خامسًا: اكتمال النبوة

بعد تطوُّر النبوة يكتمل الوحي فتتوقف النبوة؛ فالنبوة لا تستمر إلى ما لا نهاية، وكل تطوُّر ينتهي إلى بناء، وكل بداية لها نهاية، وكل تحقُّق له كمال. ومع ذلك، نظرًا لارتباط الإنسان بالنبوة، وطول إلفه لها، وتعوُّده عليها، وركونه إليها، فإنه يظن أن حاجته لها دائمة، فيأخذ الوسيلة بلا غاية، ويتمسك بالنبوة دون تحقيق غايتها في استقلال العقل وحرية الإرادة، لا يتصوَّر وقوف الخير، ولا انتهاء العون، طالما أنه مضطهَد مُهان مغلوب على أمره، في حاجة إلى قوة وغلبة، يتطلع إلى ما هو أقوى من العقل، وهي النبوة، وإلى ما هو أقوى من الإرادة وهو الله. ففي المجتمع النبوي المضطهَد لا سبيل إلى مقاومته، أو الخلاص منه في المجتمع المضطهد، إلا باستمرار النبوة بنبوة جديد، أو بتأويل النبوة الأولى بوظيفة جديدة تكشف سر النبوة، كالإمامة أو الولاية أو الرؤية أو الحكمة، وربما أيضًا الإلهام والحدس والفراسة والكهانة وكل وسائل الاطلاع على الغيب والمعارف المباشرة. تستمر النبوة إذن في مجتمع الاضطهاد، كما قد تستمر في النخبة والصفوة التي ترث النبوة وتنهل من نفس مصدرها، كولاية الولي ورؤية الصادق وحكمة الفيلسوف وصفاء نفسه، بصرف النظر عن كيفية الاتصال والحكم عليها نبوة أو إلهامًا أو درجة من درجاتها. فعلى النقيض من اكتمال الوحي وبداية العقل تستمر النبوة ولا تتوقف، ثم يتوقف عمل العقل على الإطلاق. وبدل أن يستمر الاجتهاد يتوقف الاجتهاد وتستمر النبوة، وتظل الإنسانية في حاجة إلى وصيٍّ عليها، أو من يستعمل النبوة للوصاية عليها.١
وقد يبلغ الأمر في القول باستمرار النبوة إلى حد القول بأن في البهائم رسلًا. وما دامت هناك نبوة للجن والشياطين عند فريق أهل السنة، فلماذا لا تكون في غيرهم من الحيوانات والطيور والحشرات عند فريق آخر؟٢ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تستمر أيضًا في النباتات وعند كل الكائنات الحية عند أنصار الحشائش والنباتات؟ ولماذا لا تستمر في الجمادات وهي عند الله أيضًا كائنات حية تسبِّح له بلغة لا يفهمها البشر؟ أليس كلٌّ حيًّا ما دام مخلوقًا من الله الحي الذي يتصف بصفة الحياة؟ والحقيقة أن القول بإطلاق النبوة على هذا النحو واستمرارها هو أيضًا فرض للوصايا على الإنسان، واستعمال لغة النبوة في مجتمع الاضطهاد، ويُقابَل بها توقُّف النبوة في مجتمع السيطرة والقهر؛ سلاح بسلاح، ولا يفلُّ الحديدَ إلا الحديد، استمرار النبوة عند المقهور في مقابل توقُّفها عند القاهر، وهذا تكليف ما لا يُطاق؛ فالتكليف شرطه العقل والإرادة، ولا الحيوان ولا النبات ولا الجماد مكلَّف؛ لأنها تفتقد شرطَي التكليف. يتصرف الحيوان بالطبيعة مثل النمل والعنكبوت، وليس بالعقل والإرادة، والحيوانات كالمجانين والأطفال والصبية تفقد أيضًا شرطَي التكليف، وإن مخاطبة الجمادات في القرآن تصوير فني؛ فالعالم عالم إنساني خالص. بالتصوير الفني يُمكِن الحديث مع مظاهر الطبيعة كما يفعل الشعراء، وبالنظرة الإنسانية إلى الكون يُمكِن الحديث مع الطبيعة. إن الرسالة لا تبلَّغ إلا للبشر، للكائنات الحية العاقلة الحرة؛ أي لكل ذي وعي مُمكِن؛ لأن مهمة الوحي تحرير الوعي الإنساني من الأَسر الطبيعي أو الاجتماعي؛ كي يُصبِح وعيًا مستقلًّا عقلًا وإرادة. إن الإنسان وحده من سائر مخلوقات الكون هو المُحاوِر لله والطرَف المُقابِل له في الرسالة، وهذا تكريم من الله لبني آدم. والإنسان سيد الكون، وكل ما في الكون مخلوق له بما في ذلك الحيوان لطعامه وركوبه وزينته ومنفعته. الإنسان وحده هو المكلَّف، تقتصر النبوة عليه، ثم تتوقف حين اكتمال الوحي وتحقيق غايته باستقلال العقل وحرية الإرادة.

(١) هل الإمامة استمرار للنبوة؟

قد لا تكتفي الإمامة بوظيفتها العملية في قيادة الأمة وتطبيق شريعتها، ولكنها تأخذ منحنًى نظريًّا وتُصبِح تشريعية بدورها، ثم يتجاوز دورها إلى أن تُصبِح استمرارًا للنبوة ومفسِّرًا لها وكاشفًا عن أسرارها، وقد يصل الأمر أخيرًا إلى أن تُتجاوَز النبوة إلى الألوهية، فيُصبِح الإمام إلهًا ويعود العلم إلى التوحيد من جديد.٣ ويظهر ادعاء النبوة في الجماعات المضطهَدة من زعمائها؛ إحساسًا منهم بالرسالة، ورغبةً منهم في تخليص مجتمعاتهم من الاضطهاد، وأن تسهل له قيادها، وأن تدين له بالطاعة والولاء. يشعر الزعيم أنه منادًى وأن صوتًا داخليًّا يُناديه. وهو إحساس إنساني خالص، وليس له أي وجود واقعي، خاصةً إذا كان المجتمع دينيًّا حديث العهد بالنبوة، يجد فيها الزعيم نفسه قادرًا على التأثير إذا هو صاغ هذا الهاتف الباطني في صورة نبوة فعلية، حتى يحدث أثرها في السمع والطاعة. تبدأ النبوة إذن بإحساس صادق من قائدٍ أحس مجتمعه بالظلم والاضطهاد، وأن عليه رسالةً يؤدِّيها، وأن هاتف الحق يدعوه للانتصار. النبوة هنا إحساس بالرسالة، وهو إحساس طبيعي في مجتمع مضطهَد وفي قيادة مقهورة.
وتستمر النبوة في علي وأولاده حتى الابن السابع أو الثاني عشر، وهو المهدي المُنتظَر،٤ بل إنها ما كان ألا تكون إلا في علي لولا خطأ في المُرسَل إليه من الواسطة، أو خديعة من الرسول الذي ادعى الأمر إلى نفسه ولم يكن له. وقد تُخطئ الواسطة عن قصد أو عن غير قصد، وقد يدَّعي الرسول النبوة له بالاتفاق والتواطؤ مع الواسطة أو بدونها،٥ وقد تستمر النبوة في الأئمة جميعًا، وتُصبِح الإمامة نبوة وكل إمام نبيًّا في وقته،٦ وقد تستمر النبوة في دعاة الأئمة، وليس في الأئمة وحدهم، ويتحول داعي الإمام شيئًا فشيئًا إلى إمام ثم إلى نبي، وقد يُغالي الداعية فيُنكِر النبوة، ويجعل نفسه نبيًّا أو يجعل غيره من القادة أنبياء. وهنا تكون الدعوة أو الإمامة ضد النبوة وبديلًا عنها، وليس فقط استمرارًا لها أو مفسرة إياها، بل تكون هي النبوة الوحيدة، وينزل الوحي على الإمام، ويعلم الغيب وأسرار الله، ويكون مؤيَّدًا بالنصر على الأعداء، وهو ما لم يحدث حتى للنبي.٧ وقد يصل الأمر بالإمام أو بالداعية النبي إلى حد الألوهية، فيُصبِح إلهًا لا فرق بين المُرسِل والمُرسَل إليه. وتتبادل المواقف بين الإله والإمام النبي؛ نظرًا لسيطرة النبوة الرأسية على النبوة الأفقية؛ طلبًا للقوة في مواجهة الخصوم، وطلبًا للطاعة من الناس. فلا تهم الرسالة؛ أي النبوة الأفقية، بل يهم الخروج على مجتمع السيطرة وتجنيد الناس. وقد لا يدعي الإمام النبي بالضرورة الألوهية؛ إذ يفصل بين نفسه كإمام أو كداعية وبين الله، حينئذٍ قد يكتفي بأن تكون علاقته بالله علاقة حب ومعرفة، وليست علاقة اتحاد أو حلول. وإنَّ رفع الإمام النبي إلى مرتبة الألوهية لَتُقابِل خفض أعدائه إلى مرتبة الشيطانية أو الجنية. كلها حالات نفسية للرفع والخفض، للإيجاب والسلب، للإثبات والنفي.٨
وإذا لم يكن الداعية نبيًّا فهو على الأقل شريك في النبوة أثناء حياة النبي، ووريثها بعد مماته.٩ وإن لم يكن شريكًا فهو على الأقل وصى للنبي، وقد يكون الوصي أحيانًا أكثر أهمية من النبي؛ فالنبي أذاع الكلمة وبلَّغها، ولكن الوصي هو الذي يفسِّرها ويعطيها معناها ويكشف مخبَّأها. النبي بلا وصي صوتٌ في الهواء، أو شكل على ورق، بل قد تتجاوز نبوة الداعية النبوة الأصلية، وتُعطي علمًا لم تُعطِه الأولى.١٠ وقد يبزُّ الإمام أو الداعية النبي ذاته في العلم، فيعلم ما لا يعلمه بعد أن ورث علمه من النبي أولًا، ثم فاقه وزاد عليه علمًا وعمقًا وفهمًا، ويتحول الرسول إلى مجرد كاتب يعلَم اللغات، في حين أن العلم الحي عند الإمام؛ وبالتالي تكون نسبة الرسول للإمام نسبة الأمي للعالم. وتتجاوز وظيفة الداعية المعرفية المعرفة العادية إلى المعرفة عن طريق الإلهام، وهي في الغالب المعرفة الصوفية. تنبع المعرفة في قلب الإمام وتصدر الحكمة منه، كما يُعطي الداعية لنفسه الحق في معرفة الغيب، وهي المعرفة التي لا يعملها أحد حتى الأنبياء، بل إنه ليس في حاجة إلى نبوة؛ لأنه الله، والله يعلم، وعِلمه سابق على النبوة. ويكون الداعية قادرًا على فعل المعجزات ما دام مؤيَّدًا بالنبوة؛ نظرًا لالتصاق النبوة بالمعجزة، ولشدة التوتر النفسي الذي يجعل الإنسان قادرًا على الإتيان بالأفعال غير المتوقَّعة، حقيقة أو وهمًا.١١
والحقيقة أن اعتبار الإمام نبيًّا تعميم للنبوة، في حين أن النبوة واقعة فريدة لا تتكرر. النبي هو وسيلة الاتصال بين نبع الوحي والآخرين، وسيلة واحدة خاصة، في حين أن وظيفة الإمام وظيفة عملية خالصة، وليست نظرية كوظيفة النبوة، تنحصر في تطبيق الوحي، وتحويله إلى نظام للجماعة؛ فإذا كانت وظيفة النبوة نظرية وعملية فإن وظيفة الإمام عملية خالصة، ولا تتجاوز الجانب النظري إلا بالاجتهاد في الفروع. تتمثل خطورة الإمام النبي أو الداعية النبي في فتح الباب لظهور الأدعياء والمتنبِّين والمجانين، وكل من لديه إحساس بالاضطهاد، أو كل من لديه إحساس بأنه مختار مُخلِص صاحب رسالة. وكثيرًا ما يحدث ذلك في المجتمعات التي تعتقد بالإمامة وبالنبوة، كما تتمثل أيضًا في تحويل الإمامة من الوظيفة العملية إلى الوظيفة النظرية، وكثرة التفسيرات الخيالية للوحي، وتصريف الطاقة البشرية في نظريات عن الحياة والكون والإنسان يغلب عليها طابع الإشراق؛ فيضعف العقل، ويعود إلى ما قبل اكتمال النبوة، ناقصًا في حاجة إلى عون؛ وتضعف الإرادة، وتعود أيضًا إلى ما قبل اكتمال النبوة، ناقصة في حاجة إلى مُعِين. والحقيقة أن ادعاء النبوة يقوم على أُسُس نفسية في مجتمع الاضطهاد وفي القيادة المضطهِدة، سواء ادعاها القائد عن سوء نية حتى تتم له السيطرة على الجماعة، أو بصدق اعتقاد. فادعاء النبوة في كلتا الحالتَين وسيلة يصطنعها القائد لإحداث السمع والطاعة، وليس تحولًا طبيعيًّا من الإحساس بالرسالة إلى سماع الهاتف. وقد نشأ الأنبياء الدعاة أو الأئمة الأنبياء في مناطق الكوفة وجوها النفسي؛ جو الاستشهاد، والذي يبعد عن جو البصرة وبغداد الذي يغلب عليه العقل والمنطق. وقد يستعير الإمام أو الداعية المتنبِّي بعض الصور والأفعال النمطية من النبوات السابقة؛ فقد يتمثل المدَّعي للنبوة حياة النبي وسيرته، فيكون حرفيًّا مثله بائع حنطة، أو تبان أسوة بباقي الأنبياء الذين كانوا رعاة ونجارين، وحتى تبدو النبوة في أضعف الناس وأبسطهم وأبعدهم عن الهرج والهالة والأضواء «يوضع سره في أضعف خلقه».١٢ كما يدعو أثر تاريخ الأديان في بعض الأساطير التي تُحيط بهم، خاصة وأن القائلين بها كانوا على علم بأساطير مُشابِهة في دياناتهم التي كانوا يعتنقونها قبل دخولهم في الدين الجديد.١٣ ولكن ما يهمنا اليوم ليس تكذيب نبوة هذا أو ذاك؛ فهذا أمر لم يعُد له دلالة الآن، ولم يعنِ لهذه الفِرَق القديمة وجود، ولا ينتج عن ذلك إلا إثارة الأحقاد في وقت تحتاج الأمة فيه إلى وحدتها بين سنة وشيعة، خاصة بعد اندلاع الثورة الإسلامية الكبرى في إيران، والتأكيد على أن ليس المهم في الإمامة عقائدها النظرية، بل آثارها العملية، وهو مقياس أصولي بين الظن النظري واليقين العملي.

(٢) هل الرؤية أو الحكمة استمرار للنبوة؟

هل تقوم الرؤية مقام الإمامة وتأخذ وظيفتها في استمرار النبوة؟ هل الرؤية الصالحة درجة من درجات النبوة؟ إذا كانت الرؤية قبل ختم النبوة واكتمال الوحي، وقبل المرحلة الأخيرة فهي مُمكِنة، بل إن النبوة ذاتها مُمكِنة حتى ولو لم يقصها الوحي؛ فلربما دعا إليها من الأنبياء الذين لم يُقصُّوا علينا، وربما كانوا من حكماء البشر ومُلهَميهم.١٤ أما بعد اكتمال الوحي وختم النبوة فالرؤية خيال باطل بالنسبة للنبوة، وإن كان يُمكِن أن تكون حقًّا بالنسبة إلى قدرة الإنسان على التنبؤ بمستقبله، مثل قدرته على تذكُّر الماضي ومعرفة الحاضر؛ فالإنسان ممتد في الزمان، ووعيه مُتصِل من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، وإن هموم الإنسان لَتظهر في الأحلام، وتوقعاته للمستقبل تتراءى في الحاضر؛ وبالتالي يسهل تفسيرها وقراءتها وترجيح أحد احتمالاتها على الأخرى. وإن رؤيا النبي ليست جزءًا من نبوته؛ لأن النبوة لا تتم إلا في حالة اليقظة؛ حتى يتم استيعاب الوحي وحفظه، أو تبليغه لكتبة الوحي للتدوين؛ فالوحي كلام والرؤية مجرد صُوَر. وليس كلام الوحي من اختيار النبي ليصف به ما يراه من صور، بل هو وحي بالمعنى واللفظ. إن رؤيا النبي، مثل رُؤى غيره من البشر، تعبيرٌ عن همومه اليومية وتطلعاته المستقبلية.١٥ الرؤيا لها تفسير طبيعي في حياة الإنسان، ولا شأن لها باتصال المُرسِل بالمُرسَل إليه، وهي مثل ما يخطر للبصر دون حضور موضوع؛ أي الرؤية الباطنية للشعور بعد قلب النظرة. ويتم ذلك في حال اليقظة كما يتم في حال النوم، ومثلها مثل أحلام اليقظة، وهي من فِعل الطبائع؛ طبيعة النفس وطبيعة البدن، وليست من فعل الله. وإذا كان صدق الرؤيا لا يتحقق إلا في الواقع، يكون الواقع هو المحك في صدق الرؤية؛ وبالتالي لا تحتوي الرؤيا على صدقها الباطني. هي مجرد أضغاث أحلام تعبِّر عن مكنونات النفس، ولا شأن لها بالصدق أو الكذب؛ فهي ليست وسيلة للمعرفة، بل استمرار لحياة الشعور دون حالة اليقظة، وإعمال لخيال الإنسان في غياب العقل الواعي؛ فهي تفكير من نوع خاص، وتفسيرها الصادق إنما يتم بعد الوقائع، ثم قراءة هذا الواقع في صور الرؤيا. ولو لم تحدث الوقائع على هذا النحو لما أمكن أن يكون للرؤيا أي معنًى.١٦
فإن لم تكن الرؤية استمرارًا للنبوة، فهل الحكمة استمرار لها؟ هل تستطيع النفس بتصفيتها أن تُدرِك ما يُدرِكه النبي؟ هل يستطيع الحكيم بعقله أن يُدرِك الحقائق كما يُدرِكها النبي؟ والحقيقة أن السؤال نفسه إنما يتوجه إلى النبوة الرأسية، لا إلى النبوة الأفقية؛ أي إلى نظرية الاتصال، وليس إلى النقل المتواتر. هو سؤال علوم الحكمة في نظرية الاتصال، وليس سؤالًا في علم الأصول بشقَّيه؛ علم أصول الدين وعلم أصول الفقه الذي يتوجه إلى النبوة في التاريخ وعبر الأجيال كعقائد نظرية وكسلوك عملي. إن تجرُّد النفس الناطقة بطبيعة الحال يجعلها قادرة على إدراك الحقائق النظرية، كما أن تفاوُت النفوس في درجات الصفاء والتجريد تجعلها أيضًا مُتفاوِتة في درجات الإدراك. فالوحي بهذا المعنى عام وليس خاصًّا، يستطيعه الفيلسوف كما يستطيعه النبي.١٧ واعتبار الوحي تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية ليس إنكارًا للنبوة بقدر ما هو إثبات لدوامها عن طريق نزوع الطبيعة؛ فالطبيعة هي الوحي، والوحي هو الطبيعة، وكل ما يميل الإنسان إليه يطبعه هو الوحي، وكل ما يتوجه به الوحي هو اتجاه في الطبيعة. الوحي والطبيعة شيء واحد. ولما كانت الطبيعة مستمرة فالوحي بهذا المعنى مستمر، والنبوة دائمة، ولكنا أنبياءٌ يُوحى إلينا من الطبيعة، وصوت الطبيعة هو صوت الله. والوحي الطبيعي هو أكبر رد فعل على الوحي الرأسي؛ فهو وحي بلا معجزات ولا ملائكة ولا أنبياء، ومع ذلك يُقِر بالتوحيد وبالبعث وبالجزاء؛ مما يجعل استعمال لفظ الوحي هنا استعمالًا مجازيًّا خالصًا، أي إدراك العقل القائم على الطبيعة، وبطبيعة الحال يستمر الوحي بهذا المعنى طالما أن هناك عقلًا وأن هناك طبيعة.١٨

(٣) حفظ الوحي وبقاء الشريعة

وقد يُضاف إلى الادعاء بالنبوة والقدرة على إجراء المعجزات القولُ بنسخ القرآن، وإبطاله كله أو بعضه، وبقدرة الإمام النبي على إحضار قرآن جديد ووحي آخر وشريعة بديلة، فيتوقف الوحي القديم ذاته، وتُنسَخ شريعته كلية، ويُفسَح المجال إلى الإمامة؛ النبوة الجديدة. ويكون الإمام الجديد من الصابئة؛ أي من دعاة الدين الطبيعي، ولا يكون من العرب، بل من العجم؛ مما يدل على الدافع السياسي وراء القول باستمرار النبوة ونسخ آخر شرائعها. فإن لم يتم استبدال العرب كلية، فيُمكِن استبدال فريق بفريق، وظهور الإمام النبي في الجماعة المضطهَدة؛ لذلك يجوز البداء والنسخ، ليس فقط داخل آخر مرحلة، بل أيضًا بعدها.١٩ وقد يُشكِّك في الوحي المدوَّن نفسه، كله أو بعضه؛ فقد انتقل القرآن ورُفِع، أو أُحرِقت المصاحف قبل أن تُجمَع، فالقرآن الأول غير القرآن الثاني، وقد يحدث فيه التبديل زيادةً أو نقصانًا، مثال ذلك إخراج قصة يوسف من القرآن؛ لأنها قصة عشق، وكأن العشق ليس أحد مظاهر الوجود الإنساني مثل النبوة والعصمة.٢٠ ولا خفاء في أن الدافع لذلك دافع سياسي خالص؛ من أجل التشكيك لدى العامة في الرسول ودحض شرعيته، إما بزيادة نص أو بنقص آخر كان ينص صراحةً على إمام آخر.
وقد يبدو من المُتناقَض التسليمُ بأن النبوة في آخر الزمان. والحقيقة أن هذه مُعتقَدات أهل السنة في علامات الساعة من أمور المعاد، ولكن المسيح الدجال لن يأتي بنبوة جديدة؛ فقد توقَّفت النبوة، وإلا لظلَّت الإنسانية قاصرة حتى نهاية الزمان تنقصها مرحلة، ابتداءً من ختم النبوة حتى المسيح الدجال، معلَّقة في التاريخ، لا هي ناقصة تتطور، ولا هي كاملة تعتمد على نفسها. ولا يأتي بشريعة جديدة، ولكنه ينزل على شريعة الإسلام، فيُطبِّقها عنوةً بعد أن تراخى في تطبيقها الحكام، وتساهل فيها الناس، ويُحيي القرآن في قلوب الناس بعد موات.٢١ ومعظم الروايات عن آخر الزمان إنما تعبِّر عن الأمل في المستقبل والثقة بالنصر، تعويضًا عن ضعف الحاضر وهزائمه. فإذا ما ظهر في القدس أو حتى داخل العالم الإسلامي، فإنه يحرِّر الأرض ويقضي على مظاهر القهر، ويُعيد توزيع الثروة، ويوحِّد الأمة، ويقضي على التغريب، ويُقاوِم التخلف، ويجنِّد الجماهير، كل ذلك تعبيرًا عن تطلعات المسلمين اليوم.
١  زعمت الخرمينية من الروافض أن الرسل تترى غير مُنقطِعة، وإنما يدورون على الأغوار، تترى الرسل بعد الرسول ولا ينقطعون (مقالات، ج٢، ص١١١). ويُحِيل البغدادي إلى كتاب «دلائل النبوة» لمعرفة الفِرَق التي تقول باستمرار النبوة (الأصول، ص١٥٧–١٥٩). وزعم أبو منصور أن رسل الله لا تنقطع أبدًا، وزعم أنه صعد إلى السماء، وأن الله مسح على رأسه، وقال له: يا نبي بلِّغ عني. ثم نزل به إلى الأرض، وعيَّن أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا إلا والكلمة (مقالات، ج١، ص٧٤؛ فِرَق، ص٢٢٦). زعم أبو منصور أن الرسل لا تنقطع أبدًا وأن الرسالة لا تنقطع (المِلَل، ج٢، ص١٢٣). وزعمت البزيغية (الخطابية) أن كل ما يحدث في قلوبهم وحي، وأن كل مؤمِن يُوحى إليه، ومنهم من هو خير من جبريل وميكائيل ومحمد، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ؛ أي بوحي منهم (٣: ١٤٥)، وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ (٥: ١١٤)، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (١٦: ٦٨)، ونحن أولى بالجواز (مقالات، ج١، ص٧٨؛ الفِرَق، ص٢٤٩).
٢  هذا هو موقف أحمد بن حابط؛ فللبهائم رسل، أرسل الله نبيًّا لكل نوع من أنواع الحيوانات، حتى البق والبراغيث والقمل، وحجته: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، مع أن الله يقول في نفس الوقت: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وإنما يُخاطِب الله بالحجة من يعقلها، كما يتحدث القرآن عن لغة الطيور والحشرات: عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ، يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ، وكذلك قصة الهدهد وحديثه مع سليمان. ومن معجزات محمد التي يرويها أهل السنة كلام الذراع، وحنين الجذع، وتسبيح الطعام؛ بالتالي لا تفترق حُجَج الحابطية عن حجج الأشاعرة، والرد على هذه الحجج يقوِّيها، مثل القول بأن التسبيح ليس بالكلام ولكن بلغة أخرى، فكل كلام لغة وإن لم تكن كل لغة كلامًا؛ وبالتالي يُمكِن تأويل كل الحجج النقلية لصالح الحابطية، مثل: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، وكذلك حديث: «يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء.» وصورة الحيوانات في القرآن هي أنها لاستعمال الإنسان وفائدته، مثل: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (١٦: ٨)، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ (٥: ١)، وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا (١٦: ١٤٢)، وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٦: ٥)، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ (١٦: ٨٠)، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ (٣٥: ٢٨)، اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٤٠: ٧٩).
٣  انظر الباب الثاني: الإنسان الكامل، الفصل الأول: الوعي الخالص، سادسًا: المخالفة للحوادث، (٢) التأليه، (أ) تأليه الأئمة، (ب) درجات التأليه وطرقه، (ﺟ) وظائف الإمام الكونية.
٤  تقول غلاة الروافض بنبوة علي (الأصول، ص١٥٧–١٥٩؛ الفصل، ج٥، ص٢٤). وفِرقةٌ قالت بأن علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، والحسن بن محمد، والمُنتظَر كلهم أنبياء (الفصل، ج٥، ص٢٤-٢٥). وفِرقةٌ قالت بنبوة علي وبَنيه الثلاثة؛ الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية فقط، وهم طائفة الكيسانية (الفصل، ج٥، ص٢٥). وفِرقةٌ قالت بنبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر فقط، وهم طائفة من القرامطة (الفصل، ج٥، ص٢٥).
٥  ومن غلاة الشيعة الغرابية يقولون إن الله أرسل جبريل إلى علي، فغلط في طريقه وذهب إلى محمد؛ لأنه كان يُشبِهه، وقالوا كانوا أشبه به من الغراب بالغراب، والذباب بالذباب، كان الرسول عليًّا وأولاده من بعده هم الرسل، وتلعن صاحب الريش؛ أي جبريل (الفِرَق، ص٢٥، ص٢٥١) (اعتقادات، ص٥٩-٦٠). تلعن الغرابية جبريل ومحمدًا، وعند إحدى فرق الحلولية أن الله بعث جبريل فغلط وصار إلى محمد، فاستحيا الرب وترك النبوة في محمد، وجعل عليًّا وزيره الخليفة من بعده (التنبيه، ص٢٢-٢٣). وعند الجهورية بعث جبريل إلى علي فغلط محمد، فأُمِر بتنفيذ غلطه (التنبيه، ص١٥٨). ويزعمون أن جبريل أزاغ الرسالة من علي إلى محمد عمدًا وقصدًا، لا غلطًا وسهوًا. وهؤلاء يُسيئون القول في جبريل (اعتقادات، ص٦٠). يزعمون أن جبريل أزاغ الرسالة إلى علي، لكن محمدًا كان أكبر سنًّا من علي، فاستعان علي به، ثم أن محمدًا استقل بالأمر ودعا الخلق إلى نفسه، وهؤلاء يُسيئون القول في النبي (اعتقادات، ص٦٠؛ الفصل، ج٥، ص٢٤). وعند الذمية بعث علي محمدًا ليُنبئ عنه، فادعى الأمر لنفسه (الفِرَق، ص٢٥٢). وغلاة الشيعة يكذِّبون النبي ويشتمونه، ويقولون إن عليًّا وجَّه به ليبيِّن أمره، فادعى الأمر لنفسه (مقالات، ج١، ص٨٢).
٦  انتحلت المفضلية (الخطابية) النبوة والرسالة (مقالات، ج١، ص١٧٨). وقالت الإمامية نبوةُ كل إمام في وقته (الأصول، ص١٥٧–١٥٩). وكان أحمد بن فانوس، تلميذ أحمد بن حابط، يقول مثله بالتناسخ، ادعى النبوة وقال إنه المراد بقول الله: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (الفصل، ج٥، ص٤٠).
٧  ادَّعت المختارية نبوة المختار بن أبي سعيد، الذي ادعى نزول الوحي إليه بظفر جنوده في حربهم ضد مصعب بن الزبير، ولكن جنوده انهزمت (التنبيه، ص٢٣؛ الفِرَق، ص٥٠-٥١)، وكان داعية محمد بن الحنفية بعد انتصاراته وولاية الكوفة والجزيرة والعراقَين. تكهَّن وتسجَّع، وحكى أنه ادعى نزول الوحي إليه، ومن أسجاعه: «أما والذي أنزل القرآن، وبيَّن الفرقان، وشرع الأديان، وكره العصيان … إلخ.» وحملته السبئية على دعوى النبوة، فادعاها عند خواصه، وزعم أن الوحي ينزل عليه (الفِرَق، ص٤٣–٥٠). حاوَل ادعاء النبوة، وسجع أسجاعًا، وأنذر بالغيوب عن الله (الفصل، ج٥، ص٢٥). وزعم المغيرة بن سعيد أنه نبي، وأنه يعلم سر الله الأكبر، ويهزم الجيوش (مقالات، ج١، ص٦٩؛ الفِرَق، ص٢٣٩؛ الفصل، ج٥، ص٢٥). كما ادعى بيان بن سمعان النبوة، وأنه يعرف اسم إله الأعظم، ويهزم العساكر، وأنه يدعو الزهرة فتُجيبه (الفِرَق، ص٢٣٧؛ مقالات، ج١، ص٦٧؛ التنبيه، ص٢٣؛ الفِرَق، ص٢٣٧). وزعمت بعض فِرَق الروافض أن الملائكة تهبط على الأئمة بالوحي (مقالات، ج١، ص١١٧).
٨  عند المقنَّعية أتباع مقنَّع، وكان من أصحاب أبي مسلم صاحب الدعوة، ادعى النبوة بعد النبوة، وعظُم أمره، واجتمع عليه خلق كثير، ثم ادعى الألوهية، وقُتِل عاقبةَ الأمر (اعتقادات، ص٧٩-٨٠). وزعم أبو الخطاب أن الأئمة أنبياء ثم آلهة. الإلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الإمامة. وعند الباطنية التوحيدُ هو التوحيد والنبوة معًا حتى يكون توحيدًا، أو أن النبوة هي النبوة والإمامة معًا حتى تكون نبوة (المِلَل، ج٢، ص١٥٦). وأحيانًا يُسمُّون الدهرية الباطنية (المِلَل، ج٢، ص١٢٤). عند الكاملية أصحاب أبي كامل، أعلى المراتب مرتبة المَلكية أو النبوة، وأسفل المراتب الشيطانية والجنية (المِلَل، ج٢، ص١١٩).
٩  زعمت الخطابية أن الأئمة أنبياء محدَّثون، ورسائل الله وحُجَجه على خلقه. لا يزال فيهم رسولان؛ واحد ناطق والآخر صامت؛ الناطق محمد والصامت علي. فطاعتهم مُفترَضة على جميع خلقه. يعلمون ما كان وما هو كائن. وزعموا أن أبا الخطاب نبي، وأن طاعته مفروضة بأمر الرسل بنصب أبي الخطاب حبًّا في كناسة الكوفة. دعا إلى عبادة جعفر أبو الخطاب. كان صامتًا في وقت جعفر ثم ناطقًا بعده (مقالات، ج١، ص٧، ص٧٧؛ الفِرَق، ص٢٤٨). عند إحدى فِرَق الرافضة، علي علِم ما علِم من الرسول من عِلم الدنيا والآخرة، وما كان وما هو كائن، وعلِم علي بعد الرسول علمًا لم يكن الرسول يعلمه؛ فعليٌّ أعلمُ من الرسول، ويتوارث الأئمة بعده هذا العلم إلى اليوم، والعلم يُولَد معهم لا يحتاجون فيه إلى تعليم (التنبيه، ص١٥٩-١٦٠). الخطابية وفِرَقها خمس، تقول بأن الأئمة آلهة يعلمون الغيب وما هو كائن قبل أن يكون (الفِرَق، ص٢٤٨–٢٥٠). وعند البيانية عليٌّ يعلم الغيب، ويعلم ما في الغد، وما تشتمل عليه الأرحام من أولاد، وما يغيب في بيوتهم، والأئمة يعلمون كعلي (التنبيه، ص١٥٦-١٥٧). الإمام يعلم كل ما كان وكل ما يكون، ولا يخرج شيء عن علمه من أمر الدين ولا من أمر الدنيا. الرسول كاتب فقط يعرف الكتابة وسائر اللغات (مقالات، ج١، ص١١٧). كما ادعى عبد الله بن معاوية الألوهية والنبوة حقًّا، وأنه يعلم الغيب (المِلَل، ج٢، ص٧٧). وزعم المغيرة بن سعيد أن له قلبًا تنبع منه الحكمة (مقالات، ج١، ص٦٩؛ الفِرَق، ص٢٣٩). وزعم عبد الله بن معاوية ذو الجناحَين أن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة والعشب (مقالات، ج١، ص٦٧؛ الفِرَق، ص٢٤٦). الله يُلهِمهم العلم إلهامًا بغير تعلُّم ولا طلب (الانتصار، ص١٠٤، ص١٥٢–١٥٥). أكثر مَن خص فِرَق الأمة لم يذكُر الصوفية، وذلك خطأ؛ لأنه حاصل قوة الصوفية؛ لأن الطريق إلى معرفة الله هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية، وهذا طريق حسن (اعتقادات، ص٧٢). عند السبئية عليٌّ شريك في النبوة، وأن النبي مقدَّم عليه إذا كان حيًّا. فلما مات ورث النبوة، فكان نبيًّا يوحى إليه ويأتيه جبريل بالرسالة (التنبيه، ص١٥٨). وعند إحدى فِرَق الحلولية، محمد وعلي شريكان في النبوة والرسالة، وطاعتهما ومعصيتهما واحد لا فرق بينهما، وعلي نبي بعد محمد؛ لقول الرسول: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» (التنبيه، ص٢٣، انظر أيضًا الباب الخامس: التاريخ المتعين، الفصل الثاني عشر: الإمامة).
١٠  زعم ابن سبأ (ابن السوداء) أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيًّا، وأن عليًّا وصي محمد، وهو خير الأوصياء لخير الأنبياء. نفاه علي، وبعد قتله قال والله لَينبض لعليٍّ من مسجد الكوفة عينان تفيض من إحداهما عسلًا والأخرى سمنًا، ويغترف منها شيعته (الفِرَق، ص٢٣٥).
١١  اختلفت الروافض في الأئمة؛ هل تجوز أن تظهر عليهم الأعلام؟ فقالت فِرقةٌ يجوز ذلك كما تظهر على الرسل؛ لأنهم حُجَج الله، كما أن الرسل حُجَج الله (مقالات، ج١، ص١١٧). يجوز أن تظهر الأعلام عليهم، وتنزل الملائكة إليهم (مقالات، ج٢، ص١١). وحكى زرقان عن هشام بن الحكم الرافض أنه أجاز المشي على الماء لغير نبي (الفِرَق، ص٦٨). كما أجازوا لمغيرة بن سعيد وبيان ومنصور الكشفَ وقلبَ الأعيان على سبيل السحر (الأصل، ج٥، ص٧٩-٨٠). وادعى المختار بن أبي عبيد الثقفي من الكيسانية المعجزة عندما سمع بإحراق دار أسماء، وبعث مَن أحرقها بالليل، وادعى أن نارًا من السماء نزلت فأحرقتها. وانتصر على أهل الكوفة لما تكهَّن. وقال أحد الأسرى لنجاته: ما أنتم أسرتمونا ولا أنتم هزمتمونا بعُدتكم، وإنما هزمَنا الملائكة الذين رأيناهم على الخيل البلق فوق عساكركم (الفِرَق، ص٤٣–٥٠). وقد قيل نفس الشيء في حرب أكتوبر ١٩٧٣م عن عبور الملائكة مع الرسول قناة السويس.
١٢  قالت فِرقةٌ من الروافض بنبوة معمر بائع الحنطة بالكوفة، وقالت أخرى بنبوة التبان بالكوفة، وثالثة (الخطابية) شيعة بني العباس بنبوة عمار الملقَّب بخداش (الفصل، ج٥، ص٢٦-٢٧).
١٣  هذا ما يفسِّر نشأة التشيع من حيث هي قوالب ذهنية ونظريات وأساطير، وليس من حيث هي واقع نفسي اجتماعي سياسي من مصادر دينية أخرى، خاصة اليهودية، عن حسن نية أو عن سوء نية؛ فكثيرًا ما تظهر الثقافات الدينية الأولى عند المتحوِّل إلى الدين الجديد في حديثه عن الدين الجديد دفاعًا أو تفسيرًا، ومثال لذلك حديث بولس في رسائله عن المسيحية دفاعًا وتقريظًا، وظهور جوانب عديدة من ثقافته وديانته اليهودية السابقة في عرضه للدين الجديد. أما سوء النية أو حسنها فهو عامل تاريخي يدخل في حِيَل التاريخ كجزء من العمل البشري؛ أي إنه بناء أنطولوجي، وليس حكمًا خلقيًّا.
١٤  كفَّر أهل السنة كل متنبِّئ، سواء كان قبل الإسلام كزرادشت ويوراسف وماني وديصان ومرقيون ومزدك، أو بعده كمسيلمة وسجاج والأسود بن يزيد العنسي، وسائر من كان بعدهم من المتنبِّين (الفِرَق، ص٣٤٣). وكفَّروا مَن ادعى النبوة والألوهية، أو من ادعى للأئمة بنبوة أو إلهية، كالسبئية والبيانية والغيرية والمنصورية والخطابية ومن جرى مجراهم (الفِرَق، ص٣٤٣).
١٥  ذُكِر في القرآن منامات الأنبياء، مثل ما ورد في سورة يوسف (الدر، ص١٤٤–١٤٦). وفي الحديث أن الرؤيا الصالحة جزء من النبوة، وقد جاء على لسان النبي أنه لم يبقَ بعده من النبوة إلا المبشِّرات، وهي الرؤيا الصالحة، وأنها جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة، إلى جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، إلى جزء من سبعين جزءًا؛ لتفاضُلهما في الصدق والوضوح والصفاء من كل تخليط. أما رؤيا غير الأنبياء فقد تكذب وقد تصدق، إلا أنه لا يُقطَع على صحة شيء منها إلا بعد ظهور صحتها حاشا رؤيا الأنبياء؛ فإنها مقطوعة الصحة (الفصل، ج٥، ص٨٩-٩٠).
١٦  اختلف الناس في الرؤية على ستة أقاويل: (١) النظَّام: الرؤيا مثل ما يخطر للبصر وما أشبهها ببالك، فتتمثلها وقد رأيتها. (٢) معمر: الرؤية من فعل الطبائع، وليست من قِبل الله. (٣) السوفسطائية: الرؤيا سبيل ما يراه النائم في نومه، كسبيل ما يراه اليقظان في يقظته على الخيلولة والحسبان. (٤) صالح قبة: الرؤية حق، وما يراه النائم صحيح، كما أن ما يراه اليقظان في يقظته صحيح؛ فإن رأى الإنسان في المنام كأنه بإفريقية وهو ببغداد فقد اخترعه الله بإفريقية في ذلك الوقت. (٥) الرؤية على ثلاثة أنحاء: (أ) ما هو من قِبل الله، مثل تحذير الله الإنسان في منامه من الشر وترغيبه في الخير. (ب) من قِبل الإنسان. (ﺟ) من قبل حديث النفس والفكر. يفكِّر الإنسان في منامه، فإذا ما انتبه فكَّر فيه، فكأنه شيء قد رآه. (٦) أهل الحديث: الرؤيا الصادقة صحيحة، وقد يكون منها ما هو أضغاث أحلام (مقالات، ج١، ص١٢٣؛ ج٢، ص١٠٧؛ الإبانة، ص١١). وأنكرت الجهمية الرؤيا وقالت إنها أضغاث أحلام، في حين أثبتتها الأشاعرة (التنبيه، ص٩٩).
١٧  ومن الرؤيا ما يُريه الله نفس العالم إذا صفَت من أكدار الجسد، وتخلَّصت من الأفكار الفاسدة، فيُشرِف الله به على كثير من المغيَّبات التي لم تأتِ بعد. وعلى قدر تفاضُل النفس في النقاء والصفاء يكون تفاضُل ما يراه في الصدق (الفصل، ج٥، ص٨٩-٩٠). وقد ادَّعت صابئة حران نبوة قوم من الفلاسفة (الأصول، ص١٥٧–١٥٩). وادعى فريق آخر من الصابئة نبوة هرمس وواليس وذردثيوس وأفلاطون وجماعة من الفلاسفة وسائر أصحاب الشرائع، كلُّ صنف منهم مُقِرون بنزول وحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم. يقولون إن الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة بعد الموت، وعن ثواب وجنة ونار، ويكون فيها الجزاء عن الأعمال السابقة، والمجوس يدَّعون نبوة زرادشت ونزول الوحي عليه من الله (الفِرَق، ص٢٩٥-٢٩٦).
١٨  يرفض الباطنية المعجزات، ويُنكِرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، ويُنكِرون أن يكون في السماء ملَك، ويتأوَّلون الملائكة على دعائهم إلى بدعتهم، ويتأوَّلون الشياطين والأبالسة على مُخالفيهم (الفِرَق، ص٢٩٥-٢٩٦). أما الدهرية فيُنكِرون الرسل والشرائع لميلها إلى استباحة كل ما يُحِيل الطبع (الفِرَق، ص٢٩٤-٢٩٥).
١٩  عند اليزيدية (الخوارج) أتباع يزيد بن أنيسة، يبعث الله نبيًّا ينسخ شريعة محمد، ويكون صابئًا كما يذكر، وليس من جملة هؤلاء الصابئين (الأصول، ص١٥٧–١٥٩). يبعث الله في آخر الزمان نبيًّا من العجم، ينزل عليه كتاب من السماء، ويكون دينه دين الصابئة المذكورة في القرآن، لا دين صابئة واسط أو حران، وينسخ ذلك الشرع شرع القرآن (الأصول، ص١٦٢-١٦٣؛ الفِرَق، ص١٠٤، ص٢٧٩-٢٨٠؛ المِلَل، ج٢، ص٥٥؛ الأصول، ص١٥٨، ص٣٢٥، ص٣٢٢–٣٣٣). وأما الكفرة الذين ظهروا في دولة الإسلام، واستتروا بظاهر الإسلام، واغتالوا المسلمين في السر … من قال بقول اليزيدية من الخوارج الذين زعموا أن شريعة الإسلام تُنسَخ بشرع نبي من العجم (الفِرَق، ص٣٥٦-٣٥٧). وزعم بيان بن سمعان أنه نسخ بعض الشريعة (مقالات، ج١، ص٦٦). وبيان بن سمعان عند قومه نبيٌّ نسخ بعض شريعة محمد (الفِرَق، ص٢٣). وهشام بن الحكم نسخ القرآن، وصعد به إلى السماء؛ لردة الأمة بعد بيعتها لأبي بكر (التنبيه، ص٢٥). وهذه الفِرَق كلها تقول بالبداء، وأن الله تبدو له البداوات (التنبيه، ص١٩). عند المفوضة من غالية الشيعة، الأئمة ينسخون الشرائع (مقالات، ج١، ص١٨٦). الأئمة ناسخون؛ إما على معنى البداوات، أو ليس على معناها (مقالات، ج٢، ص٢٥٣-٢٥٤). ويجوز للأئمة نسخ الشرائع وتبديلها وتغييرها (مقالات، ج١، ص١١٧؛ ج٢، ص١١١).
٢٠  عند الرافضة انتقل القرآن أو وُضِع أيام عثمان، وأُحرِقت المصاحف التي كانت من قبل (التنبيه، ص٢٥). ليس القرآن هو القرآن، بل شيءٌ وُضِع وافتُعل (التنبيه، ص٢٨). بُدِّل القرآن وحُرِّف من مواضعه وزِيد فيه ونُقِص منه (الانتصار، ص٦، ص١٠٧). ويرى البعض أنه نقصٌ دون زيادة أو تغيير، ذهب كثير منه والإمام يعلَمه (مقالات، ج١، ص١١٥–١٢٤). القرآن مبدَّل؛ زِيد فيه ما ليس منه، ونُقِص منه كثير، وبُدِّل كثير (الفصل، ج٥، ص٢٢). القرآن فيه زيادة ونقصان، ولكن الإمام ألمَّ به (مقالات، ج١، ص١٦٦). وتُنكِر الميمونية من الخوارج أن سورة يوسف من القرآن (الفِرَق، ص٢٨١). وكما تُنكِر العجاردة الخوارج نفس الشيء؛ فهي قصة من القصص، ولا يجوز أن تكون قصة العشق من القرآن (المِلَل، ج٢، ص٤٣-٤٤؛ اعتقادات، ص٤٧).
٢١  تساءل القدماء: على أي وجه يكون نزول عيسى ومحمدٌ آخر الرسل؟ ينزل على نصرة دين الإسلام، فيقتل الدجال والخنزير، ويُريق الخمر، ويُحيي ما أحياه القرآن، ويُميت ما أماته القرآن (الأصول، ص١٥٩-١٦٠). إذا نزل عيسى من السماء ينزل بنصرة شريعة الإسلام، ويُحيي ما أحياه القرآن، ويُميت ما أماته القرآن (الإنصاف، ص٦٢). عيسى عند نزوله إلى الأرض في آخر الزمان إنما يحكم بشرع نبينا لا بشرع جديد، وعدم قبول عيسى الجزية وهو من جملة شرع نبينا؛ لأن قبول الجزية غايته إلى نزول عيسى (الحصون، ص٧٩). فكيف يستجيز مسلم أن يُثبِت بعده عليه السلام نبيًّا في الأرض حاشا ما استثنَته الآثار المُسنَدة الثابتة في نزول عيسى في آخر الزمان (الفصل، ج٥، ص٢٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠