الفصل الرابع

الطوتمية عند العرب

وإذا نُقِضَ القول بالأمومة عند العرب نُقِضَ معه القول بالطوتمية عندهم؛ لأنها أساسها وأول شروطها، ومع ذلك فإننا ننظر في أدلة صاحبنا من حيث الطوتمية على حدة، فنذكر شروط الطوتم كما فسَّره هو، ثم ننظر في تطبيقها على أحوال العرب.

فالطوتمية يُشْتَرط فيها «إن يتفق أهل القبيلة الواحدة على حيوان أو نبات أو كائن آخَر، يعتقدون أنه جدهم الأعلى، يتسمون باسمه، ويعبدونه أو يقدسونه»، فهل ينطبق ذلك على أحوال العرب الجاهلية انطباقًا كليًّا أو جزئيًّا؟ ولكي ينجلي الموضوع ويتضح البرهان نحل القضية إلى أجزائها الأصلية، وعليه فالطوتمية تقتضي:
  • أولًا: أن يتفق أهل القبيلة على حيوان أو نبات يعتقدون أنه جدهم الأعلى.
  • ثانيًا: أن يتسموا باسمه أو ينتسبوا إليه.
  • ثالثًا: أن يعبدوه أو يُقدِّسوه.

ولا تثبت الطوتمية ما لم تجتمع هذه المقدمات الثلاث عند العرب، ولكنك إذا بحثت في أخبارهم قديمها وحديثها من الخرافات والحقائق، الثابت منها وغير الثابت، وفيما رواه غير العرب عن أحوالهم القديمة في كتب اليونان والرومان فضلًا عن التوراة، وما قُرِئ من أخبارهم على آثار آشور، وآثار ثمود، وآثار اليمن وحضرموت؛ ما توفَّقت إلى العثور على ما يشير إلى وجودها. وإذا درست أحوال العرب الآن في الصحاري والمدن والأودية والجبال، لا تجد بينهم قبيلة ولا بطنًا ولا رجلًا يعتقد أنه متسلسل من أسد أو ثور أو ثعلب، أو جميزة أو وردة. ومهما أجهدت نفسك في التنقيب والمراجعة والتأويل، فإنك لا تجد أثرًا لهذا الاعتقاد على الإطلاق ولو على سبيل الخرافة، أو في معرض التكذيب أو الطعن. فالمقدمة الأولى سقطت.

أما الثانية، فبعضها صحيح أيْ إن بعض القبائل تسمى بأسماء الحيوانات كبني أسد وبني النمر وبني كلب ونحوها، ولكنها لا تعتقد أن أولئك الأجداد حيوانات، بل هي تعدهم أناسًا لهم أنساب متصلة بالآباء الأولين.

والمقدمة الثالثة، ظاهرها صحيح وباطنها فاسد؛ لأن بعض قبائل العرب كانت تعبد آلهة على شكل الحيوانات مثل عبادة سائر الأمم الوثنية القديمة في مصر وآشور وفينيقية، ممَّن كانوا يعبدون أصنامًا يمثلون بها القوى العلوية، لا أنها تعبد حيوانًا خاصًّا تقدسه وتجتنب أذيته، وتعتقد أنه جدها كما يفعل أصحاب الطوتم؛ فبنو أسد مثلًا يتسمون باسم الأسد، ولكنهم لا يعتقدون أنه جدهم، ولا يقدسون الأسد أو يعبدونه، وإذا عرض لهم الأسد قتلوه، وقد يكون معبودهم من الحيوانات بشكل نسر أو فرس أو غيرهما من الأصنام الحيوانية. وشرط الطوتمية إنما هو أن يعتقد بنو أسد أن الأسد جدُّهم، وأن يقدسوا كل أسد أو يعبدوه أيْ لا يؤذوه، وبنو ثور يجب أن يعتقدوا أن الثور جدُّهم، وأن يعبدوا الثيران أو يقدسوها ولا يذبحوها أو يؤذوها، وبنو جراد حقهم أن يعتقدوا تسلسلهم من الجراد ويقدسوه، ولا يأكلوه كما رأيت في ما تقدَّم من شروط الطوتمية عند الأمم المتوحشة الأمم. ولا يَكْفِي أن تُسمَّى القبيلة باسم الثور مثلًا وتقدس الجراد، أو تتسمى باسم الأسد وتقدِّس الفرس، ولو فرض واتفق لقبيلة أن تسمى بحيوانٍ وتقدسه أو تعبده، فليست من الطوتمية في شيء؛ لأن الشرط الأول أن تعتقد تسلسلها عنه، وهذه الشروط الثلاثة لم يتفق وجودها في قبيلة من قبائل العرب، ولا في بطن من بطونها، ولا في فصيلة، ولا فرد من أفرادها، ولو على سبيل الخرافة أو الأكذوبة. حتى اجتماع الشرطين الأخيرين فإنه متعذر؛ إذ ليس بين قبائل العرب قبيلة تسمى باسم حيوان وتعبده، ولا يكفي أن تعبد صنمًا بشكل ذلك الحيوان، بل الشرط أن تقدِّس جنس هذا الحيوان وتتجنب أذيته، كما كان المصريون يقدسون الهر أو الجعلان، والعرب لا يقدسون حيوانًا إلا نادرًا وفي أحوال مخصوصة. على أن صاحبنا لم يتفق له — مع ما أجهد نفسه وتوسَّع في برهانه من التأويل والتفسير — أن يأتي بدليل على أن قبيلة من القبائل المسماة بأسماء حيوانية كانت تعبد صنمًا بشكل الحيوان الذي تتسمى به، وإن كان توفُّقه إلى ذلك لا ينفعه شيئًا؛ لأن المطلوب أن القبيلة التي تتسمَّى باسم حيوان يجب أن تقدس جنس ذلك الحيوان لا صنمًا بشكله.

فمذهب الطوتمية عند العرب ساقط بسقوط الأمومة، ثم هو ساقط أيضًا لبُعْد أحوال العرب عن شروط الطوتمية كما رأيت، ومع ذلك فلا ينبغي لنا الإغضاء عن الأدلة التي اعتمد عليها صاحب طوتمية العرب في إثبات هذا الرأي، وسبب ذهابه إليه مع غرابته فنقول …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١