خامسًا: الموت

بعد إثبات قانون الاستحقاق ودوامه وشموله يبدأ القسم الثاني من المعاد، وهو تحقيق المعاد أو تنفيذه بالفعل في مكان المعاد، وطبقًا لإجراءات المعاد. وهي السمعيات بالمعنى الدقيق؛ إذ قد يدخل الاستحقاق كقانونٍ عقلي، إما في موضوع خلق الأفعال، أو في موضوع الأسماء والأحكام (الإيمان والعمل).١ وقد تدخل السمعيات أيضًا كأحد مُلحَقات النبوة، والنبوة في آخر مراحلها، وقد تتضخم فتصبح هي والنبوة نصف العقائد، كما كان التوحيد من قبلُ النصف الأول.٢ ولما كانت أحكام المعاد مبلَّغة من الرسول، فإنه يدخل كأحد جوانب السمعيات مع النبوات والأسماء والإمامة.٣ وفي العقائد المتأخِّرة وتحت أثر علوم الحكمة، تضمحلُّ السمعيات كلها، ولا يظهر إلا المعاد، وهو ما سبقت إليه الفلسفة.٤ وأحيانًا تختفي السمعيات في العقائد المتأخِّرة، كما أنها لم تكن قد ظهرت بعد في إحدى العقائد المتقدِّمة.٥ وكما تختفي السمعيات من إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة تتضخم أحيانًا في العقائد المتأخِّرة، وتمتلئ بالأحاديث الغيبية وبالتاريخ والتصوف.٦ وتبدأ المصنَّفات القديمة عادةً بالسمعيات، ثم بقانون الاستحقاق على أساس أنه هو مقياس الحكم وأساس الحساب، في حين أن قانون الاستحقاق هو الأساس العقلي للسمعيات، وما السمعيات إلا تشخيص وتخييل وتمثيل له. وقد يتأرجح موضوع الشفاعة بين الاستحقاق العقلي والسمعيات التخييلية. ومع ذلك يبرز سؤال: هل يمكن وضع السمعيات في بناءٍ عقلي؟ كيف يمكن أن تُوجَد سمعيات في بناءٍ عقلي؟ ونظرًا لاعتماد السمعيات على الأخبار؛ أي على صدق النبي، ارتبطت بموضوع النبوة، في حين ارتبط الاستحقاق بموضوع العدل وهو من العقليات. فأمور المعاد كجزء من السمعيات مضادَّة لأصول التوحيد؛ فالجهل مُضادٌّ للمعرفة، والقبول مُضادٌّ للتأصيل.٧ ومعظم هذه السمعيات آتية من السنة وليست من القرآن؛ ممَّا يوحي بأنها فرعية لا أصلية، نقلية لا عقلية؛ وبالتالي يمكن الاستغناء عنها، باعتبارها ظنًّا خالصًا تخضع لصدق الرواية ومدى الحاجة لها. فلو كانت مهمة في الدين تعمُّ بها البلوى، لوُجدت في القرآن. يقين السمعيات إذن يقينٌ خارجيٌّ خالص، وليس له إلا برهانٌ خارجي، وهو صدق الرواية وصحتها تاريخيًّا. ولما كان هذا اليقين الخارجي لا يصل إلى حد التواتر؛ وبالتالي فإنه يكون ظنيًّا مرتَين؛ مرةً لأنه رواية، وأخرى لأنه خبر آحاد. لا تعطي السمعيات يقينًا نظريًّا، خاصةً إذا كانت أخبار آحاد، وإنما تعطي يقينًا عمليًّا فقط، وتظل ظنية من حيث النظر. فالغاية من السمعيات إذن ليست إعطاء حقائق نظرية، بل إعطاء توجيهات عملية. لا تهدف إلى يقين العقل، بل إلى احتمال الممارسة. كما أن الحقائق النظرية التي تعطيها ليست ضرورية، أي فطرية طبيعية، ولكنها حقائق مُكتسَبة تتم عن طريق التعلم والتلقين؛ فهي حقائق لا تنبع من النفس، بل تأتي من المجتمع؛ وبالتالي لا تكون حقائق ثابتة وعامة وشاملة، بل تتغير تبعًا لتغير المجتمعات، وتكون مشروطة بمستوى العلم في كل مجتمع وبدرجة رقيه فيما يتعلق بالقدرة على التنظير، والانتقال من مستوى الحس والتمثيل والتخييل إلى مستوى العقل والنظر والبرهان.

(١) الانتقال من الحياة إلى الموت

تبدأ رحلة الحياة الأخرى بالموت. فماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت؟ وكيف يقع الموت طبعًا أم قسرًا؟ وإذا تم قسرًا، فهل يكون بالقتل أم بالشهادة؟ بفعل الآخر أم بفعل الذات؟ وتتراوح الإجابات على هذه التساؤلات بين ثلاثة مستويات: المستوى الإلهي والمستوى الطبيعي والمستوى الإنساني. فالموت على المستوى الإلهي هو عود إلى موضوع الآجال والأرزاق والأسعار، فالموت هو نهاية الأجل وانقضاء العمر، فلكل أجل كتاب؛٨ فالإيمان بوجوب الموت أحد مظاهر السمعيات. أما المستوى الطبيعي فإنه يجعل الموت موضوعًا للعلم. ولما كانت الطبيعيات إلهياتٍ مقلوبة، وكانت الإلهيات أيضًا موجَّهة أساسًا ضد الطبيعيات، كان الموت كموضوعٍ طبيعي بين الطبيعيات والإلهيات؛ فإذا كانت الحياة حركة، فالموت سكون؛ وإذا كان الجسم الحي لا يتحرك إلا بدافع، فالموت نهاية للدوافع والبواعث. وما الفائدة من تحريك الله لجسمٍ ميت بلا دافع، وكأن الله يعمل خارج قوانين الطبيعة، بل وضدها؟ أما المستوى الإنساني فإنه متعدِّد الاتجاهات بين الوصف الصوري والوصف المادي والوصف الشعوري الخالص؛ فالموت مُضادٌّ للحياة، والضدان لا يجتمعان. والموت ليس عدمًا محضًا ولا فناءً محضًا، بل انقطاع تعلُّق الروح بالبدن؛ ممَّا يتطلب فيما بعدُ تحديد معنى الروح، وكيفية تعلقها بالبدن. والموت انتقال من حال إلى حال، ومن دار إلى دار؛ فالموت تحوُّل، واستمرار للحياة بشكلٍ آخر، وهو ما يتطلب إثبات المعاد وكيفيته.٩
فإن لم يحدث الموت طباعًا فإنه يقع إما بالقتل أو بالشهادة. فما هو القتل وما هي الشهادة؟ لقد عرف القدماء القتل عن طريق تحديد مكانه في القاتل أو في المقتول، في العلة أو في المعلول؛ فقد يكون القتل من الضارب الذي يسبِّب خروج الروح. وإن حركة الضارب دون خروج الروح لا تكون قتلًا؛ فالقتل هنا من العلة أولًا قبل أن تكون من المعلول. وقد يكون القتل هو حركة خروج الروح أولًا مع كون القتل من القاتل، فيكون القتل في هذه الحالة من المعلول أولًا قبل أن يكون من العلة. والمسئولية في الحالة الأولى تُعزى إلى القاتل كليةً؛ فهو العلة الفاعلة، في حين أنها تُعزى إليه في الحالة الثانية جزئيًّا؛ لأن القتل أولًا هو حركة في المقتول بمناسبة القاتل وليست منه. قد يموت المقتول خشية السيف قبل أن يهبط السيف عليه، وفي هذه الحالة يكون القتل من المقتول أكثر من القاتل، ويتأكد ذلك المعنى بجعل القتل في المقتول حينما يخرج الروح منه بسبب القاتل، على عكس الموت عندما يخرج الروح بلا سبب. وقد يكون القتل في القاتل والمقتول معًا؛ في المقتول حال وقوع القتل به، وفي القاتل حال فعل القتل؛ فيكون القتل حينئذٍ في العلة والمعلول في آنٍ واحد. وقد يتحدد القتل في المقتول وحده، لا عن سبب، أو عن كونه معلولًا، بل عن طريق إبطال البنية، ومنع الحياة من الجسم، مثل قطع الرأس. فالقتل تغيير في البنية، وحدوث خلل فيها، واضطراب في نظامها.١٠ ولما كان تحديد القتل بهذا المعنى يُحيل إلى الروح جاز التساؤل عن الروح؛ حتى لا يتم تعريف شيء وهو القتل، بشيء آخر أغمض منه وهو خروج الروح؛ فالروح عند البعض جوهر وإلا لم تُقبَض، جسمٌ لطيف تشتبك بالبدن كاشتباك الماء بالعود الأخضر. وهي عند البعض الآخر ليست جسمًا ولا عرضًا، بل جوهرٌ مجردٌ متعلِّق بالبدن للتدبير، غير داخل منه ولا خارج عنه. هناك إذن تصوران للروح، مادي وصوري، وكلاهما ظن. قد توجد بالأمر والخلق، وقد توجد تدرجيًّا، وكلاهما أيضًا ظن.١١
أما الشهادة فإنها تأتي من التفرقة بين المقتول والميت. فهل كل مقتول ميت؟ فالمقتول ليس بميت من أجل إفساح المجال لحياة الشهداء، فإذا كان كل مقتول ميتًا عند البعض، وذلك لأن كل نفس ذائقة الموت، فإنه عند البعض الآخر المقتولُ ليس بميت. وإذا كان التصديق بالموت يقع عند البعض بالحس والمشاهدة دونما حاجة إلى نص، فإنه عند البعض الآخر هو فراغ الآجال كما هو في النص. فإذا كان الموت عند البعض مجرد اختلال في نظام الطبيعة، كما كان القتل، أو هو مسارٌ كوني، أرحام تدفع وأرض تبلع، دورة مستمرة من الحياة إلى الموت، فإنه عند البعض الآخر مجرد صفة للميت، كما أن الحياة صفة للحي. ولكن يظل السؤال: هل الموت وجودي أم عدمي؟ إذا كان وجوديًّا عند البعض فهو كيفية؛ أي صفةٌ وجودية تضاد الحياة، ويكون عند البعض الآخر عدمي؛ أي عدم الحياة، ويكون التقابل بينهما مثل التقابل بين الملكة والعدم.١٢ ولكن في الشهيد يُمحى التقابل؛ إذ إنه ميت حي؛ ممَّا يدعو إلى سؤال: هل الموتى أحياء تتصل أرواحهم بأجسادهم؟ إن لم يحدث ذلك عند الميت، فإنه يحدث بالضرورة عند الشهيد؛ فالشهداء أكمل حياة من الموتى. وهذا هو معنى أن أرواحهم في حواصيل طيور خضر؛ أي إن الأرواح متصلة بالأجساد. فالشهيد حي، وجسده حي، وروحه في جسده.١٣ وقد يُفسَّر ذلك في الدنيا بعد آثار الروح في الجسد في قدرة الجسد في الحياة على ازدياد القدرات الحسية فيه (الرؤية والشم عن بعد)، أو في الموت في مقاومة الجسد لمظاهر التحلل. فإذا كان الشهداء أكمل حياة من الموتى، فهل الأنبياء أكمل حياة من الشهداء؟ ولا يقتصر الأمر فقط على الأنبياء الشهداء، مثل يحيى وعيسى، بل على الأنبياء الذين كانت حياتهم شهادة من خلال أعمالهم وإخلاصهم وتفانيهم في أداء الرسالة وتبليغ الأمانة.١٤ والحقيقة أن الشهادة تتحدد بأهدافها؛ فليست الشهادة لذة في أبدان الشهداء، سواء لحاجة أم لغير حاجة، وإلا وقعنا في نظرةٍ حسية للأمر، بل تتحدد بالغاية أو الهدف الذي مات الشهيد لأجله. فهناك شهيد الدنيا الذي قاتل من أجل الغنيمة، وهي ليست شهادة، بل طمعًا في الرزق وحبًّا في الدنيا وإيثارًا للمال، خاصةً وأنه ليس ماله، بل مال الآخرين. وهناك شهيد الآخرة، كالمطعون والمبطون؛ فهو مثل الأول في الثواب، ولكن دونه في الحياة والرزق، ولا تجري عليه أحكام الشهداء في الدنيا؛ فإنه يُغسَّل ويُصلَّى عليه؛ فهو شهيد لأنه مات مقتولًا دون توقع، ودون إعداد للموت، اختطفه الموت اختطافًا، وانتُزعت منه الحياة انتزاعًا، يُضاف إلى ذلك قدر الآلام. وهناك شهيد الدنيا والآخرة؛ شهيد الحرب الذي قاتل لإعلاء كلمة الله، وهو أعلى الشهداء منزلة، وأرفعهم درجة، وهو الذي يضحِّي بحياته في سبيل المبدأ والعقيدة.١٥ وقد يكون كل من قُتل ظلمًا فهو شهيد، وقد يكون كل من صبر على الألم والقتال في الحروب هو الشهيد، وقد يكون الشهيد هو من جعل حياته شهادة على عصره، مثل الشاهد العدل؛ فالشهيد هو الشاهد، والشهادة تكون على العصر كما تكون بالنفس. الشهادة هي الصبر على البلاء وألم الجِراح والمعاناة، وليس مجرد القتل. الشهادة في الحياة، وليست في الموت، وشهادة الموت هي أعلى درجة من شهادة الحياة. ولكن هل تكون الشهادة أحيانًا طمعًا في الدنيا وتعويضًا عن الحرمان فيها؟ فالشهداء في الغالب من الفقراء، وغالبًا ما لا يُستشهَد الغني حرصًا على ما لديه في الدنيا، وعدم حاجته إلى التعويض. الشهادة التضحية بالأقل وإيثار للأكثر، التخلي عن العارض بالإبقاء على الجوهر. ومع ذلك فالشهادة في أعلى درجاتها هي من أجل تحويل العرَض إلى جوهر، والطارئ إلى دائم؛ وذلك بمقاومة الظلم والطغيان من أجل تحقيق المثال في الواقع، لا هروبًا من الواقع، أو تعويضًا عن مآسيه، ولا رغبةً في المثال وهجر الواقع، والتخلي عن المسئولية عنه. فالشهادة ليست حكمًا من الله على الإنسان، بل هي الهدف الذي من أجله يضحِّي الإنسان بحياته تحقيقًا له ونصرةً لمبدئه. وما دام الشهيد قد ضحَّى بكل شيء بحياته كلها، فإن ذنوبه في هذه الحالة تُستدرَك؛ فإن الشهادة أعلى درجة من درجات التوبة. تُمتصُّ الأفعال الجزئية داخل الفعل الكلي، ويصبح الفعل الكلي حاويًا لكل الأفعال الجزئية، وربما دونما حاجة إلى قانون الموازنة والتكفير عن الجزء بالكل.

(٢) أحكام الأموات

وأحكام الأموات أقرب إلى علم الفقه منه إلى علم أصول الدين؛ أي إلى علوم الفروع منها إلى علوم الأصول. وتشمل حكم الكفن والمؤنة والغُسل والدفن، ومنها حكم الديون والوصايا التي تقضي منهم، ومنها أيضًا حكم الميراث. أما الكفن والمؤنة، فمن رأس مال الميت كجزء من تصرُّفه الأخير، وقبل الديون والوصايا والميراث. وإن تطوَّع أجنبي بذلك إبقاءً لتركته لديونه، فإنه يتم بموافقة ورثته. والتطوع خير وتعاون وبر بالآخرين. وللمقطوع قضاء بعض الديون إرضاءً للطرفَين؛ للميت وللحي على السواء، أفضل من الكفن والمؤنة. فإن لم يكن له مال فكفنه ومؤنه على من كان يُنفِق عليه في حياته، كردٍّ للجميل وحسن للصنيع. فإن لم يكن ففي بيت المال؛ مال المسلمين ما يُغنِي عن الجميع، فالأمة كفيلة بأبنائها في الموت إن تناستهم في الحياة. وكفن المرأة ومؤنها على الزوج، أو عند ذوي الأنساب منها. وإن لم يكن لها ذا ولا ذاك، أو كانوا ولكن عن عجز، ففي بيت المال غِنًى عن الجميع.١٦ فمواراة الجسد التراب بكل مظاهر الاحترام والتكريم حق للإنسان يقوم به الآخرون عنه؛ ذوو القربى أو من ينوب عن الأمة. واحترام الجسد امتداد لاحترام الإنسان، واحترام الإنسان حيًّا كجسد وحقه في المأكل والمشرب والملبس والمسكن حقٌّ ممتد منذ لحظة الموت في الغُسل والكفن والمؤنة، فلا تأكله السباع، ولا يُترَك جيفة، ولا يُحرَق فتذروه الرياح، أو يُلقى به في البحر، أو يُحنَّط حفاظًا عليه من البِلى، أو يُوضَع رفاته في حائط. إنما نشأ الجسد من الطين وإلى الطين يعود، وخرج من الأرض وإلى الأرض يعود.
أما حقوق الآخرين فيتم ردها بالبيِّنة، وبشهادة الميت وقت الصحة، ثم وقت المرض، ثم بإقرار الورثة بعد الموت.١٧ وتُقسَّم حقوق الآخرين طبقًا لنسبة الديون؛ إقرارًا للعدل، وأداءً للحقوق. فإن كانت التركة تفي بالديون، ولا يفيض منها شيء، قُضيت؛ وإن كانت تقصر عن الديون، وكان صاحب الدين واحدًا، قُضي إليه بعد الكفن والمؤنة؛ وإن كانوا جماعة، وكان بعضهم أولى من بعض، كالمُرتهِن والمجني عليه وراد السلعة بالعيب ونحوهم، فهو مقدَّم فيما أولى به على غيره؛ فالحقوق أولويات، ورد الحاجة إلى المُرتهِن أولى من تعويض المجني عليه، وتعويض المجني عليه أولى من رد السلعة المعابة. وإن كانت ديونهم في الذمة، ولم يكن بعضهم أولى من بعض، قُسِّمت التركة بينهم طبقًا لمقادير ديونهم، فإن لم تكن كافية قُسِّمت التركة بينهم طبقًا لنسب ديونهم، فإن فضل شيء قُضي كما أقرَّ به الوارث؛ فحقوق الآخرين دين في رقبة الورثة، والورثة هم امتداد للميت، وللوفاء بحقوق الآخرين.
أما الوصايا والعطايا فإنها تقلِّل من حِدة الميراث؛ فالمال للغير بصرف النظر عن الأنساب والأرحام وصلة الدم والقرابة. فالوصايا الثلث، وللورثة رد ما زاد منها على ثلثَي الباقي من التركة بعد المؤنة والديون.١٨ أما العطايا في المرض فقد تكون من الثلث، وقد تكون من رأس المال، إلا العتق في المرض؛ فإنه من الثلث.١٩ وتُقدَّم العطايا في المرض على الوصايا، وتُقدَّم من كل واحدة منها ما قدَّمه إذا عجز الثلث عن الكل؛ فإرادة المحتضر وقرار آخر لحظة في حياته في النهاية له الأولوية على نِسب التوزيع للتركة، وكأن الإنسان حتى آخر لحظة قادرٌ على الفعل الإرادي الخاص قبل القانون الصوري العام.
أما الميراث، أي ما تبقى من التركة، فليس هناك إلا القانون الصوري العام طبقًا لنسق القرابة. ولا تعني القرابة هنا مجرد النسب والعصب والدم، بل تعني درجة الارتباط بالميت والشعور به؛ الفرح بحياته والحزن بموته، لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى، بين الآباء والأجداد، بين الأبناء والأحفاد (النسب الطولي)، ولا فرق في ذلك بين أبناء الأعمام أو العمات (النسب العرضي)، ولا فرق في ذلك بين الزوج والزوجة بحكم العِشرة المشتركة التي تعادل حكم القرابة والرحم، ولا فرق في ذلك بين العصبة والحلف، بين الحر والمولى المُعتَق.٢٠
أما الصدقة والدعاء والصلاة على الميت، فإن كل ذلك يدل على إمكانية استمرار فعل الإنسان حتى بعد الموت، من خلال فعل الآخرين فيه وأثرهم عليه، كما أن الإنسان بعد وفاته يكون له أثره على الآخرين من خلال أفعاله وسننه وأعماله وأفكاره، فكذلك للآخرين أثر عليه من خلال صدقاتهم ودعائهم وصلاتهم له، وهو حق الإنسان مردود إليه؛ فكما أدَّى الإنسان خيرًا في حياته للآخرين، فإنهم يردُّون له الخير في مماته. فالصدقة تقع من الحي إلى الميت، وواجب الأنا تجاه الغير، واستمرار لفعل الميت وكأنه حي عن طريق الصدقة، بصرف النظر عمَّن يقوم بها كحركةٍ جسدية. والدعاء، دعاء الحي للميت، يعني استمرار حياة الميت، وإعطاءه فرصةً أخرى للفعل، هذا إذا كان دعاءً للأحياء فعلًا. أما إذا كان مجرد التعبير عن أمانٍ بصدق، والتركيز على الأهداف بالقلب ممَّا يخلق موضوعه الشعوري كشرط لإيجاد بالفعل، فالدعاء للآخر يكون من هذا النوع، استمرارًا لأمانيه، وتركيزًا لقلب الآخر عليها من أجل إيجادها. أما الصلاة على الميت فهي أيضًا استمرار لحياة الميت وأثره في الآخرين، وكأن الميت ما زال يعيش في مجتمع المؤمنين ودائرة الأصدقاء. كل ذلك يعني التواصل لا الانقطاع. وبالرغم من أن الموت نهاية لفعل الفرد المباشر بالجسم، إلا أنه بداية لفعل الآخرين بالجسم امتدادًا لفعل الميت واستمرارًا لقصده. وقد يحدث التواصل بين الآخرين بصرف النظر عن المعتقدات النظرية؛ لذلك تُجاب دعوة المظلوم حتى ينتصر من الظالم؛ ففي مقاومة الظلم وإقامة العدل يتساوى كل الناس.٢١

(٣) هل هناك ملاك للموت؟

وعلى الضد من اعتماد علم أصول الدين على علم الفروع والوفاء بحقوق الميت، يظهر علم أصول الدين على نحوٍ غيبيٍّ خالص بالنسبة لمَلاك الموت. فنظرًا لعظمة الموت وجلاله وهيبته كان الموت أصل نشأة الدين كله، ثم أصبح له ملاك، كما أن لله ملائكة نظرًا لعظمته وجلاله، وكما أن للملوك أعوانًا ووزراء. لما كان الموت حدثًا ضخمًا في حياة الأفراد والجماعات، أصبح له ملك، وتم تشخيصه بالخيال. وملاك الموت عزرائيل، أي عبد الجبار،٢٢ عظيم الهيبة ضخم البنيان، رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تُخوم الأرض السفلى، ووجهه مُقابِل للوح المحفوظ، والخلق بين عينَيه، وله أعوان بعدد من يموت، يرفق بالمؤمن ويعنف بالكافر. يظهر للمؤمن بصورةٍ حسنة، وللكافر بصورةٍ بشعة. يقبض أرواح البشر، الإنس والجن، ويقبض أعوانه أرواح البهائم والحشرات! وهو من رؤساء الملائكة، لا يجوز سبُّه، بل إن سبه كفر. كان يأتي لقبض الروح جهارًا. ولما تصوَّر في صورة شخص لقبض روح موسى، فقأ موسى عينه، فلم يظهر منذ ذلك الوقت. ولا يحكم على موسى؛ لأن موسى من الأنبياء الحكام! ثم أعاد الله عينه له. كان يقبض الروح بغير مرض، فكثر سب الناس له، فشكا إلى الله، فجعل الله الأمراض قبل الموت وعلة له يشغل الناس عنه. وهو آخر الملائكة موتًا، الملائكة يموتون بعد النفخة الأولى ويحيون قبل الثانية! إذا جاء والعبد على عملٍ صالح يسهِّل الموت عليه، وإذا جاءه وهو على السواك يسهِّل أيضًا عليه، وكأن العمل الصالح يعادل السواك في الفم! وممَّا يسهِّل الموت وما بعده من الأهوال صلاةُ ركعتَين ليلة الجمعة بعد المغرب، وقراءة سورة الزلزلة بعد الفاتحة خمس عشرة مرة؛ فهي تُعادِل نصف القرآن. ويتضح من هذا كله أنها صورٌ فنية للتعبير عن العظمة والهيبة والخشية والفزع والرغبة في الاطمئنان والتخفيف من آلام الموت. فاسمه يعني العظمة والجبروت؛ ممَّا يتفق مع هيبة الموت. منظره مُفزِع؛ تعبيرًا عن خشية الإنسان منه. جدار رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تُخوم الأرض، تعبيرًا عن الضخامة، وأنه يملأ الأرض بجسده، ومُحيط بكل شيء، بصرف النظر عن إمكانية الحركة لمِثل هذه الضخامة، وعدم التناسب بين ملاك الموت وبين الإنسان من حيث الحجم، والتناقض بين المتناهي في الكِبَر والمتناهي في الصِّغر، وعدم الاقتصاد في الحجم، وعدم التناسب بين الوسيلة والغاية، بين الفيل والنملة. وإن وجود وجهه في مُقابِل اللوح المحفوظ تعبير أيضًا عن الضخامة وعن العدالة؛ فاللوح المحفوظ به كل شيء، وكأن عزرائيل يقرأ منه آجال الناس، وينفِّذ ما فيها من انقضاء للأعمار. وإن أضواء الخلق بين عينَيه يدلُّ على أنه لا كم بعده؛ فالخلق عددٌ كبير، ولكنه قادر على احتوائهم بين عينَيه والإحاطة بهم، حتى دون ذراعَين، وكأنه قادر على الإطاحة بهم إذا ما حرَّك الجفنَين أو الرمش الواحد! وهو بهذا الوصف رئيس الملائكة؛ فالموت له الكلمة النهائية في الحياة. وكيف يكون رئيسًا على جبريل وهو حامل الوحي ومبلِّغ الرسالة؟ وهل الموت أعلى قدرًا من الوحي؟ وكيف يكون الموت أعلى قدرًا من الحياة لما كانت المحافظة على الحياة من ضِمن مقاصد الوحي؟ وهو آخر الملائكة موتًا تعظيمًا وإجلالًا؛ فالقابض على الأرواح قادر على أن يكون أطول حياةً من الآخرين. ومن الذي سيقبض روحه؟ هل سيقبض روح نفسه؟ هل سيُميته الله؟ ولا يجوز سبه احترامًا للموت؛ فالجليل والعظيم لا يُسَب، ولكن الإنسان القوي قادر على الوقوف أمامه وتحدِّيه، بل ومنازلته وفقء عينه كما فعل موسى القوي. وإذا كان صاحب حكم فلا تثريب عليه ولا عقاب؛ فالإنسان يقهر الموت لو كان قادرًا عليه. وإن إعادة الله لعينه من جديد لعودٌ إلى الهيبة والاحترام له؛ حتى تخشع له النفوس. والناس أكثر احترامًا للمُبصِر من الأعور. ويتضح صراع الفكر العلمي مع الفكر الغيبي الأسطوري في جعل الأمراض سببًا متوسطًا بين الإنسان وملك الموت؛ حتى لا يسبَّه الإنسان، ويجعله مسئولًا عن إنهاء حياته، فينشغل الإنسان بالمرض عن ملاك الموت؛ أي بالعلم عن الدين! ويتضح الأساس الإنساني في نشأة الأسطورة في سب الإنسان لملك الموت، ثم شكاية هذا الأخير لله، ثم عقد المصالحة بين الاثنَين عن طريق طرفٍ ثالث وهو العلِّية. ولما كان للموت خشية ورهبة، فإن ملاك الموت يظهر بصورةٍ حسنة للمؤمن، وبصورةٍ كريهة للكافر، كما أن ملك الموت يرقُّ مع المؤمن في قبض روحه، بينما يعنف مع الكافر، وكأن الحساب قد بدأ من قبل، وكأن الحكم بالثواب والعقاب قد صدر قبل الاتهام، وقبل الدفاع، وقبل الشهود، وقبل المحاكمة! وإذا كان العمل الصالح طريقًا لتخفيف أهوال الموت، بما في ذلك قراءة القرآن، فلماذا سورة بعينها في وقتٍ معيَّن، وكأن الأمر مجرد حجاب أو أحجية أو تعويذة تقي الإنسان من الشر؟ وكيف يكون السواك على مستوى العمل الصالح وقراءة القرآن، وهو أقل تقوًى وصلاحًا، ومجرد اقتداء شكلي بعادات الرسول، أو تمسُّك بنظافة الفم والجسد، وطهارة الروح أولى؟ وإذا كان ملك الموت قابضًا لأرواح البشر تكريمًا لهم، بالرغم من صعوبة أن يتم ذلك كله في وقتٍ واحد وفي مكان واحد لعديد من الناس يموتون في وقتٍ واحد في أماكن مختلفة، فإن أعوانه يقبضون أرواح البهائم والحشرات مع أنها غير مكلَّفة، لا تفرح لثواب، ولا تخشى من عقاب.٢٣ ملك الموت إذن صورةٌ فنية تعبِّر عن هموم الإنسان نحو الموت، وهي أبلغ في التعبير والتأثير من مجرد الوصف العلمي أو التنظير العقلي لواقعة الموت.
١  الموضوع الأول في الفصل السابع، والموضوع الثاني في الفصل الحادي عشر.
٢  الشرح، ص٧٣٠–٧٣٨.
٣  النهاية، ص٤٦٧–٤٧٠؛ الاقتصاد، ص١٠٧–١١١؛ العقيدة، ص٣؛ الحصون، ص٨٢–٩٩؛ المواقف، ص٣٨٢–٣٨٤.
٤  المحصل، ص١٦٣–١٧٢. ليس في هذه المسألة موضع بحث (تلخيص المحصل، ص١٧٢).
٥  السنوسية، التحقيق، المحيط بالتكليف.
٦  الرسالة، الجوهرة، العقيدة.
٧  وأما سائر الأخبار السمعية، فإذا ثبت صدق النبي وجب الإيمان بذلك والسمع والطاعة له، فإن عرفنا لها وجهًا بالدليل العقلي فيه صيرورة وخبر، وإن لم نعرف له وجهًا فتسليم وتصديق، وما يستحيل في العقل وكان بين الاستحالة يُعرَف وجه استحالته. ونعلم أن الصادق والأمين لا يقرِّر المستحيل، فيطلب لكلامه مَحملًا صحيحًا، فإذا وجدنا مخبرًا وإلا آمنا وصدَّقنا بالظاهر، ووكلنا عِلم الباطن إلى الله ورسوله (النهاية، ص٤٦٧). في بيان وجوب التصديق بأمورٍ ورد بها الشرع، وإلى ما يُعلَم بالشرع دون العقل، وإلى ما يُعلَم بهما. فالمعلوم بدليل العقل دون الشرع مثل حدوث العالم ووجوب الحدث وقدرته وعلمه وإرادته، فإن كل ذلك ما لم يثبُت لم يثبُت بالشرع. وأما المعلوم بمجرد السمع، فتخصيص أحد الجائزين بالوقوع؛ فذلك من مواقف العقول، وإنما يُعرَف من الله بوحي وإلهام. ونحن نعلم من المُوحى إليه بسماع، كالحشر والنشر والعقاب. وأما المعلوم بهما فكل ما هو واقع في مجال العقل ومتأخِّر في الرتبة، كمسألة الرؤية. وما ورد بالسمع يُنظَر، فلو جوَّزه العقل وجب التصديق به قطعًا إن كانت الأدلة الرؤية. وما ورد بالسمع يُنظَر، فلو أجازه العقل وجب التصديق به قطعًا إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها وسندها، وإن كانت ظنية وجب التصديق باللسان والقلب، وهو عملٌ ينبني على الظن. أما ما قضى العقل باستحالته، فيجب تأويله؛ فليس في السمع قاطعٌ مُخالِف للمعقول (الاقتصاد، ص١٠٧-١٠٨). يجب الإيمان بالخبر المتواتر أو بالإجماع؛ فهذا ما تُوجِبه العقول، ويفرضه الاعتقاد. وكل ما يثبُت بالخبر الواحد، واختلفت فيه الأمة، لا يكون شرطًا لصحة الإيمان. فإذا ما اتفقت فيه الأمة من غير تأويل، فإنه من شرائط الإيمان، كعذاب القبر والصراط والميزان والشفاعة والعروج إلى السماء، ومن أنكرها كفر (الدر، ص١٦٦). الأخبار التي يلزمنا العمل بها ثلاثة أنواع: (أ) تواتر. (ب) آحاد. (ﺟ) متوسِّط بينهما مستفيض، يشارك التواتر في إيجابه للعلم والعمل، ويفارقه من حيث إن العلم الواقع عنده يكون علمًا مُكتسَبًا نظريًّا، والعلم الواقع عن التواتر يكون ضروريًّا غير مُكتسَب أجمع الفقهاء على صحته، مثل الشفاعة والحساب والحوض والصراط والميزان وعذاب القبر وسؤال الملكَين، وهو على أقسام: (أ) أخبار الأنبياء في أنفسهم، وخبر من أخبر النبي عن صدقه، والعلم بصدقه مُكتسَب. (ب) الخبر المنتشِر من بعض الناس إذا أخبر تحضره قوة لا يصح معهم التواطؤ على الكذب، ولم يُنكِر منهم أحد وقوعه، مثل الخبر بمعجزات النبي. (ﺟ) الأخبار المستفيضة.
٨  إن عمر كل إنسان مقدَّر بتخصيص الله، لا يزيد ولا ينقص، حتى المقتول فإنه ميت بأجله (الحصون، ص٨٦؛ انظر أيضًا الفصل السابع: خلق الأفعال، خامسًا: أفعال الوعي الفردي والاجتماعي. (٢) أفعال الوعي الاجتماعي. (أ) الآجال).
٩  يظهر المستوى الإلهي في عدة تساؤلات، مثل: اختلفوا في الحياة والموت؛ فمنهم من كان يُضيفهما إلى الله مجملًا، ومنهم من كان يُضيفهما إلى غيره وهو الحي الميت. وعند معمر، خلق الله الموت والحياة نصًّا (وكيف يتم فهم ذلك من زعيم الطبائعيين؟ هل ذلك مجرد دفاع تقليدي من الخياط ضد اتهام ابن الراوندي وضد اتهامات الأشاعرة؟) (الانتصار، ص٥٦-٥٧). ويظهر المستوى الطبيعي في عدة تساؤلات وإجابات أخرى، مثل: ثم اختلفوا في الحياة على مقالتَين: (أ) الحياة عرَض والموت عرَض. (ب) القتل عرَض يحلُّ في القاتل، والحياة جسمٌ لطيف يحلُّ في جسد المقتول، وإنما يضادُّ الحياة الموت الذي هو جسم يمنعها من الحس الذي هو خاصتها. فهذا سُمِّي موتًا، وهو موت وميت، كما أنها حياة وحي. إن الإماتة التي هي إدخال الله الجسم المضاد عليها تكون وحسها قائم، كما أن القتل الذي هو إدخال ذلك الجسم أيضًا عليها يكون وحسها قائم (مقالات، ج٢، ص٩٨). أما المستوى الإنساني فإنه يطرح عِدة تساؤلات بين المستويَين الأولين، وتتراوح بين الصورية والمادية والشعورية، وذلك مثل: اختلفوا في القتل؛ هل يضاد الحياة أم لا؟ على مقالَين بين النفي والإثبات (مقالات، ج١، ص٩٨). وعند الأشعري، الموت كيفيةٌ وجودية تضاد الحياة، فلا يعرى الجسم الحيواني عنهما، ولا يجتمعان فيه. ليس بعدمٍ محض ولا فناءٍ صِرف، بل انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقة وحيلولة بينهما، وتبدل حال بحال، وانتقال دار إلى دار (عبد السلام، ص١٣١). لكل إنسان روحٌ جرَت عادة الله أنها إذا كانت في جسده كان حيًّا، وإذا فارقته لعلة الموت (الحصون، ص٨٦). ويقول أبو بكر الأصم لا أدري ما الروح. ولم يُثبِت شيئًا غير الجسد (الفصل، ج٤، ص٩٠-٩١).
١٠  اختلفوا في القتل، أين يحل؟ (أ) في القاتل. (ب) في المقتول (مقالات، ج٢، ص٨٤). واختلفوا في القتل، أين هو؟ (أ) عند النظَّام، حركة الضارب بعدها خروج الروح، ولا تُسمَّى قتلًا دون خروج الروح. (ب) الحركة التي تخرج بعدها الروح عند الله؛ فالقتل في القاتل والمقتول بغيره. (ﺟ) عند بعض المعتزلة، خروج الروح عن سبب من الإنسان، وخروجها لا عن سبب موت، والقتل في المقتول. (د) عند ابن الراوندي، القاتل قاتل في حال فعله، والمقتول مقتول في حال وقوع القتل به. (ﻫ) هو إبطال البنية؛ فكل فعل يمنع الحياة من الجسم مثل قطع الرأس يكون قتلًا (مقالات، ج٢، ص٩٦–٩٨).
١١  جوهرية الروح هو مذهب أهل السنة من المتكلِّمين والمحدِّثين والفقهاء والصوفية؛ فهي جسمٌ لطيفٌ مشتبِك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر. وعند المعتزلة مع جماعة من الصوفية، ليست الروح جسمًا ولا عرضًا، بل جوهرٌ مجردٌ متعلِّق بالبدن للتدبير، غير داخل فيه ولا خارج عنه (البيجوري، ج٢، ص٦٠-٦١). اختلفوا في حقيقة الروح. قيل جسمٌ لطيفٌ شابك الجسد مشابكة الماء للعود الأخضر. أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة ما استمرت هي في الجسد، فإذا فارقته توفَّت الموت الحياة. الحياة للروح بمنزلة الشعاع للشمس؛ فإن الله أجرى العادة بأن يخلق النور والضياء في العالم ما دامت الشمس طالعة، كذلك يخلق الحياة للبدن ما دامت الروح فيه ثابتة. وإلى هذا مال مشايخ الصوفية. وعند جماعة من أهل السنة، الروح جوهرٌ سارٍ في البدن كسريان ماء الورد في الورد. خلق الله الروح بالأمر التنجيزي، وللبعض الآخر بالوصف التدريجي، ولكن يُفوَّض علمه إلى الله (شرح الفقه، ص٩٢-٩٣).
١٢  اختلفت المعتزلة، هل المقتول ميت؟: (أ) كل مقتول ميت؛ فكل نفس ذائقة الموت. (ب) عند الكعبي، المقتول ليس بميت (مقالات، ج٢، ص٨٤؛ الجوهر، ج٢، ص٦١-٦٢). وعند أهل السنة، التصديق بالموت، أي بفناء الكل، لا يحتاج إلى النص؛ لأنه مشاهدة، في حين أنه عند فريقٍ آخر من أهل السنة هو فراغ الآجال. وبينما هو عند الحكماء مجرد اختلال في نظام الطبيعة، فإنه عند الدهرية أرحام تدفع وأرض تبلع. وإجابةً على سؤال: هل الموت وجودي أم عدمي؟ الموت وجودي عند الأشعري؛ فهو كيفية؛ أي صفةٌ وجودية تضاد الحياة. وهو عدمي عند الزمخشري والإسفراييني؛ أي عدم الحياة؛ فالتقابل بين الملكة والعدم. والموت صفة للميت، كما أن الحياة صفة للحي (البيجوري، ج٢، ص٦٠-٦١).
١٣  وهذا هو معنى آية: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٣: ١٦٩). هم أحياء يُرزَقون يشتهون، كما تُرزَق الأحياء بالأكل والشرب واللباس (الإتحاف، ص١٤٨-١٤٩).
١٤  الموتى أحياء لاتصال أرواحهم بأجسادهم. الشهداء أكمل حياة منهم، والأنبياء أكمل حياة من الشهداء (التحفة، ص٩٠-٩١؛ شرح الخريدة، ص٥٩-٦٠).
١٥  عند الأشاعرة، الشهادة كل من قُتل مظلومًا أو مات من بعض الأمراض الخصوصية، كالحريق والغريق وموت المرأة في طلقها. والشهداء نوعان: (أ) شهيد يُغسَّل ويُصلَّى عليه، وهو الذي مات حتف أنفه موتًا، أو جُرِح في قتال الكفرة أو أهل البغي، أو مات في المعركة. (ب) شهيدٌ مقتول في المعركة لا يُغسَّل. واختلفوا في الصلاة عليه؛ عند الشافعي، لا يُصلَّى عليه؛ وعند أبي حنيفة، الصلاة عليه (الأصول، ص١٤٣-١٤٤). وقد قيل شعرًا في العقائد المتأخِّرة:
ووصف شهيد الحرب بالحياةِ
ورزقه من مشتهى الجناتِ
(الجوهرة، ص٩٠-٩١)
واختلفت المعتزلة في الشهادة على أربعة أقاويل: (أ) الصبر على ما ينال الإنسان من ألم الجراح المؤدِّي إلى القتل، والعزم على ذلك، وعلى التقدم إلى الحرب، والصبر على ما يُصيبه. (ب) الحكم من الله لمن قُتل من المؤمنين في المعركة بأنه شهيد وتسميته بذلك. (ﺟ) الحصول لقتال العدو، فإذا قُتل سُمِّي شهادة. (د) هم العدول، قُتلوا أم لم يُقتَلوا. هم الشاهدون لهم ولأعمالهم، العدول المرضيون (مقالات، ج١، ص٢٩٦-٢٩٧). وعند مجموع المعتزلة، الصبر على الجِراح، والعزم على ذلك قبل وقوعه، وليس قتل الكافر للمؤمنين شهادة. وعند المعتزلة بأسرها إلا بشر بن المعتمر وضرار بن عمرو، لا يحل لأحد تمنِّي الشهادة، ولا أن يريدها، ولا أن يرضاها؛ لأنها تغليب كافر على مسلم، وإنما يجب على المسلم أنه يجب الصبر على ألم الجِراح فقط إذا أجابته. وعند الكرامية أن يصيب المؤمن من البلاء ما يُوجِب تكفير ذنوبه كلها (الفصل، ج٥، ص٤٤؛ ج٣، ص١١٩).
١٦  كفن المرأة على الزوج عند أبي حنيفة، وعند ذوي الأنساب عند الشافعي (الأصول، ص٢٠٠-٢٠١).
١٧  عند الشافعي، لا فرق في رد الديون بين ما ثبت عليه بيِّنة وما أقرَّ به قبل موته. وقدَّم أبو حنيفة ما أقرَّ به في حال الصحة على ما أقرَّ به في حال المرض. والإجماع على أن ما أقرَّ به قبل موته مقدَّم على ما أقرَّ به الورثة بعد موته (الأصول، ص٢٠١-٢٠٢).
١٨  هذا في رأي الأكثرين (الأصول، ص٢٠١).
١٩  عند الأكثرين، العطايا التي في المرض الذي مات منه في الثلث، ولكنها عند أهل الظاهر من رأس المال، إلا العتق من المرض؛ فإنها من الثلث (الأصول، ص٢٠١).
٢٠  الميراث بالفرض والتعصيب. الفرد من ستة! النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. وأجمعوا على توريث عشرة من الذكور: ابن الابن وإن سفل، الأب والجد من قِبل الأم وإن علا، الأخ من أي وجه كان، وابن الأخ لأب وأم أو لأب، والعم لأب وأم أو لأب، وابن العم لأب وأم أو لأب، والزوج والمولى المُعتَق أو عصبة من الذكور. وأجمعوا على توريث سبع من الإناث: الأم والجدة والبنت وبنت الابن والأخت والزوجة ومولاة النعمة. واختلفوا في ميراث ذوي الأرحام. وفي مسائل كثيرة من فروع الفرائض من أنكر منها شيئًا ممَّا أجمعوا عليه كفر، ومن خالف فيما اختلفوا فيه لم يكفر (الأصول، ص٢٠١-٢٠٢).
٢١  عند أصحاب الحديث والسنة، الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم (مقالات، ج١، ص٣٢٣). وفي دعاء الأحياء للأموات وتصدُّقهم عنهم نفعٌ لهم. الله يُجيب الدعوات، ويقضي الحاجات (النسفية، ص١٥٠). صدقة الأحياء على الأموات، الدعاء للأموات خصوصًا في صلاة الجنازة، العمدة صدق النية وخلوص الطوية، الصدقة على موتى المسلمين والدعاء لهم، ينفعهم الله بذلك. الصلاة على من مات من أهل القبلة بَرِّهم وفاجرهم (الإبانة، ص١١). هل يُستجاب دعاء الكافر؟ هناك خلاف. وفي رأي البعض، دعوة المظلوم وإن كان كافرًا تُستجاب؛ فالظلم العملي يجبُّ الإيمان والكفر النظريَّين (التفتازاني، ص١٥٠).
٢٢  عزرائيل، ومعناه الجبار، وهو ملكٌ عظيمٌ هائل المنظر مُفزِع، جدار رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تُخوم الأرض السفلى؛ أي منتهاها، ووجهه مُقابِل للوح المحفوظ، والخلق بين عينَيه، وله أعوان بعدد من يموت، فيرفق بالمؤمن، ويأتيه في صورةٍ حسنة دون غيره، يُخرِجها ويأخذها بإذن ربه من مقرِّها، أو من يد أعوانه ولو أرواح الشهداء، برًّا وبحرًا، جميع أرواح الثقلَين، الملائكة والبهائم والطيور ولو بعوضة وعند المعتزلة لا يقبض إلا أرواح الثقلَين (الإنس والجن)، وعند المبتدِعة لا يقبض أرواح البهائم إلا أعوانه. عزرائيل من رؤساء الملائكة، سبُّه كفر. كان يأتي لقبض الروح جهارًا. ولما تصوَّر بصورة شخص لقبض روح موسى، فقأ موسى عينه، فلم يظهر من ذلك الوقت. لا يُحكَم على موسى؛ لأن الأنبياء أصحاب الأحكام. وسُئل على: هل عادت عيناه؟ قال: نعم. والحديث في البخاري! وكان يقبض الروح بغير مرض، فكثر سبُّ الناس له، فشكى إلى الله، فجعل الله الأمراض قبل الموت ليشغل الناس عنه. وهو آخر الملائكة موتًا؛ لأن الملائكة يموتون بعد النفخة الأولى، ويحيون قبل الثانية (العقباوي، ص٥١–٥٣). مجيء الموت والعبد على عملٍ صالح يسهِّل الموت، وكذلك السواك! وممَّا يسهِّل الموت وجميع ما بعده من الأهوال وغيره، صلاة ركعتَين ليلة الجمعة بعد المغرب، وتُقرَأ بعد الفاتحة سورة الزلزلة خمس عشرة مرة، وهي سورة تعدِل نصف القرآن في رأي السنوسي (البيجوري، ج٢، ص٦٠-٦١؛ الحصون، ص٨٤).
٢٣  أعوان عزرائيل الملائكة الذين يُعِينونه في جذب الروح من البدن، حتى تقرب فيتناولها؛ أي إن الروح جوهر (العقباوي، ص٥١–٥٣). عزرائيل يقبض أرواح الخلائق؛ أي كل ما له روح، ولو قملة أو بعوضة أو برغوثًا، ولا تأثير له في ذلك (الجامع، ص١٧). القابض للروح هو الله، وأرواح البهائم والطيور وغيرهم ولو بعوضة (عبد السلام، ص١٣١-١٣٢). يقبض الأرواح ويُخرِجها من مقرِّها (الحصون، ص٨٤). إذا انقضى أجل الإنسان قبض روحَه الملكُ الموكَّل بقبض الأرواح، ملك من أكابر الملائكة، عزرائيل يقبض الروح؛ أي يُخرِجها من مقرِّها (الحصون، ص٨٦). وقد أنكر جهمٌ ملك الموت الذي يقبض الأرواح (التنبيه، ص٩٩–١٢٣). وعند المعتزلة، يقبض أرواح البهائم، بل أعوانه، نزع أعوانه لها من العصب والعظم والعروق، ثم إسناد المتوفَّى إليه (البيجوري، ج٢، ص٦٠-٦١). وقيل شعرًا في العقائد المتأخِّرة:
وملك الموت لكل حي
يقبض روحه على الرضا
(الوسيلة، ص٩٤-٩٥)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠