ثالثًا: هل المعجزة دليل على صدق النبوة؟

إذا كانت النبوة جائزة؛ أي مُمكِنة الوقوع، فما الدليل على صدقها بعد وقوعها؟ هل المعجزة دليل على صدق النبوة؟ وماذا تعني المعجزة؟ وما برهانها؟ وما شروطها؟ وما دلالتها؟ وما هي أنواعها؟ وهل هي ضرورية أم جائزة أم مستحيلة؟ وما الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر؟ وهل مستمرة باستمرار النبوة أم منقطعة بانقطاعها؟ لقد ركَّز القدماء على المعجزة لدرجة أنها أصبحت الموضوع الأول في النبوة، بل وبديلًا عنها، فأصبحت الوسيلة غاية والغاية وسيلة، ولم تنجُ من ذلك حتى الحركات الإصلاحية الحديثة.

(١) معناها، وشروطها، ودلالتها

(أ) معناها

المعجزة في اللغة مأخوذة من العجز، وهو نقيض القدرة ونفيها، والمُعجِز في الحقيقة هو فاعل المُعجِز في غيره وهو الله، وزِيدَت الهاء للمبالغة؛ فالمعنى الأول للمعجزة هو إثبات عجز الإنسان ونفي قدرته وإثبات قدرة الله ونفي عجزه. المعجزة بهذا المعنى من الله أساسًا وليس لها هدف آخر مثل صدق النبي، وكأن الله هو الذي في حاجة إلى صدق ألوهيته وتصديق الناس له، فلا تُسمَّى معجزة النبي إلا مجازًا لأن الله هو المُعجِز حقيقة، وسُمِّيت كذلك لأن من ليس نبيًّا يعجز عن الإتيان بما يُظهِره الله على النبي، ولكن يظل فاعل المعجز هو الله، وهو القادر على إظهار المُعجِز على النبي كدليل على صدق نبوته، وعلى من ليس بنبي كدليل على قدرة الله. ولما كانت المعجزات من الله يُظهِرها على النبي كدليل على قدرة الله، ففي هذه الحالة قد لا تكون دليلًا على صدق النبي، بل مجرد دليل على قدرة الله القادرة على إظهار المُعجِز على النبي وعلى من ليس بنبي.١ والحقيقة أنه لماذا تكون المعجزة من العجز، عجز الإنسان وقدرة الله؟ هل هذا احترام للإنسان وتعظيم لله أم أنه تعظيم لله على حساب الإنسان؟ وهل تثبت قدرة الله بإثبات عجز الإنسان، وهل عجز الإنسان شرط لإثبات قدرة الله؟ وهل نحتاج لإثبات قدرة الفيل إثبات عجز النملة أو لإثبات قدرة الأسد إثبات عجز الفأر، تعالى الله عما يصفون؟ ألا يُمكِن إثبات قدرة الإنسان وقدرة الله في نفس الوقت؟ إن إثبات قدرة الله ليس تعظيمًا له ما دامت على حساب قدرة الإنسان، وإن قدرة الله أعظم من أن تثبت بعجز الإنسان. فإذا كان هدف المعجزة إثبات قدرة مُطلَقة فوق قدرة الإنسان المحدودة، فهذا ليس غاية الوحي، بل إن غاية الوحي عكس ذلك تمامًا، إثبات أن لا قدرة فوق الإنسان، وأن الإنسان قادر قدرة مُطلَقة. غاية الوحي رفض قوى الطبيعة والسيطرة وقوى الطغاة العاتية وقوى البخت والمصادفة وكل القوى غير العاقلة. إذا كانت الغاية من المعجزة إثبات قدرة مُطلَقة، فهذه لا تحتاج إلى إثبات. إذا كانت الغاية منها إثبات عجز الإنسان أمام القدرة المُطلَقة فهو كإثبات أن الفيل قادر على سحق النملة، كما أن ذلك موضوع قد سبق إثباته في التوحيد في الصفات، العلم والقدرة والحياة. وكيف يُوضَع الإنسان والله مُتكافئَين في الإثبات والنفي؟ وكيف تُصوَّر العلاقة بينهما عكسية وليست طردية؟ إن الأَولى عند إثبات قدرة الله إثبات قدرة الإنسان، فالعلاقة بينهما علاقة الوعي الخالص بالوعي المتعيِّن، علاقة الإنسان الكامل بالإنسان المتعيِّن، فكلاهما وعي خالص والخلاف فقط في درجة التعين، كما أن إثبات عجز الإنسان حطة في شأنه وتجويز العبث والظلم على الله. فكيف يخلق الله إنسانًا عاجزًا ثم يُطالِبه بالتكليف؟ وإذا كان الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله، فالأولى أن يخلق الله القادر الإنسان قادرًا، ولو كان الإنسان عاجزًا لَكان الله عاجزًا مثله، تعالى الله عما يصفون.
وقد يُزاد على هذا المعنى الأول معنًى ثانيًا يُبرِز دور المعجزة كدليل على صدق النبي، وهو الغاية من المعجزة، ويجعل هدفها ليس بدايتها قدرة الله، بل نهايتها الدلالة على صدق النبي. وهو تعريف للشيء بعلته الغائية في مُقابِل تعريفه كما سبق بالعلة الفاعلة؛ لذلك يتم البحث في هذا المعنى عن المعجزات الدالة على نبوة الأنبياء، وفي صفاتها اليقينية، ودلالتها، واختصاص الأنبياء بها، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وفي صفة المبعوث وما يتعين به من غيره في أحواله التي يجب أن يكون عليها، كما يتم البحث فيمن تظهر المعجزة عليه، وحاجة النبي إليها، وكيف يُستدَل بها على صدقه، وفي معجزات كل نبي حتى إعجاز القرآن في آخر مرحلة في الوحي وختم النبوة.٢
وقد يُزاد معنًى ثالث على المعجزة عندما تُصبِح خرقًا لقوانين الطبيعة وأمرًا على خلاف العادة، وهنا يكون معناها ليس بالعلة الفاعلة وهو الله أو بالعلة الغائية وهي الدلالة على صدق النبي، بل بالعلة المادية؛ أي كظاهرة طبيعية على خلاف العادة، مُناقِضة لقوانين الطبيعة ويُصاحِبها التحدي؛ تحدي البشر على الإتيان بمثلها أو على معارضتها ومنع وقوعها؛ وبالتالي إعلان الإنسان عجزه عن المعارضة وعلى الإتيان بمثلها.٣ والسؤال الآن: هل يُمكِن خرق قوانين الطبيعة؟ أليست سنن الكون دائمة وثابتة حتى يُمكِن للإنسان إدراكها وتسخيرها؟ وما فائدة التحدي مقرونًا مع عدم المعارضة؟ إن التحدي لا يكون صحيحًا قائمًا على تكافؤ الفرص إلا إذا كان مقرونًا بالقدرة على المعارضة. هل عدم المعارضة فضيلة؟ وهل النموذج الأسمى لفعل الإنسان هو التسليم بالعجز والإذعان؟ أليست مأساة المسلمين اليوم في الإذعان لقوى القهر والاستسلام للطغيان وعجزهم عن المعارضة؟ ولقد تحدَّى الشيطان من قبل وأصبح التحدي عاملًا مؤثِّرًا في الدنيا وأصبح كل شيء مجنَّدًا، الأنبياء والرسل، والشرائع، والعقول، لمواجهة تحدي الشيطان.

(ب) شروطها

ويُمكِن استنباط شروط المعجزة من جملة تعريفاتها السابقة؛ فمن شروطها أن تكون من فعل الله أو ما يقوم مقامه، وأن تكون خارقة للعادة دون أن يكون ذلك في مقدور النبي، وأن تتعذر معارضتها، وأن تكون ظاهرة على مُدَّعي النبوة حتى تكون دليلًا عليها، وألا يكون ما ادعاه وأظهره مكذِّبًا لها، وإلا تكون متقدمة على الدعوى بل مقارنة لها، فالتصديق قبل الدعوى غير مقبول وأن يتم ذلك في زمن التكليف قبل زواله أو بعده أو بعد الموت، ويُشترَط أيضًا التحدي بها أو الاكتفاء بقرينة.٤ وبعض الشروط تُخِل بالتعريفات الأولى ومناقضة لها، مثل أن تكون من فعل الله أو ما يقوم مقامه، وليس هناك من يقوم مقام الله أو يقدر على المعجزات سواه بما في ذلك الرسول أو «المَلاك»، وأن التطابق مع الدعوة وعدم الاختلاف معها لا يكون بمجرد تطابُق القول مع المعجزة، بل بمقياس آخر للصدق، مثل تطابُق القول مع العقل أو المعجزة مع الواقع، وكثير من المعجزات تتم قبل التكليف للنبي، بل وقبل ولادته كما هو معروف في البشارة، وبعد مماته في الظواهر الطبيعية مثل الرعد والبرق ساعة الموت.٥ وإن توقَّفَت المعجزات بنهاية التكليف أو بالموت فالكرامات مستمرة بعد الموت، وقد يُقال إنها قبل البعثة أو بعدها كرامة وأثناء البعثة معجزة.٦
ومن المعنى الأول للمعجزة، الله هو الفاعل للمُعجِز، وهو أيضًا الشرط الأول، أن يكون هو الفاعل أو غيره. يميِّز القدماء بين نوعَين من المعجزة؛ الأول ما لا يقدر على جنسها غيره، مثل إحياء الأموات، وإبراء الأكمه والأبرص، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وإمساك الماء في الهواء، وتشقيق القمر، وإنطاق الحصى، وإخراج الماء من بين الأصابع؛ والثاني خلق الله اختراعًا وكسبًا لصاحب المعجزة، مثل إقدار الإنسان على الطفر والصعود إلى السماء، وقطع المسافة البعيدة في الساعة القصيرة، وإطلاق لسان الأعجمي بالعربية مما لا تجري به العادة.٧ فمقياس التصنيف ما يدخل تحت قدرة الله وما يدخل تحت قدرة العباد، أو حدوث فعل غير معتاد مثله، وتعجيز الفاعل بشيء معتاد عن فعل مثله.٨ وفي كلتا الحالتَين يكون مقياس التصنيف القدرة الإلهية والعجز الإنساني، أو على أكثر تقدير القدرة الإلهية والاكتساب الإنساني، وعند الحكماء المعجزة ثلاثة أنواع: ترك وفعل وقول. الترك مثل الإمساك عن التحدث بخلاف العادة، والفعل لا يأتي إلا من النبي، مثل فتق الجبل أو شق البحر، والقول إخبارًا بالغيب والتنبؤ بالمستقبل. ويفسِّر الحكماء المعجزة تفسيرًا نفسيًّا؛ فالترك هو انجذاب النفس إلى عالم القدس واشتغالها عن البدن، زهدًا في العالم، وقدوة للغير، وهو معروف عند أصحاب الرسالات وكبار القواد والزعماء في موقفهم من العالم؛ فالمعجزة تعبير عن قدرة النفس الخالصة على الإتيان بما لا تستطيعه النفس قبل الصفاء، قدرتها على المعرفة والاستكشاف، في حين أن الصوفي يقرن النظر بالعمل في المعجزات ويجمع بين معجزات المتكلِّمين العملية ومعجزات الحكماء النظرية.٩

(ﺟ) دلالتها

هل تدل المعجزة على صدق النبي؟ عند القدماء إذا قام النبي بمعجزة واحدة وعجز الناس عن معارضتها، فقد لزِمَتهم الحجة وكانت دليلًا على صدق النبي ووجوب تصديقه ووجوب طاعته.١٠ ولا يجوز لهم مطالبته بمعجزة أخرى؛ فإن عصَوه جاز لله عقابهم على عدم تصديقهم بالمعجزة الأولى، وكأن المعجزة ليست للتكرار.١١ ويكاد يُجمِع القدماء على أن البرهان خارجي وهو المعجزة سواء كانت واجبة أو ممكنة أو مستحيلة. فهل تؤدي المعجزة إلى تصديق الرسول، وهي برهان خارجي عن طريق القدرة وليس داخليًّا عن طريق اتفاقها مع العقل أو تطابُقها مع الواقع؟ وكيف يتم التصديق بالمعجزة دون وسائل المعرفة وطرق العلم وخارج نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى؟ وهل تؤدي المعجزة إلى الطاعة والانقياد دون إعمال للعقل أو التحقق من مضمون الخبر غايةً ومصلحة وواقعًا؟ ولماذا لا تتكرر المعجزة للتأكيد وللتيقن كما تتكرر التجربة كأحد شروط صدقها؟ وكيف يُثبِت الله أو يُعاقِب بناءً على تجربة واحدة تصديقًا أو إنكارًا. لقد أخبر الوحي عن عشرات المعجزات لنبي واحد، واحدة تلو الأخرى، يتم التصديق ثم الإنكار للأولى، ثم التصديق والإنكار للثانية وهكذا دونما يأس أو مَلل. وإن المُجرَيات، وهي تكرار للمحسوسات والمشاهدات لجزء من مادة العلم طبقًا لنظرية العلم. وماذا كانت النتيجة في النهاية؟ وقعت معجزات بالمئات ولم يصدِّق الناس بالأنبياء، بل وازداد البعض منهم كفرًا وعصيانًا، في حين عندما توقَّفَت المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة وأصبح الدليل على صدق النبوة داخليًّا أي عقلًا وواقعًا، نظرًا وعملًا، فكرًا ومصلحة، آمَن الناس وأسَّسوا مجتمعات وأقاموا دولًا وفتحوا العالم القديم.١٢ وأن الذين صدَّقوا بالأنبياء عن طريق المعجزات لَأقلُّ من الذين صدَّقوا بهم عقلًا وواقعًا ومصلحة وتشريعًا.١٣
إن التصديق بالنبوة إنما يتم باتفاقها مع العقل ومع مصالح الناس وليس بالمعجزة، طالما لم تؤدِّ المعجزة إلى التصديق بالنبوة وطالما انتفت شروطها؛ إذ لا يكفي في صدق المعجزة سلامتها عن المعارضة، فقد تكون عدم معارضتها ناشئة من جهل مؤقَّت بقوانين الطبيعة التي خُيِّل للناس نقضها، والمعجزة غير الآية؛ فالآية ليست معجزة لأنها دليل مُتسِق مع الطبيعة والعقل في حين أن المعجزة ضد الطبيعة وضد العقل. الآية صادقة في حين قد تكون المعجزة خادعة بالسحر. بالأُولى خطورة خطأ الإدراك والتفسير وعدم رؤيتها، وبالثانية خطورة عدم التصديق. وإذا كانت المعجزة تُصيب الإنسان بضآلته وجهله وعجزه أمام الطبيعة، فإن الآية تُعطيه الثقة بعقله وبالقدرة على معرفة قوانين الطبيعة واستقرائها وتسخيرها لصالحه، وإذا كانت المعجزة تجعل الكون سرًّا مُغلَقًا لا يُمكِن الدخول فيه فإن الآية تجعل الطبيعة كتابًا مفتوحًا، وموضوعًا للتأمل والبحث، تسهل القراءة فيه.١٤ والآية هي في نفس الوقت ظاهرة طبيعية وآية قرآنية، فالتأمل في الطبيعة هو تأمل في النص، وفهم النص هو رؤية للطبيعة، والظاهرة الطبيعية قد تكون الأرض والسماء أو الشمس والقمر، أو الليل والنهار، أو الرياح والبرق، أو نباتية أو حيوانية أو إنسانية، وليس فيها معنى المعجزة بمعنى خرق قوانين الطبيعة وقوع شيء على غير المألوف والمعتاد.١٥

وتدل المعجزة عند القدماء بأن يخلق الله العلم بالصدق بعد وقوع المُعجِز؛ فالله هو الذي أوقع المُعجِز وهو الذي أحدث العلم دونما نظر أو استدلال؛ وبالتالي يكون السؤال: وما فائدة المعجزة إذن والله قادر على خلق العلم مباشرةً دونما حاجة إلى مناسبة؟

وهل المناسبة مجرد عادة وبالتالي يكون التصديق مجرد ارتباط عادات بين النبي والمعجزة؟ وإذا كانت المعجزة تظهر أيضًا على يد الكاذب فما أهميته كدليل على صدق النبوة؟ وما مقياس التصديق بين النبي الصادق والنبي الكاذب ما دامت المعجزة تظهر على كلَيهما، وما دام التصديق بها مجرد ارتباط بين عادات، بين النبي والمعجزة؟١٦ ثم كيف تُقام صحة الأصل على صحة الفرع؟ كيف يُقاس صدق النبوة، وهو الأصل، على صحة المعجزة وهي الفرع؟ أليس ذلك دورًا؟ فالعلم بصحة المعجزة من صدق النبوة، والعلم بصدق النبوة من صحة المعجزة!١٧ إن المعجزة هي في النهاية حديث بلُغة العصر وتحدٍّ لمستواه العلمي وتجاوزه إلى مستوًى آخر يجمع بين العلم والفاعلية في الطبيعة، مثل موسى والسحر، وعيسى والطب، ومحمد والبلاغة؛١٨ وبالتالي فهي ليست ضد العقل أو العالم، بل هي تقدُّم للعقل وتطوير للعلم.

(٢) استحالة المعجزة

إن لم تكن المعجزة مستحيلة عقلًا لأنها واقعة مشاهدة عند بعض القدماء والمُحدَثين، فإنها عند البعض الآخر مستحيلة نظرًا وعملًا، إمكانًا ووقوعًا؛١٩ فالبناء العقلي الذي تقوم عليه المعجزة بناء هاوٍ لا أساس له، ويُمكِن التحقق من تهاوي هذا البناء بالعودة إلى معاني المعجزة وشروطها ودلالتها، وتقوم استحالة المعجزة على إنكار العلم بها.٢٠ فلا يكفي القول بأن الله خالق ومالك كل شيء لبيان إمكان المعجزة ووقوعها؛ فهذا هو تصور المُجبِّرة، يفعل في الطبيعة ما يشاء؛ فلو كان ذلك صحيحًا لما احتاج إلى رسول ومعجزة وتصديق وحساب وعقاب؛ فباستطاعته أن يخلق علمًا وتصديقًا وإيمانًا وثوابًا للجميع، وقد تكون من فعل الرسول لتميُّز نفسه على باقي النفوس بصفائها وقدراتها الخاصة على التخيل، أو لمزاجه الخاص وقدراته الإبداعية المتميِّزة على غيره أو لكونه ساحرًا عليمًا ببعض الطلسمات وببعض المركبات، كالمغناطيسية والكهرباء والضوء والصوت وسائر قوى الطبيعة، لعله علم ببعض الأجسام النباتية أو الحيوانية لها خواص عجيبة لا يعلمها الآخرون وليست لباقي الأجسام المألوفة، ولعله مُتصِل ببعض «الجن والشياطين» والأرواح الفلكية أو الملائكة يُعِينونه عليها ويجعلونه أقدر من غيره على الإتيان بالأفعال غير المعتادة، ولعله تعلَّم صناعة النجوم وتأثيرها على هذا العالم واستعمل هذا الفن للتأثير على الناس إنْ حقيقة أو إيهامًا، ولعل ما يقع منه كرامة لا معجزة، مجرد أفعال لأولياء يتخيلها الناس فيها لأنهم ينتظرون منهم أشياء على غير المألوف ما دامت حياته كلها كذلك.٢١ ومع أن الكرامة من نفس نوع المعجزة إلا أنها أخف وطأة وأكثر مشاهدة وأقرب إلى الفهم، والمعجزات قدح في العقل وإنكار لبديهيات العقول ورجوع بالتطور البشري إلى الوراء قبل ختم النبوة، حيث كان العقل يقف عاجزًا عن فهم قوانين الطبيعة، فيلجأ إلى السحر والعبادة درءًا للخوف واتقاءً للمخاطر، كما أنها إنكار لقوانين الطبيعة؛ فالمعجزة قدح في العقل وقدح في الطبيعة. وإن تكرار المعجزات إنما يدل على أنها ليست خوارقًا للعادات، وإنما هي حوادث تتكرر على مدى العصور، في كل زمان ومكان؛ وبالتالي ينتفي منها الطابع الفريد، فإذا ما تكررت الحوادث الفريدة فإنها لا تُصبِح معجزة، وقد تحدث الحوادث الفريدة في قُطرٍ آخر أو بفاعل آخر ولا تكون فريدة فيه أو عنده، ويجوِّز العقل وقوع أمثالها في الماضي والحاضر والمستقبل. ما يهم فقط هو رصد حوادث التاريخ ومعرفة تاريخ السِّير والأبطال وحياة القادة العظام، وإذا ما تكرَّرَت الحادثة الفريدة أمكن إخضاع التكرار لقانون، وأصبحت الحوادث الفريدة كلها إنما تتم طبقًا لقانون طبيعي، وتُصبِح حوادث طبيعية، بل إن خرق الحادثة الواحدة الفريدة للقانون الطبيعي العام إنما يتم وفقًا لقانون آخر وليس ضد القانون الأول، ويُساعِد تكرارها على اكتشافه؛ ومن ثَم تنتظم قوانين الطبيعة فيما بينها من حيث الخصوص والعموم، ما يصدق على بعض الظواهر، وما يصدق على بعض آخر أعم من الأول.٢٢ وقد تكون المعجزات في النهاية من فعل الأجسام بطباعها وليس خرقًا لقوانينها، وتحدث طبقًا للطبائع وليس قلبًا لها؛ فقوانين الطبيعة ثابتة لا تُخرَق بفعل أحد، وإن خرقها لَأدلُّ على النفي منه على التصديق، وأدعى إلى زعزعة الثقة بالعقل وبالعلم منه إلى إعطاء معرفة أو تصديق بديل. هناك إذن قوانين الطبيعة وخواص الأشياء التي تمنع من التصديق بالمعجزة؛ بمعنى مناقضتها لها وجريانها على غيرها. المعجزات إذن ليس شيء منها من فعل الله؛ فالله قد خلق الأجسام ثم خلقت الأجسام الأعراض بأنفسها، وليست المعجزة حدوث أجسام وإنما حدوث أعراض في الأجسام على وجه لم تألفه العادة، والمتولِّدات من أفعالٍ لا فاعل لها إلا الأجسام التي تتولد عنها الأعراض.٢٣ إن القول بالطبائع ليس إنكارًا للصفات عامة وللكلام خاصة، أو إنكارًا للشرع وإسقاطًا للتكليف؛ فهذا إرهاب باسم الذات والصفات للعلم وللحرية.
وإن تم التسليم بأن فاعل المعجزة هو الله، فلِمَ يفعلها من أجل التصديق وأفعال الله غير معلَّلة بعلة أو بفرض أو بغاية؟ ولماذا لا تكون المعجزات ابتداءً وهو أقرب إلى نفي العلية والغائية. وقد تكون المعجزة تكرارًا لعادة مُتطاوِلة، أو كرامة لولي، أو إرهاصًا لنبي آخر، أو امتحانًا لعقول المكلَّفين وليس بالضرورة للتصديق. وما حاجة الله إلى المعجزة وبقدرته مشافهة الخلق أو خلق التصديق فيهم بلا وسيلة أو ذريعة أو مناسبة؟ وهل المعجزة دليل صدق؟ وهل الصدق خارجي ضد العقل والطبيعة أم داخلي باتفاقه مع بداهة العقل وقوانين الطبيعة ومصالح الناس؟ وقد يقع التصديق بالإيهام أو بالاجتهاد أو بالتأويل، كما هو الحال في المتشابهات، فيكون للمصدِّق نِعمَ الثواب، بل إن التصديق على هذا النحو متعذِّر؛ فإما أن يتم التصديق بنفس دعوى النبي وخبرُه فيه احتمال الصدق والكذب، وإما أن يتم بأمر خارجي، إما بمشافهة مع الله، أو باقتران قول يدل على صدق الرسول، ويكون هذا القول المقترن إما في مقدوره، وبالتالي يكون في مقدورنا، أو في مقدور الله وحده، معتادًا وبالتالي يكون في مقدورنا، أو على غير المعتاد فيكون فعلًا لله وحده يُثبِت قدرته ولا يُثبِت صدق النبي. وطالما سأل نبيٌّ معجزة في وقت معيَّن أو مكان معين، فلم تحدث لأنها مخصَّصة بمشيئة الله وإرادته. إن اقتران بعض المعجزات بدعوات الأنبياء إنما كانت من قبيل الاتفاق وبمحض المصادفات، كما أن وقوعها قبل دعوته أو بعدها لا يكون دليلًا على صدقه إن لم يكن دليلًا على كذبه.٢٤ وما العمل إذا شك الناس حتى بعد وقوع المعجزات ولم يحدث التصديق بها؟ هل من الضروري وجود معجزة خاصة لكل مصدِّق، وإلا فليس أمامنا إلا التقليد أو الخبر أو الإيمان بلا دليل؟ وماذا تفعل الأجيال التي لم تلحق بالأنبياء وتشاهد معجزاتهم؟ هل تستمر المعجزات لهم وتتكرَّر جيلًا بعد جيل، وبالتالي لا تُصبِح معجزات فريدة بواقع التكرار، أم تتوقف المعجزات وتُصبِح الأجيال اللاحقة بلا دليل على صدق النبوة؟ ليس أمام الأجيال الحالية إلا التصديق بالأنبياء السابقين بناءً على روايات المعجزات إن كانت متواترة، وبالتالي يكون الخبر المتواتر بالنسبة لها هو الدليل على وقوع المعجزة. وإذا كان الخبر المتواتر دليلًا فالأَولى أن يكون كذلك مباشرةً على صدق النبوة، بتواتر الكتاب مباشرةً ووصوله بلا تحريف أو تبديل، بلا زيادة أو نقصان، خاصةً وأن النبوة هي علاقة المُرسَل إليه بالمُرسَل إليهم، وهي الرسالة وليست علاقة المُرسِل بالمُرسَل إليه وهي النبوة.٢٥
وإن تم التسليم بأن الله فعلها من أجل تصديق المدَّعي، فلماذا يكون كل من صدق الله فهو صادق؟ يحدث هذا إذا ثبت أن الكذب على الله مُحال، وهذا لا يتأتى إلا بإثبات الحسن والقبح العقليَّين في أفعال الله، وإلا لَاستحالت معرفة امتناع الكذب عليه. إن ارتباط العجز بصدق الله يُوجِب على الله الصدق، وهو مخالف لأصل عدم وجوب شيء عليه، وإن عدم وجوب الصدق يجوِّز الإضلال على الله؛ وبالتالي يجوز إظهار المعجزات على يد كاذب، ولا يُظهِرها على يد صادق، دون أن يكون في ذلك نقض للألوهية وإضرار بالربوبية، وإن كثيرًا من الأنبياء لم تربط دعوتهم بالآيات والمعجزات أو بتصديقها؛ مما يدل على ارتباط صدق الرسول بالمعجزات، حتى ولو أمكن التمييز بين المعجزات والكرامات من ناحية، وبين السحر والطلسمات من ناحية أخرى، فكيف يتم التصديق بالأُولى وتكذيب الثانية، والكذب والإضلال والغواية وكل القبائح تجوز على الله، ما دام الله لا يجب عليه شيء؟٢٦ وكيف يُجِيز الله أمثال هذه المعجزات على أيدي الكذبة لإضلالهم دون أن يُوقِفهم أو ينهِّيهم أو يحذِّرهم أو يُخبِر الناس بها؟ وهل يجوز على الله الإضلال والله لا يفعل القبيح؟ شرط النبوة أنها من الله صدقًا، وأن الله لا يفعل الكذب شرطٌ أساسي به يُمكِن التفرقة بين المعجزة على يد صادق والمعجزة على يد كاذب، وأن ظهور المعجزات على أيدي الكذابين مدَّعي النبوة إنما يدل على أن المعجزة ليست دليلًا على صحة النبوة، وإذا كانت المعجزة تقع من غير الأنبياء فما الدليل على أن كل من تقع منه المعجزة ليس نبيًّا؟ وإذا وقعت المعجزة على أيدي الكذبة فما الدليل على صدق النبي حتى ولو أتى بمئات المعجزات؟ وما الفرق بين المعجزة التي تقع على يد النبي الصادق وتلك التي تقع على يد النبي الكاذب؟ وما الفرق بينهما لو كان كلاهما خرقًا لقوانين الطبيعة، وجريانًا على غير المألوف، وسريانًا على نقيض العادة؟ وحرصًا على الصدق الإلهي وصدق النبي، فإن الأقرب هو عدم ظهور المعجزة على أيدي الكذابين، حتى ولو كان في ذلك عدم إعطاء الأولية المُطلَقة للقدرة الإلهية على صدق النبي. أما ظهور المعجزة أو الكرامة على أيدي أعداء النبي، مثل «إبليس» أو فرعون، فإنه مُمكِن لاستدراجهم ثم عقوبتهم، وهي في هذه الحالة تُسمَّى قضاء حاجات ليزدادوا طغيانًا وليزدادوا عقابًا. وكيف يجوز ذلك على الله؛ استدراج الأعداء لزيادة العقاب، تكذيبهم وإبطال المعجزات والكرامات لهم؟ ألا يعود الأمر من جديد كما كان، ظهور المعجزة على أيدي الكذابين وأعداء النبي، فيبطل الصدق الإلهي، كما يبطل صدق النبوة، وتعجز الإرادة الإلهية، وتقوى إرادة الأعداء؟٢٧
أما بالنسبة لمقارنة المعجزة بالتحدي وعدم المعارضة، فقد لا يبلغ التحدي كل القادرين على المعارضة، ولعل القادرين تركوا المعارضة تواضعًا، إعلاءً لكلمة الله، أو خوفًا من السيف، أو انشغالًا عنها بشئون المعاش، وقد تتم المعارضة ولا تظهر؛ لإخفائها وطمس آثارها. وإن كان البعض قد عجز عن المعارضة فلربما لا يعجز البعض الآخر، بل إن عجز البعض الأول لا يدل على صدق النبي، بل على تفاوُت القدرات في الفاعلية والأثر. وشرط التحدي أن يكون المتحدَّى بمثله داخلًا تحت القدرة حتى يصح التحدي، وإلا لو طُلِب من الإنسان زحزحة الجبال أو إحداث زلزال فلا يكون تحديًّا بل تعجيزًا. وإن كان التصديق يتم ضرورة، فإن الضرورة أيضًا ليست بأولى بالتصديق من التكذيب، ورؤية المعجزة على أنها سحر أو رؤيتها على أنها معجزة يُظهِر دافع العناد.٢٨
فإذا كانت المعجزة دليل الصدق الوحيد على النبوة، واستحالت المعجزة استحالت النبوة بدورها، وإن لم يكن للناس طريق آخر لإثبات النبوة غير طريق المعجزات الخارقة للعادات وبطلت المعجزات بطلت النبوات، وحُوصِر الطريق إلى الله. وما الذي جعل المعجزة هي الطريق الوحيد لإثبات النبوة وأولى بالدلالة عليها من غيرها؟ وهي لا تصدق النبوة إلا بهذا الطريق القائم على وجود المُحال المُمتنِع في العقل والطبيعة؟ إن المعجزة إنكار لمبادئ العقل الثابتة ولقوانين الطبيعة المطردة، فكيف تكون دليلًا على وحيٍ يستند أساسًا إلى مبادئ العقل وقوانين الطبيعة؟ وكيف تكون الأعراض دليلًا على وجود الله. إذا كانت المعجزة تغيُّرات في الأعراض وجريانها على نحوٍ غير مألوف على الأجسام، فكيف تكون الأعراض، وهي مشروطة بالأجسام ولا تستقل بذاتها، دليلًا على وجود الجواهر المفارقة؟ إن العرَض لا يؤدي إلى جوهر، والمشروط لا يؤدي إلى الشارط، كما أن الفرع لا يُثبِت الأصل، والمعجزة فرع والنبوة أصل.٢٩ وما الفائدة من إثبات النبوة بالمعجزة الآن، والنبوة واقعة مسلَّم بها في حين أن التسليم بالمعجزة أقل؟ لقد كان الزمن الماضي زمن نشر الرسالة والرد على مُنكِريها وليس الأمر كذلك الآن. إن التحدي الآن هو تحويل الوحي إلى علم يقوم على العقل، ويستند إلى الطبيعة، ويحقِّق مصالح الناس، أو بلُغة العصر تحويل الوحي الذي أتت به النبوة إلى أيديولوجية تملأ في الناس فراغهم النظري، وتقضي على فتورهم ولامبالاتهم وتجنُّدهم؛ لاسترداد حقوقهم، والدفاع عن استقلالهم وحرياتهم، والمحافظة على أراضيهم وثرواتهم.
لقد لاحظ القدماء خاصةً الحكماء أيضًا التفسير النفسي للمعجزات؛ فإذا كانت المعجزات إما تركًا أو فعلًا أو قولًا، فإن الترك يحدث بانجذاب النفس إلى عالم القدس واشتغالها عن البدن زهدًا في الحياة، وعلى ما هو معروف من سِيَر كبار القادة والزعماء. والفعل تعبير عن القدرة المُطلَقة الناتجة عن الإحساس بالحق وضرورة بلوغ الهدف، والقدرة على الخيال؛ صعود الجبال، قطع الفيافي والقفار، عبور المحيطات، ركوب الهواء والصعود إلى القمر والكواكب. أما القول فإنه يعبِّر عن القدرة على التنبؤ بناءً على إحساس بالتاريخ وشعور بمساره، وإدراك لقوانينه، ومعرفة بالمراحل الماضية، وبالمرحلة الحالية، وبالمرحلة المستقبلية. فالوعي النبوي هو وعي تاريخي، يعي دروس الماضي من تاريخ النبوة، ويعرف بنية الحاضر، ولديه رؤية واضحة للمستقبل.٣٠ وقد يتضخم البناء النفسي فيتحول من قدرة فعلية إلى وهم، ومن صورة إلى حقيقة، ومن باعث إلى شيء، ومن إيجاب إلى سلب، ومن عبقرية إلى جنون. هنا يتم الفصل بين الذات والموضوع، فتتضخم الذات على حساب الموضوع حتى تبلغ الذات الموضوع ويضيع الموضوع المتضخِّم، فينشأ الوهم وخداع الحواس، وينتهي العقل وتختفي الطبيعة. وهنا تغضب الطبيعة لموت المسيح، وينشق القمر وتنكسف الشمس لموت إبراهيم، ويسبِّح العصا بين يدَي الرسول، ويحنُّ الجذع إليه، ويشبع المئات بل والآلاف من لقمتَين وسمكتَين. وقد يتحول التفسير إلى تفسير اجتماعي سياسي، ويُصبِح الأنبياء زعماء سياسيين مهمتُهم تسييس العامة وتجنيدها وتعبئة مقدرات الأمة وشحذ إمكانياتها؛ فالأنبياء في التاريخ القديم هم كبار المُصلِحين والمعلِّمين، بل والقادة، لنشر مُثُل ومبادئ تتجاوز عصورهم من أجل نقل الوعي الإنساني إلى درجةٍ أرقى، ومرحلة تالية في طريق اكتمال النبوة، وإعلان استقلال الوعي الإنساني عقلًا وإرادة.٣١
وكردِّ فعل على إثبات النبوة بالمعجزة كبرهان خارجي، يكفي سماع الخبر من الرسول وتصديقه بلا حجة أو برهان أو دليل، أو حتى التأكد من صحة الخبر ما دام المطلوب هو التصديق بصرف النظر عن صورة الدليل.٣٢ إذا كان الدليل هو المعجزة، وإن لم تكن المعجزة دليلًا، فالنبوة بلا دليل أفضل فإنها صريحة، ولكن كيف تجوز النبوة وكيف يسمع الوحي بلا تصديق؟ والحقيقة أن عدم الإتيان بالمعجزات، أو بدلائل إثبات صدق النبوة، لا يدل بالضرورة على انتفاء كل دليل على ذلك؛ فقد تُوجَب النبوة بمجرد الخبر وصدقه الخارجي في التواتر وصدقه الداخلي في الاتفاق مع العقل والطبيعة ومصالح الناس، وأن مجرد سماع الخبر لا يكفي لصدق النبوة، وإن كان كافيًا في المجتمعات المضطهَدة المنتظِرة أمامها المخلِّص وسماع ندائه وبلاغه، فالإمام يعبد ولا يُمكِنه إجراء المعجزات أمام كل المجتمعات؛ وبالتالي يكفي السماع بظهوره. والمطلوب تصديق الناس واتباعهم الأئمة، بصرف النظر عن البرهان ما دام البرهان هو المعجزة وليس العقل؛ أي خلب اللب وليس دليل العقل، استرعاء الانتباه واستيلاء الدهشة وليس المنطق والبرهان.
وقد سبَّب رد الفعل هذا ردَّ فعلٍ ثانٍ، وهو المطالبة بالدليل الذي ليس هو المعجزة، فالمعجزة ليست دليلًا، والخبر يحتمل الصدق والكذب؛٣٣ فلا يحتوي الوحي على معجزة من فعل النبي؛ أي دليل خارجي دون تصديق داخلي، ولا يكفي مجرد الخبر دون صحة تاريخية مشروطة بالتواتر. ليست المعجزة دليلًا خارجيًّا يُمكِن الاعتماد عليه والتصديق به، بل مجرد شاهد خارجي على قدرة الرسول، لا يُمكِن التحقق من صدقها إلا بدليل الحس وبداهة العقل وشهادة الوجدان. المعجزة برهان خارجي وليست برهانًا داخليًّا، والتصديق لا يكون خارجيًّا، ولا يكون إلا داخليًّا. ليست المعجزة دليلًا على صدق خاتم الرسل، في آخر مرحلة من مراحل الوحي، بل دليل الوحي ذاته من النواحي الأدبية والفكرية والتشريعية، وليس ذلك معجزة بل إعجازًا. ربما قامت المعجزات في المراحل السابقة للوحي لإيقاظ الشعور، وتحريره من سيطرة القوى المادية والسياسية، ولكنها لا تستطيع أن تحرِّر الشعور بطريقةٍ أبقى، أكثر دوامًا، وأشد رسوخًا، بل إن المعجزة بوضعها القديم تأخذ مدلولًا جديدًا وهي قدرة الإنسان المُطلَقة على الفعل، وتخطي العقبات، وعلى عدم وجود المستحيل أمامه. الرسول هو القدوة في تطبيق الوحي، والنموذج الأول لهذا التطبيق، والتجربة الرائدة في هذا المجال.
إن دليل النبي هو صدق رسالته بتطابق ما يأتي به مع العقل والواقع ومصالح الناس؛ فالدليل ليس خارجيًّا من المُرسِل، بل داخليًّا، من الرسالة ذاتها. ليس دليلًا خارجيًّا من معجزة أو بتدخل إرادة خارجية من الله أو من الرسول، أيًّا كانت في قلوب المؤمنين لإحداث التصديق، بل دليل داخلي ينبع من طبيعة العقل وشهادة الواقع. ليس نظام الوحي مُعجِزًا بمعنى عدم قدرة الإنسان على الإتيان بمثله؛ إذ يستطيع الإنسان بعقله أن يصل إلى كل حقائق الوحي. وكي لا يطول الوقت، ويضيع العمر، ويبذل الجهد في النظر ولا يبقى شيء للعمل، وللأمان من الخطأ، أو من تشعُّب وجهات النظر الجزئية وتضارُبها، أعطى الوحي النظام الشامل مُسبَقًا؛ حتى يبذل الإنسان جهده في فهم التفصيلات والتطبيق وفي التحقيق العملي. ولا يعني صدق الرسالة مجرد سلامتها من أخطاء القياس، بل تطبيقها في الواقع، ومعرفة صدقها بالتجربة وفي حياة الناس. وفي هذه الحالة يكون صاحبها صادقًا، لا بمعنى أنه أتى من عند الله، فالجانب الغيبي في النبوة لا يدخل فيها، بل يعني أن رسالته صادقة في الواقع، يُثبِتها العقل، وتؤيِّدها التجربة، ويجد الناس فيها حلولًا لمشاكلهم وبناءً لمجتمعهم.٣٤

(٣) هل هناك فرق بين المعجزة، والكرامة، والسحر؟

إذا كانت المعجزة هي خرقًا لقوانين الطبيعة وجريًا على غير العادة، فما الفرق بينها وبين الكرامة والسحر؟ الحقيقة أنه لا خلاف بين الثلاثة في النوع، ما دامت كلها خرقًا لقوانين الطبيعة، وسيرًا ضد مجرى العادات، وإنكارًا لبداهات العقول، ولكن الخلاف في الدرجة فقط، وهو خروج من علم أصول الدين إلى علوم التصوف؛ لذلك يكثر الاستشهاد بأقوال الصوفية أكثر من مقالات الفِرَق.

(أ) المعجزة والكرامة

وتظهر المعجزات على أيدي الصالحين والأولياء ظهورَها على أيدي الأنبياء، وفي هذه الحالة تُسمَّى كرامات، ومع ذلك فهي لا تُثبِت نبوتهم، بل قد تُضادُّها أفعال أخرى تجرُّ إلى إسقاط الشرائع وإبطال التكاليف، وتؤدي إلى تعدي الحدود وإيقاف الأحكام.٣٥ أما الولاية فتعني العامة فعل الأوامر واجتناب النواهي، وهي نوعان؛ الولاية العامة وهي مكتسَبة بإرادة الإنسان ومجاهداته، والولاية الخاصة وهي العطايا الربانية كالعلم اللدني ورؤية اللوح المحفوظ، ذاتية خالصة لا دليل عليها يُمكِن بواسطته التيقن من صدقها.٣٦ كما تظهر المعجزات أيضًا على أيدي الخادعات للأعداء، مثل الشياطين التي تتشكل في صور مألوفة لتُوسوِس للإنسان وتخدعه، وفي هذه الحالة لا تكون المعجزات خاصة بالأنبياء وحدهم، بل بالصالحين والأولياء والأعداء، ويستحيل بعدها معرفة هل هي دليل على النبوة أم على الولاية أم على العداوة، وهل هي دليل على الصدق أم تساوى فيها الصدق والكذب، النبي والمتنبي؛ لذلك قد تُخصَّص ظهور المعجزات على الأولياء بالكرامات، وتبقى المعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء.٣٧ والكرامة تيسير لأسباب الخير وتعسير لأسباب الشر،٣٨ وهذا عود من جديد لمسألة الحرية الإنسانية لأفعال الشعور الداخلية، وكأن المعجزة أو الكرامة هما نيل من أحد مكتسَبات العدل، ورجوع إلى الوراء من جديد. تُفسَّر الولاية وكأنها التوفيق والطاعة والعون؛ أي تدخُّل الله إيجابيًّا في أفعال الشعور الداخلية في حرية الأفعال، أو تعبيرًا عن الواجبات العقلية مثل الصلاح واللطف، فالولاية قضاء للحاجة وتفريج للكرب. الولاية توقُّع حدوث شيء نظرًا لشدة الحاجة إليه، ثم بعد حدوثه بالفعل يشعر الإنسان أنها ولاية مع أنها شدة الحاجة بعد انقضائها، ولو لم تكن الحاجة مُلِحة والانتظار طويلًا لَكانت حادثة عادية.٣٩
ومع ذلك هناك فروق بين المعجزة والكرامة. تظهر المعجزة على يد النبي بينما تظهر الكرامة على الولي، فالفرق بين المعجزة والكرامة هو الفرق بين النبي والولي أو بين النبوة والولاية، ومن صدَّق بالمعجزة صدق بالولاية، ومن آمن بالأنبياء آمن بالأولياء، ولكن كيف يُوضَع النبي على مستوى الولي، والنبوة على مستوى الولاية، والمعجزة على مستوى الكرامة؟ أليس ذلك حطة من النبوة ورفعًا للكرامة؟ وإذا كانت المعجزة لتصديق النبي فإن الكرامة لقضاء الحاجة؛ فغاية المعجزة دينية في حين أن غاية الكرامة عملية، وإذا كانت الغاية من المعجزة دينية، أي الإيمان بالله، فإن الغاية من الكرامة أخلاقية، أي التقوى والعمل الصالح، وإذا كان صاحب المعجزة معصومًا، فإن صاحب الولاية ليس كذلك،٤٠ وإذا كانت المعجزة من فعل الله أكثر من فعل النبي، فإن الكرامة من فعل الولي أكثر من فعل الله أو النبي، وقد يكون للكرامة بهذا المعنى ميزة على المعجزة، وهي أنها من فعل الإنسان، وتُثبِت قدرته على التأثير النفسي، وكيف أن التركيز على الشعور يخلق موضوعه، سواءٌ حقيقة أو مجرد إيحاء بذلك للآخرين؛ لذلك تقع المعجزة ضرورة بينما تقع الكرامة ضرورة أو اختيارًا.٤١
وإذا كانت المعجزة يراها كل إنسان، فإن الكرامة لا يراها إلا الولي. رؤية المعجزة عامة لكل الناس بينما رؤية الكرامة خاصة للولي وللأولياء. فائدة المعجزة إذن عامة في حين أن فائدة الكرامة خاصة.٤٢ وإذا كانت المعجزة تقع في كل وقت يريده النبي، فإن الكرامة تقع في وقت مخصوص يريده الله، ومع ذلك المعجزات قبل البعثة كرامات؛ لأن المعجزات دليل على صدق النبوة، والبعثة لم تكن قد بدأت بعد.٤٣ وإذا كان الإعلان عن المعجزة واجبًا حتى يراها الناس ويصدِّقوا النبي، فإن كتمان الكرامة ضروري. المعجزة تتطلب المعارضة والتحدي، وبالتالي الإعلان عنها ضروري، في حين أن الكرامة ليست كذلك، فتظل طي الكتمان، وقد يُطلِع الله عليها بعض عباده المُخلِصين،٤٤ ولكن ما فائدة الكتمان؟ وكيف يعرف الناس الكرامة ما دامت مجهولة، لا تتعدى غاية الكرامة إلا الثقة بالنفس، والفرح بالذات، والرضا عليها، وبث الطمأنينة فيها، وإدخال السعادة عليها، ويظل السؤال ألا تظهر الكرامة على يد الفاسق، كما تظهر النبوة على يد النبي الكذاب؟ كيف السبيل إلى التفرقة بين الكرامة الحقة والكرامة الكاذبة؟
والحقيقة أنه لا فرق بين المعجزة والكرامة، من حيث إن كلَيهما يؤديان إلى خرق قوانين الطبيعة وإنكار أوليات العقل.٤٥ وقد تجرَّأت الحركة الإصلاحية الحديثة على نفي الكرامات وخوارق العادات على يد الأولياء، وإثبات المعجزات وخوارق العادات على يد الأنبياء وحدهم،٤٦ وقد قامت بذلك اتكاءً على الموقف الاعتزالي الوسط القديم؛٤٧ فلو جازت الكرامة لبطلت دلالة المعجزة على النبوة، وضاع التخصيص، ولَجاز ظهورها على غير النبي ما دامت عامة وشائعة. لو صحَّت كرامات الأولياء لبطلت معجزات الأنبياء، ولو جاز اختراق العادات من كل وجه لَجاز اختراقها من كل وجه، لا فرق في ذلك بين كرامة ومعجزة، وينتهي الأمر إلى التشكك في قوانين الطبيعة ووجود الإنسان في عالمٍ يحكمه الوهم وتسيِّره الرغبات المكبوتة.٤٨ وإذا كان الإنسان قادرًا بالدعاء على التأثير في الطبيعة سرًّا من خلال فعل الله وهي الكرامة، فالأَولى أن يكون قادرًا على التأثير فيها مباشرة عن طريق الفعل علانية أمام الناس وعلى رءوس الأشهاد، وليبقى عملًا رائدًا وسنة للناس، حاضرًا في التأريخ. وإن تجرأت الحركة الإصلاحية على إنكار الكرامات، فإنها ما زالت تُثبِت المعجزات مع تساويهما في خرق قوانين الطبيعة، وقلبٍ لمجرى العادات، وإخلال للقواعد بالرغم من وجود أصل قديم لنفي المعجزات حرصًا على إثبات قوانين الطبيعة.٤٩ ولماذا الدفاع عن خرق العادات؟ وأيهما أفضل؛ أن نعيش في عالم له سنن وقوانين، يوثق به ونتحكم فيه، أم نعيش في عالمٍ لا يحكمه قانون ولا يُوثِق بنُظمه؟ وإذا كانت المعجزات تصح فقط في هذا العالم دون أي عالم آخر، حيث تسود فيه الإرادة المُطلَقة بلا طبيعة، فكأن الهدف من المعجزة هو القضاء على الطبيعة وعلى قوانينها الثابتة في هذه الدنيا، حتى تضطرب حياة الناس، فيستسلمون للقوة القاهرة القادرة على كل شيء، بما في ذلك الطبيعة التي استعصى على الناس فهمها والسيطرة عليها. وهل خلقُ السموات والأرض على هذا النظام شبيه بخوارق العادات؟٥٠ وهل تثبت قدرة الله بالضرورة بخرق العادات، والأقرب إلى الحكمة أن تثبت بالنظام وسنن الكون؟ والرسول نفسه لا يخرق الطبيعة ولا تنخرق قوانين الطبيعة فرحًا له أو حزنًا على موت أبنائه. ولماذا تُستغَل نتائج العلم وقوانينه الحديثة مثل اللاتحدُّد لإثبات المعجزات وإنكار قوانين الطبيعة، وهي قوانين متغيِّرة تُثبِت اليوم ما تنفيه غدًا، وتنتفي بالأمس ما تُثبِته اليوم، وتجعل الدين مُلحَقًا للعلم وتابعًا له؟ إن وجود ظواهر شاذة في الطبيعة إنما تحدث وفقًا لقوانين أخرى أعم منها وأشمل؛ فالمعجزة حادثة طبيعية تحدث وفقًا لقوانين أخرى أعم منها وأشمل؛ فالمعجزة حادثة طبيعية تحدث وفقًا لقانونٍ طبيعي نجهله حتى الآن. المسألة إذن مرهونة بتقدم العلم، وتاريخ المعجزات جزء من تاريخ العلم وتقدُّمه.٥١

(ب) المعجزة والسحر

ولما كانت المعجزة خرقًا لقوانين الطبيعة فإنها تقترب من السحر والشعوذة والمخاريق والطلسمات والحيل، فهي كلها خرق لقوانين الطبيعة وهدم لبداهات العقل وشهادة الحس إنْ حقيقة أو خيالًا، واقعًا أو إيهامًا؛ فالسحر عند البعض موجود وثابت، فيرتقي الساحر في الهواء أو يقلب الإنسان حمارًا؛ فالسحر قلبٌ للأعيان، وإحالة للطبائع حقيقة ليس خداعًا، وكل من يُثبِت المعجزة بهذا المعنى، فإنه يُثبِت السحر على هذا الأساس.٥٢ ولا فرق بين السحر والعين فكلاهما ثابت موجود،٥٣ وهناك عديد من الشواهد النقلية تدل على وجوده، ترتكز على وقائع تاريخية محدَّدة كانت أسباب النزول.٥٤ والسحر نوعان؛ الأول: ما يأتي من قِبل الكواكب من خلال الطلسمات في التأليف بين الطبائع، والثاني: هي الرُّقى، وهو كلام مكتوب من حروف مقطَّعة غدَت قوةً تُثير الطبائع.٥٥
فإذا كان السحر يُشارِك المعجزة والكرامة في أن الكل خرق لقوانين الطبيعة وهدم لبداهات العقول، أصبح الفرق بينهم في الدرجة لا في النوع، فإذا كان فاعل المعجزة هو الله مباشرةً أو من خلال النبي، فإن فاعل السحر هو الجن والشياطين؛ وبالتالي يزداد الأمر غموضًا في المجهول. وإذا كانت المعجزة خارج نطاق القدرة الإنسانية فإن السحر يكون من مقدورات البشر، ويكون الله قادرًا عليه. السحر نوع من القدرة الخارقة في حدود القدرة البشرية، وتمنٍّ مستمرٌّ للإنسان أن يكون أقدر مما هو عليه إن استعصت عليه الحِيَل، وانقطعت به السُّبل. وإذا كانت الحيلة من أنواع السحر تظل المعجزة من الله والحيلة ليست كذلك، وتظل المعجزة حادثة خارقة للطبيعة في حين قد لا تكون الحيلة كذلك يُمكِن تعلُّمها، وهناك علم بأكمله للحِيَل. وإذا كانت المعجزة لا يقع فيها الاشتراك بل تظل خاصية فريدة للنبي، فإن الاشتراك يقع في الحيل. وإذا كانت المعجزة للأنبياء وحدهم فإن الحيل لأهل صناعة الحيل. وإذا كانت المعجزة تحديًا لأهل الصناعة فإن الحيلة ليست كذلك لهم،٥٦ ولكن تستعمل المعجزة لغة السحر إذا كان العصر عصر سحر؛ فالمعجزة إنما تأتي بلغة العصر وطبقًا لمستوى علومه،٥٧ ولكن يظل يغلب عليهما معًا أنهما خرق لقوانين الطبيعة، وتغيُّر في جواهر الأجسام، حتى إذا توجهت المعجزة أساسًا إلى الجواهر يتوجه السحر أساسًا إلى الأعراض.٥٨ وبالرغم من أن الكرامة أيضًا كالمعجزة وقضاء حاجات، ولا تظهر إلا على ولي تقي فاضل، فإن السحر شرٌّ لا يظهر إلا على فاسق؛ فالتعارض بين الكرامة والسحر مثل التعارض بين الخير والشر.٥٩ وطبقًا لهذه الفروق بين المعجزة والكرامة من ناحية والسحر من ناحية أخرى لا تكون المعجزة سحرًا.٦٠
والحقيقة أن الفرق بين المعجزة والسحر ليس كبيرًا، ما دام كلاهما خرقًا لقوانين الطبيعة وإنكارًا لبداهات العقل.٦١ كلاهما يقوم في الشعور على بناء واحد، وكلاهما يؤدي وظيفة واحدة. وإن اعتبار المعجزات حِيلًا ومخاريق ردُّ فعل طبيعي على اعتبارها وقائع حدثت بالفعل، فكلٌّ منهما ردُّ فعل على الآخر، وهي في الحقيقة صورٌ فنية للتأثير على النفوس والإيحاء بالمعاني.٦٢ إن الطبائع لا تتغير لا بفعل المعجزة ولا تحت أثر السحر. هناك خواص للأشياء لا يُمكِن التحايل عليها أو سحرها إلا بخداع الحواس والإيهام. ليس هناك عين أو رقًى؛ فالعين مجرد حدوث شر للآخر بناءً على استكثار الخير له، ودون هذا الحكم النفسي من الذات فلا حكم بالشر على الواقع. أما بالنسبة للرقى فلا وجود لقدرة للكلام الكتابي المدوَّن، مقطَّعًا في حروف أو مجمَّعًا في جُمَل. لا أثر للكلام إلا من خلال الصوت والتعبير والجهر بالقول، أو بتنفيذه في أحكام عملية وسلوك فعلي. وقد قامت إحدى الحركات الإصلاحية من قبلُ برفض الرقى والتماتم والأحجبة. إن ما يُسمَّى سحرًا هو تفاعلٌ كيميائي في الظواهر الطبيعية، طبقًا لقوانين التفاعل التي يسمِّيها الجاهل بها سحرًا، كما أن الحقائق تقوم على التمييز بين الواجب والمُمكِن والمستحيل، وهي من بداهات العقول. السحر كالمعجزة نفي لقوانين الطبيعة، وزعزعة لثقة الشعور بالطبيعة والعقل، وجعله خاضعًا لصاحب السلطة والأثر.
١  المعجزة في اللغة مأخوذة من العجز وهو نقيض القدرة، والمُعجِز في الحقيقة فاعل العجز في غيره وهو الله، وزِيدَت الهاء للمبالغة (الأصول، ص١٧٠-١٧١). سُمِّيت دلالات صدق الأنبياء معجزات توسعًا وتجوزًا؛ فإن المُعجِز على الحقيقة خالق العجز، وإنما سُمِّيت بذلك لأنه يظهر بها أنه من ليس نبيًّا يعجز عن الإتيان بما يُظهِره الله على النبي (النظامية، ص٥). المعجزات من الله (الأصول، ص١٦٩–١٨٥).
٢  حقيقة المعجزة ما قُصِد به إظهار صدق مَن ادعى أنه رسول الله (المواقف، ص٣٣٩). الكلام في وقوع البعثة، المعجزات الدالة على ثبوتهم، صفاتها وكيفية دلالتها، واختصاص الأنبياء بها وما يجوز فيها وما لا يجوز، صفة المبعوث وما يتبين به من غيره في أحواله التي يجب أن يكون عليها (المغني، ج١٥، النبوات، ص٧-٨). من تظهر المعجزات عليه، حاجة النبي إليها، كيف يُستدَل بها على صدقه، معجزات كل نبي، إعجاز القرآن (الأصول، ص١٦٩–١٨٥).
٣  المعجزة ظهور أمر خلافًا للعادة في دار التكليف لإظهار صدق ذي نبوة من الأنبياء أو ذي كرامة من الأولياء مع كون من يتحدى به عن معارضة مثل … أمر خارق للعادة مُؤذِن بالتحدي مع عدم المعارضة (المحصل، ص١٥١؛ الطوالع، ص٢٠٠؛ لمع الأدلة، ص١١٠-١١١؛ الإرشاد، ص٣٣١). ضرورة أن تكون مقرونة بالتحدي (الإرشاد، ص٣٠٧–٣٠٩؛ التحقيق، ص١٥٦). أيَّدهم بالمعجزات المُناقِضات للعادات (النسفية، ص١٣٢-١٣٣). المعجزة فعل خارق للعادة مُقترِن بالتحدي سليم عن المعارضة، فينزل منزلة التصديق بالقول من حيث القرينة، وهو مُنقسِم إلى خرق المعتاد وإلى إثبات غير المعتاد (المِلَل، ج١، ص١٥٥-١٥٦). ويُشير القرآن كثيرًا إلى إثبات قوانين الطبيعة وسنن الكون في عدة آيات، مثل: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (١٧: ٧٧)، سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٣٢: ٦٢)، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٣٥: ٤٣)، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا (٣٥: ٤٣) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٤٨: ٢٣)، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (١٧: ٧٧).
٤  من شروطها: (١) أن تكون من فعل الله أو ما يقوم مقامه. (٢) أن تكون خارقة للعادة دون أن تكون في مقدور النبي. (٣) أن تتعذر معارضتها. (٤) أن تكون ظاهرة على يد مُدَّعي النبوة ليُعلَم أنه المقصود، وقد يُشترَط التحدي أو الاكتفاء بقرينة. (٥) أن تكون موافقة للدعوة. (٦) ألا يكون ما ادعاه وأظهره مكذِّبًا لها. (٧) ألا تكون متقدمة على الدعوة بل مقارنة لها، فالتصديق قبل الدعوى لا يُعقَل، وأن تقع في زمان التكليف، داخل الزمان، لا تظهر المعجزة أولًا ثم الدعوة ثانيًا، ولا تظهر بعد الموت، وقوع المعجزة قبل زوال التكليف، وبعد الزوال لا تكون دليلًا على النبوة، والمعجزة تحدث في حياة النبي أو الأنبياء أثناء تطوُّر الوحي لا بعد وفاتهم (المواقف، ص٣٣٩-٣٤٠؛ الإرشاد، ص٣٠٧–٣١٥؛ المغني، ج٦، التعديل والتجوير، ص١٢٦؛ الفصل، ج٥، ص٧٩).
٥  تُذكَر في الأناجيل معجزات الميلاد، مثل ظهور النجم وبشارة المجوس بالنسبة للسيد المسيح، كما تُذكَر ظواهر الرعد والبرق والزلزال أثناء الصلب، وتُذكَر في القرآن معجزات الكلام في المهد، وتساقُط الرطب الجني على مريم، وفي كتب السيرة تُذكَر بعض المعجزات قبل البعثة، مثل نزول جبريل شق قلب محمد واستخراج الشيطان منه. أما ظواهر الطبيعة في القرآن فهي سنن كونية لا تتأثر بأفراح الأنبياء وأحزانهم، مثل قول الرسول: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد.» عندما حدث خسوف القمر بعد موت إبراهيم. في معنى المعجز وشروطه وأوصافه، في بيان ما يجب أن يكون المُعجِز من قبل، في أن المُعجِز لا بد أن يكون ناقضًا للعادة، في أن من حق المُعجِز أن يتعذر على العباد فعل مثله، في أنه لا فرق بين أن يتعذر عليهم فعله مثله في جنسه أو في صفته، في بيان وجه اختصاص النبي بالمُعجِز الذي يظهر عليه، في تقديم المعجزات وتأخيرها وما يتصل بذلك (المغني، ج١٥، ص١٩٧–٢١٣).
٦  المواقف، ص٣٣٩؛ التحقيق، ص١٥٦–١٥٩.
٧  ويذكر القرآن بعضًا منها، مثل: (أ) معجزات موسى، انفلاق البحر. (ب) نبع الماء من الحجر. (ﺟ) انقلاب العصا ثعبانًا كبيرًا ابتلع الحبال. (د) رفع الطور، وهو الجبل، فوق بني إسرائيل حتى قبِلوا الميثاق. (ﻫ) إرسال الجراد والقمل والضفادع والدم على قوم فرعون، وإنزال المن والسلوى على بني إسرائيل في التيه (الحصون، ص٤٠–٤٤). خروج ناقة من صخرة على يد صالح (الحصون، ص٤٤). تسخير الشياطين والريح لسليمان وإلانة الحديد لداود (الحصون، ص٤٧). شفاء عيسى للأبرص والأكمه وإحياء الموتى، تصوير الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيصير طيرًا، نزول مائدة من السماء (الحصون، ص٤٦-٤٧). عدم احتراق إبراهيم بالنار (الحصون، ص٤٤–٤٦؛ الأصول، ص١٧٦-١٧٧).
٨  نوعان: (أ) لا يدخل تحت قدرة من هو معجزة له وفيه، ولا تحت قدرة غيره من الخلق ولا يقدر عليه غير الله (اختراع الأجسام والألوان والحواس وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص). (ب) لا يدخل تحت قدرة من هو مُعجِز فيه وله على الوجه الذي أظهره الله عليه، وإن دخل تحت أبعاضه وجنسه تحت قدرة العِباد بأن يكتسبوه في أنفسهم ويستحيل منه فعله في غيرهم لقيام الدلالة على إبطال التولد. وقسمة أخرى: (أ) وجود فعل غير معتاد مثله. (ب) تعجيز الفاعل بشيء معتاد عن فعل مثله (منع زكريا من الكلام ثلاث ليالٍ بعد أن كان معتادًا له للدلالة على صحة ما بُشِّر به عن الولد) (الأصول، ص١٧١-١٧٢). وأكثر المعجزات من أفعال الله لا يقدر على جنسها غيره (الأصول، ص١٧٦-١٧٧).
٩  المواقف، ص٣٣٩؛ الطوالع، ص٢٠٠.
١٠  عند أهل السنة المعجزة أمرٌ يظهر على وجهٍ يدل على صدقه في زمان التكليف (الفِرَق، ص٣٤٤). وعند الأشعري انبعاث الرسل من القضايا الجائزة، لا الواجبة ولا المستحيلة، ولكن بعد الانبعاث يكون تأييدهم بالمعجزات وعصمتهم من جملة المُوبِقات؛ إذ لا بد من طريق للمستمِع يسلكه فيعرف به صدق المدَّعي، ولا بد من إزاحة العِلل فلا يقع في التكليف تناقُض (المِلَل، ج١، ص١٥٥-١٥٦). عند أهل السنة كلُّ من نزل عليه الوحي من الله على لسان ملك من الملائكة، وكان مؤيَّدًا بنوع من الكرامات المناقضة للعادة، فهو نبي (الفِرَق، ص٣٤٢). وهم مؤيَّدون بالمعجزات الباهرات والآيات الطاهرات (شرح الفقه، ص٥٥). وبعثة الرسل بالمعجزات من لدن آدم إلى نبينا محمدٍ حق (العضدية، ج١، ص٢٧٦–٢٨٢). وقد قيل شعرًا:
وبالمعجزات أيدوا شكرهما
وعصمة الباري لكلٍّ حتما
ومعجزاته كثيرة قرر
في كلام الله مُعجِز البشر
(الجوهرة، ص٢١–١٣)
كما تأيدت جميع الرسل
والأنبيا بمعجزات الفضل
(الوسيلة، ص٧٣-٧٤)
١١  عند أهل السنة لا بد للنبي من معجزة واحدة تدل على صدقه؛ فإذا ظهرت عليه معجزة واحدة تدل على صدقه وعجزوا عن معارضته بمثلها، فقد لزِمَتهم الحجة في وجوب تصديقه ووجوب طاعته؛ فإن طالَبوه بمعجزة سواها فالأمر إلى الله، إن شاء أيَّده بها وإن شاء عاقب الطالبين لها لتركهم الإيمان بمن قد ظهرت دلالة صدقه (الفِرَق، ص٣٤٤). المعجزات والأفعال الخارقة للعادات بحيث تُوجِب على العقول القبول والإرادة على الطاعة (الغاية، ص٣١٨–٣٢٠؛ التحقيق، ص١٥٩-١٦٠؛ النسفية، ص١٣٢-١٣٣). في بيان ما يحتاج النبي إليه من المعجزة: النبي لا بد له من إظهار معجزة تدل على صدقه؛ فإذا أتى بها وبان لقومه وجه الإعجاز فيها لزمهم تصديقه وطاعته، ولم يكن لهم مطالبته بمعجزة أخرى؛ فإن طالبوه فإن شاء الله أظهر الأخرى توكيدًا للحجة عليهم وإن شاء الله عاقبهم على ترك الإيمان بمن قد دلَّت المعجزة على صدقه (الأصول، ص١٧٣؛ لمع الأدلة، ص١١٠-١١١؛ الإرشاد، ص٣٣١؛ الاقتصاد، ص١٠٢-١٠٣).
١٢  تشير إلى ذلك الآية الكريمة: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ (١٧: ٥٩). وقد ذُكِرت كلمة آية ومشتقاتها في القرآن ٣٨٢ مرة، نصفها للإيمان بها، ونصفها (حوالَي ١٥٢ مرة) للكفر بها، مثل: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (٢: ١٤٥)، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٣٦: ٤٦)، (٦: ٤)، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا (٦: ٢٥)، (٧: ١٤٦)، أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ (٦: ٣٥)، َأَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٢٧: ٨٢).
١٣  يشير القرآن إلى قانون الأغلبية التي لم تؤمِن وتصدِّق بالأنبياء عن طريق المعجزات في آيات كثيرة، مثل: قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦: ٣٧)، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٦: ٨)، (٢٦: ٦٧)، (٢٦: ١٠٣)، (٢٦: ١٣١)، (٢٦: ١٣٩)، (٢٦: ١٧٤)، (٢٦: ١٩٧).
١٤  الشرح، ص٥٦٤، ص١٦٨؛ الأصول، ص١٧٦؛ الحصون، ص٣٥–٤٠.
١٥  ورد لفظ «عجز» في القرآن ٢٦ مرة؛ ستة منها بمعنى عجوز، أربعة للنساء واثنان للنخيل، والباقي عشرون مرة ليس فيه لفظ معجزة، بل هناك فعل أعجز ٥ مرات، ثم صفة اسم فعل مُعجِز أو مُعاجِز، مفردًا أو جمعًا ١٥ مرة، منها مرة واحدة لله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ (٣٥: ٤٤)، والباقي كله ١٤ مرة للإنسان أنه لن يُعجِز الله في الأرض؛ أي قدرة الإنسان المحدودة ليس فقط بالنسبة له في الأرض بل بالنسبة للحيوان كالطير مثلًا: قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ (٥: ٣١)، وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ (٧٢: ١٢)، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ (٤٦: ٣٢)، أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ (١١: ٢٠)، لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ (٢٤: ٥٧)، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ (٢٩: ٢٢)، (٤٢: ٣١)، وقدرة الإنسان محدودة أمام الآيات: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٢٢: ٥١)، (٣٤: ٥)، (٣٤: ٣٨)، وهي محدودة أيضًا بالنسبة لله على الإطلاق: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ (٩: ٢). أما بالنسبة للَفظ آية فقد تكون آية قرآنية: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (٢: ١٠٦)، وقد تكون ظاهرة طبيعية: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٥١: ٢٠)، وقد تكون الظاهرة الطبيعية كالسموات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والرياح والبرق، وقد تكون حية نباتية كالأرض الميتة التي تحيا بالماء، أو حيوانية كالحمار والناقة والقمل والضفادع والدم والدابة، أو بشرية مثل مريم وعيسى ونوح وأصحاب السفينة وآيات موسى ويوسف، أو خلق الناس من تراب ثم إذ هم بشر، أو خلق الأزواج من النفس، ومن الآيات اختراع البشر وصناعاتهم، مثل الفلك التي تجري في البحر والأعلام.
١٦  كيفية دلالتها، إجراء الله عادته بخلق العلم بالصدق عقبيه (المواقف، ص٣٣٩). فصل في وجه دلالة المعجزات على النبوات (المغني، ج١٥، النبوات، ص١٦٨). في أن المعجزات كلها من الله دون غيره، ويجب أن يُعلَم أن صدق مدَّعي النبوة لم يثبت بمجرد دعواه، وإنما يثبت بالمعجزات، وهي أفعال خارقة للعادة المطابقة لدعوى الأنبياء وتحديهم للأمم بالإتيان بمثل ذلك (الإنصاف، ص٦١). في امتناع الكذب على الله شرط في دلالة المعجزة (وهذا تحصيل حاصل، فالله لا يكذب، وهذا معروف من التوحيد، كما أنه من الشرط الأول للمعجزة) (الإرشاد، ص٣٣١–٣٣٧). عند المعتزلة خلق المُعجِز على يد الكاذب مُمتنِع؛ لأن فيه إيهام صدقه وهو إضلال قبيح من الله (المواقف، ص٣٣٩). باب في الوجه الذي منه تدل المعجزة على صدق الرسول، لا تدل المعجزة على صدق النبي حسب الأدلة العقلية على مدلولاتها (الإرشاد، ص٣٢٤–٣٣٣). ويرفض القاضي عبد الجبار آراء كل من جوَّز ظهور المعجزات على الكذابين أو الصالحين أو على الأنبياء غير المُرسَلين أو على الأئمة، كما يرفض أبو الهذيل وعباد ظهور المُعجِز على المُخبِرين (المغني، ج١٥، النبوات، ص٢٣٦–٢٥٧).
١٧  كيفية الاستدلال بالمعجزة على صدق صاحبها في دعواه. إن العلم بصحة نبوة النبي فرع على العلم بصحة المعجزة الدالة على صدقه في دعواه إذا لم يضطرنا الله إلى العلم بصدقه (الأصول، ص١٧٨-١٧٩). فصل في ذِكر وجه دلالة المعجزة على صدق من ظهرت عليه (النظامية، ص٥١-٥٢). دوران تصديق النبي بالمعجزة وتصديق المعجزة بالنبي (المحصل، ص١٥٥-١٥٦).
١٨  يبيِّن ذلك أن موسى جاء في زمن سحرة ومسحر، فتحداهم بقلب العصا حية … وأن عيسى جاء في زمن طب ومداواة، فأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص … ونبينا جاء في وقت فصاحة وشعر وخطب ونظم ونثر فأتاهم بالقرآن (الإنصاف، ص٦١-٦٢).
١٩  الرسالة، ص٨٤–٨٦.
٢٠  المواقف، ص٣٣٩-٣٤٠.
٢١  لمَ قُلتم إن المعجزات من فعل الله وخلقه؟ فقد تكون من فعل النبي وليست من فعل الله، إما لمخالفة نفسه لسائر النفوس أو لمزاج خاص في بِنيته أو لكونه ساحرًا، وقد أجمعتم على حقيقة ذلك أو لطلسم اختص بمعرفته أو لخاصية بعض المركبات كالمغناطيس والكهرباء (المواقف، ص٣٤٥-٣٤٦؛ المعالم، ص١٠٣–١٠٥). إنها من فعل الله، وهذا فيه نزاع، فإما أن تكون: (أ) من فعل النفس بالماهية. (ب) لعل النبي وجد جسمًا نباتيًّا أو حيوانيًّا له خاصية عجيبة. (ﺟ) لعل الجن والشياطين أعانوه عليه والأرواح الفلكية أو الملائكة (المحصل، ص١٥٥-١٥٦). استناده إلى بعض الملائكة أو الشياطين أو إلى الاتصالات الكوكبية، وهو قد أحاط من صناعة النجامة بما لم يُحِط به غيره، فاتخذ ما علم وقوعه من الغرائب مُعجِزًا لنفسه (المواقف، ص٣٤٦). الفعل الخارق للعادة لا يتميز عن السحر والطلمسات وعجائب الخواص، عدم تمييز المعجزة عن السحر والتخييل (الاقتصاد، ص١٠٠-١٠١). وقد يكون كرامة لا معجزة (المواقف، ص٣٤٦). كيف يتيقن العاقل كون ما جاء به النبي خارقًا للعادة وقد استقر في نفسه ما اطلع عليه من خواص الأجسام وبدائع التأثيرات، حتى توصَّلوا إلى قلب النحاس ذهبًا إبريزًا، أو جر الأجسام الثقال بالأدوات الخفيفة (الإرشاد، ص٣٠٩–٣١٣). ولو جاز انخراقٌ لعادة لَارتفع الإيمان بالبديهيات (المحصل، ص١٥٥-١٥٦).
٢٢  لو جاز افتراق العادات من مجاريها لَجاز أن ينقلب الجبل ذهبًا إبريزًا والبحر دماءً بيضًا، وأن ينقلب ما في البيت من الأواني أناسًا فاضلين، ومعلومٌ أن تجويزه قادح في البديهيات (المحصل، ص١٥٥-١٥٦). إن الخارق للعادة إذا تكرَّر وتوالى صار معتادًا بالاتفاق؛ فما يُؤمِّنكم في الحالة الأولى أنه من المتكرِّرات المعتادة فتأتي في الحال، وإن العقلاء كما يجوِّزون وقوع أمثاله في تأنِّي الحال كذلك يجوِّزون وقوع أمثاله في سالف الأيام، أو في قُطرٍ من الأقطار، أو ظهور ذلك بفعل فاعل آخر (النهاية، ص٤٣٦–٤٤٠). خرق العوائد لا ينضبط؛ فإن ما يُوجَد على الندور مرة لا يخرج عن قبيل الخوارق، وإذا تكرَّر وتوالى صار معتادًا، ولا ينضبط ما يُلحِقه بالمعتاد ويخرج من الخوارق؛ فالقول فيه مُستنِد إلى جهالة (الإرشاد، ص٣٠٩).
٢٣  وجدنا طبائع قد أُحِيلت، وأشياء في حد المُمتنِع قد وجبَت، ووُجِدت كصخرةٍ انفلقت عن ناقة، وعصًا انقلبت حية، وميتٍ أحياه إنسان، ومائتَين من الناس روَوا وتوضَّئوا كلهم من ماء يسير في قدح صغير يضيق عن بسط اليد فيه، لا مادة له (الفصل، ج١، ص٥٨-٥٩). وقد يكون خرق العادة إهانة بأن يقع على خلاف الإرادة، كما نُقِل أن مسيلمة الكذاب دعا للأعور أن تصير عينه العوراء سليمة فصارت عينه الصحيحة عوراء سقيمة (شرح الفقه، ص٧٢). خوارق العادات المسمَّاة بالمعجزات ثابتةٌ بالكتاب والسنة، ولا عِبرة بمخالفة المعتزلة وأهل البدعة في إنكار الكرامة (شرح الفقه، ص٦٩). خرق العادات للرجال إنما يكون في حال الاستقبال (شرح الفقه، ص٧٠). ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة (الفصل، ج٥، ص٨٤-٨٥، ص٧١-٧٢؛ النهاية، ص٤١٩-٤٢٠). وعند معمر شيخ القدرية، المعجزات ليس شيء منها من فعل الله. إن الله خلق الأجسام، والأجسام خلقت الأعراض في أنفسها، وليست المعجزة في حدوث جسم وإنما وجه الإعجاز كون الجسم على وجه لم تجرِ العادة به، وذلك بحصول نوع من الأعراض فيه، وليست الأعراض فعلًا لله، وبان من هذا أن ليست المعجزات فعلًا لله عنده، وأن الله ما نصب دلالة على صحة نبوة أحد من أنبيائه (هل غرض معمر إبطال الشريعة وأحكامها؟ فلو سئل عن قوله القرآن لم يُمكِنه أن يقول إنه من فعل الله؛ لأن الله لم يخلق شيئًا من الأعراض، ولا يقول إن كلام الله صفة من صفاته الأزلية؛ لأنه ينفيها فلا يُثبِت كلام الله على معنى الصفة ولا على معنى الفعل، وإذا لم يكن له كلام لم يكن له أمر ولا نهي ولا خبر ولا مشرع ولا حكم، وهذا سقوط التكليف عن العباد!) وعند ثمامة، المتولِّدات من أفعالٍ لا فاعل لها (هل أراد بذلك إسقاط التكليف لأن الكلام متولِّد وليس صفة قائمة بالله لنفيه صفاته ولا يصح منه الفعل على التولد؟) (الأصول، ص١٧٧-١٧٨).
٢٤  إن سلَّمنا أن فاعلها هو الله، فلِمَ قُلتم إنه فعلها من أجل التصديق؟ (المعالم، ص١٠٣–١٠٥). إن الله فعلها لأجل التصديق، وهذا فيه نزاع: (أ) المُعجِز ليس للتصديق، فأفعال الله غير معلَّلة حسب رأيكم. (ب) لماذا القصد وهو التصديق؟ لعله غرض آخر بالإضافة إلى الله؛ قد يكون ابتداءً، أو تكرارًا لعادة متطاولة، أو كرامة لولي، أو إرهاصًا لنبي، أو امتحانًا لعقول المكلَّفين (المحصل، ص١٥٥-١٥٦). إنه لا يصدق به التصديق؛ إذ لا غرض واجبًا ولا يتعين؛ إذ لا علة غير التصديق، فإيهامه عنه بالاجتهاد، فيُثاب كإنزال المتشابهات أو لتصديق نبي آخر (المواقف، ص٣٤٦). ومما يدل على العبث في بعثته تعذُّر الوقوف على صدق مقالته؛ فإن وجب التصديق له بنفس دعواه فالخبر ما يصح دخول الصدق والكذب فيه مستحيل، وإن كان بأمر خارج، إما بأن تقع المشافهة من الله بتصديقه، أو باقتران ما بقوله يدل على صدقه، فهو أيضًا مستحيل؛ إذ المشافهة مع الله بالخطاب متعذِّرة، ولو لم تكن متعذِّرة لاستغنى عن الرسول. وما يقترن بقوله إما أن يكون مقدورًا له أو لله، فإن كان مقدورًا له فهو أيضًا مقدور لنا، فلا حاجة له حتى من قدر، وإن كان مقدورًا لله فإما أن يكون معتادًا أو غير معتاد، فإن كان معتادًا فلا حاجة فيه أيضًا، وإن كان غير معتاد بأن يكون خارقًا للعادات، فليس في ذلك ما يدل على صدقه في دعوته؛ إذ هو فعل الله وهو مشروط بمشيئته وتخصُّصه، مَنوط بإرادته، وربما لا يُتصوَّر في جميع الحالات، ويساعد في سائر الأوقات. وكم من نبيٍّ سأل إظهار المعجزات في بعض الأوقات، فلم يتفق له ما سأله؛ فإذا كان كذلك فلعل اقترانها بدعوته في بعض الأوقات كانت من قبيل الاتفاقات، لا بقصد التصديق له فيما يقول والتحقيق له، ثم إن كان ظهور هذه الآيات واقترانها بقوله في بعض الأوقات دليلًا على مقدم اقترانها بها في بعض الأوقات، فهو دليل على كذبه، فليس أحد الأمرَين بأولى من الآخر (الغاية، ص٣٢١-٣٢٢). ويُحاوِل الآمدي الرد على ذلك (الغاية، ص٢٢٧–٢٣٢).
٢٥  إن الشك في صدقه لكل واحد من الناس، فيجب أن يكون الدافع للشك لكل واحد، وعلى مقتضى ذلك يلزم أن يخصَّص لكل واحد أو كل جمع غيب أو حضور بمعجزة خاصة، وليس ذلك شرطًا على أصلكم، بل عندكم المعجزة الواحدة لجماعة من أهل الخبرة والبصيرة كافية، ويلزم التصديق على غيرهم من أهل التقليد، ولا يجب استمرار المعجزة في كل زمن، بل ولو استمرت خرجت عن الإعجاز، والتحقت بالمعتاد، فماذا يلزمنا تصديق الأنبياء الماضين، ولم نجد في زماننا ما يدل على صدقهم؟ وبمَ يلزم أهل الأقطار في زمانه، ولم يشاهدوا ما ظهر على يده من الآيات؟ وهذا مُشكِل (النهاية، ص٤٣٦، ص٤٤٠).
٢٦  إن سلَّمنا أن الله فعلها لأجل تصديق المدَّعي، فلِمَ قُلتم بأن كل من صدق الله فهو صادق؟ وهذا يحدث إذا ثبت أن الكذب على الله مُحال، فإذا نفيتم الحسن والقبح في أفعال الله، فكيف تعرفون امتناع الكذب عليه؟ (المعالم، ص١٠٣–١٠٥؛ المحصل، ص١٥٥-١٥٦). لا يلزم من تصديق الله صدقه إلا إذا علم استحالة الكذب على الله، ولم يعلم؛ إذ لا يقبح منه شيء (المواقف، ص٣٤٦). إنكم إذا جوَّزتم الإضلال على الله فما يُشعِركم أنه يُظهِر الآيات على يدَي كاذب، ولا يُظهِرها على وفق صادق؛ فلا ذلك يضره في الإلهية، ولا هذا ينقصه في الربوبية؟ وكثير من الأنبياء قد خلت دعوتهم من المعجزة، فحضُّوا على أمر الله دعاة الخلق من غير التفات إلى طلب الآيات منهم، ومن غير انكباب على طلب الآيات من الله. فما بالكم ربطتم صدق الرسول بالمعجزات هذا الربط؟ (النهاية، ص٤٣٦، ص٢٤٠–٢٤٢). إن أمكن تمييزها عن السحر والطلسمات والتخيلات، فمن أين يُعرَف الصدق؟ ولعل الله أراد إضلالنا وإغواءنا بتصديقه، ولعل كل ما قال النبي إنه مُسعِد فهو مُشقٍ، وكل ما قال مُشقٍ فهو مُسعِد، ولكن الله أراد أن يسوقنا إلى الهلاك ويُغوينا قول الرسول؛ فإن الإضلال والإغواء غير مُحال على الله عندكم، أو العقل لا يحسِّن ولا يقبِّح. وهذه أقوى شبهة ينبغي أن يُجادَل بها المعتزلي (الاقتصاد، ص١٠٠–١٠٢؛ الغاية، ص٣٢٢-٣٢٣، ص٣٣٦–٣٣٨).
٢٧  عند حسين النجار، يجوز أن تظهر المعجزات على الكذابين الذين يدَّعون الإلهية، ولا يجوز أن تظهر على الكذابين الذين يدَّعون النبوة؛ لأن من يدعي الإلهية ففي بِنيته ما يكذِّبه في دعواه، وليس من ادعى النبوة في بِنيته ما يكذِّبه أنه نبي (مقالات، ج٢، ص١١١-١١٢). وعند أهل السنة، الصادق في دعوى النبوة يجوز ظهور معجزة تدل على كذبه، كنطق شجرة أو عضو من أعضائه بتكذيبه (الفِرَق، ص٣٤٤). عند «أهل الحق» لا يقلب أحد عينًا، ولا يُحِيل طبيعةً إلا الله لأنبيائه فقط، سواء تحدَّوا بذلك أو لم يتحدوا، كل ذلك آيات لهم تحدَّوا بذلك أم لا، والتحدي لا معنًى له، وأنه لا يُمكِن وجود شيء من ذلك لصالح ولا ساحر ولا أحد غير الأنبياء. والله قادر على إظهار الآيات على أيدي الكذابين المدَّعين للنبوة، لكنه لا يفعل، كما لا يفعل ما لا يريد أن يفعله من سائر ما هو قادر عليه (الفصل، ج٥، ص٧١). ويتهم الباقلاني لقوله إن الله لا يقدر على إظهار آية على يد كذاب بأن ذلك تعجيز للباري (الفصل، ج٥، ص٨٠). في بيان من يجوز ظهور المعجزة عليه؛ كل من كان صادقًا في دعوى النبوة فجائزٌ ظهور معجزة تدل على صدقه، وكل كاذب في دعوة النبوة لا يجوز ظهور معجزة التصديق عليه، ويجوز ظهور معجزة التكذيب عليه. أما من يدَّعي الربوبية فإن صورته دالة على حدوثه وكذبه (الأصول، ص١٧٣-١٧٤). أما تلك التي تكون لأعدائه، مثل إبليس وفرعون مما رُوي في الأخبار أنه كان ويكون لهم، لا نسمِّيها آيات ولا كرامات، ولكن نسميها قضاء حاجات لهم؛ وذلك لأن الله يقضي حاجات أعدائه استدراجًا لهم وعقوبةً لهم، فيغترون به ويزدادون طغيانًا وكفرًا، وذلك كله جائز مُمكِن (الفقه، ص١٨٦؛ شرح الفقه، ص٧٢).
٢٨  لعل التحدي لم يبلغ من هو قادر على المعارضة، أو لعله تركها مواضعةً في إعلاء كلمته لينال من دولته حظًّا (المواقف، ص٣٤٦). لعلم استهانوا أولًا وخافوا آخرًا لشدة شوكته، أو شغلهم بما يحتاجون إليه في تقويم معيشتهم عنه (المواقف، ص٤٤٦). وإن كانوا مُعاجِزين عن معارضة، فربما لا يعجز غيرهم، فعجزُهم لا يدل على صدقه (النهاية، ص٤٣٦–٤٤٠). لعله عُورِض ولم يظهر لمانع، أو ظهر ثم أخفاه أصحابه عند استيلائهم، وطمسوا آثاره، ومع قيام هذه الاحتمالات لا يبقى بها دلالة على الصدق (المواقف، ص٣٤٦). القائلون بالتولَّد من القدرية: إن المعجزة يجب ألا تدخل تحت قدرةِ مَن يُتحدى بمثله على الوجه الذي يفعله الله. وأجازوا كونه مقدورًا على ذلك الوجه لمن ليس بمُعجِز له، ولا هو متحدًّى بمثله، وأن من لا يُتحدى بمثله قد يقدر على فعل مثله في غيره، كما يفعل الله في ذلك المحل … وقالت القدرية: إن قلب المدن والزلازل من فعل الله عند التحدي بها مُعجِزًا لمن يُتحدى بمثله، وهو متعذِّر عليه أو ممنوع منه، وإن صح أن يقدر عليه غيره من الخلق كالملائكة فلا يكون معجزًا لهم، وهذا من قولهم مبني على التولد (الأصول، ص١٧٢). إنكم لا تخلون عن دعوى علم ضروري في وجه دلالة المعجزة؛ فتارةً تدَّعون الضروري من حيث القرينة الحالية، وهي اقتران التحدي بالمعجزة، وتارةً تدَّعون ذلك من حيث دلالتها على قصد المخصِّص إلى التخصيص، وتارةً تدَّعون ذلك من حيث إنها نازلة منزلة التصديق بالقول تارة، وتارةً تدَّعون ذلك من حيث سلامتها من المعارضة. فهلَّا ادَّعيتم الضرورة في أصل الدعوى أنه يعلم صدقه ضرورة؟ ولئن قُلتم إن قوله خبرٌ يحتمل الصدق والكذب، فيُقال لكم والاحتمالات تتوجه إلى هذه الوجوه أيضًا في دعواكم الضرورةَ فيها، خصوصًا والمُنازِع فيها على رأس الإنكار وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، فإن نسَبتهم إلى العناد الصرف نسبوك إلى الجور المحض في وجه الخلاف، ولات حين مناص (النهاية، ص٤٢٣–٤٢٩، ص٤٣٦-٤٣٧، ص٤٤٣–٤٤٥).
٢٩  المُنكِرون في النبوات طعنوا في المعجزات من الأوجه السابقة (المعالم، ص١٠٣–١٠٥). من قال بظهور المعجزة لا يدل على الصدق (المواقف، ص٣٤٥-٣٤٦). وترفض الباطنية المعجزات، وتُنكِر نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، وتُنكِر أن يكون في السماء ملَك، وتتأول الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، وتتأول الشياطين على الأبالسة من مخالفيهم (الفِرَق، ص٢٩٥-٢٩٦). هل للخلق طريق إلى معرفة صدق الرسول سوى المعجزات الخارقة للعادات؟ فإن منعتم ذلك فقد حصرتم القول وحسمتم الطريق إلى الله وذلك تعجيز، وإن جوَّزتم ذلك فهلَّا وجب ذلك وجوب المعجزة؟ ما الذي جعل المعجزة أولى بالدلالة من ذلك الدليل؟ (النهاية، ص٤٣٦، ص٤٤٢-٤٤٣؛ الاقتصاد، ص١٠٠-١٠١). يزعم المدَّعون للرسالة أنه لا طريق إلى العلم بصدقهم إلا وجود محالات مُمتنِع في العقل وجودُها من نحو فلق البحر، وخلق ناقة من صخرة، وقلب العصا حية، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والمشي على الماء، وإنطاق الذئب والحصى، وما جرى مجرى ذلك من ادعائهم جعل القليل كثيرًا، والقليل لا يتكثر، كما أن الكثير لا يقلَّل ويتوحد، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما يدَّعونه. لا ينقض الله العادات ويُظهِر المعجزات على أيدي رسله لما أراده من حسن المنظر لهم ولمن علِم أنه يُؤمِن بهم، ويعمل من العبادات ما يكون وصلة ذريعة إلى جزاء ثوابهم (التمهيد، ص١٠١-١٠٢). وعند عباد والفوطي أن الأعراض لا يدل على شيء منها على الله. إن فلق البحر، وقلب العصا حية، وانشقاق الصخر، ومحق السحر، والمشي على الماء، لا يدل شيء من ذلك على صدق الرسول في دعواه الرسالة (الفِرَق، ص١٦٢).
٣٠  المواقف، ص٣٣٩؛ التحقيق، ص١٥٦–١٥٩؛ الطوالع، ص٢٠٠، انظر أيضًا الفصل السادس: الوعي المتعين (الصفات)، ثانيًا: الصفات السبعة، (٦) الكلام، (ﻫ) مراحل الكلام ومن ضمنها الكلام النفسي.
٣١  زعموا أن الأنبياء قومٌ أحبُّوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحِيَل طلبًا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة (الفِرَق، ص٢٩٦). إن المسلمين بالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكل من ادَّعى النبوة، كانوا أصحاب نواميس ومخاريق، أحبُّوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات واستعبدوهم بشرائعهم (الفِرَق، ص٣٠٢).
٣٢  أخذت الكرامية هذا الرأي من الإباضية، وقالت إن كل من سمع قول الرسول، أو سمع الخبر عن ظهوره وعن دعوته، لزمه الإقرار والتصديق به، سواءٌ علم برهانه وحجته أم لم يعلمها (الأصول، ص١٧٥-١٧٦). قال فريق من الإباضية بجواز أن يبعث الله إلى خلقه رسولًا بلا دليل يدل على صدقه (الفِرَق، ص١٠٦). يجوز أن يبعث الله نبيًّا بلا دليل (مقالات، ج١، ص١٧٣). يجوز أن يخلق الله رسولًا بلا دليل، ويكلِّف العباد بما لا يوحى إليه، ولا يجب إظهار المعجزة (المِلَل، ج٢، ص٥٤). قالت الإباضية وكثير من الخوارج إن نفس قول النبي «أنا نبي» ودعوته إلى ما يدعو إليه حجة، ولا يحتاج إلى بيِّنة وبرهان، وعلى قومه قبول قوله وإن لم يأتِ ببرهان، فمن لم يقبَله كفر. الأصول، ص١٧٥.
٣٣  قال بعض الإباضية: لا يُرسِل الله نبيًّا إلا إذا نصب دليلًا عليه، ولا بد من أن يدل عليه واحدًا (مقالات، ج١، ص١٧٣). كما أجمعت المعتزلة على أنه لا يجوز قول النبي إلا بحجة وبرهان، وأنه لا تلزم شرائعه إلا مَن شاهد إعلامه وانقطع عذره ممن بلغه شرائع الرسول (مقالات، ج١، ص٢٧١-٢٧٢).
٣٤  عند ثمامة وأتباعه من القدرية، لا يحتاج النبي في الحجة على نبوته أكثر من سلامة شرعه وما يأتي من التناقض فيه (الأصول، ص١٧٦). إن النبي لا يحتاج إلى معجزة أكثر من استقامة شريعته (الفِرَق، ص٣٤٤).
٣٥  قال قائلون: جائزٌ أن تظهر المعجزات على الصالحين الذين لا يدَّعون النبوة، ولا يجوز أن تظهر على المُبطِلين. وقد جوَّز قوم من الصوفية ظهور المعجزات على الصالحين، وأن تأتيهم ثمار الجنة في الدنيا فيأكلونها، ويُواقِعون الحُور العِين في الدنيا، وتظهر لهم الملائكة، ويظهر لهم الشياطين فيحاربونهم، ولم يجوِّزوا رؤية الله في الدنيا، وزعموا أن هذه مواريث الأعمال. وجوَّز آخرون كل ما حكيناه عن المتقدِّمين منهم، وجوَّزوا أن يرَوا الله في الدنيا وأن يُباشِروه ويُجالِسوه. وجائزٌ أن تظهر المعجزات على الصالحين، وأن تبلغ بهم مواريث الأعمال حتى تسقط عنهم العبادات، وتكون الدنيا لهم مباحة بكل ما فيها، ويسقط عنهم النهي، وتُحَل لهم النساء وسائر الأشياء، وهذا قول أصحاب الإباحة. زعموا أن العبادة تبلغ بهم حتى لا يهمُّوا بشيء إلا كانوا كما يريدون، وإن أرادوا أن تحدث لهم دنانير حدَثت، وكل ما أرادوا من شيء لم يستصعب عليهم، وقد زعم بعضهم أن العبادة تبلغ ربهم حتى يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقرَّبين (مقالات، ج٢، ص١١١-١١٢). أجازوا للصالحين على سبيل كرامة الله لهم اختراع الأجسام، وقلب الأعيان وجميع إحالة الطبائع، وكله مُعجِز للأنبياء (الفصل، ج٥، ص٧١). الخادعات للأعداء عند أهل السنة والجماعة (كثَّرهم الله) أن الشيطان يصوِّرها على أي صورة، فيجعل نفسه عصفورًا بين يدَي الإنسان، فيُوسوِس للإنسان (البحر، ص٥٦–٥٨).
٣٦  الولاية منها مكتسب، وهو امتثال المأمورات واجتناب المحظورات والمنهيات، وتُسمَّى العامة، ومنها غير المكتسب وهي العطايا الربانية كالعلم اللدني ورؤية اللوح المحفوظ (الحصون، ص٦٠).
٣٧  عند أهل السنة أيضًا يجوز ظهور الكرامات على الأولياء، وجعلوها دلالة على الصدق في أحوالها كما كانت معجزات الأنبياء دلالة على صدقهم في دعاويهم (الفِرَق، ص٣٤٤). وعند الأشعري، الكرامات للأولياء حق، وهي من وجهٍ تصديق للأنبياء وتأكيد للمعجزات (المِلَل، ج١، ص١٥٩). الآيات ثابتة للأنبياء، والكرامات للأولياء حق (الفقه، ص١٨٦). أما كرامات الأولياء فجائزة عقلًا وسمعًا (النهاية، ص٤٩٧). الكرامات عندنا جائزة (المحصل، ص١٦١). جائزة عندنا واقعة، جوازها ظاهر على اصولنا، ووقوعها كقصة مريم وقصة أصحاب الكهف (المواقف، ص٣٧٠). وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة على طريق نقض العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وظهور الطعام والشراب واللباس عند الحاجة إليها، والمشي على الماء وفي الهواء، وكلام الجماد والعجماء، وغير ذلك من الأشياء، ويكون ذلك معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته؛ لأنه يظهر بها أنه ولي، ولن يكون وليًّا إلا وأن يكون محقًّا في ديانته، وديانته الإقرار برسالة رسوله (النسفية، ص١٣٩-١٤٠). وكرامات الأولياء حقٌّ يُكرِم الله بها من يشاء يختص برحمته من يريد (العضدية، ج٢، ص٢٧٦–٢٨٢). عند أهل السنة والجماعة كرامة الأولياء جائزة، وهي لا تقدح في معجزات الأنبياء. هناك ثلاث مراتب: (أ) معجزات الأنبياء. (ب) كرامات الأولياء. (ﺟ) مخادعات الأعداء (البحر، ص٥٦–٥٨). وقد قيل شعرًا:
وأَثبِتَنْ للأوليا كرامة
ومن نفاها فانبِذَنْ كلامه
(الخريدة، ص٥٨)
وكل ما جاء من البشيرِ
مِن كل حُكمٍ صار كالضروري
(الجوهرة، ص١٣)
لهم الأولياء بدنيا كامل الكرامة
ولو ببرزخ وفي القيامة
(الوسيلة، ص٧٣-٧٤)
٣٨  من أعظم كرامات الله على عباده تيسير أسباب الخير لهم، وتعسير أسباب الشر عليهم، وحينما كان التيسير أشد وإلى الخير أقرب كانت الكرامة (النهاية، ص٤٩٧).
٣٩  إذا ظهر الأمر الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح والعدالة، وليس عنده دعوى النبوة والرسالة، فيُسمَّى كرامة. أكرم الله بها كثيرًا من الصالحين لأجل أن يُحترَموا بين الناس، أو ليُقبَل إرشادهم وموعظتهم إذا أقامهم الله في مقام الإرشاد، أو لتفريج كروبهم وقضاء مصالحهم إذا احتاجوا إلى ذلك. كل ذلك فضلٌ من الله عليهم ولا يجب عليه شيء (الحصون، ص٨٠-٨١).
٤٠  الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء؛ أحدهما تسمية ما يدل على صدق الأنبياء معجزة، وتسمية ما يظهر على الأولياء كرامة (الأصول، ص١٧٤-١٧٥). وقد كتب الجويني كتابًا للرد على منكريها (النظامية، ص٥٢). الولي هو العارف بالله حسب الإمكان، المُواظِب على الطاعة، المُجتنِب للمعاصي، يبادر إلى التوبة أي التقوى وطاعة الله. إذا ظهرت على يد مستور الحال فتُسمَّى معونة، وإذا ظهرت على يد فاسق تُسمَّى استدراجًا، وإذا ظهرت على خلاف ما يطلبه تُسمَّى خذلانًا وتكذيبًا (الحصون، ص٨٠-٨١). صاحب المعجزة مأمون التبديل، معصوم عن الكفر والمعصية بعد ظهور المعجزة عليه، وصاحب الكرامة لا يُؤمَن تبدُّل حاله (الأصول، ص١٧٤-١٧٥).
٤١  لذلك كانت شروط الكرامة ثلاثة: (أ) أن تجري من غير إيثار واختيار من الولي، وهي تُفارِق المعجزة من هذا الوجه، وهو غير صحيح. (ب) وصار آخرون إلى تجويز وقوع الكرامة على حكم الاختيار، ومنعوا وقوعها على قضية الدعوى وهي غير مرضية. (ﺟ) ما وقع معجزة لنبيٍّ لا يجوز وقوعه كرامة لولي، وهو غير صحيح (الإرشاد، ص٣١٦-٣١٧؛ النظامية، ص٥٣-٥٤).
٤٢  معجزات الأنبياء يراها المسلم والكافر، والمُطيع والعاصي والفاسق، وأما كرامات الأولياء فلا يراها إلا الولي مثله، ولا يراها الفاسق (البحر، ص٥٦–٥٨).
٤٣  المعجزة كلما أراد النبي يقدر على إيجادها، فيدعو الله فيُظهِر له معجزة، وأما الكرامة فلا تكون إلا في أوقات مخصوصة يريدها الله (البحر، ص٥٦–٥٨). المعجزات قبل البعثة كرامات، مثل شق بطن الرسول، وغسيل قلبه، إظلال الغمامة، وتسليم الحجر والمدر (المواقف، ص٣٣٩-٣٤٠؛ الحصون، ص٨٠-٨١).
٤٤  المعجزة يعرفها النبي ويعلمها، ويجب عليه أن يعتز بنفسه أولًا بأنها معجزة من الله ثم يُظهِره لغيره؛ لأنه لو أنكر أنها ليست بمعجزة يكفر. أما الكرامة فلا يجب أن يُقِر بها الولي بأنها كرامة لغيره من المؤمنين (البحر، ص٥٦–٥٨). لو جاز ظهور المعجزة على غير نبي على سبيل الكرامة، لَوجب القطع على ما في قلبه وأنه ولي الله، وهذا لا يُعلَم من أحد من أصحابه الذين ورد فيهم النص (الفصل، ج٥، ص٨٠). صاحب المعجزة لا يكتم معجزته، بل يُظهِرها ويتحدى بها خصومه، ويقول إن لم تصدِّقوني فعارِضوني بمثلها، وصاحب الكرامة يجتهد في كتمانها ولا يدَّعي فيها، فإن أطلع الله عليها بعض عباده كان ذلك تنبيهًا لما أطلعه الله عليه على حسن منزلة صاحب الكرامة عنده، أو على صدق دعواه فيما يدَّعيه من الحال (الأصول، ص١٧٤-١٧٥). الكرامة عبارة عما يظهر من غير افتراض التحدي، فإن كان التحدي فإنه معجزة، ويدل بالضرورة على صدق التحدي، وإن لم تكن دعوى فقد يجوز ظهور ذلك على يد فاسق؛ لأنه مقدور في نفسه (الاقتصاد، ص١٠٢؛ شرح الفقه، ص٦٩). على صاحب المعجزة إظهارها والتحدي بها، وصاحب الكرامة لا يتحدى بها غيره، وربما كتمها (الفِرَق، ص٣٤٤؛ المواقف، ص٣٧٠؛ التحقيق، ص١٥٩). لا فرق بين آيات الأنبياء وبين ما يظهر من الإنسان الفاضل ومن الساحر أصلًا إلا بالتحدي. كان النبي يتحدى الناس بأن يأتوا بمثل ما جاء هو به، فلا يقدر أحد على ذلك فقط، وإن كان ما لم يتحدَّ النبي الناس فليس بآية له (الفصل، ج٥، ص٧١–ص٧٨).
٤٥  في الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء. اعلم أن المعجزات والكرامات متساوية في كونها ناقضة للعادات (الأصول، ص١٧٤-١٧٥). فصل في إثبات الكرامات وتمييزها عن المعجزات. عند «أهل الحق» يجوز انخراق العادات في حق الأولياء (الإرشاد، ص٣١٦-٣١٧). جواز وقوع الكرامات لأنها ترجع إلى خرقِ اللهِ العادةَ بدعاء إنسان أو عذر صاحبه، وذلك لا يستحيل في نفسه؛ لأنه مُمكِن ولا يؤدي إلى محال آخر، ولا يؤدي إلى بطلان المعجزة (الاقتصاد، ص١٠٢). خوارق العادات ليست من أهل العباد، وإنما هي من فعل الرب (النظامية، ص٥٢–٥٤). وقد أجاز أبو الحسين البصري وحده من المعتزلة وقوع الكرامات، مثل جمهور الأشاعرة (الرسالة، ص٢٠٤–٢٠٦).
٤٦  هذا ما يفعله محمد عبده في «رسالة التوحيد»؛ إذ يقول: أما مجرد الجواز العقلي، وأن صدور خارق للعادة على غير نبي مما تتناوله القدرة الإلهية، فلا أظن أنه موضوع نزاع يختلف فيه العقلاء، وإنما الذي يجب الالتفات إليه هو أن أهل السنة وغيرهم في اتفاق على أنه لا يجب الاعتقاد بوقوع كرامة معيَّنة على يد ولي لله معيَّن بعد ظهور الإسلام، فيجوز لكل مسلم بإجماع الأمة أن يُنكِر صدور أي كرامة كانت من أي ولي كان، ولا يكون بإنكاره هذا مُخالِفًا لشيء من أصول الدين، ولا مائلًا على سنة صحيحة، ولا مُنحرِفًا عن الصراط المستقيم، اللهم أن يكون مما صح في السنة وعن الصحابة. أين هذا الأصل المُجمَع عليه مما يهتدي به جمهور المسلمين في هذه الأيام، حيث يظنون أن الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات، يتنافس فيها الأولياء وتتفاخر فيها هِمَم الأصفياء، وهو مما يتبرأ منه الله ونبيه وأولياؤه وأهل العلم أجمعون؟ ويعلِّق رشيد رضا: «بل يزعمون أن هؤلاء الأصفياء، ولا سيما الموتى المشهورين كالذين يسمُّونهم الأقطاب الأربعة، هم المتصرِّفون في شئون العالم كلهم، وأنهم يقضون حاجات الذين يدعونهم من دون الله أو مع الله بالخوارق الممنوحة لهم من نفع وضر وغير ذلك، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له» (الرسالة، ص٢٠٤–٢٠٦). ويقول أيضًا: «وأما ما احتج به المجوِّزون من الآيات فلا دليل فيه؛ لأن ما في قصة مريم وآصف قد يكون بتخصيص الله لوقوعه في عهد الأنبياء، ولا عِلم لنا بما اكتنف تلك الوقائع من شئون الله في أنبياء ذلك العهد إلا قليلًا. وأما قصة أهل الكهف فقد عهدها الله من آياته من خلقه، وذكَّرنا بها لنعتبر بمظاهر قدرته، فليس من قبيل ما الكلام فيه من عموم الجواز، فصار البحث في جواز وقوع الكرامات نوعًا من البحث في متناول هِمم النفوس البشرية، وعلاقتها بالكون الكبير، وفي مكان الأعمال الصالحة، وارتقاء النفوس في مقامات الكمال من العناية الإلهية. وهو بحث دقيق قد يختص بعلم آخر (علم النفس، الأخلاق، التصوف، الحكمة …)» (الرسالة، ص٢٠٤–٢٠٦).
٤٧  أطبقت المعتزلة على منع انخراق العادات في حق الأولياء، ويميل الأستاذ أبو إسحق إلى قريب من مذاهبهم (الإرشاد، ص٣١٦-٣١٧). أنكرت القدرية كرامات الأولياء، وظنوا أن إجازة ظهور الكرامة للأولياء يقدح في دلالة المعجزة على النبوة (الأصول، ص١٧٥). أنكرت المعجزة الكرامات أصلًا للأولياء من الصحابة وغيرهم (المِلَل، ج١، ص١٢٥). عند المعتزلة والرافضة والجهمية كرامات الأولياء باطلة، أما معجزات الأنبياء فثابتة صحيحة. لو كانت كرامات الأولياء ثابتة لبطلَت معجزات الأنبياء، ولا يكون فرق بين الأنبياء والأولياء (البحر، ص٥٦). أنكرها المعتزلة إلا أبو الحسين وأبو إسحق (الطوالع، ص٢١٣). وأنكرت الكرامية كرامات الأولياء على وجهٍ ينقض العادة (الأصول، ص١٨٤-١٨٥). ورد الأشاعرة على ذلك في النظامية، ص٥٣-٥٤؛ النهاية، ص٤٩٧–٤٩٩؛ المحصل، ص١٦١؛ المواقف، ص٣٧٠. لا يجوز في غير الأنبياء نقيض العادات (اللطف، ص٤٥٠-٤٥١، ص٤٩٩).
٤٨  اعتمدت نفاة الكرامة على حجتَين: (أ) لو جاز انخراق العادة من وجه لَجاز ذلك من كل وجه، ثم يجر مُقاد ذلك إلى ظهورِ ما كان معجزة لنبي على يد ولي، وذلك يُفضي إلى تكذيب النبي المتحدي بآية القائل لمَن تحدَّاه لا يأتي أحد بمثل ما أُوتيت به. فلو جاز إتيان الولي بمثله لتضمَّن ذلك نسبة الأنبياء إلى الافتراء. (ب) لو جاز انخراق العوائد للأولياء لم تأمن في وقتنا وقوعه، وذلك يؤدي إلى أن يتشكك اللبيب في جريان دجلة دمًا عبيطًا، وانقلاب الأطواد ذهبًا إبريزًا، وحدوث بشر من غير علاقة، وتجويز ذلك سفسطة التشكك في الضروريات (الإرشاد، ص٣١٧–٣٢١).
٤٩  مَن قال بامتناع المعجزة لأن تجويز خرق العادة سفسطة، ولو جوَّزناه لَجاز انقلاب الجبل ذهبًا، وماء البحر دمًا ودهنًا، وأواني البيت رجالًا، وتولَّد هذا الشيخ دفعةً بلا أب وأم، وكون مَن ظهرت المعجزة على يده غيرَ مَن ادَّعى النبوة بأن يُعدَم ويوجد مثله، ولا يخفى ما فيه من الخبط والإخلال بالقواعد (المواقف، ص٣٤٥). ويقول محمد عبده إن المعجزة ليست من نوع المستحيل عقلًا؛ فإن مخالفة السير الطبيعي في الإيجاد مما لم يقم دليل على استحالته (امتناع المريض عن الطعام ولا يموت على عكس الحالة العادية)، فإن قيل: إن ذلك لا بد يكون تابعًا لناموس آخر طبيعي. قلنا: إن واضع الناموس هو مُوجِد الكائنات، فليس من المحال أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات، غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها (الرسالة، ص٨٤–٨٦).
٥٠  يُشير القرآن إلى نظام الطبيعة الثابت في عديد من الآيات، مثل: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٦: ٤٠)، مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (٦٧: ٣)، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (١٣: ٨)، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٥٤: ٤٩).
٥١  انظر ترجمتنا: اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، المقدمة عن المعجزة، ص٦٥–٦٩.
٥٢  يُثبِت أهل السنة وجود السحر؛ فالسحر ثابت، لا يمتنع أن يرتقي الساحر في الهواء ويتحلق في جو السماء، ويسترق، ويتولج في الأكوان والخوقات، إلى غير ذلك مما هو من قبيل مقدرات البشر؛ إذ الحركات في الجهات من قبيل مقدورات الخلق، ولا يمتنع عقلًا أن يفعل الرب عند ارتياد الساحر ما يستأثر بالاقتدار عليه، فإن كل ما هو مقدور للعبد واقع بقدرة الله (الإرشاد، ص٣٢٠–٣٢٣). يجوز أن يقلب الساحر بسحره الإنسانَ حمارًا، وأن تذهب المردة إلى الهند في ليلة وترجع (مقالات، ج٢، ص١١٥). وعند الباقلاني، الساحر يمشي على الماء على الحقيقة وفي الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا على الحقيقة، وأن كل ذلك موجود من الصالحين على سبيل الكرامة. السحر قلب للأعيان، وإحالة للطبائع، وأنهم يُرُون أعيُن الناس ما لا يُرى (الفصل، ج٥، ص٧١). أصحاب الحديث وأهل السنة يصدِّقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر كما قال الله، وأن السحر كائن موجود في الدنيا، وقد اتفق الفقهاء على وجود السحر واختلفوا في حُكمه (مقالات، ج١، ص٣٢٤). وقال بعض الأصحاب: السحر كفر مؤوَّل. وقال الماتريدي: القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ، ويكون كفرًا إن كان رد ما لزمه في شرط الإيمان (شرح الفقه، ص١٣٤).
٥٣  السحر والعين حق عندنا خلافًا للمعتزلة؛ لقوله: «العين حق»، «إن العين لتُدخِل الرجل القبر والجبل القِدر» (شرح الفقه، ص١٣٤).
٥٤  الشواهد النقلية مثل: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ (٢: ١٠٢)، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (١١٣: ٤)، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ (٢٠: ٦٦)، وقد اتفق المفسِّرون على أن سبب نزول سورة الفلق ما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول الله، فإنه سحره على مشط ومشاطة تحت راعوفة في بئر ذروان! وقد سُحِر ابن عمر فتوعكت يده، كما سُحِرت جارية عائشة (الفصل، ج٥، ص٧٣).
٥٥  السحر نوعان: (أ) ما هو من قِبل الكواكب كالطابع المنقوش فيه صورةُ عقرب في وقت كون القمر، فينتفع إمساكه من لدغة العقرب، ومن هذا الباب كانت الطلسمات، وليست إحالة طبيعية ولا قلب عين، ولكنها قوًى ركَّبها الله مدافعةً لقوًى أُخَر لدفع الحر للبرد، ودفع البرد للحر، وكقتل القمر للدابة المُدبِرة إذا لاقى المدبرةَ ضوءه إذا كانت دبرتها مكشوفة للقمر، ولا يُمكِن دفع الطلسمات؛ لأننا قد شاهدنا أنفُسنا آثارها ظاهرة إلى الآن من قرًى لا تدخلها جرادة، ولا يقع فيها برد، وكسَرقُسطة لا يدخلها جيش إلا أن يدخل كرهًا، وهي أعمال قد ذهب مَن كان يُحسِنها جملة، وانقطع من العالم ولم يبقَ إلا آثار صناعتهم. ومن هذا الباب ما تذكُره الأوائل في كتبهم في الموسيقى، وأنه كان يؤلَّف به بين الطبائع ويُنافَر به أيضًا بينها. (ب) الرُّقى، وهو كلام مجموع من حروف مقطَّعة في طوالع معروفة أيضًا، يحدث لذلك التركيب قوةٌ تُستثار لها الطبائع وتُدافِع قوًى أخرى، وقد شاهدنا واختبرنا من كان يرقي الدُّمَل الحاد القويَّ الظهور في أول ظهوره، فييبس ويذبل ويُقطَع … إلخ (الفصل، ج٥، ص٧٣). فصل في التنبيه على الحِيَل المحكية عن الحلاج وغيره (المغني، ج١٥؛ النبوات، ص٢٦٤).
٥٦  يرصد القاضي عبد الجبار الفرق بين المعجز والحيلة، كالآتي: (أ) المُعجِز من الله، والحيلة ليست كذلك. (ب) المعجز خارق للعادة وناقض لها، والحيلة ليست كذلك؛ لأنها قائمة على خفة اليد. (ﺟ) المُعجِز لا يُتعلَّم بعكس الحيلة. (د) لا يقع في المعجز الاشتراك، والحيلة يقع فيها. (ﻫ) لا يفتقر المعجز إلى آلات، والحيلة تفتقر إليها. (و) المعجز لأهل الصناعة، والحيلة ليست لأهل الصناعة (الشرح، ص٧٥٢). فصل في بيان التفرقة بين المعجز والحِيَل (المغني، ج١٥، ص٢٦٤).
٥٧  وذلك مثل سحر موسى، وطب عيسى، وقرآن محمد؛ فقد جعل الله معجزة كل نبي مما يتعاطاه أهل زمانه، حتى جعل معجزة موسى قلب العصا حية، لما كان الغالب على أهل ذلك الزمان السحر، وجعل معجزة عيسى إبراء الأكمه والأبرص، لما كان الغالب على أهل زمانه الطب، وجعل معجزة نبينا محمد القرآن وجعله في أعلى طبقات الفصاحة، لما كانت الغلبة للفصاحة والفصحاء في ذلك الزمان، وبما كان يُفاخِر أهله ويتباهى (الشرح، ص٥٧٢).
٥٨  المعجزة تقلب الجواهر اختراعًا ووجودًا وعدمًا، وتُحِيل الأعراض التي هي جوهريات ذاتيات، وهي الفصول التي تؤخذ من الأجناس، كقلب العصا حية، وحنين الجذع، وإحياء الموتى، والبقاء في النار ساعات، وكذلك الأعراض التي لا تزول إلا بفساد حاملها، فهذا لا يقدر عليه إلا الله. أما إحالة الأعراض من الغيرات التي تزول بفساد حاملها، فتتم بالسحر والطلسمات بالتخييل بنوع من التحذيق، وهو أمر يقدر عليه من تعلَّمه، ومُمكِنٌ تعلُّمه لمن يريد؛ فالسحر لا يُحِيل عينًا ولا يقلبها، ولا يُحِيل طبيعة (الفصل، ج١، ص٦٠-٦١، ص٥٨؛ الفصل، ج٥، ص٧٤-٧٥، ص٧٨-٧٩).
٥٩  السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق، وهذا من إجماع آلات وليس دليلًا عقليًّا، وإن كانت لا تظهر على مُعلِن بفسق (الإرشاد، ص٣٢٠–٣٢٣).
٦٠  فصلٌ في بيان التفرقة بين المُعجِز والحِيَل (المغني، ج١٥، ص٢٦٤). ما عدا أمر الأنبياء على الامتناع لا يجوز البتة وجود ذلك، لا من ساحر ولا من صالح بوجه من الوجوه؛ لأنه لم يقم برهان بوجود ذلك، ولا صح به نقل، وهو مُمتنِع في العقل، ولو كان ذلك مُمكِنًا لاستوى المُمتنِع والمُمكِن والواجب، وبطلت الحقائق كلها، وأمكن كل مُمتنِع، ولحق ها هنا بالسفسطائية على الحقيقة (الفصل، ج٥، ص٧٢).
٦١  قال القيرواني في رسالته: وينبغي أن تُحيط علمًا بمخاريق الأنبياء، ولا تكون كموسى في دعواه التي لم يكن عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعبذة (الفِرَق، ص٢٩٧). ليس يُنكِر أحد مَن ذكَرتم ظهور هذه الأمور على يد موسى وعيسى، وإنما يُنكِرون كونها معجزًا، ويدَّعون أنها حِيَل وتخييل ومخاريق. ليس تُنكِر البراهمة والمجوس والفلاسفة والملحدة ظهور هذه الأمور على يد موسى، وإنما يدَّعون أنها حِيَل ومخاريق (التمهيد، ص١٣٨–١٤٠؛ الأصول، ص١٦٢).
٦٢  خِداع الحواس أحيانًا لا يعني أنها ليست سليمة، والعقول سليمة على رُتَب محدودة معلومة لا تُبدَّل على حدودها أبدًا (الفصل، ج٥، ص٧٧-٧٨). يُنكِر المعتزلة السحر والشعوذة والحيلة، ولديهم السحر هو التمويه والاختيال، ولا يجوز أن يبلغ الساحر بسحره قلب الأعيان، أو أن يُحدِث شيئًا لا يقدر غيره على إحداثه، السحر ليس قلب الأعيان، ولكنه أخذ بالعيون كنحو ما يفعله الإنسان مما يتوهمه المتوهِّم على خلاف حقيقته (مقالات، ج٢، ص١١٥). وعند هشام بن الحكم، السحر خديعة ومخاريق، ولا يجوز أن يقلب الساحر إنسانًا حمارًا، أو العصا حية، كأن يُجيز المشي على الماء لغير نبي، ولا يجوز أن تظهر الأعلام على غير نبي (مقالات، ج١، ص١٢٧). والعجيب أن حكم الشرع هو أن يُقتَل الساحر لا الساحرة؛ لأن القتل للمرتد لا للمرتدة (شرح الفقه، ص١٣٤).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠