دروب الكشف العلمي

سوف أروي في الصفحات التالية تاريخ عدد من الاكتشافات؛ بهدف توضيح أن دروب الكشف العلمي قد تكون ملتوية ومليئة بالتعرجات، وفي الغالب لا يمكن التنبؤ بها. فالكشف العلمي قد يكون انعكاسًا لحدث ما، أو واضحًا يسهل اكتشافه سريعًا، وقد يكون أيضًا ثمرة لصدفة بحتة أو نتيجة للحظة تنوير مفاجئة وما يتبعها من شعور باليقين، وقد ينتج أيضًا عن بعض الأخطاء. لقد أضفتُ أيضًا تاريخًا لعدد من الاكتشافات بدت لي، لسبب أو لآخر، ذات أهمية كبيرة، على الرغم من كونها لا توضح أقوالي. سوف نرى من خلال هذا الكتاب، أن عددًا من الروايات يتشابك ليبين مدى تأثير مجال ما على الآخر.

وعندما يقوم العلماء برواية تاريخ اكتشافاتهم بأنفسهم، يترك لهم حرية الحديث. فلا شيء على الإطلاق يساوي قيمة سماع القصة من مصدرها الأول.

كما أضفت، في الروايات التالية، بطريقة مباشرة، بعض بيانات عن السيرة الذاتية لبعض العلماء. وإلى جانب ذلك قمت في الفصل الثالث بإدراج سيرة ذاتية موجزة لأهم المكتشفين. وللاستدلال على العلماء المدرجة أسماؤهم في ذلك الفصل، أضفتُ علامة النجمة () بعد الاسم.

ولقد حاولت، بالقدر المستطاع، في كل مجال من المجالات العلمية، عرض الأحداث بالتسلسل التاريخي للكشف العلمي الأساسي. بيد أن ذلك لم يكن دائمًا ممكنًا لكون بعض الروايات تمتد زمنيًّا وتضع في المشهد عددًا كبيرًا من الأشخاص. فكل رواية يمكن قراءتها منفصلة.

(١) الرياضيات

(١-١) تربيع الدائرة

إذا أردنا الحديث عن مسألة كان يستحيل حلها، فسوف يقول الجميع إنها مسألة تربيع الدائرة. وعلى الرغم من ذلك، فقد جرى التوصل إلى حل لهذه المسألة نحو نهاية القرن التاسع عشر كما سنرى لاحقًا.

ما هو مضمون هذه المسألة؟ المقصود هو إنشاء مربع باستخدام المسطرة والفرجار فقط وتكون مساحته مساوية لمساحة دائرة ما. يصعب معرفة أول من تعرض لهذه المسألة. إلا أن البداية تنسب دائمًا إلى الفيلسوف اليوناني أناكساجوراس الكلازومني (٥٠٠ق.م–٤٢٨ق.م). ومنذ ذلك العصر، أخذت هذه المسألة تجذب انتباه علماء الرياضيات المتخصصين، كما اهتم بها كثيرًا العديدُ من الهواة المغرمين بالرياضيات. وفي الواقع، كما حدث في نظرية «فيرما»، فإن عرض المسألة في غاية البساطة، وقد نتخيل بسهولة أن حلها بسيط أيضًا، وهو ما يخالف الحقيقة في واقع الأمر.

ربما يتعين الاستعانة بكتاب كامل لذكر كم الإسهامات الخاطئة وتلك التي مهدت الطريق لحل هذه المسألة. لن أذكر إلا عددًا منها دون الدخول في تفاصيل تقنية. هذه المسألة تتعلق، بالطبع، بحساب العدد وهو حاصل قسمة محيط الدائرة على قطرها.

يبدو أن أبقراط (٤٦٠ق.م–٣٧٧ق.م) كان أول من بحث في حل هذه المسألة. فقد كان مهتمًّا بتربيع أشكال هندسية أخرى، لكنه كان يعلم جيدًا أن طريقته ستفشل بالنسبة للدائرة. وقد تعرض علماء يونانيون آخرون لكن أقل شهرة لهذه المسألة أيضًا، إلا أن أرسطو (٣٨٤ق.م–٣٢٢ق.م) لم تعجبه جهودهم.

أما الإسهام التالي، فقد جاء من قبل أرشميدس (٢٨٧ق.م–٢١٢ق.م) في كتابه عن المنحنيات. فقد بين أن مساحة الدائرة تساوي مساحة المثلث المتساوي الأضلاع، الذي تتساوى أضلاعه على الترتيب مع نصف قطر ومحيط الدائرة. إلا أن هذا الإثبات لم يكن حلًّا للمسألة. أما أبولونيوس بيرجا (٢٦٢ق.م–١٨٠ق.م) فقد استخدم، كما سنذكر لاحقًا، بعض المنحنيات من أجل تربيع الدائرة، إلا أننا لا نعرف أي نوع من المنحنيات كان المقصود بذلك. وعلى الرغم من أن هذه المنحنيات لم تكن قادرة على إثبات هذا التربيع، فإن علماء الرياضيات اليونانيين كانوا على قناعة بأن المسألة يستحيل حلها.

لنغادرِ الآن العالم القديم، ولنذهبْ إلى الهند حيث كان علم الرياضيات شديد التقدم، وكذلك في الصين حيث أبدى أحد علماء الرياضيات، ويُدعى ليو هسنج — نجل الفيلسوف ليو هسيو الذي كان على اتصال بالبيت الإمبراطوري لأسرة هان — اهتمامًا بهذه المسألة في حوالي عام ٢٥م. ومن المعروف كذلك، أن العالم العربي كانت له إسهامات عديدة في مجال الرياضيات ومن بينها مسألة تربيع الدائرة التي كانت ضمن مجالات بحوثهم. فلقد حاول الحسن بن الهيثم (٩٦٥–١٠٤٠) إقناع معاصريه أن المسألة قابلة للحل ووعد بتأليف كتاب عن هذا الموضوع. لكن نظرًا لعدم ظهور هذا الكتاب، فمن الواضح أنه أدرك عدم القدرة على التوصل إلى الحل.

وفي عام ١٠٥٠، نشر فرانكو دي لييج بحثًا عن تربيع الدائرة قام فيه بدراسة ثلاث طرق قديمة ترتكز على فرضية أن تساوي ، أو ، أو 4. ثم قدم رسمه باستخدام أي . وعلى الرغم من أن هذا العمل له أهمية تاريخية كبيرة، فإنه يبين بالأحرى مدى ارتباط التفكير والمنطق الرياضي في ذلك العصر بمثيله في العصر اليوناني القديم.

إن طريقة نيكولا دي كوسا (١٤٠١–١٤٦٤) الكاردينال الألماني الذي ولد بمدينة «تريف» التي تقع في إقليم ديوسيز بألمانيا، على الرغم من كونها طريقة خاطئة، فإنها تعد أولى المحاولات الجادة في هذا المجال. وترتكز هذه الطريقة على استخدام متوسط المضلعات المدرجة في الدائرة. وقد اكتشف عالم الفلك الألماني ريجيو مونتانوس (١٤٣٦–١٤٧٦) الذي ولد بإقليم كونيسبرج ومؤلف بحث في مجال حساب المثلثات؛ خطأً في طريقة الإثبات.

هناك عدد كبير من علماء الرياضيات في القرن السادس عشر، انكبوا على دراسة هذه المسألة، حتى إن ليوناردو دافينشي (١٤٥٢–١٥١٩) فكر في استخدام عدد من الآلات الحاسبة لحلها.

لقد ساعدت نشأة علم التفاضل والتكامل في زيادة اهتمام علماء الرياضيات بهذه المسألة. قدم جريجوار دي سان فانسان (١٥٨٤–١٦٦٧) في كتابه المنشور عام ١٦٤٧، برهانًا خاطئًا للمسألة. ثم جاء دور جيمس جريجوري (١٦٣٨–١٦٧٥) للدخول والبحث في هذه المسألة. فقد كان يريد استخدام أفكاره التي كان قد طورها حول تلاقي المتتالية غير المنتهية من أجل محاولة إثبات عدم إمكانية تربيع الدائرة. فلقد كان يريد إثبات أن العدد (ط) لا يمكن أن يكون جذرًا لدالة كثيرة الحدود ذات أكثر من معامل؛ أي إن العدد (ط) عدد متسامٍ (يسمى عددًا متساميًا كل عدد حقيقي أو عقدي لا يكون حلًّا لأي معادلة حدودية). وهذه تعد خطوة جوهرية نحو الحل؛ نظرًا لأن استخدام هذه الخاصية سوف يقودنا إلى حل المسألة. ومن جانبه، فقد كان كريستيان هوجنس (١٦٢٩–١٦٩٥) يعتقد أن عدد جبريٌّ؛ أي جذر لدالة كثيرة الحدود.
إلا أن يوهان هاينرش لامبرت (١٧٢٨–١٧٧٧) خطا خطوة ثانية في هذا المجال عندما أثبت في عام (١٧٦١) أن العدد عدد لا كسري؛ أي لا يمكن أن يأتي على هيئة كسر. إلا أن هذا الإثبات لم يكن حلًّا لمسألة تربيع الدائرة. لقد ظهر، في ذلك العصر، الكثير من الحلول الخاطئة التي قُدمت إلى أكاديمية العلوم، مما دفعها إلى اتخاذ قرار في عام (١٧٧٥) بعدم بحث أيٍّ منها. وقد كان لموضوع «تثليث الزاوية» و«الحركة الأبدية» المصير نفسه. وقد كتب كوندورس بشأن قرار أكاديمية العلوم قائلًا:

بيد أن عددًا ممن يُفْنون جزءًا من حياتهم في هذه الأبحاث غير المجدية، التي لا تأتي بثمار سوى الإضرار بثروتهم وفي أغلب الأحيان تشوِّه عقولهم، قد دفعها لاتخاذ قرار رأتْ أنه مناسب لجعلهم يَحيدون عن هذا العمل. فقد خشيت إن استمرت في بحث حلولهم، أن تتهم بتشجيعهم على الانشغال بهذه المسائل وأن تكون متورطة بطريقة أو بأخرى في المآسي التي سيتعرضون لها.

وقد اتخذت «الجمعية الملكية» بلندن القرار نفسه.

وفي عام ١٨٧٣، نجح تشارلز إرميت (١٨٢٢–١٩٠١) في إثبات تسامي العدد أو «أيلر» الذي يعد قاعدة للُّوغاريتم الطبيعي. ولهذا الغرض، استخدم نوعًا من التعميم للكسور المستمرة. كان هذا البرهان مثمرًا، غير أن بعض نقاطه كانت غامضة. لكنه كان يعلم أن تناوله للمسألة ربما يمكن تطبيقه على العدد . وفي هذا الصدد، كتب كارل فيلهلم بورتسارد (١٨١٧–١٨٨٠) قائلًا:
لن أغامر مطلقًا في البحث عن إثبات تسامي العدد . فليسعَ آخرون في الشروع في ذلك. لكن صدقني، يا صديقي العزيز، لن يكون عليهم سوى بذل القليل من الجهود.

ولدهشة إرميت وجميع أعضاء المجتمع الدولي للرياضيات، جاء الحل في عام ١٨٨٢ على يد عالم الرياضيات الألماني كارل لويس فرديناند لينرمان (١٨٥٢–١٩٣٩). وهكذا انتهى الجدل المفتوح الذي أثير منذ أكثر من ألفي عام بإجابة سلبية. وعلى الرغم من ذلك، وحتى هذه الساعة، فهناك بعض الأشخاص الذين لا يزالون يسعون لحل مسألة تربيع الدائرة.

(١-٢) يوريكا

الجميع يعرف قصة حمام أرشميدس (٢٨٧ق.م–٢١٢ق.م)، لكنني أرى من الأفضل روايتها مرة أخرى، وسأترك الحديث لماركوس فيتروفيوس بوليو الملقب بفيتروفيو، وهو مهندس معماري روماني قال في كتابه الشهير باسم «الفن المعماري»:

بين الكم الهائل من الاكتشافات الرائعة التي قام بها أرشميدس، يتعين أن نلاحظ هذا الاكتشاف الذي سوف أتحدث عنه، والذي أَثْبتَ من خلاله دقة في التفكير لا يصدقها عقل.

فعندما كان الملك هيرون يحكم مدينة سيراقوسة، أبدى رغبته، بعد أن نجح في جميع حملاته، في إهداء تاج من الذهب لآلهة أحد المعابد. واتفق مع أحد الصاغة على دفع كثير من المال لصناعة التاج، وأعطى له الذهب بالوزن. وقام الصائغ بتسليم التاج في الموعد المحدد، ووجده الملك دقيق الصنع، وعندما وزن التاج وجد أن وزنه يساوي الذهب الذي كان قد أعطاه إياه، إلا أنه عندما تم اختبار الذهب بالتاج، اكتشف أن الصائغ قد اختلس جزءًا من الذهب واستبدله بفضة بمقدار الوزن نفسه.

شعر الملك بالإهانة الشديدة لهذا الغش، ولم يجد سبيلًا لإقناع الصائغ بما قام به من سرقة، فطلب من أرشميدس التفكير في طريقة لإثبات ما وقع من سرقة. وفي يوم من الأيام، وبينما كان أرشميدس منشغلًا بالتفكير في هذه القضية، ذهب ليغتسل، فلاحظ بالصدفة أنه كلما انغمس في الماء، ارتفع منسوب المياه على جانبي المغطس. وقد أدت هذه الملاحظة لاكتشاف السبب فيما كان يبحث عنه، ودون تردد، دفعته الفرحة الغامرة بالخروج من المغطس عاريًا، يجري نحو منزله وهو يصيح باليونانية: يوريكا! يوريكا! (أي وجدتها! وجدتها!) ويقال إنه عقب هذا الاكتشاف الأول، قام بعمل كتلتين من الوزن نفسه للتاج، إحداهما من الفضة والأخرى من الذهب، أسقطهما في إناء مليء بالماء، فوجد أن كتلة الفضة كلما انغمست في الماء، تؤدي إلى خروج كمية من الماء تعادل حجم الكتلة. وبعد ذلك، عندما أخرج الكتلة من الإناء، أعاد مَلْأه بالكمية نفسها التي خرجت منه، بعد أن قاس كميتها بدقة، مما جعله يكتشف أن كمية المياه تعادل كتلة الفضة التي وضعها في الإناء. وبعد هذه التجربة، أسقط أيضًا كتلة الذهب في الإناء نفسه الممتلئ بالماء، وعقب إخراجها، قام بقياس كمية الماء التي خرجت منه، فوجد أن كتلة الذهب لم تؤدِّ إلى خروج الكمية نفسها من الماء وأن الفارق الناقص يعادل الفرق بين حجم كتلة الذهب مقارنة بحجم كتلة الفضة التي كان وزنها يعادل وزن كتلة الذهب. وبعد ذلك أعاد ملء الإناء، وفي هذه المرة، أسقط التاج الذي أدى إلى خروج كمية من الماء أكبر مما أخرجته كتلة الذهب التي كان وزنها يعادل وزن التاج، لكنها أقل من المياه التي أخرجتها كتلة الفضة. وبعد أن قام بالحساب النهائي، بموجب هذه التجارب، اكتشف أن كمية المياه التي أخرجها التاج كانت أكبر مما أخرجته كتلة الذهب، ومن ثم عرف كمية الفضة التي أدخلها الصائغ وخلطها بالذهب، وكشف بوضوح ما سرقه الصائغ من الذهب.

لقد اكتشف أرشميدس كيفية حساب حجم أي مادة أيًّا كان شكلها. وتوصل علم الطبيعة إلى طريقة عامة لحل نوعية من المسائل لم يكن علماء الرياضيات يعرفون حلها حتى ذلك الوقت.

(١-٣) حساب اللامتناهيات الصغرى (التفاضل والتكامل)

يشترك كلٌّ من إسحاق نيوتن (١٦٤٢–١٧٢٧) وجوتفريد فيلهلم لايبنتز (١٦٤٦–١٧١٦) في اكتشاف علم حساب اللامتناهيات الصغرى. وقد روى جيوم دي لوبيتال (١٦٦١–١٧٠٤) في مراسلاته كيف تم هذا الاكتشاف:
كنت أستمتع، منذ وقت طويل، بالبحث عن مجموع متتاليات الأعداد، واستعنت في ذلك بالفروق طبقًا لنظرية معروفة تنص على أنه في المتتالية التنازلية اللانهائية، يكون الحد الأول يساوي مجموع كل الفروق. وكان ذلك ما أوصلني إلى ما أسميته «المثلث التوافقي»، الذي يخالف المثلث الحسابي لباسكال؛ لأن باسكال كان أثبت طريقة الحصول على مجموع أعداد تخيلية تنتج بالبحث عن مجموع الأعداد ومجموع الحدود الناتجة عن متتاليات طبيعية متوافقة. أما أنا، فكنت أرى أن كسور الأعداد التخيلية هي الفروق وفروق فروق حدود المتتاليات الطبيعية المتوافقة. وبهذه الطريقة يمكن الحصول على مجموع متتاليات الكسور التخيلية مثل:
و

وعندما تعرفت على هذه الفروق الهائلة، وعندما رأيت أنه يمكن التعبير عن مخططات المنحنيات بالاستعانة بالحساب الديكارتي، وجدت أن مسألة التربيع أو إيجاد خطوط المماس ليست سوى التفاضل، وأن التربيعات ليست سوى التكامل، بشرط وضع فرضيات للفروق تكون صغيرة وغير قابلة للتقريب. وجدت أيضًا أن الفروق العظمى توجد خارج نطاق الكسور، وبهذه الطريقة يمكن إيجاد خطوط المماس دون بذل العناء في أعداد كسرية وأعداد صحيحة (لا كسرية). هذه هي قصة مصدر منهجي لعلم التفاضل.

أما بالنسبة لنيوتن، فقد استرشد بطريقة القياس الميكانيكية:
تكامل متغير الدالة هو الاسم الذي أطلقه على تلك الأعداد المتزايدة أو المتناقصة بطريقة تدريجية أو غير محددة، والتي أرمز لها أما فيما يتعلق بالسرعة التي تتلقاها هذه المتغيرات من الحركة المولدة (السرعة هي التي أسميتها مشتقات) فسوف أعبر عنها بحروف منقوطة وهي .

وهكذا نرى كيف أنَّ تَوافُقَ الأفكار يمكن أن يكون مثمرًا.

(١-٤) طريقة مونت كارلو

يصعب وضع تعريف محدد لطريقة مونت كارلو؛ لأن هذا المصطلح يشمل طرقًا حسابية متعددة. بيد أن إحدى النقاط المشتركة بين هذه الطرق الحسابية هي استخدام الظواهر العشوائية (أي التي تعتمد على الاختيار العشوائي للأعداد). وبما أن العمليات الحسابية يجب دائمًا أن تتم باستخدام الحاسوب، فإن هذه الظاهرة تتمثل، في أغلب الأحيان، في استخدام أعداد عشوائية تتبع قانون القياس الاحتمالي.

يمكن القول إن طريقة مونت كارلو هي طريقة تتمثل في الاستعاضة عن مسألة حتمية غير قابلة للحل، بمسألة بسيطة لكن ذات طبيعة عشوائية، يتم خلالها الجمع بين وسائط (القيم الثابتة) للمسألة الاحتمالية ووسائط المسألة الحتمية. ويكون حل المسألة الحتمية بطريقة تقريبية باستخدام خصائص الإحصاء الرياضي للمسألة العشوائية. ويعتمد تحديد النتيجة الحاصلة بالطبع على تحديد فرق القياس بين المسألتين.

ولا يتعين الخلط بين طريقة مونت كارلو وأنظمة المحاكاة. فالمقصود بالمحاكاة، بصفة عامة، أنها عملية توليد بسيطة وبحتة لظاهرة ما ذات طبيعة عشوائية (بينما الظاهرة تعد حتمية في طريقة مونت كارلو). فعلى سبيل المثال، تزامن عمل إشارات المرور في المدن هو نوع من المحاكاة؛ لأن تدفقات المركبات في كل شارع له طبيعة عشوائية.

وتستخدم طريقة مونت كارلو بشكل واسع النطاق لحل العديد من المسائل في الرياضيات التطبيقية، ولحل أنظمة المعادلات الخطية وحساب التكاملات المحددة وإدخال المعادلات في المشتقات الجزئية، وكذلك في علم الفيزياء لنقل الجسيمات وعلى وجه الخصوص في معادلات انتقال النيوترونات، وفي الكيمياء لدراسة دخول سائل في بيئة مسامية، وفي علم الفلك لحساب مدة حياة المذنبات، وفي علم الإلكترونيات لقياس طاقة عداد شبه الموصلات.

ويبدو، تاريخيًّا، أن أول ظهور لطريقة مونت كارلو كان طريقة «بوفون»، وكان الهدف منها هو تحديد قيمة العدد بإسقاط إبرة بطريقة عشوائية على شبكة من المتوازيات متساوية الأبعاد، على أن تكون النسبة بين عدد المرات التي قطعت فيها الإبرة إحدى هذه المتوازيات إلى العدد الكلي للتجربة تعادل قيمة . وكان «بوفون» يعتبر أن ذلك مجرد لعبة وليست مسألة رياضية. ومثلما كان السيد جوردان في مسرحية موليير «البورجوازي النبيل» يكتب نثرًا دون أن يدري، فقد كان بوفون يستخدم طريقة مونت كارلو دون وعي. ولهذا السبب لم يعترف به كمخترع لهذه الطريقة. ومع ذلك، سوف أقص عليكم هذه الرواية:

عُرف جورج لويس لوكليرك، كونت بوفون (١٧٠٧–١٧٨٨) عالميًّا بأعماله في مجال الطبيعة، ويضم كتابه «التاريخ الطبيعي» ستة وثلاثين مجلدًا، إلا أنَّ ما لا نعرفه عنه أنه أصدر أيضًا أعمالًا في علم الرياضيات؛ فقد ترجم عملًا لإسحاق نيوتن (١٦٤٢–١٧٢٧) عن طريقة التفاضل وعمل على إثرائها بكتابة تمهيد مطول، وكتب أيضًا ثلاث مذكرات ناقدة لكتاب أليكسيس كليرو (١٧١٣–١٧٦٥)، الذي كان يدعو فيه لإضافة حد تصحيحي لقانون الجاذبية العام لنيوتن. وأخيرًا، فقد نشر عملًا من ١٧٥ صفحة بعنوان «احتمالات العمر الافتراضي».

أما لعبة الإبرة فقد اقترحها في كتاب آخر بعنوان «بحث عن الحساب المعنوي» نشر عام ١٧٧٧، وتفترض إلقاء إبرة مرات عديدة على أرضية من الخشب مكونة من شرائح متوازية، ثم نقوم بحساب عدد المرات التي سقطت فيها الإبرة بين شريحتين، فقد كتب يقول:

التحليل هو الأداة الوحيدة التي استخدمت حتى يومنا هذا في علم الاحتمال من أجل تحديد وضبط نسب اختيار الأعداد العشوائية، وكان يبدو أن علم الهندسة لا يصلح كثيرًا للعمل بمثل هذه الدقة؛ إلا أنه إذا نظرنا إلى الأمر عن قرب، فسيسهل التعرف على أن ظهور مميزات استخدام التحليل في الهندسة جاء بمحض الصدفة، وأن مبدأ العشوائية بتعديلاته وشروطه يعتمد على الاثنين سواء؛ علم الهندسة والتحليل، وللتأكد من ذلك يكفي التنبه إلى أن التجارب العشوائية والمسائل التخمينية لا تسير بشكل طبيعي إلا على نسب الأعداد المنفصلة، فالعقل البشري الذي يألف الأعداد أكثر من قياس المدى الإحصائي قد فضل ذلك دائمًا، وهذه التجارب العشوائية هي الدليل على ذلك؛ لأن قوانينها عبارة عن حسابات تكرارية. وحتى تطبق الهندسة بما تخضع له من قوانين عشوائية، لا يسعنا سوى اختراع تجارب تخمينية ترتكز على قياس المدى وما يحمله من نسب، أو حساب أصغر عدد موجود من هذا النوع من الأعداد. تعد تجربة البلاط والعصي مثالًا يمكن الاستعانة به في هذا المجال: وها هي شروط هذه اللعبة وهي بسيطة للغاية …

في حجرةٍ بلاطُها مقسم إلى مربعات موصولة بخطوط متوازية، أفترض أن نقوم بإلقاء عصي في الهواء ويراهن أحد اللاعبين على أن العصي لن تسقط عبر الخطوط الفاصلة بين البلاط، ويراهن لاعب آخر، على العكس من ذلك، أن العصي ستسقط على بعض من هذه الخطوط، ويقوم بعمل قرعة بين اللاعبين لنرى أيٌّ منهما سيفوز على الآخر. ويمكن أن نقوم بهذه اللعبة على رقعة شطرنج باستخدام إبرة حياكة أو دبوس بلا رأس.

فلكي تقطع الإبرة الخطوط الفاصلة بين البلاط، يتعين من ثم تقدير الاحتمال. كما يمكننا إثبات ذلك رياضيًّا، فنجد أن هذا الاحتمال يساوي . فحساب قيمة يعد مسألة حتمية. فقد استبدل هذا الحساب بالقياس الاحتمالي الذي يعمل على حساب متوسط خصائصه الإحصائية. فإذا كان طول الإبرة ، وإذا كانت المسافة بين الشريحتين الخشبيتين هي ، وكانت بالطبع أصغر من ؛ فإن احتمال أن تقطع الإبرة الفاصل بين شرائح الخشب يساوي ولقد قام بوفون بإثبات هندسي لهذه النتيجة. هناك إثبات آخر شديد البساطة قدمه إيميل بوريل (١٨٧١–١٩٥٦)، يبدأ بملاحظة أن متوسط عدد نقط تقاطع الإبرة بشكل ما للفواصل الخشبية يتناسب مع طول للإبرة ويتناسب عكسيًّا مع عرض للألواح الخشبية. هذا العدد يتم التعبير عنه بالنسبة ؛ حيث قيمة ثابتة يجب تحديدها. لنأخذ إبرة مستديرة قطرها وطولها . فأيًّا ما كانت الطريقة التي ستسقط بها، فستقطع دائمًا لمرتين الفاصل الخشبي، وهكذا يكون . ونستنتج من ذلك أن . وفي النهاية يكون الاحتمال إذن .
ولكي نحصل على القيمة الصحيحة ﻟ ، يتعين القيام بعدد لا محدود من الرميات. إلا أنه كلما ازداد عدد الرميات، كلما اقتربنا من قيمة باحتمالية جيدة. وهكذا، في عام ١٨٥٠، قام عالم الرياضيات والفلك السويسري يوهان رودولف وولف (١٨١٦–١٨٩٣) ﺑ ٥٠٠٠ رمية بنسبة ، ووجد ٢٥٣٢ قاطعًا؛ ومن ثم يكون وتبين بعملية حسابية أنه للحصول على قيمة محددة تبلغ ١ / ١٠٠٠ باحتمال ٩٥٪، يتعين القيام بحوالي تسعة ملايين رمية.
ولم تتطور طرق مونت كارلو إلا نحو نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان اسم مونت كارلو يشير في الأصل إلى الملف السري لعملية أوفرلورد (غزو قوات الحلفاء لنورماندي في السادس من يونيو عام ١٩٤٤). وكانت هذه الطرق تستخدم في البداية من قبل عالم الطبيعة إنريكو فيرمي (١٩٠١–١٩٥٤)، وعلماء الرياضيات: ستانيسلو أولام (١٩٠٩–١٩٨٤) ونيكولاس قسطنطين متروبوليس (١٩١٥–١٩٩٩) ومارك كاك (١٩١٤–١٩٨٤)، وبصفة خاصة جون فون نيومان (١٩٠٣–١٩٥٧)، الذي كان يبحث في حساب القيم الذاتية المرتبطة بمعادلة شرودنجر وحل مسائل انتشار الجسيمات، وكما سنرى، كان أولام المخترع الأساسي لهذه الطريقة، فبينما كان يقيم في المشفى بعض الوقت، أجرى تجارب من هذا النوع.
ستانيسلو أولام عالم رياضي من أصل بولندي، هاجر إلى الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية وشارك في «لوس آلاموس» في إعداد القنبلة الذرية. وهو يعد — إلى جانب ما قدمه من أعمال ذات أهمية كبيرة في مجال الرياضيات — المخترع الحقيقي لما يسمى بطريقة مونت كارلو. فلنقرأ ما قاله عن هذا الموضوع:

لقد تولدت فكرة ما أطلق عليه فيما بعد بطريقة مونت كارلو بينما كنت ألعب السوليتير، وبالأخص أثناء فترة مرضي. فقد لاحظت أن هذه اللعبة كان من الممكن أن تكون أكثر فائدة في المجال التطبيقي؛ لأنها تتضمن فكرة احتمال إنهاء الفائز للعبة؛ نظرًا لامتلاكه عددًا أكبر من كروت اللعبة، أو القيام بتجارب باستخدام هذا الأسلوب وتسجيل فقط معدل المكسب، بدلًا من محاولة حساب جميع إمكانات الدمج وتركيب الكروت التي تكون متصاعدة أسيًّا في العدد بشكل كبير، حتى إنه لا توجد طريقة لتقديرها إلا في بعض الحالات البسيطة وفي المسائل الأكثر تعقيدًا بعض الشيء، تكون التجربة الواقعية أفضل من دراسة جميع المتتابعات للاحتمالات.

ولقد تراءت لي فكرة إمكانية تطبيق ذلك أيضًا في جميع العمليات التي تفسح المجال للتشعبات، مثل إنتاج وتكاثر النيوترونات في بعض أنواع من المواد التي تحتوي على اليورانيوم أو عناصر أخرى انشطارية. وفي كل خطوة من العملية، تظهر العديد من المشتملات المجددة لمصير النيوترون، فمن الممكن كتابة معادلات التفاضل والتكامل لمتوسطات رياضية، أما حلها أو الحصول على فكرة تقريبية لخصائص الحل، فهذه قضية أخرى.

كانت الفكرة هي تجربة آلاف من هذه الاحتمالات. وفي كل مرحلة يتم الاختيار العشوائي بواسطة عدد عشوائي باحتمال مناسب، لمصير أو لنمط الحدث الذي سيأتي في المؤخرة، بدلًا من النظر في جميع الأفرع. وبعد دراسة تاريخ آلاف فقط من الإمكانات سيتوفر لدينا عينة جديدة وإجابة تقريبية للمسألة.

هذا هو النمط التجريبي نفسه الذي يتبعه عالم الرياضيات. وبدءًا من عام ١٩٤٣، اتسع نطاق تطبيق طريقة مونت كارلو على المسائل الكبيرة، لاسيما بعد تطور الآلات الحاسبة. وكان أوائل المستخدمين لها يرون أنه بتكرار عدد كبير من المرات متسلسلات العمليات القصيرة جدًّا، ربما يمكنهم إيجاد حلول للمسائل المعقدة التي كانت تنقص المتخصصين، دون دراسة مسبقة وبتكلفة قليلة. إلا أن الواقع لم يكن بهذه البساطة والنتائج كانت، في الغالب، بعيدة جدًّا عن الحل نتيجة لعدم كفاية عدد التجارب العشوائية (ليس نادرًا أن تتضمن التجربة عدة ملايين من التجارب العشوائية). ومع بداية عام ١٩٥١، بدأت دراسة مسائل التحديد ودخلت طرق مونت كارلو في مرحلة النضج. فهي ترتكز على قواعد لعلم الإحصاء والاحتمال صلبة. ولا تزال تستخدم حتى هذه الساعة.

(١-٥) الكواتيرنيون

العدد المركب يتكون من ازدواج مجموعتين من الأعداد: المجموعة الأولى وهي الجزء الحقيقي، والمجموعة وهي الجزء التخيلي. ويتم كتابة العدد كالآتي: . حيث ، هذه الأعداد تم إدخالها بواسطة عالم الرياضيات الإيطالي رافييل بومبللي (١٥٢٦–١٥٧٢)، ويمكن تمثيل العدد كنقطة في خريطة كنقطة في إحداثي س والنقطة في إحداثي ص، وهكذا يكون للعدد المركب تمثيل هندسي على اعتبار أنه متجه يصل بين نقطة البداية حتى النقطة في الخريطة في فضاء ثنائي الأبعاد، ويرجع الفضل في هذا الإثبات إلى جون واليس في عام ١٦٨٥ (١٦١٦–١٧٠٣)، إلا أنه لم يكن يعرف كيف يمثل العمليات الحسابية على الأعداد المركبة هندسيًّا. ولهذا، فبعد قيام هنري كون (١٦٩٠–١٧٦٩) بتجربة أولى في عام ١٧٥٦، تعين الانتظار حتى عام ١٧٩٨ لحين ظهور أعمال كاسبار واسل عالم الرياضيات الدنماركي (١٧٤٥–١٨١٨)، وعلى وجه الخصوص أعمال عالم الرياضيات السويسري جان روبرت أرجان (١٧٦٨–١٨٢٢)، الذي نشر في عام ١٨٠٦ بحثًا عن طريقة تمثيل الأعداد التخيلية في الإنشاءات الهندسية. غير أن هذه الأعمال مرت مرور الكرام دون أن يلتفت إليها أحد. ولم يتم الاعتراف بالأرقام العقدية إلا عند ظهور أعمال كارل فريدريش جاوس (١٧٧٧–١٨٥٥)، ولا سيما أعمال أوجستين لويس كوشي (١٧٨٩–١٨٥٧).
بيد أنه يمكن الاعتراف بوجود الأعداد المركبة دون اللجوء إلى هذا التفسير الهندسي. ففي عام ١٨٣٧، قدم ويليام روان هاملتون (١٨٠٥–١٨٦٥) تفسيرًا للأعداد المركبة على أنها مكونة من أزواج من الأعداد الحقيقية التي تقوم عليها العمليات الحسابية العادية مثل الجمع والضرب. كان هاملتون يريد التوسع في هذه النتائج إلى متجهات الفضاء ثلاثي الأبعاد، وكان يبحث للتوصل لحساب جبري يمكن تفسيره في هذا الفضاء. يتعين إذن دراسة ثلاث مجموعات من الأعداد بدلًا من مجموعتين. لكن بجرد للخصائص التي يتعين على المجموعات الثلاث التحقق منها، لاحظ أنه يجب دراسة أربع مجموعات من الأعداد لا ثلاث. وهكذا اخترع هاملتون الكواتيرنيون في ١٦ أكتوبر عام ١٨٤٣، ونقل اكتشافه هذا على الفور إلى صديقة جون توماس جراف (١٨٠٦–١٨٧٠). وعند تقديم عملياته الجبرية في التبادلية، أسهم اكتشافه بخطوات عظيمة في تطوير علم الجبر الحديث.
لاحظ هاملتون، منذ البداية، أن هذا يعد أروع اكتشافاته العلمية، وتكهن بأنه ربما يمضي الباقي من حياته في بحث نتائج هذا الاكتشاف. من الواضح أنه كان يرى أن الكواتيرنيون ربما يلعب، في الفضاء ثلاثي الأبعاد، دورًا مناظرًا للأعداد المركبة في الخريطة. وانطلق في أبحاثه بحماسة شديدة لا أحد يمكن إنكارها. وقبل وفاته بقليل، في الثاني من سبتمبر عام ١٨٦٥، وصف اكتشافه هذا في رسالة كان قد أرسلها إلى ابنه أرشيبولد يقول فيها:
في أكتوبر عام ١٨٤٣، كنت قد عدت للتوِّ من مؤتمر الجمعية البريطانية الذي عقد في مدينة كورك بأيرلندا، وتمكنتْ مني من جديدٍ الرغبةُ في اكتشاف قوانين ضرب الأعداد الثلاثية، بالقوة والحماسة التي كانت قد خملت منذ عدة سنوات، والتي كانت على وشك أن تكلل بالنجاح وهو ما تحدثت إليك عنه أحيانًا. في كل صباح، في بداية ذلك الشهر، عندما كنت أنزل لأتناول طعام الإفطار، كان شقيقك ويليام إدوين، وأنت نفسك، تطرحان عليَّ هذا السؤال دائمًا: إذن يا أبي، هل تستطيع ضرب الأرقام الثلاثية؟ هذا السؤال الذي كنت دائمًا أضطر إلى الإجابة عنه بهزة رأس حزينة، لا، إني فقط أستطيع جمعها أو طرحها. لكن في يوم الإثنين السادس عشر للشهر نفسه، وهو يوم اجتماع الأكاديمية الملكية الأيرلندية، ذهبت لحضور الاجتماع ورئاسته، سيرًا على الأقدام، وكانت والدتكما تسير معي بمحاذاة «القناة الملكية». وعلى الرغم من أنها كانت تتحدث إليَّ بين الحين والآخر، فإنني كنت أشعر أن تيارًا فكريًّا يدور في عقلي، تمخض في النهاية عن نتيجة لا أبالغ في القول بأنني شعرت على الفور بأهميتها، تيارًا كهربائيًّا بدأ يظهر وبرزت منه شرارة، كانت فتحًا (كما لمحت على الفور) لسنوات عديدة من الأفكار والعمل في اتجاه محدد، اكتشافًا كنت سأقوم به بنفسي لو منحني الزمن هذه السنوات، أو على الأقل سيقوم به غيري إذا امتد بي العمل طويلًا لأنقل هذا الاكتشاف إلى غيري. أخرجت ودون ترددٍ مفكرةً لا تزال موجودة حتى الآن وكتبت على الفور ملحوظة. لم أستطع مقاومة الدافع، حتى وإن كان دافعًا غير فلسفي، بتناول سكين وحفر صيغة الاكتشاف بالرموز على حجر من أحجار كوبري بروجهام الذي كنا نسير تحته:

هذه هي الصيغة التي تحتوي على حل المسألة، لكن بالطبع، مثل أي كلام منقوش، تم محوها منذ زمن طويل (وبدلًا منها توجد لوحة تؤرخ للحدث). وعلى الرغم من ذلك، فلا تزال هناك ملاحظة بمحضر مجلس الأكاديمية في ذلك اليوم (١٦ أكتوبر ١٨٤٣) تذكِّر بالحدث؛ إذ إنني طلبت حينئذٍ عرض مقال عن الكواتيرنيون في أول اجتماع عام للدورة الجديدة للأكاديمية وحصلت على التصريح بذلك، وقد تمت هذه القراءة في الثالث عشر من نوفمبر التالي.

وفي عام ١٨٤٤، ظهر كتاب هيرمان جوتير جروسمان (١٨٠٩–١٨٧٧) الذي عرض فيه عملية حسابية باستخدام متجهات الفضاء على عدد مجهول الأبعاد. ويرجع إلى جروسمان الفضل في ابتكار مفهوم «الاستقلال الخطي» وكذلك تعريفات أبعاد «الفضاء الاتجاهي» و«الفضاء الاتجاهي الجزئي». وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا العمل لم يتم تقديره إلا بإعادة اكتشافه من قبل جيوسيبي بيانو (١٨٥٨–١٩٣٢).

(١-٦) الهندسة غير الإقليدية

في علم الفيزياء، هناك العديد من النظريات الجديدة، مثل نظرية النسبية أو نظرية الكم، التي ظهرت للوجود بفضل باحث يتَّسم بالجرأة الكافية والقدرة على اتخاذ القرار الفوري بِتَرك الفرضية التي بُنيت عليها النظرية القديمة بهدف تبنِّي نظرية أخرى يَبْني عليها نظريته الجديدة. هذه الحالات نجدها نادرًا في علم الرياضيات؛ حيث جميع المقترحات يتم إثباتها بناءً على غيرها، وحيث لا توجد أي نتيجة ولا أي فرضية لا ترتكز على تجربة ملموسة. كل ذلك صحيح ومؤكد، إلا أنه يوجد حالات استثنائية إحداها الهندسة التي تم تأسيسها على عدد معين من المسلمات والبديهيات غير القابلة للإثبات لكن التفكير السليم العقلاني يفرض علينا قبولها على أنها حقيقة لا تحتاج إلى إثبات. وهذا ما عبر عنه هنري بوانكاريه (١٨٥٤–١٩١٢) عندما قال:

إن كل نتيجة تفترض وجود مقدمات، هذه المقدمات نفسها، إما أنها بديهية في حد ذاتها ولا تحتاج إلى إثبات، وإما أنها لا يمكن تطبيقها إلا اعتمادًا على مقترحات أخرى، وبما أننا ربما لا يمكننا الاستمرار هكذا إلى اللانهاية، فإن كل علم، ولا سيما علم الهندسة، يجب أن يرتكز على عدد معين من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان. فجميع أبحاث الهندسة بدأت ببيان عن هذه البديهيات.

ومن بين هذه البديهيات، توجد بديهية التوازي لإقليدس التي تنص على أنه: من أي نقطة خارج مستقيم ما يمر مستقيم وحيد يوازي المستقيم المذكور.

وقد بحث العلماء كثيرًا لمحاولة إثبات هذه البديهية، حتى اليوم الذي تم فيه التأكد من أن هذا الإثبات يستحيل تحققه. وبما أن الإثبات أصبح مستحيلًا، فماذا سيحدث لو تم الاستعاضة عن بديهية التوازي هذه ببديهية أخرى تنفيها؟ هذا هو السؤال الذي طرحه بطريقة شبه متزامنة كلٌّ من كارل فريدريش جاوس (١٧٧٧–١٨٥٥) في عام ١٨٢٤، ويانوس بولياي (١٨٠٢–١٨٦٠) في عام ١٨٢٥، ونيكولاي إيفانوفيتش لوباتشفسكي (١٧٩٢–١٨٥٦) في عام ١٨٢٦. استطاع الثلاثة — انطلاقًا من بديهيات جديدة — الحصول على نظام منطقي للمقترحات دون تناقضات. وهكذا، إلى جانب الهندسة الإقليدية التقليدية، فُتح مجال لأنواع مختلفة من الهندسة غير الإقليدية.

كان هذا الاكتشاف ثوريًّا وغير متوقع وغير عادي، وحقق ثورة في عالم الرياضيات إلى درجة أن جاوس لم ينشره على الإطلاق. ففي رسالة موجهة في عام ١٩٢٩ إلى فريدريش بيسيل (١٧٨٤–١٨٤٦) كتب جاوس قائلًا: «إنني أخاف من صراخ الجهلاء.»

أما يانوس بولياي، فقد نشر النتائج التي توصل إليها في ملحق كتاب صدر لوالده وولفجانج بولياي (١٧٧٥–١٨٥٦)، الذي كان هو أيضًا عالمًا رياضيًّا ذائع الصيت. وجاءت المعارضة الوحيدة من جانب والده الذي لم يتقبل أفكاره على الإطلاق.

إلا أن الأمر كان مختلفًا مع لوباتشفسكي. فنظرًا لوضع نتائج أبحاثه تحت تصرف أكاديمية العلوم في سان بطرسبرج، صرح ميخائيل فاسيلفيتش أوستروجرادسكي (١٨٠١–١٨٦٢) قائلًا: «تُظهر هذه الدراسة، عدم الدقة إلى الحد الذي جعلها، في الجزء الأكبر منها غير مفهومة … «هذا العمل» لا يستحق اهتمام السادة أعضاء الأكاديمية.» وقد نشر أوستروجرادسكي في جريدة «ابن الوطن» مقالات بدون توقيع، قام بكتاباتها صحفي ثوري مشهور، ذكر فيها: «ربما نتساءل لماذا نكتب، لا سيما مثل تلك الخرافات.» وبالرغم من تدخل زملائه، أقيل لوباتشفسكي من منصبه في عام ١٨٤٦ كرئيس لجامعة كازان، ثم تم تجريده بعد عام من لقب أستاذ وجميع المناصب الجامعية الأخرى التي كان يشغلها.

تعين الانتظار حتى حلول عام ١٨٧٠ ومجيء عالم الرياضيات الألماني برنارد ريمان (١٨٢٦–١٨٦٦)، حتى يتم الاعتراف بالهندسة غير الإقليدية التي لعبت دورًا رئيسيًّا في تطور نظرية النسبية العامة؛ فقد كان ريمان في الواقع، يدرك تمامًا الصلة بين هذا الفرع الجديد من الهندسة وعلم الفيزياء، ومما يدل على ذلك أنه ذكر في كتابه بعنوان «الفرضيات التي تصلح أساسًا للهندسة»:

إن مسألة صلاحية تطبيق فرضيات الهندسة بالنسبة للأعداد المتناهية الصغر ترتبط بمسألة المبدأ الوثيق للعلاقات بين دوال المسافات في الفضاء … ويجب إذن؛ إما أن تكون الحقيقة التي ترتكز عليها الهندسة الفراغية مجموعة متنوعة منفصلة، وإما أن يتم البحث عن علاقات دوال المسافات خارج نطاق الهندسة الفراغية؛ أي في قوى الربط التي تعمل عليها.

إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا يمكن التوصل إليها إلا انطلاقًا من تصور للظواهر التي تم إثباتها حتى الآن بواسطة التجربة واتخذها نيوتن قاعدة، وكذلك بإضافة جميع التعديلات المتتابعة لهذا التصور التي تفرضها الحقائق التي لم يستطع هذا التصور إيجاد تفسير لها.

فيا لها من رؤية تنبُّئية!

(١-٧) توماس ستايلتج والكسور المستمرة

عندما يصعب دراسة موضوع في علم الرياضيات بالطريقة المباشرة، ربما نحاول تخمين الحل عن طريق ملاحظة بعض الحالات الخاصة. وهذا ما يطلق عليه، بطريقة أو بأخرى، الخطوات التجريبية. ثم يأتي البرهان العام في الخطوة التالية. ولقد لجأ جميع علماء الرياضيات يومًا ما إلى هذه الطريقة، وهذا شيء طبيعي. والمثال على ذلك هو عالم الرياضيات الهولندي الأصل توماس يوهانز ستايلتج (١٨٥٦–١٨٩٤) الذي تعلم في مدينة تولوز وكرس أغلب أبحاثه لدراسة الكسور المستمرة.

الكسر المستمر هو كسر يتكون المقام فيه من عدد صحيح زائد كسر. فالمقام في هذا النوع من الكسور الجديدة يكون نفسه عدد صحيح كسر آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. وللكسور المستمرة قصة يرجع تاريخها إلى البدايات الأولى لعلم الرياضيات، وكانت أهميتها جوهرية في تاريخ هذا العلم. وفهم التفاصيل الرياضية التالية ليس له أهمية كبيرة لإدراك مواقف علماء الرياضيات من الخطوات التجريبية.

ففي مراسلاته الضخمة مع شارل إرميت (١٨٢٢–١٩٠١) كتب ستايلتج في ٣ مايو عام ١٨٩٤ قائلًا:
فيما يتعلق بالكسور و ، سوف أعترف لك أنه ليست لديَّ النية لتوضيح مثل هذا الموضوع الصعب باستخدام التفكير والتخيل فقط. سوف أقوم — مثلما يفعل علماء الطبيعة — باللجوء إلى الملاحظة. لكن في الوقت الحاضر، أقوم بحسابات رقمية شاقة للبحث عن جميع الكسور المتقاربة لبعض الحالات الخاصة حتى و فقط حتى يمكنني بهذه الطريقة تكوين مادة كبيرة أستطيع أن أبدأ التطبيق عليها بشكل جاد. لا أعرف مطلقًا إن كان ذلك سيقودني إلى شيء أم لا، لكني أريد أن أعرف طريقي بوضوح.
وفي ١٣ مايو رد إرميت عليه برسالة كتب فيها:

أشعر بالسعادة لمعرفة أنك على استعداد جيد للتحول إلى عالم طبيعة من أجل ملاحظة الظواهر في عالم الحساب. عقيدتك هي عقيدتي، فأنا أعتقد أن الأعداد والوظائف التحليلية ليست نتاجًا قطعيًّا لعقلنا، إنني أرى أنها توجد خارج نطاقنا، ولها طابع الضرورة ذاته لأمور الواقع الموضوعي، وإننا نقابلها أو نكتشفها أو ندرسها مثل علماء الفيزياء والكيمياء وعلم الحيوان …

ولا يدعو هذا الموقف من جانب ستايلتج إلى الدهشة، ففي الواقع، لكي يتم تحفيز القدرة على التخيل واكتشاف قاعدة عامة، يتعين عادة رؤية المواد الرياضية التي نتعامل معها. وإحدى الطرق التي يمكن استخدامها للوصول إلى هذا الهدف هي الانخراط في الحسابات الرقمية.

إن هذه المراسلات بين إرميت وستايلتج تعد منجمًا للمعلومات لكلِّ مَن يهتم بتاريخ الفكر العلمي. وإليكم مثالًا آخر مأخوذًا من رسالة وجهها ستايلتج في ٣١ مايو عام ١٨٩٤، يبين فيها أن التناظر بين الموضوعات المختلفة يمكن أن يكون مثمرًا:

إنني مُتعَب قليلًا ولست مستعدًّا للعمل في هذه اللحظة، وما يزعجني كثيرًا هو تسلط فكرة ما عليَّ، ربما تقودنا إلى تطبيق مهمٍّ للأبحاث التي انتهيت منها بشأن الكسور المستمرة. إن الذكريات الجميلة عن بوانكاريه التي تتعلق بمعادلات التفاضل في الفيزياء الرياضية هي التي وضعتني على هذا الطريق (النشرة الأخيرة لباليرم). منذ زمن طويل كان لديَّ شعور مبهم بأن الكسور المستمرة كان وما زال لها علاقة بهذا الموضوع، وأنها كان يجب أن تتدخل فيه. والآن فإن هذا يبدو لي شديد الاحتمال، وفي الوقت نفسه، لافتًا للنظر. فالمقصود هو ببساطة أننا أنشأنا متسلسلة رياضية. لكن لكي نخرج ذلك إلى النور، ربما يتعين إخضاعها لمزيد من التفكير والدراسة، وهذا ما لا أجد لدي القدرة عليه.

وتوفي ستايلتج عقب ذلك بسبعة أشهر، في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ١٨٩٤ وكان يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا.

إن موقف علماء الرياضيات المؤيد للتجربة، يفسره إرميت في نص آخر يقول فيه:

على الرغم من ذلك، نستطيع، فيما يخص العمليات الفكرية الخاصة بعلماء الهندسة، أن نذكر هذه الملاحظة البسيطة للغاية، التي ربما يبررها تاريخ العلوم نفسه، وهي أن الملاحظة تحتل مكانًا مهمًّا وتلعب دورًا كبيرًا في هذه العمليات.

والحقيقة أن جميع فروع الرياضيات تثبت هذا التأكيد … (هناك أمثلة لاحقة تثبت ذلك).

إلا أن النتائج السابقة على الرغم من كونها لافتة للنظر وذات أهمية كبيرة، فإنها غير كافية لإعطاء فكرة تامة عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الملاحظة. فعند تحليل العمليات الخاصة ببرهان عدد ما من النظريات، ربما ندرك أهمية ذلك بشكل أفضل، مثلما سأحاول توضيحه بالمثال. وفيما يلي الافتراض الذي اخترتُه: متتالية الأعداد الأولية غير منتهية (أي تلك التي تقبل فقط القسمة على نفسها والعدد الصحيح). نبدأ بالبرهان بفرض أنه يوجد عدد منتهٍ ومحدد. لكن عندما نحصل على الناتج وعند إضافة عدد صحيح، نحصل على عدد جديد أَوليٍّ في الفرضية المسلم بها، ويكون أكبر من الأرقام السابقة، ومن هنا ينتج ضرورة رفض الفرضية لكونها تؤدي إلى نتيجة متناقضة. إن النقطة الأساسية هنا تتمثل بالطبع في تصور هذا الناتج من جميع الأعداد الأولية المسلم بها، التي يتم إضافة عدد صحيح إليها. وسوف نتفق، بسهولة، على أن هذه الملحوظة ليست نتاج التفكير وحده، لكن يجب أن نعترف بأنها ثمرة الملاحظة لأمر في غاية البساطة يتعلق بالقاسم من الأعداد، وهو أمر مكتسب وسبق استخدامه في التفكير ويخدم نقطة الارتكاز التي تصل بنا إلى البرهان.

(١-٨) قياس المجموعات

اشتهر عالم الرياضيات الفرنسي إيميل بوريل (١٨٧١–١٩٥٦) لعدة أسباب. والأبحاث محل الاهتمام هنا هي التي تقودنا إلى تعريف مفهوم قياس المجموعة. فمن المعروف أن هنري ليبيج (١٨٧٥–١٩٤١) قد اعتمد على هذا المفهوم لبناء تعريفه لعلم التكامل. ولقد روى بوريل قصة بدايات اكتشافه هذا. وسوف نرى، في هذا أيضًا، دور الخطوات التجريبية:

عندما انتهيت من دراستي في كلية التربية العليا بباريس عام ١٨٩٢، كانت نظرية الدالة التحليلية أحد المجالات العلمية التي ظهرت فيها اكتشافات مهمة وكبيرة في العقود الماضية، لكنها كانت لا تزال تحتاج إلى مزيد من العمل والدراسة. ولقد جذبني هذا المجال، لا سيما دراسة تأثير النقاط المفردة على خصائص الدالة. إن التمثيل الهندسي للمتغير التخيلي الذي ينطلق من نقطة ما في الخريطة كان معروفًا منذ وقت طويل، وكانت المسائل المطروحة تتمثل في شكل هندسي وجبري في آن واحد، وهذا المزيج، في عملية البحث للمناهج الهندسية والجبرية كان يستهويني بشدة. ومن أجل محاولة تقديم فكرة عن طبيعة هذه المسائل التي كانت مطروحة أمامي — حتى لمن لا يألفون التفكير الرياضي — فسوف أقوم بتبسيطها مع الاكتفاء بتصور مجموعات النقاط على خريطة.

وهذا هو المثال التناظري في الفيزياء:

لنتخيل مسطرة من الخشب أو المعدن طولها متر نرسم عليها أقسامًا عشرية، وبهذه الطريقة نكون قد رسمنا الديسيمتر والسنتيمتر والملِّيمتر. لكن عمليًّا، لا يمكن على الإطلاق الذهاب إلى أبعد من ذلك، وربما يتعين الاستعانة ببعض الأجهزة الأكثر دقة للتوصل إلى رسم خطوط أكثر تحديدًا يفصل ما بينها أعشار الملِّيمتر. إلا أن عالم الرياضيات لا ينزعج دائمًا من مثل هذه الأمور العملية غير المتوقعة؛ فتعميم طريقة ما استطاع الرياضي القيام بأولى خطواتها، يعد بالنسبة له عملية طبيعية. وهكذا يمكنه في الحقيقة تصور الأشياء دون إمكانية رسمها، فنتخيل بعد إجراء القسمة بالسنتيمترات وبالملِّيمترات وبأعشار الملِّيمترات، أنواعًا من القسمة أكثر دقة بأجزاء من المائة من الملِّيمتر وبأجزاء من الألف من الملِّيمتر … إلخ. فإذا سلمنا بأنه يمكننا الحصول على مجهر له خصائص تكبير لا نهائية، وإذا سلمنا أيضًا بأن المسطرة لها هذه الخصائص التكبيرية الهائلة نفسها، فلن يمنعنا شيء من أن نمتد بالفكر إلى ما لا نهاية في هذه الأنواع من القسمة. لقد سجلنا على المسطرة عددًا لا نهائيًّا من النقاط تمثل كلٌّ منها كسرًا عشريًّا بسيطًا، على سبيل المثال، الكسر ٠٫٣٢٤١٧٣٢ يطابق واحدًا من عشر ملايين من النقاط التي تحدد تقسيم المتر إلى عشر أعشار من الملِّيمتر. وبلغة نظرية المجموعات، نقول إن جميع النقاط مسجلة بشكل مكثف على طول المسطرة المستقيمة. فلا يوجد في الواقع جزء، مهما كان متناهيًا في الصغر على طول المتر، لا توجد عليه هذه النقاط العشرية المضغوطة الواحدة بجانب الأخرى.

ومن جهة أخرى، يوجد على المستقيم نقاط أخرى ليست عشرية، وهي النقاط التي تمثلها كسور عشرية لا نهائية؛ أي كسر دوري مثل ٠٫٣٣٣، أو كسر غير منتظم مثل الكسر العشري للعدد : ٠٫١٤١٥٩٢٦٥.
ونعود إلى التفسير الرياضي لهذه المسألة:

على كل جزء من المستقيم، مهما كان صغيرًا، يوجد نقاط عشرية ونقاط غير عشرية. فإذا أردنا من ثم المقارنة بين مجموعة النقاط العشرية وغير العشرية باستخدام الطريقة الطبيعية والتقليدية، التي تتمثل في تقسيم المستقيم إلى مجموعة من الفواصل متناهية في الصغر؛ فلن نحصل على أي نتيجة، فمهما كان صغر الفاصل فسندرك أنه يحتوي على نقاط عشرية وأخرى غير عشرية. إذن، فيما يبدو، من المستحيل تقسيم المستقيم إلى فواصل تتضمن جميع النقاط العشرية وفي الوقت نفسه جميع النقاط غير العشرية.

هذه الاستحالة لم تحدد، فيما يبدو، بشكل صريح من قبلُ، لكن كان مسلَّمًا بها ضمنيًّا من قِبل جميع علماء الرياضيات. إلا أن هؤلاء العلماء، ولأسباب متعددة نابعة من نظرية المجموعة الحديثة لجورج كانتور، وأيضًا نابعة من ملاحظات حساب الاحتمالات، الذي كان يتسم بالغموض بطريقة أو بأخرى، التي سوف نقوم بتحديدها الآن؛ هؤلاء كانوا يعلمون أن جميع النقاط العشرية كان يتعين النظر إليها على أنها نادرة أكثر من النقاط غير العشرية. فإذا قمنا بقرعة على أرقام كسر عشري، وحتى يصبح هذا الكسر رقمًا عشريًّا محددًا، يجب أن تكون جميع الأرقام مساوية للصفر بدءًا من مرتبة معينة، وهذه هي الاحتمالية التي يجب أن ينظر إليها على أنها ضعيفة الاحتمال. ألا توجد إذن وسيلة للتمييز بواسطة تصور فواصل صغيرة بالقدر الكافي لتستطيع أن تضم جميع هذه الأعداد، سواء العشرية أو غير العشرية؟

نعود مرة أخرى إلى التناظر في الفيزياء:

عند التفكير في هذه المسألة، وبمحاولة استعراض الخطوط نفسها التي يمكن بواسطتها تحديد الأعداد العشرية اللامتناهية على المستقيم، طرأت لي فكرة بسيطة؛ وهي: لو كانت هذه الخطوط دقيقة بالقدر الكافي، فإن عرضها الكامل ربما يمكن تصغيره بقدر كبير بحيث يكون أقل من طول المستقيم. وطبقًا لهذه الشروط، فإن الفرص كبيرة لوجود بعض النقاط على المستقيم ليست مغطاة بهذه الخطوط؛ هذا لأنه ربما يكون أمرًا متناقضًا أن نستطيع تغطية المستقيم بالكامل بهذه الخطوط التي يقل عرضها الإجمالي عن طولها. هذه الفكرة البسيطة وضعت الاكتشاف على الطريق الصحيح، ولم يكن يتبقى سوى القليل من التفكير والاهتمام والصبر للتوصل إلى صياغته.

إذا ما نظرنا مرة أخرى إلى صورة المستقيم الذي يبلغ طوله مترًا والذي تم تقسيمه بالخطوط، وإذا ما حددنا عرضًا يبلغ ملِّيمترًا لكلٍّ مِن هذه التقسيمات من السنتيمترات، فإن مجموع هذه الأقسام المائة التي يبلغ كلٌّ منها سنتيمترًا، سيغطي ١٠ سنتيمترات. وإذا ما حددنا، بعد ذلك، لهذه الأقسام من الملِّيمترات عرضًا يبلغ عشرة ملِّيمترات، فإن مجموع الأقسام سيبلغ أقل من سنتيمتر، ونستطيع الاستمرار هكذا وتنظيم الوضع بحيث يبلغ مجموع الأقسام المحددة بأعشار الملِّيمتر على الأكثر أقل من ملِّيمتر … إلخ. في هذه الظروف، عندما نصل إلى النهاية؛ أي عندما يتم تحديد جميع الأعداد العشرية المنتهية، حتى الأعداد التي لها أرقام عشرية كبيرة، فإن مجموع الخطوط المرسومة سيحتل فقط كسرًا يتساوى في الطول مع طول المستقيم. وقد نتمكن أيضًا من أن نجعل هذا الكسر أقل من أي عدد صغير تم وضعه سابقًا.

وهكذا نصل، بالاختيار الجيد للمسافات بين النقاط، وبتحديد هذه المسافات وفقًا للنقاط العشرية، حتى التي نريد إخضاعها للدراسة؛ إلى تجميع جميع هذه النقاط العشرية في مجموعة من النقاط يبلغ طول ما بينها من مسافات — على سبيل المثال — أقل من ملِّيمتر واحد، بينما تكون هذه النقاط متلاصقة على المستقيم الذي يبلغ طوله مترًا واحدًا. إنها نتيجة في منتهى البساطة، كان يجدر معرفتها منذ وقت طويل، لكنها ظهرت وكأنها اكتشاف جديد وشديد المفارقة.

نصل في النهاية إلى الخلاصة حول هذا الحدس الهندسي الذي ينبع من الإدراك الحدسي للعالم الخارجي:

إلا أن خيالنا الهندسي لا يستطيع بسهولة تمثيل هذه المسافات التي تحتوي على جميع النقاط العشرية والتي مع أنها لا تمثل إلا شريحة صغيرة من المستقيم كله، فإنها تترك الكثير من النقاط التي لا تتضمنها المجموعة بداخلها. وطالما حاول علم الحساب أن يجعلنا نثق في أن الطول الإجمالي لهذه المسافات، نظرًا لكونها متناهية الصغر، يكون من المستحيل أن يتضمن طول المستقيم جميع ما عليه من النقاط، والحدس الهندسي لهذه النتيجة لا يبدو لنا طبيعيًّا.

ولا مجال هنا للتوسع في النتائج التي توصلت إليها هذه الطريقة الجديدة، طريقة تتمثل أساسًا في إنشاء مسافات انطلاقًا من نقاط تخضع للدراسة، بدلًا من البحث عن دراسة توزيع هذه النقاط على مسافات محددة سابقًا وفقًا لقاعدة ثابتة. وسأكتفي بالتذكير بالنتائج التي توصلت إليها هذه الطريقة من أجل دراسة الوظائف التحليلية في بعض المجالات الفريدة، والتذكرة أيضًا بأن كل ما حدث من تطور في نظرية قياس المجموعات ونظرية التكامل المعروفة لعالم الرياضيات ليبيج، يرتبط مباشرة بهذه الطريقة.

وفي هذا الشأن، لنترك لعالم الرياضيات جان لوراي (١٩٠٦–١٩٩٨) يحدثنا عن فكرة ليبيج:

عندما ظهر للجميع أن العميد داربو قد نسف ببراعة مذهلة علم الهندسة التفاضلية، أخرج شاب يسمى ليبيج منديلًا مجعدًا من جيبه واعترض قائلًا بأن هذا المنديل كان يكذب أبسط خصائص علم التفاضل لمسألة المساحات التي يمكن تطبيقها على الأسطح؛ لأن هذه الخصائص تصلح فقط للصدريات الواقية الخشنة، للمساحات المنتظمة. لقد استطاع ليبيج أن يقول كل ذلك باستخدام مصطلحات رياضية، ثم نجح في دراسة المساحات للدالة غير المستمرة، إلا أن السلطات العليا في مجال علم الرياضيات في ذلك العصر، حكمت على أفكار ليبيج بأنها بلا قيمة، وسرى الهمس بأن هذه الأفكار ليست رياضة حقيقية. ومع ذلك، فقد كانت هذه السلطات من الحكمة والسماحة بحيث صرحت بنشرها. وهكذا استطاع ليبيج، باستخدام هذه الدوال، أن يقدم لنظرية علم التكامل مرونة وقوة غير عادية كانت مريحة للرياضيين والتقنيين. لقد تحولت المفاهيم التي أدخلها ليبيج إلى قواعد جديدة في التحليل الرياضي. والمثال التالي لا ينفصل عن الموضوع: إن الانزعاج الذي تسببه عدم الأناقة أو الشعور بظلام عرضي، لا يمكن تفسيره دائمًا إلا بتجديد المفاهيم الأساسية والجوهرية. لكن إعادة النظر هذه تستلزم العمل الشاق والجهد الطويل الذي لا تظهر فائدته إلا على المدى الطويل جدًّا ولا يمكن توقعه حتى يمكن تحفيزه.

لقد قام ليبيج بصياغة نظريته لقياس المجموعات في عام ١٩٠١ وفي رسالته التي ناقشها في مدينة نانسي بفرنسا عام ١٩٠٢، قام بتعميم مفهوم علم التكامل الذي كان اكتشافه يرجع إلى عالم الرياضيات ريمان، بهدف إدراج العديد من الدوال اللامتناهية، وقد كان هذا أحد أكثر التطورات أهمية في مجال تحليل الرياضيات الحديثة. وإذا كان الفضل يرجع إلى ليبيج في تقدم مجالات أخرى رياضية، فإنه لم يستمر في العمل على مفهومه لعلم التكامل؛ لأنه كان هو نفسه يخشى التعميمات. ولقد كتب يقول: إن علم الرياضيات بسبب تحديده في إطار النظريات العامة ربما لن يكون إلا شكلًا بلا مضمون، وسوف يكون مصيره الفناء السريع. لكنه كان مخطئًا في هذا الرأي.

(١-٩) خطأ ليبيج

في علم الرياضيات، ربما أكثر من أي علم آخر، من المستحيل تدوين كل شيء تفصيليًّا. لقد قرأنا كثيرًا في الكتب والمقالات البحثية التي تقدِّم نتائجَ جديدة، هذه العبارة: «من الواضح أن البرهان لا يمثل أي مشكلة … أو كذلك نرى بسهولة أن …» وبصفة عامة، أو على الأقل بالنسبة لكبار علماء الرياضيات، فإن هذا الحدس صحيح. إلا أنه يتعين في بعض الأحيان كتابة كثير من الصفحات بالحسابات الدقيقة لندرك أن البرهان كان بالفعل واضحًا وجليًّا! غير أن الخطأ حتمي ووارد وعلماء الرياضيات الذين لا يرتكبون أخطاء على الإطلاق هم أولئك الذين لا ينشرون أبحاثهم أبدًا. فهناك في الواقع كتاب كامل عن أشهر أخطاء علماء الرياضيات.

فقد اشتهر نوربرت فينر (١٨٩٤–١٩٦٤) مؤسس علم السبرانية (أو نظم التحكم) ورائد العديد من المجالات الرياضية، بنشر أعمال غير دقيقة. فقد كان تجسيدًا حيًّا لتأكيد عالم الرياضيات أبرام ساموالفيتش بيزايكوفيتش (١٨٩١–١٩٧٠) أن شهرة علماء الرياضيات ترتكز على عدد من البراهين الخاطئة. على سبيل المثال، إحدى النظريات الأساسية في كتاب فينر عن علم التكامل لفورييه تعتمد على إحدى متتاليات البرهان الاستدلالي، وبرهان إحداها يعتمد على النظرية الأساسية. إننا بهذا الشكل ندور في حلقة مفرغة!

ورغم ذلك، ففي العديد من الحالات، يمكن للأخطاء أن تكون خلاقة. ويروي لنا عالم الرياضيات هنري ليبيج (١٨٧٥–١٩٤١) ذلك قائلًا:
لقد ساعد هذا التصور عن الدوال غير المستمرة كثيرًا في اتساع حقل التحليل الذي كنا نتصور أنه يثير بعض القلق. وعلى الرغم من ذلك، نتباهى بوجود الأمل في أنه بين جميع الدوال وبين جميع المجموعات التي تم تصورها، ربما يمكن فقط في الرياضيات إدراج دوال نظرية باير والمجموعات القابلة للقياس المرتبطة بها؛ هذا لأنه فيما يبدو كانت العمليات التي تم إجراؤها على هذه الدوال والمجموعات تؤدي دائمًا إلى دوال ومجموعات من العائلة نفسها. وقد أسفر التحليل، في حد ذاته، عن مبدأ التحديد.
وللتأكد من أن الأمر كذلك، تعين على وجه الخصوص دراسة حل المعادلات التي تؤدي إلى الدوال الضمنية. وخلال هذه الدراسة، قمت بصياغة هذا التعريف: إن تصور مجموعة قابلة للقياس يكون دائمًا عندما تكون هذه مجموعة قابلة للقياس ، والبرهان كان بسيطًا وقصيرًا لكنه كان خاطئًا. وقد لاحظ هذا الخطأ كلٌّ من البروفيسور لوزين، الذي كان حينئذٍ أستاذًا مبتدئًا، وسوسبين أحد تلاميذه الأوائل، وشرعا في تصويبه. وأتخيل أنهما، في البداية، اعتقدا أن إصلاح هذا الخطأ سيكون أمرًا يسيرًا، إلا أن المشاكل ظهرت سريعًا، حتى انتهيا إلى الشك في التعريف نفسه. ثم باستخدام مثال قاطع قاما بتحويله إلى تعريف خاطئ.

وبهذا الشكل، فإن التحليل لا يمثل في حد ذاته مبدأ التحديد. ولقد كان امتداد عائلة دوال باير واسعًا حتى إنه يصيب بالدوار، كما أن حقل التحليل كان أيضًا أكثر اتساعًا. يا له من حقل واسع!

(١-١٠) طريقة شولسكي

عندما يكون لدينا نتائج قياسات متقاربة ونريد أن نمرر بينها خطًّا مستقيمًا، فعلينا أن نلجأ إلى طريقة المربعات الأقل لكارل فريدريش جاوس (١٧٧٧–١٨٥٥). تقتصر هذه المشكلة — رياضيًّا — على حل نظام متعدد المعادلات الخطية ذات المجهولين (عدد نقاط القياس). فبدلًا من الخط المستقيم، يمكننا محاولة تمرير دالة أكثر تعقيدًا بين نقطتي القياس — معادلة متعددة النتائج على سبيل المثال — بغية التوصل إلى تطابق أفضل. عندئذٍ يكون علينا حل نظام خطي به أكثر من مجهولين. يتعلم جميع طلبة الرياضيات ما يسمى بصيغ كرامر التي تؤدي إلى حل أي نظام خطي. لكن هذه الصيغ لم يكن في مقدورها أن تكون نافعة من الناحية العملية، فهي في الواقع تتطلب عددًا ضخمًا من العمليات لدرجة أن الحاسب الآلي — إذا ما قام بعشرة ملايين عملية في الثانية — قد يستغرق ما يوازي عمر الكون لينهي نظامًا مكونًا من اثنتين وعشرين معادلة!

هذا هو بالضبط نوع المشاكل التي نواجهها في مسائل التعويض داخل الشبكات الجيوديسية، وهو الأمر الذي تعين على أندريه لويس شولسكي (١٨٧٥–١٩١٨) الاهتمام به. فيتم قياس زوايا وخطوط طولية بغرض إثبات صحة معادلات شرطية تثبت أن مجموع زوايا مثلث يجب أن تساوي قيمة معروفة (أكبر من ١٨٠ درجة لأخذ كروية الأرض في الاعتبار) وأن الأطوال لا بد أن تظل كما هي مهما كان ترتيب القياسات التي تمت. وهكذا نصل إلى نظام خطي به مجاهيل أكثر من المعادلات، ونحله بطريقة المربعات الأقل، مما يقودنا إلى نظام به معادلات توازي المجاهيل ليكوِّن مصفوفة متماثلة وموجبة.

اخترع شولسكي طريقة جديدة لمعالجة هذا النوع من المشاكل، لكنه لم ينشر بنفسه أيًّا من أعماله، إلا أنه كتب تقريرًا بشأن عمليات التسوية وقياس الارتفاع التي كان يقودها في الجزائر وتونس. في هذا التقرير، وردت طريقة جديدة لحساب تصحيح قامة القياس، وإن كان من الصعب اعتبارها مقدمة لطريقة استخراج المُعاملات.

عُرضت أعمال شولسكي الرياضية لأول مرة في مذكرة لعام ١٩٢٤ كتبها القائد بنوا، وهو ضابط مساحي سابق بالقطاع الجغرافي بالجيش والقطاع الجغرافي في المستعمرة الفرنسية بفيتنام وكمبوديا، كتب فيها:

تخيلَ قائدُ المدفعية شولسكي أثناء أبحاثه حول تصحيح الشبكات المساحية بالقطاع الجغرافي بالجيش — الذي لقي مصرعه في الحرب — طريقة شديدة البراعة لحل المعادلات التي تسمى طبيعية، والناتجة عن تطبيق طريقة المربعات الأقل على معادلات خطية بعدد أقل من عدد المجاهيل. واستخلص منها طريقة عامة لحل المعادلات الخطية.

ويعرف جميع الطلاب الذين كان عليهم دراسة الرياضيات التطبيقية طريقة شولسكي، لكنْ قليل منهم يعرف منشأها وصاحبها.

ومؤخرًا، وُجد بين الأوراق التي أورثتها أسرته إلى كلية الهندسة — حيث كان هو طالبًا — المخطوطة الأصلية التي يعرض فيها شولسكي طريقته بوضوح شديد وبتعبيرات غاية في الحداثة. في ذلك الوقت، كانت الحسابات تتم على آلة حاسبة مكتبية مزودة بمقبض لإدارتها. يؤكد لنا شولسكي أن طريقته تتيح حل نظام ذي عشر معادلات بعشرة مجاهيل بخمسة أرقام محددة في أربع أو خمس ساعات. ووصلنا حاليًّا إلى أن سيكون لدينا أنظمة ذات عشرات الآلاف من المعادلات والمجاهيل، بل وأكثر!

(١-١١) الهندسة الكسيرية

حتى منتصف القرن التاسع عشر، كان الرياضيون يعتقدون أن أي دالة متصلة لها مشتقة عند كل نقطة تقريبًا، حتى ظن أندريه ماري أمبير (١٧٧٥–١٨٣٦) أنه حصل على إثبات على ذلك ونشره في صحيفة كلية الهندسة في عام ١٨٠٦. لكن — وفقًا لهنري بوانكاريه (١٨٥٤–١٩١٢) — مثل تلك الدالة كان من شأنها أن تعد في ذلك العصر إهانة للمنطق السليم. أعطى العالم الرياضي السويسري شارل سيليريه (١٨١٨–١٨٨٩) في عام ١٨٦٠ أول مثال لدالة متصلة لا تقبل أي مشتق في أي نقطة، لكنه لم يُنشر إلا في عام ١٨٩٠.
في عام ١٨٦١، حصل برنارد ريمان (١٨٢٦–١٨٦٦) على دالة متصلة ظن أنها لا تقبل الاشتقاق في أيٍّ من نقاطها. وتحددت هذه الدالة بواسطة السلسلة الموحدة النسق التالية التي تحوي عددًا لا نهائيًّا من الحدود (التي هي تفسير ما يلي):
لكن كان ريمان مخطئًا لأن هذه الدالة تقبل الاشتقاق عند النقطة ، وبشكل عام عند كل النقاط من نمط ؛ حيث و أرقام صحيحة. كان كارل تيودور فيلهلم فيرشتراس (١٨١٥–١٨٩٧) على قناعة بأنه من المستحيل إثبات أن قابلية دالة للاشتقاق هي نتيجة لاتصالها. ونظرًا لعدم قدرته على إثبات الخاصية التي أعلنها ريمان، في عام ١٨٧٢، أدلى كارل بالأكاديمية الملكية للعلوم ببرلين ببيان عن دالة متصلة لا تقبل الاشتقاق في أي نقطة داخل متوالية متقاربة.
تتقارب هذه المتوالية بصورة موحدة عندما تكون إلا أنها لا تقبل الاشتقاق في أي نقطة إذا ما كانت .

في عام ١٨٨٣، اقترح جورج كانتور (١٨٤٥–١٩١٨) — واضع نظرية المجموعات — التجربة التالية، بأن ننطلق من جزء من خط طولي ١ ونقسمه إلى ثلاثة أقسام متساوية، وننزع الثلث الذي في المنتصف، ثم نقسم الثلثين الباقيين كلًّا منهما إلى ثلاثة أقسام متماثلة وننزع من جديد القسم الواقع في المنتصف، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية، يكون الطول الإجمالي المنزوع مساويًا لواحد؛ أي طول المسافة الأصلية، ومع ذلك يتبقى عدد لا نهائي ولا يُحصى من النقط!

كان إعجاب علماء الرياضيات في ذلك الوقت — وعلى رأسهم شارل إرميت (١٨٢٢–١٩٠١) — يرجع إلى كون هذه الأمثلة تُظهر حدود التحليل الرياضي التقليدي، لكنهم لم يعتبروها سوى «وحوش يحسن وضعها في متحف الرعب»، على حد قول هنري بوانكاريه (١٨٥٤–١٩١٢).

يكون قياس المنحنى مساويًا لواحد؛ لأنه يكفي وجود مقياس واحد (المسافة المقطوعة منذ البداية، على سبيل المثال) لتحديد كلٍّ من هذه النقط. ويكون قياس السطح ٢ لأن كل نقطة يمكن تحديدها بطريقة نظيرية (أي واحدة مرة واحدة) عن طريق إحداثيين. إلا أنه في عام ١٨٩٠، أنشأ الرياضي الإيطالي جيوسيبي بيانو (١٨٥٨–١٩٣٢) منحنًى (قياسه واحد) مارًّا بكل نقاط مربع (قياسه ٢)؛ مما يجعل تعريف المقياس بناءً على عدد من المعايير اللازمة لتحديد كل نقطة غير مُجدٍ.

في عام ١٩٠٦، رسم نايلز فابيان هيلج فون كوخ (١٨٧٠–١٩٢٤) منحنًى مغلقًا ذا طول لا نهائي يحد سطحًا محددًا. وبالانطلاق من مثلث متساوي الأضلاع طول كلٍّ منها ١، نقسم كل ضلع إلى ثلاثة أجزاء متساوية، ثم نضيف في منتصف كل ضلع مثلثًا متساوي الأضلاع يساوي ضلعه 1/3. ونبدأ من جديد في منتصف كل ضلع بإضافة مثلث متساوي الأضلاع يساوي ضلعه 1/9، وهكذا دواليك حتى ما لا نهاية. ويدعى المنحنى الناتج «ندفة الثلج». عند الخطوة صفر يكون طول أي ضلع مساويًا لواحد وعدد الأضلاع يكون ثلاثة وأيضًا الطول الإجمالي ثلاثة، وتكون المساحة داخل المنحنى لا نهائيًّا لكنه يحيط بسطح محدود. أمر غريب!
لندرس الآن مسألة القياس بشكل أكثر تفصيلًا. إذا كانت لدينا قاعدة، فلا بد من اثنين متماثلتين للحصول على قاعدة ذات طول مضاعف. وإذا ما رسمنا مربعًا، فيلزمنا أربعة مربعات متشابهة للحصول على مربع بضلع مضاعف. وبالانطلاق من مكعب، فيلزم ثمانية منه لصنع مكعب بضلع مضاعف، وهكذا. إذن، ففي سبيل مضاعفة ضلع أي شكل قياسه يجب وجود أشكال مماثلة. ومن ثم يكون القياس يساوي .
ومن ثم، إذا ما توصلنا إلى عمل شكل نُضاعف ضلعه بواسطة ثلاثة نماذج مماثلة، فسيكون قياسه وبشكل أعم، فلكي نضرب في ضلع شكل ما قياسه ، يجب أن يكون هناك أي أشكال مماثلة؛ أي إن لدينا . وهذا الرقم هو ما يُسمى بالقياس الكسري للشكل. وبالنسبة لندفة الثلج لكوخ، فإن كل ضلع فيها يتكون من أربع نسخ منه هو ذاته، ينقص كلٌّ منها الثلث. إذن، و ولدينا .

أي شكل لا يكون قياسه رقمًا صحيحًا يسمى كسرًا.

وتتكون ندفة الثلج لكوخ باستبدال كل جزء بأربعةٍ طولها 1/3 من السابق. وبتشكيلات أخرى مماثلة نحصل على كسور بقياسات مختلفة. وفي كل خطوة يُستبدل جزء بعدد من الأجزاء الأخرى، يكون طول كلٍّ منها من السابق. ويكون القياس الكسري للشكل الذي نحصل عليه من تكرار هذه العملية لعدد لا نهائي من المرات يساوي .

ويترجم القياس الكسري خواص الشكل ومن ثم يرتكز على مبدأ تشابه الوضع الداخلي الذي يعني أنه عند تكبير قطعة من الشكل نجد شكلًا يشبه الشكل الأصلي. وهي خاصية التشابه الذاتي، التي يمكن ملاحظتها في الطبيعة. فلنأخذ القُنَّبيط على سبيل المثال؛ حيث كل زهرة صغيرة عبارة عن قُنَّبيطة صغيرة تتكون بدورها من عدة أزهار أصغر حجمًا. ولقد لاحظ متسلق الجبال إدوارد ويمبر (١٨٤٠–١٩١١) — أول من صعد قمتي سيرفين والجوراس الكبرى بالإضافة إلى قمم أخرى — أن الأجزاء الصغيرة من الصخرة تشبه الصخرة الكاملة التي تأتي منها.

كما يُعد لويس فراي ريتشاردسون (١٨٨١–١٩٥٣) أحد الملهمين لمثل هذه الأعمال. كان مهتمًّا بدراسة طول شواطئ البلاد. وإذا ما استخدمنا لذلك الأمر مقياسًا طوله فإن الطول الإجمالي للشاطئ سيكون دالة . في الواقع، إذا ما اتخذنا مقياسًا أصغر، فسيكون من الممكن قياس التفاصيل الأدق، ولا سيما أن الطول الإجمالي ﻟ يزيد كلما قل . فكلما تفتت خط — في سبيل الأخذ في الاعتبار لتفاصيل المقاييس الأصغر حجمًا — زادت المسافة بين نقطتين. ولقد اكتشف ريتشاردسون — تجريبيًّا — أن الطول الإجمالي يختلف على النحو التالي ؛ حيث يكون معاملًا ثابتًا. وبالنسبة لشواطئ بريطانيا، حصل ريتشاردسون على قيمة مقاربة ﻟ أما بالنسبة للحدود البرية لألمانيا أو البرتغال، فوجدها تقريبًا وبتطبيق نظرية ندفة الثلج لكوخ، نحصل — وفقًا لصيغة ريتشاردسون — على ؛ أي إننا نستعيد القياس الكسري. يقيس الرقم إذن انتظام (أو — إذا أردنا — اتساق) أي منحنًى.
يرتبط مفهوم الكسر بمفهوم ديناميكية التكرار والفوضى. وسأتحدث عنهما باقتضاب دون الدخول في أي تفاصيل شديدة التقنية. ولندرس — على مثال بسيط — مبدأ التكرار ونرى كيف يحدث. نضع رقمًا مركبًا (أي رقم ذي جزء حقيقي وآخر تخيلي) ولنسمه ، يمكن للرقم المركب أن يتم تمثيله بنقطة على سطح يكون محور سيناته هو الجزء الحقيقي، ومحور الصادات هو الجزء التخيلي. ثم نقوم بحساب من خلال الصيغة التالية: ؛ بحيث تكون رقمًا مركبًا. ثم نقوم بحساب الرقم بنفس الصيغة: ، وهكذا دواليك … ومن ثم سنحصل على متوالية لا نهائية من الأعداد، يتمثل كلٌّ من هذه الأعداد بنقطة على سطح ما، وبالربط بين هذه النقاط بالترتيب التالي: نحصل على ما يسمى بالمدار. ووفقًا لنقطة البداية ، قد تذهب بعض هذه المدارات بعيدًا إلى ما لا نهاية، بينما لا تصل هناك مدارات أخرى وتظل محدودة بمسافة محددة من مصدرها. أي تغيير طفيف في قيمة قد ينقلنا من مدار محدود إلى مدار لا نهائي. ونشهد هنا ظواهر شديدة الحساسية لأقل تشوش. ونقول إن المشكلة مطروحة بشكل خاطئ، فالفيزيائيون كانوا قد لاقوا بالفعل مثل هذه الحساسية الشديدة أثناء دراسة حركة الكواكب، وخاصة مشكلة الأجسام الثلاثة التي درسها بالذات هنري بوانكاريه (١٨٥٤–١٩١٢). فعندما تتفاعل هذه الأجرام السماوية الثلاثة تحت تأثير القوى الجاذبة على أساس بعض الشروط الأصلية، يكون من المستحيل إطلاقًا التنبؤ بأوضاعها أو حركتها لفترة طويلة. فاستقرار نظامنا الشمسي هو مثار لجدلٍ لم يُحسم بعد. كما أننا نعلم ما يُسمى بتأثير الفراشة، الذي يقضي بأن خفقان أجنحة فراشة في الصين قد يتسبب في عاصفة على الجانب الآخر من الكوكب. ومن ثم فالتنبؤات الجوية تُعد أيضًا مشكلة غير مطروحة بعناية؛ حيث تتدخل العديد من المعايير، لكن من الصعب أخذهم جميعًا في الاعتبار. وقد يؤدي أي تغيير ضئيل في البيانات الأصلية إلى تغيرات ضخمة في النتائج. لكن لا يمكننا فعل شيء حيال هذا الأمر، فهو كما هو. ومن الطريف ذكر أن أحد أول من اهتموا بدراسة التنبؤ بالطقس — بصورة علمية — هو لويس فراي ريتشاردسون الذي حدثتكم عنه سابقًا. وكان قد اقترح نموذجًا، لكنه لم يدرك أن المشكلة غير مطروحة بطريقة سليمة.
رجوعًا إلى مداراتنا، سنجد أن الحد الفاصل بين نقاط البداية اللاتي تعطي مدارات لا نهائية وتلك اللاتي تبقى محدودة؛ يُسمى «مجموعة جوليا»؛ نسبة إلى العالم الرياضي الفرنسي جاستون موريس جوليا (١٨٩٢–١٩٧٨)، وهو أول من عكف على مثل هذه الدراسة في عام ١٩١٨. وتعتمد هذه المجموعة على القيمة المعطاة للرقم المركب وسنشير إليه هنا ﺑ . عادة، يكون من الممكن دراسة بعض ظواهر التكرار أكثر تعقيدًا بكثير من تلك التي أوردناها كمثال.
حينما بدأ الرياضيون بعمل تجارب رقمية على الحواسب الآلية (وهو — بالطبع — ما لم يتمكن جوليا من فعله في عام ١٩١٨)، فوجئوا بملاحظة أن يعتمد اعتمادًا قويًّا على ، وأنه يمكنه تغيير شكله تمامًا وفقًا ﻟ ، وأنه يمكن أن يصبح شديد التعقيد: إذن رقم كسري.

في عام ١٩١٥، اقترحت أكاديمية العلوم بباريس دراسة التكرار كموضوع لجائزتها الكبرى لعام ١٩١٨. وكتب الفرنسي بيير جوزيف لويس فاتو (١٨٧٨–١٩٢٩) بحثًا طويلًا حول هذه المسألة عام ١٩١٧، لكن لم يكن واضحًا أنه كان ينوي تقديمه. في سبيل الحصول على الجائزة الكبرى، انكب جوليا على العمل وتوصل إلى نتائج مشابهة لفاتو لكن بطريقة مختلفة. وفي نهاية عام ١٩١٧، سلم جوليا عمله للأكاديمية في ظرف مغلق. ومن جانبه، أعلن فاتو عن النتائج التي توصل إليها في مذكرة للأكاديمية في ديسمبر ١٩١٧. فصاغ جوليا خطابًا للمطالبة بأولوية نتائجه. ولذلك، رفض فاتو الدخول في المسابقة، وذهبت الجائزة الكبرى إلى جوليا، بينما أهدت الأكاديمية جائزة أخرى لفاتو تكريمًا لعمله.

في عام ١٩٢٥، عُقدت حلقات دراسية في برلين لدراسة أعمال جوليا، شارك فيها رياضيون مثل ريتشارد داجوبير بروير (١٩٠١–١٩٧٧) وإبرهارد هوبف (١٩٠٢–١٩٨٣) وكيرت فورنر فريدريش ريدميستر (١٨٩٣–١٩٧١). وأعطى إتش كرامر — في مقالة له — أول تجسيد لمجموعة جوليا. وعلى الرغم من شهرة هذه الأعمال في العشرينيات، فإنها راحت طي النسيان حتى أجرى بنوا بي ماندلبرو (مولود ١٩٢٤) — الذي تتلمذ على يد جوليا في كلية الهندسة في الأربعينيات — تجاربه الأساسية على حاسب آلي في نهاية السبعينيات، معطيًا الكسريات التطور والاهتمام الذي نعرفه. فهناك العديد من الظواهر الطبيعية تشابه الكسريات، مثل السحاب والأعاصير، وتساهم أيضًا في إنتاج صورة تلخيصية.

فالحركة البراونية (نسبة إلى العالم روبرت براون) هي — على سبيل المثال — الحركة غير المنظمة للجزئيات الصغيرة المعلقة في الماء. وتستخدم — بالأخص — لدراسة ظواهر الشواش من التداخل في الإشارات الضوئية أو الكهرومغناطيسية، وأيضًا تذبذب الأسواق المالية. فإذا تتبعنا مسار جزئية متحركة بحركة براون، نُثبت أن قياسها الكسري يساوي 4/3. وكون القياس عددًا كسريًّا يتضمن وجود تماثل خفي عميق، نُطلق عليه «التحولات الامتثالية»، وهي تبدو مرتبطة — بصورة غامضة — بنظرية الكم التي تتيح وصف البنية الداخلية للمادة.

(١-١٢) مشكلة التحليل التوافيقي

سنرى من جديد في هذه القصة كيف أن بعض النتائج التجريبية والأمثلة والحسابات الرقمية قد تكون مصدرًا للإلهام لأكثر النتائج الرياضية نظرية. فيجب أن نشاهد لنفهم ونحفز قدرات التخيل والتحليل.

روى بول ليفي (١٨٨٦–١٩٧١) في كتاب ذكرياته القصة التالية:

سأعود لصيف ١٩٠١، حين كنت أقضي مع عائلتي إجازة لمدة ثلاثة أسابيع في الغابة السوداء، وهناك التقيت ملازمًا أول ألمانيًّا، كان الأكثر حيوية من بين المقيمين في النزل العائلي الذي كنا فيه. في أحد الأيام، جلس يلعب معي بالورق، فأخذ ثماني أوراق، ثم قلب الأولى، وأبقى الثانية في اللعبة، وقلب الرابعة وألقى بالثانية، وهكذا حتى انتهت اللعبة. كان قد أعاد الأوراق الثمانية بالترتيب الذي قاله لي في البداية. أردت أن أبلي أحسن منه، في اليوم التالي، أعطيته ثلاث عشرة ورقة، وعرضت أن أعيد الكرة بحسب عدد الأوراق التي يريدها، وهكذا مع باقي الأوراق الاثنتين والخمسين. وبعد ذلك، لم أعد أفكر في الأمر، إلا حينما أريد إعادة لعب الأوراق من وقت لآخر.

في عام ١٩٤٨، أُصبت بشدة بداء ذات الرئة، وظللت راقدًا أعاني من الحمى الشديدة. وربما شجع تدفق الدم في المخ على استرجاع الذكريات القديمة. وأيًّا كان ما حدث، فلقد ظللت أفكر في الملازم الألماني ولعبة الأوراق التي قادتني إلى التفكير في عملية تبديل مهمة لكل قيمة للرقم الصحيح بالشكل التالي: لكل ورقة. وحاولت كبداية أن أحددها من وجهة نظر نظرية المجموعات؛ أي تفكيكها إلى حلقات. ولأنه لم تكن لدي أي فكرة عن الطريقة التي يجب اتباعها، قررت تطبيق الطريقة التجريبية وحللت مشكلة القيم الصغيرة ﻟ حتى 45. كان عملًا من السهل القيام به في الفراش بورقة وقلم حبر. في البداية، بدت لي النتيجة محبطة: فللعدد من التباديل، وجدت متوالية من الأرقام شديدة الاختلاف. وهكذا، فمن ، تكون قيم بحيث لا تتجاوز حدها الأقصى السابق هي:
12, 18, 23, 35, 38, 44
وتكون القيم التي ﻟ :
28, 70, 210, 308, 990, 1710
وتكون الحلقات التي لا يكون ترتيبها أقل من نادرة. إلا أننا نجد للقيم 6, 7, 10, 15, 19, 27, 30, 31, 34, 42 من ، حلقة من عنصر، وهو الحد الأقصى المتاح. ويكون العنصر الأول معاملًا ثابتًا، ومن ثم لا يكون واردًا أي عنصر للتباديل سوى عناصر .
كانت أول ملاحظة بسيطة نجحتُ في التوصل إليها هي التالية: إذا كانت (أي القول إن ) يكون لدينا و تتضمن عدد من التباديل التي ﻟ عنصر؛ حيث يكون هو خارج قسمة على . عادة، تظهر قيم هذه كحدودٍ دنيا، ومن ثم، يكون الرقم 6 محاطًا ﺑ 60 و33.
أعطتني هذه النتيجة الأولية فكرة تحويل تركيزي إلى قيم على صورة . ولاحظتُ وجود حلقة واحدة من نوع وحلقات عديدة بدرجات أقل من ، لكن لا توجد واحدة أعلى، مما يجعل التبديل أصغر مشترك متعدد لأرقام الصحيحة الأولى.
وحاولتُ إذن إثبات هذه النتائج بطريقة عامة. لاحظتُ في البداية وجود علاقات طريفة بين وطريقة التباديل الأخرى الأبسط . وهكذا ، تكون الحلقات التي ﻟ و هي نفسها بالتمام، مع الفارق أنه — بالطبيعة — يكون ترتيب العناصر في كل حلقة مختلفًا. وشيئًا فشيئًا، اعتدت على آلية التباديل، حتى وصلت إلى إثبات عام لنتائج بالغة التعقيد لأعرضها هنا. وأذكر فقط ما يبقي منفردًا في ذاكرتي: تنقسم الأرقام الصحيحة إلى مجموعتين متكاملتين و ، ويتميز الرقم الأخير بالصفة التالية: تضم فترة تمثيل الرقم في الإحصاء الزوجي رقمًا زوجيًّا، ويكون النصفان الآخران متكاملين؛ أي إننا نمضي من واحد إلى آخر باستبدال الصفر بواحد والواحد بصفر. تكون خواص التبديل ؛ حيث مختلفة تمامًا عن تلك المرتبطة بالحالة . ومن ثم، تمتلك التباديل و ذات الحلقات فقط إذا ما كانت وليس إذا كانت .
فلنشرح معنى إثبات بالتكرار وكيف نكون مضطرين إلى اللجوء إليه، وكيف تطرأ لنا فكرته. يبدأ الرياضي بملاحظة أن هناك خاصية معينة أو صيغة ما تعتمد على رقم صحيح تصلح لأي قيمة للعدد ؛ أي إن ثم يتأكد — بعد القيام بالحسابات التفصيلية — أن الوضع كذلك مع القيم الصغيرة ﻟ . حيث تكون هناك فرص أن الصيغة تكون عامة وقابلة للتطبيق لكل قيمة ، ويبقى في النهاية إثبات الأمر رياضيًّا. ونقوم عندئذٍ بما يسمى بالإثبات بالتكرار، وهو ينقسم إلى ثلاث خطوات: فنثبت في البداية أن الخاصية سارية إذا كانت ، ثم الخطوة الثانية تقتضي الافتراض بأنها صالحة للحالة ، وأخيرًا، إثبات أنها سارية ﻟ . ومن ثم، واستنادًا إلى هذا الإثبات بالتكرار بما أن النتيجة صحيحة حيث ، فهي تكون كذلك إذا كانت ، وإذا كانت صحيحة إذا كانت ، فإنها تكون كذلك إذا كانت ، وهكذا دواليك. ولنعطِ مثالًا أكثر توضيحًا، فنحن نعتقد أن كل رقم فردي يمكن أن يُكتب بالصورة التالية . ونرى بالطبع على الفور أنه صحيح. والآن فلنقمْ بإثبات الأمر بالتكرار. إذا كانت نحصل على وهو رقم فردي. إذن فقد تم التحقق من هذه الخاصية لحالة . وإذا افترضنا — لقيمة ما محددة ﻟ — أن الرقم الفردي له صورة . وللحصول على الرقم الفردي التالي، يجب إضافة 2 إلى . ونحصل من ثم على الصيغة التالية: والمساوية للتالي: . وهي ذات الصيغة السابقة التي حصلنا عليها بعد استبدال