القردة

في مسرح الحيوانات في لندن قرد من طائفة الشمبانزي هو أقرب القرود إلى البشر، أصله من شواطئ أفريقيا الغربية على مسافة ٢٠٠ ميل في أعالي نهر النيجر، ظفر به أحد خدمة البواخر في أثناء مرورها هناك، فحمله إلى إنكلترا، وسنه الآن نحو سبع سنوات، وهو قوي البنية، ربع القامة، إذا رفع يديه بلغ طول قامته أربعة أقدام، ووزنه ٥٦ رطلًا، ويظهر من متانة تركيبه أنه قد يعيش أربعين سنة إلا إذا غلب عليه الإقليم. وهو يمتاز عن سائر القردة بنباهته وسهولة تعلمه واقتداره على التقليد، فلا يراك تصنع شيئًا إلا حاول أن يعمله، فألبسوه ثوبًا من أثواب الأحداث، وجعلوا يعاملونه كما يعاملونهم، فأصبح يتناول طعامه على المائدة بالشوكة والسكين والملعقة، ويشرب من الكأس ويدخن التبغ بالسيكار أو بالغليون، ويشعل غليونه بيده، ويستخدم القلم بأنامله كما يفعل الكُتاب، ويركب عجلة البيسيكل ويزيتها بيده ويسير بها أميالًا، ويحب لعب الكرة (فوتبول)، وإذا ركب في قطار حديدي وغشى زجاج النوافذ بخار من شدة البرد استخرج منديل أحد الركاب ومسح به الزجاج؛ ليرسل بصره إلى الخارج «يتمتع بمناظر الطبيعة».

ولما جاءوا به إلى إنكلترا دفعوه إلى المستروب دبسبوري، وهو من أهل الاختبار الواسع في تدريب القردة، فقال: إن هذا الشمبانزي يمتاز عن سائر أفراد طائفته بحبه للعمل وسرعة انتباهه وخفة حركته، وقد تعلم الضرب بالمعول وهو يحسن استخدامه، فإذا خلا من العمل، وكان منشرح الصدر راق له النظر إلى المرآة كما يفعل الأحداث، وهو كثير الميل إلى ملاعبة الأولاد والسيدات، وقد يطاردهم وبيده قضيب، لكنه لا يصيب أحدًا بأذى كأنه يفرق بين الجد واللعب، وهو يميز بين نظرتي الغضب والرضى، فإذا انتهره أحد صاح صياح الأطفال ونفر، وإذا ابتسم له اقترب منه واستأنس به، وهو يمشط شعره ويفرشه ويغسل وجهه ويديه ورجليه بالماء والصابون، يفعل كل ذلك بنفسه كما يفعله الآدميون، وإذا تُرك على شاطئ البحر تشاغل برمي الحصى فيه، وهو يترفع عن مرافقة القردة ويكره القطط، ولكنه يحب الكلاب، وطعامه الموز واللبن والكوكو، وقد عينوا له رجلًا يخدمه ويلاعبه وعليه لباس أهل المجون.

(١) القرد «إمبراطور»

ذكرنا أن قردًا من نوع الشمبانزي في المتحف البريطاني قلنا إنه أرقى القردة، وأقربها إلى الإنسان، ووقفنا الآن على خبر قرد أكثر غرابة من ذاك، وهو من جنس الشمبانزي أيضًا اشتراه بعض الأميركان عن ظهر باخرة كانت راسية في نيويورك منذ بضعة أشهر وعمره ثلاث سنوات وأدخله في عائلته وسماه «إمبراطور» وجعله لعبة لطفلة له اختصت بملاعبته.

ونظرًا لما آنسه فيه من الذكاء والتعقل أخذ في تعليمه وتثقيفه، فنبغ نبوغًا لم يعهد مثله في غير الآدميين، وساعده على ذلك معاشرة الطفلة التي ذكرناها، فأخذ يقلدها بكل حركاتها حتى انتصاب القامة والمشي على القدمين، فأصبح يمشي مثلها ويأكل مثلها فيجلس على المائدة ويتناول طعامه بالشوكة والسكينة، ويمشط شعره بالمشط والفرشاة أمام المرآة، ويلبس ثياب الأطفال، ويلاعب صاحبته ويداعبها فيختطف مثلًا لعبة من لعبها، فإذا رآها غضبت أعادها إليها واسترضاها، على أنه قلما يحتاج إلى توبيخ أو قصاص لدماثة أخلاقه، ولين عريكته كأنه يعلم ما يغيظ رفيقته، وهو يحبها ولا يريد أذيتها فيبذل جهده في إرضائها.

يفهم اللغة الإنكليزية فقط، فإذا طلبت إليه أمرًا فعله، وإذا أعجزه إجابة طلبك صوَّت كأنه يخاطبك بلسان لا تفهمه، وإن يكن صوته غتميًّا، وإذا أبطأ في تنفيذ أمرك فلا يحتاج في تحريضه على الطاعة إلى أكثر من رفع الصوت قليلًا.

وأحسن ساعات «الإمبراطور» ما يقضيه منها مع رفيقته الطفلة، فهو عند ذلك طفل مثلها يحبها محبة حقيقية، ويحن إليها، وربما عبث بها فاختطف لعبتها، فإذا رآها غضبت أعادها إليها وربت لها وقبَّلها، وإذا بكت مسح دموعها بيديه أو تناول منديله الصغير من جيبه ومسح به عينيها، تعلم ذلك من والدتها لأنه رآها مرة تفعل ذلك فقلدها به. وهو يتناول الشاي معها بأدب وترتيب لا يقل عما يفعله طفل آدمي في مثل سنه، إذا كان جائعًا قد يسبقها إلى قطع الخبز، ولكنه لا يلبث أن يلتقط السكر بالملقط الخاص بذلك ويضعه بجانب فنجانها وينظر إليها كأنه يقول لها: «إلى كم قطعة تحتاجين يا عزيزتي» وكثيرًا ما يأخذ بعض الحلوى من صحنه، فيضعه في صحنها، وهو يصوت وحركاته تدل على أنه يبالغ في إكرامها.

ومن ألطف أوقاته ساعة اللعب بالكرة مع صاحبته، وألطف منها تحاسدهما على لعبة يتسابقان إليها، واتفق مرة أنه رأى في يدها لعبة من الكاوتشوك بشكل جندي ملون الثياب، وكانت تبخل عليه بملاعبتها، فكان يستغفلها إذا أدارت ظهرها ويعبث باللعبة كأنه يحاول آذيتها، فإذا التفتت إليه ترك اللعبة وتظاهر بالهدوء والسكينة.

وهو كبير الأذنين بارزهما على زاوية قائمة، كبير الفم متسع الشفة العليا، أفطس الأنف كثيرًا عيناه براقتان تدلان على الذكاء وحب الاستطلاع، فإذا نظر إليك حسبته يتفحص ملامحك أو يتفرس فيك لأمر رابه منك، وإذا سلمت عليه مد يده إليك وسلم كما يسلم الأطفال الخرس، وإذا لاعبه زائر استأنس به، وأخذ بمداعبته بذكاء وفطنة، كأنه لا يكتفي بما يرضى به سائر العجماوات من الملذات البدنية فيقلد الإنسان بالتماس الملاذ الأدبية أو المعنوية.

وذكر مكاتب جريدة الجورنال الأميركانية في باريس أنه ذهب لمقابلة «جلالة الإمبراطور» مقابلة صحافية (انترفيو)، فوجده نائمًا لا عن كسل، ولكن الطفولة تتطلب النوم الطويل، فاضطر للانتظار ريثما يفيق الإمبراطور، فلم يمضِ زمن قصير حتى أفاق من رقاده، وجعل يتثاءب ويتمطى ويفرك عينيه ثم نهض إلى (غرفة التواليت) وأخذ في تمشيط شعره والمرآة أمامه يصلح من شأنه عليها، وإنما يسوءه الاستحمام لا رغبة عن النظافة، ولكنه يكره الماء البارد فلا يطيل حمامه، فنهض سريعًا وتنشف وعمد إلى الفرشاة بيمناه والمرآة بيسراه وأصلح شعره ثم أتوه بالثياب ففرح لرؤيتها فرحًا عظيمًا كما يفعل الأطفال في مثل هذه الحال، قال الكاتب: «وبعد أن فرغ من اللبس أتوه بالطعام، فشرب فنجان اللبن بسرعة، وأقبل على صحن التفاح فأخذ السكين وجعل يقطع التفاحة أربع قطع ويأكلها قطعة قطعة بعد أن يقسمها بالشوكة والسكينة بترتيب ونظافة، ثم تناوله صاحبه وجعل يلاعبه وأخذوا يتناقلونه من يد إلى أخرى، وكنت قد أعددت آلة التصوير الفوتوغرافية لأصوره، فلما رآها بيدي وسمع طقطقتها استلفت صوتها انتباهه، لكنه لم يرعبه، وقد أتعبني في إيقافه هادئًا ريثما أصوره، ولا غرو فإن ذلك شأن الأطفال من بني الإنسان أيضًا، فصورته على أشكال شتى واقفًا والقبعة على رأسه، وجالسًا والمرآة بيده، وصورته وبين يديه كتاب يقلب صفحاته يتفرج على ما فيه من الصور؛ لأنه كان يلتذ بذلك كثيرًا فلما هممت بالخروج أشرت إليه إشارة الوداع فوقف، وأشار بيديه معًا كأنه يقول مع السلامة.»

فإذا كان هذا ذكاء «الإمبراطور» وهو في الثالثة من عمره، ولم يعاشر الإنسان ويقلده إلا بضعة أشهر، فكيف إذا بلغ العاشرة وهو يتعلم ويتثقف؟

(٢) جوجو «إنسان رأسه كرأس الكلب»

من عجائب الخلق رجل اسمه جوجو؛ وجده بعض الصياد مع أبيه في غابة كوستروما في أواسط روسيا، ثم انتقل جوجو في المدن مع بعض الذين يتعيشون بعرض الغرائب. وفي سنة ١٨٨٤ حملوه إلى إنكلترا وهو الآن في ليفربول عند رجل اسمه رينولدس مشهور بعرض أمثال هذه الغرائب، وجوجو الآن في السادس والعشرين من العمر، وهو كثير الشبه برأس الكلب بشعره وتقاطيعه، أما قامته فطولها خمسة أقدام، يكسو وجهه شعر حريري الملمس، أسمر اللون، مسترسل على وجهه نحو ثلاثة قراريط إلى ثمانية بحيث يظهر للرائي بمظهر بعض أنواع الكلاب الكثيرة الشعر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١