن للقبيلة أو بعض فروعها لا علاقة له بالأمومة، وإنما هو فرع من فروع النسب لما يقابله من أعضاء الجسد. وإذا عدلنا عن هذا التعليل واعتبرنا كل اسم مستقلًّا، وقبلنا التعليل الذي تبادر إلى ذهن حضرته؛ لاقتضى أن يدلوا بالبطن على العائلة التي هي من بطن واحد، ولكنهم يريدون به القبيل المؤلَّف من عائلات.

اشتقاق لفظ الأمة من الأم

وهو عنده دليل على أن الأصل في النسب الأم؛ وخصوصًا لأن الأم في العبرانية تدل على القبيلة أو الجماعة (صفحة ٢٨)، ولكن هذا التعبير إنما هو من قبيل المجاز مما لا يُخفى على العارف بأساليب اللغة العربية، كقولهم: أم القرى، وأم المدائن، والأمهات للعناصر، وعندهم الأم الأصل؛ فأم كل شيء أصله وعماده، وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أم لها. والأصل في هذه المعاني اتباع الأطفال أمهم؛ لأنها هي المُكلَّفة بتربيتهم في طفولتهم، فيتبعونها وينقادون لأمرها لا لأنها أصل النسب؛ ولهذا السبب قالوا أم الكتاب أصله، وأم القرى مكة، وأم الدنيا مصر لكثرة أهلها. وأما اشتقاق الأمة من الأم فيُعلَّل بنفس هذه الكيفية لاستعارة الأمومة للرئاسة، أو من التوليد لظهور ذلك في النساء دون الرجال؛ لأن المرأة تضع النسل وهي تتولى الحضانة والتربية، فإذا ذكرنا الولادة سبق إلى أذهاننا الأم؛ ولذلك غاب التعبير عن القرابة بعضو التوليد بالنساء كالبطن أو الرحم، وليس لأن الأم أصل القرابة. ولو تتبعت معاني ما يقابل لفظ الأمة في سائر اللغات، لرأيت لها نفس هذا المعنى؛ فلفظ Nation في اللغات الإفرنجية معناه الأمة، وهو مُشتق من فعل في اللاتينية بمعنى «ولد»، والإنكليز يقولون Motherland ويريدون بها وطن الأبوين، مع أن اللفظ يقتضي أن تكون وطن الأم فقط؛ فعلى تعليل صاحبنا تكون هذه اللفظة دليلًا على شيوع الأمومة عند الإنكليز الآن!

الخال والعم والكنة

وذلك أن لفظ «الخال» بالعربية لا يُراد به أخو الأم على الخصوص، ولكنه يُطْلَق على كل رجل من أهلها، وكذلك لفظ «العم»، وأن هذه اللفظة أصل معناها «الشعب»، وذلك هو مؤداها في العبرانية إلى الآن؛ وعليه فلا تكون عند العرب عائلة خصوصية (صفحة ٢٥٨)، وإنما الولد يكون ابن الجماعة أو القبيلة على ما تقتضيه الأمومة أو الطوتمية. وهو قول غريب إذا صح الاعتماد عليه تشوَّشت أحكامنا في أنساب الإنكليز والفرنساويين وغيرهم؛ لأنك ترى عندهم نفس هذا الإطلاق أو الاشتراك، فلفظ Cousin في ألسنتهم يدلُّ على كل قرابة عصبية أبعد من الإخوة؛ فهو ابن العم، وابنة العم، وابن العمة، وابنة العمة، وابن الخال، وابنة الخال، وابن الخالة، وابنة الخالة، وابن ابن العم، وابن ابن الخال إلخ … مما لا مثيل له في العربية. والأصل فيه ابن الخالة؛ لأنه منحوت من Consobrinus في اللاتينية أي ابن أخت الأم؛ فهل يفيدنا إطلاقه على كل الأقرباء أن الأصل في القرابة الأم؟! وقِسْ على ذلك لفظ Uncle في الإنكليزية وما يقابلها في اللغات الإفرنجية الأخرى؛ فإنها تدل على العم أو الخال وأصلها Avunculus في اللاتينية، ومعناها الخال ثم أُطلِقت على العم، والحقيقة أن لا عبرة في هذا الاختلاف بالنظر إلى الأمومة، فإن اللغات تختلف في طرق الدلالة بما لا قياس له، وخصوصًا من حيث درجات القرابة، ففي بعض اللغات لفظٌ يدل على قرابة لا يُعبَّر عنها في لغة أخرى إلا بعدة ألفاظ، فالصهر في العربية لا يمكن التعبير عنه في اللغة الإنكليزية إلا بثلاثة ألفاظ Brother-in-law، وكذلك الحمو فهو عندهم Father-in-law، والجَدُّ يُعبَّر عنه في اللغة الإنكليزية بلفظين Grand father، وكذلك حفيد Grand son، وبعكس ذلك لفظ Nephew في الإنكليزية، فلا يمكن التعبير عنه في العربية إلا بلفظين: ابن الأخ، أو ابن الأخت، ومثلها Niece بنت الأخ أو بنت الأخت؛ فدلالة كل من هذين اللفظين على أولاد الأخ والأخت معًا قد يتخذها أصحاب رأي الأمومة من جملة الأدلة عليها!

ولفظ «الكَنَّة» في العربية يُرَاد به في اللغات السامية الكَنَّة والزوجة على السواء؛ فاستدل صاحبنا بذلك على أن الرجل كان يتزوج كَنَّته (أي امرأة ابنه أو امرأة أخيه)، فلا رابط للزواج بين الرجل وامرأته (صفحة ١٣٦)، والجواب على ذلك يدخل في ما تقدم بيانه من اختلاف معاني الألفاظ توسعًا ومجازًا. ومثلها لفظ «صهر» يراد بها زوج بنت الرجل وزوج أخته، ويراد بالصهر أيضًا القرابة على العموم، والأصهار أهل بيت المرأة، ومنهم مَن يجعل الصهر من الأحماء والأختين جميعًا، فهل يصح الاعتماد على مثل هذا التوسع في إثبات مبدأ أو رأي؟!

زواج المتعة

وهو الزواج الوَقْتَي، أيْ أن يَعقد الرجل على امرأة عقد زواج إلى أجل مسمَّى، فمتى انقضى الأجل بطل الزواج، فيرى صاحبنا أن هذا الزواج كان شائعًا عند ظهور الإسلام، وهو يحسبه يؤيد رأيه في الأمومة، وهي تقتضي إباحة نساء القبيلة لأهل القبيلة بلا عقد ولا شرط، والمتعة لا تكون بدون عقد فهي تناقِض ما أراد إثباته، فالمتعة ضرب من ضروب الزواج التي كانت شائعة في الجاهلية وكلها تنفي الأمومة؛ لأن الرجل فيها صاحب السيادة وصاحب العصمة.

الوأد

يرى صاحب طوتمية العرب أن شيوع الوأد في الجاهلية قلَّل البنات؛ فاضطروا إلى الاشتراك في النساء، فكان يشترك عدة رجال في امرأة واحدة يستولدونها، ويكون الانتساب إليها (صفحة ٣٠). وقد بالغ بعض الباحثين في مسألة الوأد، وتوهَّموها عادةً شائعةً في بلاد العرب كلها، والناقد يرى أنها كانت منحصرة في مكان معين وزمان معين تحت أحوال مخصوصة، وإلا فلا يعقل أن يعمد الناس إلى دفن بناتهم، ثم يضطرون إلى المشاركة في الأزواج وفي طاقتهم أن يتخلصوا من ذلك الضيق. وقد ذهب بعضهم إلى أن العرب كانوا يئدون بناتهم خوف الفقر، وهم في حلٍّ من هذا الفقر لو استبقوهن على قلة البنات؛ لما يجدون من إقبال الأزواج عليهن بالمهر والهديا. وقال آخرون إنهم كانوا يئدونهن خوف العار، وإذا صحت الأمومة لم يكن ثمت عار يخافه الآباء، وخوفهم العار على بناتهم دلالة على الغيرة، وهي لا تكون في زواج المشاركة، وفي الحالين فإن دليله في الوأد ساقط.

العصمة في يد المرأة

وقد اتَّخَذَ امتلاك بعض نساء الجاهلية عصمتهن في الزواج والطلاق دليلًا على سيادة الأمومة، وأن المرأة هي رئيسة العائلة؛ فما أغرب هذا الاستنتاج! وما أنقص هذا الاستقراء! إن المرأة في الجاهلية لم تكن عصمتها في يدها إلا في أحوال مخصوصة وحوادث نادرة، فهل نجعل الشاذ قاعدة نبني عليه، والنادر قياسًا نقيس به؟! وأما القاعدة في زواجهم فهي أن تكون العصمة في يد الرجل، وهَبْ أنها في يد المرأة، فلا تكون إلا بعقد مقيد بشروط وقوانين، وليس على سبيل الإباحة والاشتراك كما يريدون بالأمومة. وقِسْ على ذلك سائر أدلته لإثبات الأمومة، فإن مرجعها إلى تأويل الألفاظ، أو الاعتماد على الاستقراء الناقص كقوله (صفحة ١١٨) إن الأب معناه المُرَبِّي، وكاستخراجه الحي من حواء (صفحة ١٧٧)، وذكره القرابة بالرضاعة أو المؤاكلة (صفحة ١٤٨)، وتأويل لفظ آحاب إلى أخ أب، ونحو ذلك مما يُقاس في رده بما قدَّمناه.

(٤) الخلاصة

فالقول بشيوع الأمومة في العرب الجاهلية لا يُستطاع إثباته بالقرائن الضعيفة؛ لأن اليقين لا يزال بالشك، إلا إذا جاز الاعتماد على الشاذ النادر وإغفال القواعد العامة، فقد رأيت في شروط الأمومة أن يكون الزواج من الخارج بالغزو أو السبي؛ لأن بنات القبيلة في زعمهم تقلُّ بالوأد أو بغيره، وأن تكون المرأة زوجًا لعدة رجال معًا وأولادها ينسبون إليها؛ فلم نفهم كيف يكون الزواج بالغزو؟ وكيف يمكن الرجوع بالأنساب في القبيلة الواحدة إلى الأم؟ ولماذا تقل البنات حتى تضطر القبيلة أن تغزو غيرها للحصول على النساء؟ والقاعدة الطبيعية في تاريخ الإنسان بأدواره الأولى أن يكون النساء أكثر من الرجال؛ لتعرُّض هؤلاء للقتل ونحوه بالغزو والسطو، والأولى أن يكثر النساء حتى يتزوج الرجل عدة منهن. على أن الحصول على النساء بالغزو يبعث على الرجوع إلى النسب الأبوي؛ لأن الآباء يبقون في القبيلة، ويشبه ذلك ما كان من كثرة السبايا والجواري في صدر الإسلام؛ فإنهن تكاثرن حتى اختص الرجل بعشرة أو عشرات منهن، وظل النسب في الرجال، ولا يمكن غير ذلك كما يظهر للمتأمل، ولو فُرِض أن النساء يحاربن القبائل للحصول على الأزواج بالسبي، لكان ذلك أقرب إلى حفظ النسب فيهن، أي الانتساب إليهن أو إلى قبيلتهن.

فالقول بتسلُّط الأمومة على الإجمال يفتقر إلى إثبات أو تعديل؛ لأن وجودها على هذه الكيفية غير معقول، ولا يوافق قواعد العمران، أو هو لا يوافقها على الأقل عند العرب؛ لأن القاعدة في الزواج عندهم وعند سائر الساميين أن تكون داخل القبيلة، وإذا جنح أحدهم إلى الخارج فلسبب طارئ. هذا هو حالهم في أقدم ما نعلمه من أخبارهم في التوراة وغيرها، والعربي يُسمِّي امرأته ابنة عمه وإن لم تكن كذلك؛ لأن الغالب في الزواج عندهم أن يكون بين أبناء العم على تفاوت درجات العمومة، واليهود أكثر الأمم محافَظَةً على أنسابهم، ويمنعون الزواج من غير قبائلهم، ويعاقبون مَن يخرج عن ذلك عقابًا صارمًا، وإذا تزوَّج إسرائيلي بغير إسرائيلية فزواجه سفاح، ويسمون المولود من ذلك الزواج «نغلا»، كما يسميه العرب «هجينًا» أيْ لئيمًا، فكيف نزعم مع ذلك أن العرب القدماء كانوا يتزوجون من الخارج بالغزو؟! وإذا فرضنا أنهم كانوا كذلك، فمتى انتقل الزواج إلى الداخل؟ وكيف انتقلت الأمومة إلى الأبوة أو البعولة ومتى؟ كلها مسائل مهمة لا يمكن الجواب عليها، وأصحاب مذهب الأمومة أنفسهم يعترفون بعجزهم عن ذلك، فما أغنانا عن الذهاب إليه. ومَن يطالع تاريخ الزواج من أول أحوال العمران إلى الآن لا يرى فيه إلا ما ينقض الأمومة.

١  Zeitsch. Der Deutch. Morg. Gest. Bd. XVII. 707.
٢  الهلال سنة ١٣.
٣  Strabon, Trad, A. Tordien, Livre XVI. 25.
٤  المعارف لابن قتيبة: ٢٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١