سابعًا: إعجاز القرآن

إعجاز القرآن هو البديل الجديد في آخر مرحلة من مراحل الوحي عن المعجزات القديمة أثناء تطور الوحي وقبل اكتماله. كانت المعجزة بالمعنى القديم خرقًا لقوانين الطبيعة، وجريانًا على غير المألوف، وصدمًا لبداهات العقل، ونقضًا لشهادات الحس، لا تسلَم من خداع أو وهم، وإن كانت حقيقة فتدل على جهل بقوانين العلم. ومن الناحية العملية لم يُؤمِن بها إلا البسطاء، وكذَّب بها الأولون. أما الإعجاز الجديد فهو ظاهرة طبيعية، كلام حسي منظوم يعرفه كل متكلِّم، سواءٌ كان أميًّا أم متعلِّمًا يتجه إلى العقل والحس والوجدان للتأثير فيها إقناعًا ورؤية وتصديقًا. وإذا كانت المعجزة من فِعل الله في الطبيعة من خلال الرسول، وليس من فعل الرسول مباشرة متوجِّهة إلى عامة الناس؛ فالإعجاز كلام طبيعي حسي موجَّه إلى الإنسان مباشرةً كفردٍ مُستثيرًا قدراته على التحدي؛ وبالتالي ينفصل الكلام عن مصدره الأول وعن واسطته الثانية. وإذا كان شرط التحدي هو تكافؤ الفرص، فكَون المعجزة من الله لا يجعل فيها تحديًّا ولا تكافؤ فرص، في حين أن الإعجاز به تحدٍّ وبه تكافؤ فرص؛ فالكلام في مُتناوَل الجميع، يقدر عليه الكل. وكيف يُجاري الإنسانُ اللهَ في المعجزة؟ لو كانت من الرسول لَكان التحدي قائمًا. وإذا كانت المعجزة القديمة مُنقطِعة بانتهاء عصرها فإن الإعجاز باقٍ إلى نهاية الزمان، طالما أن هناك إنسانًا قابلًا للتحدي وقادرًا على الدخول فيه. وإذا كان من ضرورات المعجزة القديمة صحة تواترها في الماضي، فإن الإعجاز الجديد يقتضي تحديًّا مباشرًا في الحاضر والمستقبل. الإعجاز إذن تطوير للمعجزة القديمة، التي كانت وسيلة الوحي لتغيير بناء الشعور البشري، وتحريره من سيطرة المادة الطبيعية المُستغلِقة، أو من سيطرة السلطان البشري القاهر. ولما لم تنجح هذه الوسيلة في كثير من الأحيان، فهي استبدال خرافة بخرافة، كان الشعور يرجع باستمرار إلى طبيعته الأولى بعد أن تغيَّر وكأنه لم يتغير مُطلَقًا؛ لذلك انتهى دور المعجزة بعد استقلال الوعي البشري واكتمال الوحي، وتحوَّلت المعجزة الطبيعية القديمة إلى إعجاز الكلام الجديد وتحدي القدرة البشرية على الخلق الأدبي والتشريعي؛ ومن ثَم يكون الإعجاز حافزًا مستمرًّا للشعور على الخلق، ودافعًا مستمرًّا للفكر على التحدي.١

(١) التحدي والمعارضة

يقوم الإعجاز الجديد على عنصرَي التحدي والعجز عن المعارضة؛ فالتحدي هو مطالبة الإنسان أن يأتي بمثل هذا القرآن؛ أي استثارة القدرة البشرية على الخلق والإبداع، وعلى هذا النحو يُحقق الإعجاز الجديد أحد شروط المعجزة القديمة وهو التحدي، دون الوقوع في مثالبها وهو خرق قوانين الطبيعة، وهدم قوانين العقل، ومحدوديتها في القدرة على الإقناع. ولما كان التحدي يقتضي تكافؤ الفرص فإن اعتبار القرآن من عند الله يجعل الفرص غير متكافئة؛ فكيف يتحدى الإنسانُ اللهَ ويُجارِيه في صنعه؟ ولو كان القرآن من عند الرسول لَكان التحدي أقرب إلى تكافؤ الفرص، بالرغم أيضًا من تأييد الرسول بالاتصال، في حين أن الشاعر المتحدَّى ليس مؤيَّدًا إلا بقدراته الإبداعية الخاصة. وليس تنزيهًا لله أن يقف الإنسان متحدِّيًا له في صنعه، وليس احترامًا للرسول أن يقف الشاعر متحدِّيًا له فيما يبلِّغ به ويُعلِنه للناس من عند الله. وكيف يكون التحدي مُمكِنًا لو كانت نتائجه معروفة من قبل وإعلان النتيجة مسبقًا بفشل الإنسان والحكم عليه بذلك إلى نهاية الزمان بحرف النفي للتأبيد «لن»؟٢ وكيف يكون التحدي مُمكِنًا والتهديد بالعقاب قائم، سواء في حالة النجاح أم في حالة الفشل؟ وهل جزاء قبول المتحدَّى العقاب؟ ألا يفتُّ ذلك في عضد المتحدى إذا علم النتيجة مُسبَقًا بأنه خاسر، وبأنه سينال العقاب نتيجة على تجرُّئه على قبول التحدي والقيام به؟ ومن الطبيعي أن يكون موضوع التحدي معلومًا، وليس مستورًا خفيًّا لا يعلمه أحد، وإلا ففِيمَ التحدي وفيمَ الإعجاز؟ لا يكون التحدي إلا لشيء معروف، وإلا لَكان إيهامًا أو خداعًا، بل إن التحدي منصوص عليه، والعلم به من القرآن ذاته.٣

وإن الشرط الأساسي للتحدي لهو القدرة على المعارضة. أما أن يُقال إن الله أعجزهم عن المعارضة فذلك ضد مبدأ التحدي وتكافؤ الفرص. فكيف يُطالِب القاهر المقهور أن يكون حرًّا؟ وكيف يُطالِب المُصارِع المكتوف اليدَين أن يكون ندًّا؟ وأما أن يُقال بصرف الدواعي وأن القوة على التحدي مرفوعة، فذلك أيضًا نقص في شرط التحدي؛ فللتحدي شروط عديدة، منها توفُّر الهمم والدواعي، وتجنيد كل الطاقات الإنسانية أفرادًا وجماعات، تأليفًا وتجميعًا، استكمالًا لشروط المعارضة حتى لا تكون معارضة مُحجَّمة منذ البداية. شرط التحدي إذن توفُّر الدواعي وعدم وجود الصوارف، وباستحالة المعرفة يستحيل التحدي، وصرف الدواعي يعني تدخُّل إرادة خارجية تقضي على أساس التحدي المتكافئ الأطراف، سواء كان صرف الدواعي للخلق أو للنقل. وإذا كانت المعرفة تعني ارتفاع القوة ومنع التحدي والحيلولة عن المعارضة، فذلك إعلان للنتيجة مُسبَقًا قبل بداية المباراة؛ لعدم وجود تعادُل بين الخصمَين، ولغشٍّ في التحكيم؛ وبالتالي لا يستحق المتحدَّى وهو في هذا الوضع أي تبكيت، ولا يكون عليه تثريب. إن التحدي لا يتم آليًّا بمجرد المواجهة، بل يلزمه التأمل والبحث وشروط الخلق والإبداع؛ فلا يحدث الإعجاز بمجرد سماع الوحي ومقارنته بغيره، بل يحتاج إلى تدبُّر ورويَّة.

ليس الإعجاز حادثة تقع في التو واللحظة، ويعلن المتحدَّى التسليم بعدها؛ وبالتالي فلا يُمكِن القول بأن الله ينسى الحافظ حتى يحفظه من جديد فيتأمله ويتدبره، وإلا كان تدخلًا خارجيًّا في عمل المتحدى؛ وبالتالي يضيع الشرط الأول وهو تكافؤ الفرص،٤ كما أن ذلك ضد العدل، وقد ثبت من قبلُ أن العدل أصل من أصول العقيدة بعد التوحيد، وكلاهما أصلان عقليان قطعيان لا يُخرَقان بأحد الموضوعات السمعية مثل النبوة في أحد موضوعاتها. فإذا ما حدثت المعارضة فمن الطبيعي العلم بها ونقلها، وإلا تضيع محاولات السابقين؛ فكما نُقِل القرآن والحديث تُنقَل المعارضة أيضًا نقلًا متواترًا، خاصةً في مجتمعٍ تظهَّرت عبقريته في وضع مناهج النقل وتطبيقها على الكتب المقدسة السابقة. وقد كثر أعداء المسلمين بحيث كان من مصلحتهم نقل المعارضة وتحدي القرآن بها، ولا يُمكِن كتمان ذلك مدة طويلة دون الإعلان عنه، خاصةً وقد كان التحدي عظيمًا وعلى الأشهاد. ولا مكان لصرف الدواعي في النقل فتتم المعارضة وتظل طي الكتمان، أو تُنسى ويذهب ذِكرها وضبطها؛ لصرف الدواعي وهممهم عن حفظها والتوفر على نقلها؛ فالإحساس بالتحدي يتضمن ضرورة إيصاله؛ لأن الفن تعبير وإيصال. ولا يُمكِن صرف الدواعي بصرف وسائل الإيصال، وإلا كان التحدي غير متكافئ؛ بتدخل إرادة خارجية قادرة على إيصال النبوة، ثم تمنع إيصال التحدي. وقد تم النقل بالفعل لبضعة نماذج معروفة من المخالفين والموافقين على السواء.٥ فإن قيل: لقد كفَّت المعارضة حتى لا يذهب إيمان الناس، وترك الناس المعارضة لإعراضهم عن النظر؛ حتى لا يوجب التكذيب. فيُقال إن بعض الدوائر كانت أحرص على تكذيب الناس واستخدام الحجة ضد المؤمنين، بل قد نشأ علم الجدل لهذا الغرض؛ دفاعًا عن التوحيد ضد مُنتقِديه. كانت هناك مصلحة إذن لدى الأعداء للمعارضة بالنظر؛ حتى يُذهِب النظر إيمان الناس ويكذِّبون النبوة.٦
ويستحيل أن تُكَف المعارضة لدخول شبهة على الناس؛ فالعرب أهل فصاحة وبلاغة ولا تدخل عليهم شبهة في فنهم، واستطاعوا كشف المنتحَل من الصحيح، وهم رواة شعر وأقدر على الحكم في حالة وقوع الشبهة من عدمها.٧ ولا يُمكِن أن تُمنَع المعارضة خوفًا من السيف؛ فالتحدي يتطلب تكافؤ الفرص وحرية الخلق والإبداع. وقد ظهرت المذاهب والنظريات والأفكار والآراء والمعارضة دون خوف، وعُرِفت الحضارة كلها بأنها حضارة العقل والفكر الحر، ومطالبة البرهان، وقرع الحجة بالحجة. وشجاعة المفكِّرين لا تُرهِبها السيوف ولا يهيبها الاضطهاد، والنماذج على ذلك كثيرة في التاريخ. وهل مصير المعارضة باستمرار مواجهتها بالسيف؟ بل إن العكس هو الأصح، عندما عجزوا عن المعارضة بالقلم أو المعارضة بالسيف دون خوف، فلم يكن أمامهم إلا المعارضة بالقلم وقبول التحدي؛ لجئوا إلى المعارضة بالسيف.٨ وإن اشتغال العرب بالمحاربة والقتال ما كان يمنعهم عن المعارضة وقبول التحدي؛ فهم أهل شعر وفصاحة، كما أنهم أهل حرب وقتال. وإن لم تشغلهم الحروب عن العلم والتفقه في الدين، فالأَولى ألا تشغلهم عن التحدي والمعارضة لجوهر الإسلام وكتابه ووحيه الذي عليه دعامته. وإن النصر في التحدي لأبلغ من النصر بالسيف، وإن هزيمة الوحي لَأمضى على الأمة من هزيمة جيوشها.٩

(٢) أوجه الإعجاز

قد يدخل الإعجاز مع صفة الكلام في مبحث الصفات، وهو بهذا المعنى لا يكون دليلًا على صدق دعوى النبي؛ لأن الكلام موضوع مستقل بذاته، وليس وسيلة لإثبات شيء آخر، أو تصديق شخص، أو تكذيبه.١٠ وبالرغم من الاختلاف في سبب الإعجاز فإن هذا الاختلاف لا يمنع من وجود أوجه متعددة له بالرغم من الاختلاف حولها؛ فالاختلاف في سبب الإعجاز لا يقدح في واقعة الإعجاز.١١

(أ) هل الإعجاز في النظم والبلاغة؟

إذا لم يكن القرآن معجزة بمعنى خرق قوانين الطبيعة، أو هدم مبادئ العقل، فهو إعجاز أدبي بمعنى استحالة التقليد. القرآن إذن عمل أدبي أصيل ليس تقليدًا ولا يُمكِن تقليد مثله. يتم تناوُل القرآن إذن هذه المرة كعمل شعوري، وليس كموضوع صوري، كما هو الحال في خلق القرآن، أو قِدَمه وربطه بإرادة خارجية مُطلَقة، ولا هو موضوع مادي؛ أي القرآن كجسم أو كشيء مقروء أو مسموع مكتوب أو متلوٍّ، ينتقل أو لا ينتقل. فهل القرآن مُعجِز بنظمه وفصاحته نظرًا لأن الإنسان ناطق، ولقد كرَّم الله آدم وعلَّمه الأسماء كلها، واللغة شرف والفصاحة بيان؟ قد يبدو لأول وهلة أن القرآن إعجاز بنظمه وبلاغته؛ فالعرب أهل جزالة وفصاحة ونظم وبلاغة، وقد خُيِّر العرب بين السيف والمعارضة، فاختاروا أشد القِسمَين وهو المعارضة. وإذا كانت كل معجزة قد أتت طبقًا لعلم كل قوم ومستوى ثقافتهم؛ الطب عند عيسى والسحر عند موسى؛ فقد أتى القرآن كإعجاز في النظم؛ فالعرب أهم شعر وفصاحة. وإذا كان الرسول أفصح العرب فقد أتى بعمل في مثل فصاحته.١٢ والعمل الأدبي لا ينقسم إلى أجزاء بل هو كل واحد. ليس العمل الأدبي كمًّا بل هو كيف، ولا يُمكِن أخذ جزء منه وتذوُّقه تذوقًا أدبيًّا دون كله، وقد عُرِف ذلك من العرب جملة وتفصيلًا.١٣ وقد يُتجاوَز النظم إلى البلاغة؛ أي القدرة على التعبير عن المعاني بأدق الألفاظ؛ فقد اشتمل القرآن على معانٍ تعجز العلوم الإنسانية كلها أن تصل إلى دقيقاتها.١٤
وقد اعترض بعض القدماء على ذلك بحُجَج عقائدية ولغوية معًا؛ فإذا كان القرآن قديمًا فلا يُمكِن للحادث تقليده، وإن أمكن تقليده فلا بد أن يكون القرآن حادثًا، وإذا كان الكلام من فعل الله فكيف يتحدى الله نفسه؟ ليس الإعجاز إذن في ترتيب الحروف أو النظم؛ فالكلام إنساني خالص، وليس كلامًا إلهيًّا؛ لأن الكلام الإلهي يُبطِل التحدي.١٥
وإن تطبيق قواعد النظم والبلاغة التي اشتقها الإنسان من اللغة لتجعل كلام الله إنسانيًّا خالصًا تطبَّق عليه مقاييس لغة البشر وكلامهم.١٦ أما حفظ القرآن لدى نقلته ورواته فليس مُعجِزًا، فالمهم هو القرآن وليس حفظه أو نقله الذي يخضع لمناهج الرواية، كما أن حافظه وناقله مسلم؛ وبالتالي لن يدعي النبوة، وإن لم يكن مسلمًا وكان حافظًا للقرآن، فليس القرآن هو الدليل الوحيد؛ فهناك التواتر وإجماع الأمة وتحقيق الوحي في التاريخ.١٧ كما اعترض بعض القدماء على وجوه البلاغة؛ فإذا كانت البلاغة هي ما قل ودل فإن أبلغ خطبة من خطب العرب وأشعر قصيدة من قصائدهم، توفِّي بهذا الغرض دون تفاوت كبير بينها وبين بلاغة القرآن، والشواهد على ذلك كثيرة. وقد اختلف الصحابة في بعض القرآن، حتى لقد استبعد البعض منهم بعض سوره؛ لأنها لا تنطبق عليها قواعد البلاغة العربية وأصولها. وقد سبب ذلك مشكلة عند الجمع، ولم تُوضَع الآية في المصحف إلا عن بيِّنة أو يمين. وإذا كان لكل صناعة مراتب فلا ريب أن محمدًا كان أفصح أهل عصره ولا ريب. وهذا هو سبب إعجاز القرآن.١٨ وقد يُقال أيضًا إن بالقرآن شعرًا بالرغم من نفي القرآن لذلك، وإن فيه لحنًا، وإن فيه تكرارًا بلا فائدة، وإن فيه كثًّا من الخُطب والقصائد الطويلة، بحيث لو تتبَّعها البلغاء لوجدوا فيه سقطًا وتناقضًا، بل وزيادة ونقصانًا. وإذا كانت في القرآن ألفاظ فارسية، فكيف يُمكِن القول بفصاحته وبلاغته؟١٩ لذلك اعتبر البعض أن القرآن من جنس كلام العرب، مجرد أعراض لا تدل على الله ولا على الرسول، يقدر العرب على مثله؛ وبالتالي ليس مُعجِزًا من حيث النظم والبلاغة، بل يقدر الناس على ما هو أحسن منه. فليس في النظم إعجاز، لا في كلام الله ولا في كلام العباد، بل إن الزنج والتُّرك الخزر قادرون على الإتيان بمثله وبأفصح منه، حتى ولو لم يعلموا قواعد النظم وأصول التأليف. ولا يُمكِن أن يكون الإعجاز في النظم؛ فقد ضاعت النصوص الأصلية للتوراة والإنجيل، بل لم تُحفَظ على الإطلاق بلغتها الأصلية، وما زال الناس يتعبَّدون بها إلى اليوم.٢٠ إن ما قيل في إعجاز النظم والبلاغة هي أمور متفاوتة في النظم والأشعار، ولا يوجد بين القرآن وبينها إلا اختلاف في الدرجة وليس في النوع؛ فالنظم الغريب أمر سهل بعد سماعه ويُمكِن تقليده.٢١ وكيف يكون الإعجاز لغير العرب من الأمم الداخلة في الإسلام أو المعادية له، والتي يقبل شعراؤها التحدي؟ ليس الإعجاز إذن في النظم والبلاغة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى المعنى، وقد يكون المعنى فكرًا أو نظامًا، عقيدة أو شريعة، وقد يقع هذا لمن لا يعرف العربية، وقد آمن كثير من غير الناطقين بالعربية بالوحي بعد اقتناعهم بخصائصه ونظمه وإن لم تحدث لهم انطباعات جمالية بأسلوبه، وقد يكون ذلك فيما بعد دافعًا إلى التعريب، وتعلُّم العربية؛ فالإسلام ليس فقط عقيدة نظرية أو شريعة عملية، بل هو حركة تعريب، كما أن كل علم باللغة العربية هي مقدمة للاقتناع بالإسلام؛ لذلك كان كل المسلمين عربًا وكل العرب مسلمين. واللغة نفسها، في حالة الإعجاز بالنظم والبلاغة، تُحِيل إلى المعنى. اللفظ مجرد وسيلة لإيصال المعاني، والوحي ليس فقط بيانًا وصياغة، بل هو مضمون ومعنًى؛ فالقرآن قبل أن يكون نظمًا هو معنًى، وإلا لما كان دليلًا. ولا يُمكِن الإيمان به دون فهمه، ولا يُمكِن فهمه دون أن يكون له معنًى، والمعنى مستقل عن الله وعن الرسول وعن الإمام وعن المفسِّر، معنًى مستقل في الذهن، يُدرِكه العقل، ويشعر به الوجدان، ويراه الحس متحقِّقًا في الأعيان. وإن وجود المُحكَم والمتشابه، والظاهر والمؤوَّل، والحقيقة والمجاز، لَيدل على ضرورة أحكام المعنى بوضع قواعد مضبوطة لتحديد الصلة بين اللفظ والمعنى. وإن فهم المعنى لهو السبيل إلى الكشف عن ما يسمَّى بالمتناقضات فيه، بل لقد تحوَّل ذلك في علم أصول الفقه إلى علم بأكمله هو علم التعارض والتراجيح.٢٢

وفي الحقيقة إن القضية كلها موضوعة وضعًا خاطئًا في الإعجاز النظمي؛ فإذا كان الإعجاز الأدبي لا يعني حدوث معجزة على يد الرسول، بمعنى حدوث شيء خارق للعادة، وهو تبليغ رسول أمِّي بهذا العمل الأدبي الفريد، فذاك تصوُّر للإعجاز على أنه معجزة. وإذا كان الإعجاز هو استحالة التقليد والإتيان بمثله، فهو تحدٍّ للقدرة الإنسانية على التأليف والخلق. فالمقصود بالإعجاز تحدي قدرة الآخرين، وليس إظهار قدرة النبي أو قدرة خارجية على يد النبي بمعنى المعجزة التقليدي، وهو الخروج على المألوف وخرق قوانين الطبيعة وهدم مبادئ العقل. ليس الإعجاز بهذا المعنى خرقًا لقوانين الإبداع الفني من قِبَل إرادة خارجية لإثبات صدق النبي، فهذا هو معنى المعجزة القديمة، بل تحدي البشر على الإتيان بمثل هذا العمل الأدبي. والحقيقة أن الإعجاز حتى بهذا المعنى الجديد يظل قاصرًا.

فإذا كان المُعجِز هو النظم، أي ترتيب الكلام على نحوٍ فني لا يُمكِن معه لأي فنان آخر أن يأتي بمثله، يكون الإعجاز هنا إعجازًا أدبيًّا خالصًا. وهذا يحدث في كل عمل فني؛ فالعمل الفني الأصيل لا يُمكِن تقليده أو الإتيان بمثله، بل إن المقلِّد نفسه لا يكون فنانًا. هذا بالإضافة إلى استحالة فصل النظم عن المعنى والمعنى عن الشيء أو القانون؛ نظرًا لارتباط الشكل بالمضمون ارتباطًا عضويًّا، كما يقتضي بذلك تعريف البلاغة عند القدماء. فما يُقال إذن عن احتمال أن يأتي الناس بمثله احتمال خاطئ فنيًّا أساسًا، فلا يستطيع فنان أن يقلِّد عملًا فنيًّا آخر، حتى ولو كان في إمكانية ذلك ولديه العلم والمهارة الكافية، فلا يكون عمله في هذه الحالة عملًا فنيًّا أصيلًا، بل مجرد عمل مقلِّد، وتكون مهارته في التقليد وليس في الإبداع، في الصنعة وليس الطبيعة. ولما كان التقليد أصلًا ليس أسلوبًا فنيًّا، وبالتالي لا تُثبِت استحالة التقليد إعجاز القرآن بقدر ما تُثبِت أن الفنان الذي يقلِّد ليس فنانًا على الإطلاق؛ فالتقليد في نهاية الأمر ليس طريقًا إلى الخلق الفني.

(ب) هل الإعجاز في الإخبار بالغيب؟

يتجلى الإخبار بالغيب عند القدماء في القصص القرآني وإخبارنا بأخبار الأولين. لم يعرفها العرب ولم يعرفوا أمثالها.٢٣ والحقيقة أن العرب كانت لديهم أمثال هذه القصص في أقوال الكهان والقصص العربي، وفي الإسرائيليات التي كانت معروفة في الأوساط العربية اليهودية، بل إن أسباب نزول القصص هي معارضته للقصص القائم، قصصًا بقصص حتى لا يكون المسلمون أقل قصصًا من غيرهم. والماضي ليس غيبًا؛ فحوادث الماضي قد وقعت بالفعل ويُمكِن معرفتها عن طريق علم الآثار ودراسة الوثائق والحفريات؛ فالقصص القرآني بهذا المعنى وذِكر أخبار الأولين ليس بمُعجِز؛ إذ يُمكِن للوثائق والحفريات وعلوم التاريخ أن تقوم بذلك. وحتى لو حدث ذلك، لو أخبر القصص القرآني بأخبار الأولين كما تفعل الوثائق في علوم التاريخ، فليست المعجزة في أن هذا النبي الأمي يقص هذا القصص ولم يكن مؤرخًا، ولا عالم آثار، أو حتى كاتبًا؛ فذلك أيضًا تصوُّر للإعجاز الجديد على أنه معجزة قديمة بالمعنى التقليدي؛ أي خرق قوانين الطبيعة، كما أن حجة الأمية لتُوحي بأن محمدًا هو مؤلِّفها؛ وبالتالي تؤدي إلى إنكار الوحي، بل إن الإعجاز هو أخبار السامعين بحوادث مضَت واندثرت، وتضاربت فيها الآراء، وضاعت الحقائق وسط الظنون والأوهام. الإعجاز هو إمكان التحقق من صدق هذا القصص بنتائج البحوث التاريخية الحالية، والتحقق من صدق روايات القرآن عن عقائد الأمم السابقة وأحكامه عليها بالنتائج الحالية لعلوم النقد التاريخي للكتب المقدسة. والحقيقة أن الغاية من القصص لا هذا ولا ذاك، بل إعطاء الدرس الأخلاقي من التجارب السابقة، والاستفادة من الرصيد التاريخي للإنسانية وخبراتها؛ فهو قصص تعليمي وليس إخباريًّا، يحتوي على معانٍ ولا يُشير إلى حوادث. هو إعادة عرض للمعاني عن طريق الوعي التاريخي وليس الوعي الفردي، وعرضه كقانون للتاريخ وليس كمعنًى مستقل. وهذا التحقق التاريخي للمعنى هو أحد براهين صدقه بالإضافة إلى البرهان النظري العقلي.٢٤
وقد يتمثل الإخبار بالغيب لا في قصص الأولين والإخبار عن الحوادث الماضية، بل في التنبؤ بحوادث المستقبل والإخبار بها، وهو أقرب إلى الغيب من أخبار السابقين؛ لأن المستقبل لم يقع بعد في حين أن حوادث الماضي قد وقعت؛ فعدم العلم بها ليس غيبًا إلا بمعنى الجهل بالمعلوم، كما أن وقوع حوادث يعلمها البعض ولا يعلمها البعض الآخر لا تكون غيبًا، والإخبار بها لا يكون تنبؤًا بالمستقبل.٢٥ والحقيقة أن الإخبار بحوادث المستقبل ليس إخبارًا بالغيب بمعنى معرفة المجهول الذي لا يقع، بل هو قدرة على معرفة مسار الحوادث في المستقبل بناءً على تجارب الماضي والمعرفة بتاريخ الأمم والشعوب؛ فالتنبؤ قائم على معرفة بقوانين التاريخ، وليس اكتشاف علم غيبي لا وجود له. هو تحقيق قوانين التاريخ في المستقبل، كما تحقَّقت في الماضي. وحتى لو كان محمد أميًّا، فإن معرفة قوانين التاريخ لا تحتاج إلى قراءة أو كتابة أو معرفة بالآثار والوثائق، بقدرِ ما هي معرفة فطرية بحركة الشعوب؛ فالوعي التاريخي أساس الوعي السياسي، ويتمتع القائد السياسي والزعيم المحنَّك بكلَيهما، حتى ولو كان أميًّا، وتاريخ القادة والزعماء شاهد على ذلك. لا تعني النبوة إذن الإخبار عن المستقبل بمعنى الإخبار بالغيوب؛ لأن الإخبار بالمستقبل مُمكِن باستقراء حوادث التاريخ، ورصد تجارب الأمم، وتحليل الأوضاع الحاضرة، ومعرفة مصير الأمة طبقًا لقوانين التاريخ. وهذا علم إنساني، علم التاريخ، أو فلسفة التاريخ، أو علوم المستقبل، وليس علمًا غيبيًّا، فلا شيء يحدث في العالم في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، إلا ويُمكِن للإنسان معرفته. وجعل الإعجاز الجديد إخبارًا عن الغيب وتنبؤًا بالمستقبل هو رجوع بوظيفة النبوة إلى الوراء، وهي ليست وظيفة الوحي في مرحلته الأخيرة. ليس الإخبار عن الغيوب دليلًا على النبوة أو أحد أوجه الإعجاز القرآني؛ فليست وظيفة النبوة الإخبار بالغيب والتنبؤ بالمستقبل، كما كان الحال في مراحل الوحي السابقة، ولكن يُمكِن معرفة المستقبل باستقراء حوادث التاريخ، وقوانين التطور البشري التي تُثبِت وجود قوانين لبقاء المجتمعات أو لفنائها، ابتداءً من قوانين السلوك البشري الفردي أو الجماعي. يُمكِن إذن باستقراء السلوك الحاضر لجماعة معيَّنة في الماضي والحاضر معرفةُ مصيرها في المستقبل، وليس هذا غيبًا، بل معرفة للمستقبل بناءً على شواهد في الماضي وقرائن في الحاضر. إن تحقيق النبوة ليس تنبؤًّا بالغيب، بل قراءة للحاضر في الماضي عن طريق استقراء حوادث الماضي ومعرفة قوانين التطور، وقراءة للماضي في الحاضر عن طريق إسقاط الحاضر على الماضي وتحويله إلى ماضٍ نمطي موجَّه وقرائن الحاضر. فهناك قوانين للصراع الاجتماعي والتاريخي فيما يتعلق بالهزيمة والنصر. فعندما يتعادل الحق والباطل، أي عندما يتصارع باطلان، تكون الغلبة يومًا لهذا ويومًا لذاك؛ فالأمر يعود إلى القوة المحضة التي لا يُسانِدها حق، وعندما يكون الصراع بين الحق والباطل فالغلبة بالضرورة للحق على الباطل، إن لم يكن في الحاضر ففي المستقبل، ولو كانت معظم النبوءات تعبيرًا عن الأول في النصر، تُخبِر بها الجيوش شحذًا لعزيمتها وتقوية لمعنوياتها، ثم تتحقق الرؤية ويظن أنها تحقق للنبوءة.٢٦ ومن قوانين التاريخ الاتفاقُ على مبادئ عامة تحكم سلوك الشعوب، منها حرية الاعتقاد والسلوك طبقًا لمبادئ عامة إنسانية تعترف بها كل الشعوب. وبالرغم من توجيه القدماء بعض الاعتراضات على هذا الوجه من الإعجاز، فالتنبؤ بالغيب قد يكون كرامة وليس معجزة، كما أنه يقع من المنجِّمين والكهنة، وليس فقط من الأنبياء. وهو إقصار للمعجزة على الغيب، وكأن ما ليس بغيب لا يكون مُعجِزًا.٢٧ إلا أن الحركة الإصلاحية الحديثة تجمع بين إعجاز القدماء وقوانين التاريخ، في أسلوب أدبي خطابي، في وصفها انتشار الإسلام بسرعة لم يُشهَد مثيلها في التاريخ، وكأن هذا الانتشار نفسه معجزة قديمة أو إعجاز جديد، دون صياغة عقلية لقوانين التطور ومسار التاريخ. والحقيقة أن التنبؤ بالمستقبل، كأحد وظائف النبي، لها أنماطها السابقة لدى بني إسرائيل، وكما هو واضح في نبوءات المسيح. ولماذا يكون محمد وهو آخر الأنبياء وخاتم النبوة أقلَّ قدرة من الأنبياء السابقين؟ أما أمور المعاد فليست غيبية؛ لأنها تخضع لقانون الاستحقاق، وتحقيقًا لأصل العدل، كما أن أمور الحلال والحرام ليست أمورًا غيبية، بل هي أدخل في علوم التشريع.

(ﺟ) الإعجاز التشريعي

ويندرج الإعجاز التشريعي من قانون الاستحقاق وتطبيق أصل العدل، وهي الأُسُس العقلية التي تقوم عليها أمور المعاد، وفي مقدمتها الوعد والوعيد حتى وضع الشريعة وإقامة الدولة. فأمور المعاد ليست أمورًا غيبية، بل يُمكِن معرفة أُسُسها العقلية، مثل قانون الاستحقاق بالعقل. أما أمور الحلال والحرام فتدل على قواعد السلوك البشري، وما يجب وما لا يجب؛ الأوامر والنواهي في كل ملة ودين. وقد لاحظ القدماء ذلك على مستوى المعنى؛ أي الحكمة الأخلاقية والفضائل العملية. أما علماء أصول الفقه فهم الذين دقَّقوا في الحكمة التشريعية؛ فبالنبوة تثبت معانٍ كبرى قائمة على كمال العقل والتحقق في التاريخ، ولا تتحقق هذه المعاني فقط في شخص الرسول، ولكنها معاني مستقلة يُدرِكها كل عقل، ويتحقق من صدقها كل إنسان، بلا حاجة إلى معجزات بمعنى خوارق العادات، ولا يحتاج الإنسان لتصديقها إلا إلى استقلال العقل وحرية الإرادة.٢٨ ولكن المعاني الخلقية والحقائق الإنسانية العامة قد تحوَّلت إلى نُظُم وشرائع، وتحقَّقت عمليًّا في حياة الأفراد والجماعات، وأسَّست دولًا، وأصبحت حركات في التاريخ. ولو كانت مجرد حقائق علمية واكتشافات رياضية، لَكانت في العلوم الهندسية والرياضية والحسابية وفي العلوم الطبيعية أمثلةٌ لها.٢٩ فالإعجاز التشريعي يخص آخر مراحل الوحي عند اكتماله، ولا يخص المراحل السابقة. كانت مهمة المراحل السابقة المساهمة في تطوير الوعي الإنساني، بالتركيز على جوانب دون جوانب أخرى؛ مرة على القانون في شريعة موسى، ومرة على الحب في شريعة عيسى، ولكن عند اكتمال الوحي أمكن إعلان استقلال الشعور الإنساني، وأنه لا وجه للتركيز على جانب واحد، وإنما الحاجة إلى نظام تشريعي مُتكامِل، وحقيقة كلية شاملة لكل العصور والأمكنة في مبادئها الأولى، وأن التحدي التشريعي قائم إلى يوم الدين، ليس في الماضي فقط كما هو الحال في المعجزات القديمة، ولا في الحاضر فقط كما هو الحال في الإعجاز البلاغي والتحدي في الخلق. فالتحدي بالنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقانوني، أي التحدي بالمذاهب الفكرية، هو القائم والباقي. وإذا كُنا نعيش في عصر الأيديولوجيات، فالتحدي الأيديولوجي هو الوريث لكل التحديات القديمة بمعجزاتها وإعجازها. فالعصر عصر أيديولوجية وليس عصر بلاغة ونظم أو إخبار بالغيب، إلا عن طريق حساب الاحتمالات للمجهول، أو التنبؤ بالمستقبل كما هو الحال في العلوم المستقبلية. ويضم الإعجاز التشريعي جانبَين: الأصول العامة التي تقوم على الحكمة البشرية ورصيدها في التاريخ، ثم استنباط أحكام الشريعة وتحقيقها في الزمان والمكان، في فنون وصناعات واجتماعيات وسياسات. وكما تُساعِد قواعد اللغة على إحكام المتشابهات، تقوم قواعد الاستنباط وطرق البحث عن العلة بتكييف المبادئ طبقًا للزمان والمكان، وبتحقيقها في الواقع فيحلُّ التعارض النظري. وما ظنه البعض على أنه تناقُض على مستوى المبادئ هو في الحقيقة تكيفات طبقًا لظروف كل عصر. فالإعجاز التشريعي في علم أصول الفقه؛ أي في الشق الثاني من علم الأصول.٣٠ والإعجاز التشريعي ليس فقط على المستوى النظري الاستنباطي في الاجتهاد، بل أيضًا على مستوى التحقق الاجتماعي والتاريخي؛ فهو إعجاز في الفكر وفي الواقع، في النظم وفي التاريخ، من حيث القدرة على نشر الدعوة، وتجنيد الجماهير، وتغيير الأبنية الاجتماعية، وبناء دولة جديدة أصبحت وريثة لأكبر إمبراطوريتَين قديمتَين، الفرس والروم، في أقل وقت ممكن. تحوَّلت قبائل الجزيرة العربية إلى طلائع واعية لحركة تغيُّر اجتماعي وتاريخي، وأعطت مثلًا في التنظيم وفي القيادة ما زالت تمثِّل في وجدان الأمة قدرةً على التمثل والاقتداء ورفض الواقع والتطلع إلى عالم أفضل، لدرجة أن أصبح التقدم في التاريخ هو لحاقًا بقدوة الصحابة وبسيرة الخلفاء.٣١
١  الكلام في سائر معجزات الرسول سوى القرآن وبيان دلالتها على نبوته (المغني، ج١٥؛ النبوات، ص٤٠٧). ولا يفرِّق القدماء كثيرًا بين المعجزات بالمعنى القديم وبين الإعجاز الجديد، ويضعون كلَيهما في باب واحد، وضع القرآن مع باقي المعجزات القديمة (الفِرَق، ص٣٢٦؛ الإنصاف، ص٦٣؛ البحر، ص٥٩؛ الأصول، ص١٦١-١٦٢). القرآن مُعجِز (التحقيق، ص١٧٢). ويذكره الباقلاني كثيرًا في «التمهيد» كذِكره للنبوة (التمهيد، ص١١٤-١١٥). القرآن المرسوم في المصاحف لتحدي العرب (الفصل، ج٢، ص٨٦-٨٧). وقد قيل شعرًا:
وإن معجزاته لا تنحصر
ولكن القرآن من أبهر
(الوسيلة، ص٧)
وبالنسبة لبقاء الإعجاز والتحدي إلى آخر الزمان، انظر الحصون، ص٤٨؛ الفصل، ج٣، ص١٤. في أن الرسول تحدَّى بالقرآن وجعله دلالة على نبوته (المغني، ج١٥؛ النبوات، ص١٣٦). في بيان الدلالة على أن القرآن مُعجِز، ص٢٤٦، الكلام في ثبوت نبوة محمد وفي إعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه (المغني). في المعارف التي يحتاج إليها في معرفة نبوته، في بيان الطرق إلى هذه المعارف، بيان طريقة معرفة القرآن، ما يجب أن يُعلَم من حال القرآن في الاختصاص ليصح الاستدلال به (المغني، ج٦، ص١٤٣–١٦٧).
٢  وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢: ٢٢-٢٣)، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (١٧: ٨٨)، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٠: ٣٨)، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١: ١٣) (التمهيد، ص١٢٨-١٢٩؛ المواقف، ص٣٤٩؛ الشرح، ص٥٩٣-٥٩٤).
٣  التمهيد، ص١٢٦-١٢٧؛ الفصل، ج١، ص٨٣–٨٥. ورُوي عن الأشعري أن المُعجِز الذي تحدَّى الناس بالمجيء بمثله هو الذي لم يزَل مع الله، ولم يُفارِقه قط، ولا نزل إلينا ولا سمعناه (الفصل، ج٣، ص١٣-١٤).
٤  التمهيد، ص١٢٢، ص١٢٩. لو كان الإعجاز بالصرفة لكان ترك الاعتناء ببلاغته وعلو طبقته أنسب (التحقيق، ص١٧٢–١٧٤). من أصحاب الأشعري من اعتقد أن الإعجاز في القرآن من جهة صرف الداعي وهو المنع من العناد (المِلَل، ج١، ص١٥٧). إن الله حال بينه وبين العباد أن يأتوا بمثله، ورفع عنهم القوة في ذلك جملة (الفصل، ج١، ص٨٣-٨٤)، بتعجيز الرسول كل مَن ذكرنا، العرب والإنس والجن، على أن يأتوا بمثله، وتبكيتهم في محافلهم، منع الله الخلق من القدرة على معارضته (الفصل، ج٣، ص١٣–١٥). وعند الأستاذ وأيضًا عند النظَّام، بالرغم من اختلاف الدوافع عند كلٍّ منهما، أن الله صرف الناس مع قدرتهم. وقال المرتضى: بل سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة (المواقف، ص٣٥٠–٣٥٣). صرف الدواعي عن المعارضة ومنع العرب عن الاهتمام به خبرًا وتعجيزًا، ولو خلَّاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغةً وفصاحة ونظمًا (المِلَل، ج١، ص٨٥). العباد قادرون على مثل القرآن في الفصاحة والنظم، غير أنهم كانوا عند التحدي مصروفين عن فعل ذلك (الأصول، ص١٧٢، ص١٨٤). في أن معارضة القرآن وإيراد مثله لم تقع (المغني، ج١٦، ص٢٤٦). في بيان الدلالة على أنهم لم يُعارِضوا الرسول لتعذُّر المعارضة عليهم (المغني، ج١٦، ص٢٤٦).
٥  التحقيق، ص١٧٢؛ التمهيد، ص١٢٣؛ الشرح، ص٥٩٨. بل كانت المعارضة عادة العرب في المناقضات والتقليد والتحدي والرد (الشرح، ص٥٩٠).
٦  التمهيد، ص١٢٤. ويُثبِت الباقلاني قدرة الإنسان على التحدي، وأنه لا توجد معجزات على الحقيقة؛ مما أدى إلى عَجب ابن حزم من ذلك؛ فالإنسان غير عاجز حتى على الصعود إلى السماء، ولا على إحياء الموتى، ولا على خلق الأجسام ولا اختراعها (الفصل، ج٥، ص٨٠-٨١، ص٦٥-٦٦).
٧  التمهيد، ص١٢٥.
٨  ما أنكرتم أن تكون العرب قد عارضته، وأن يكون خوف سيوفكم منع من إظهار المعارضة (التمهيد، ص١٢٢–١٢٥؛ الشرح، ص٥٩٢–٥٩٨؛ النهاية، ص٤٤٧–٤٥٠؛ الإرشاد، ص٣٤٩-٣٥٠).
٩  الاقتصاد، ص١٥-١٦.
١٠  انظر الباب الثاني: الإنسان الكامل، الفصل السادس: الوعي المتعين (الصفات)، ثانيًا: الصفات السبعة، (٦) الكلام.
١١  المواقف، ص٣٥٠.
١٢  القرآن مُعجِزٌ نظمُه؛ فإن ثبوت القرآن وظهوره عليه وعجز العرب والعجم عن المعارضة بمثله، معلومٌ بالتواتر المُوجِب للعلم الضروري (الفِرَق، ص٣٢٦). اجتماع الجزالة مع الأسلوب والنظم المخالف لأساليب العرب (الإرشاد، ص٣٤٩-٣٥٠؛ التحقيق، ص١٧٢–١٧٤). الجزالة والفصاحة أيضًا عند الأشعري، فالقرآن مُعجِز من حيث البلاغة والنظم اختيار عجز المقابلة (المِلَل، ج١، ص١٥٧؛ الأصول، ص١٨٣؛ الفصل، ج١، ص٨٣–٨٥). وعلى هذا الرأي بعض المعتزلة (المواقف، ص٣٤٩). ما اختُص به من الجزالة والنظم والفصاحة الخارجة عن أساليب الكلام، وتُحدَّى به فصحاء العرب بأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا عن الإتيان وهم أهل الفصاحة والبلاغة، ولم يأتِ لهم ذلك في ٢٣ سنة (الإنصاف، ص٦٢-٦٣؛ البحر، ص٥٩-٦٠؛ الدر، ص١٤٦). عند أهل السنة إعجاز القرآن في نظمه (الفِرَق، ص٣٣٤؛ لمع الأدلة، ص١١١؛ النظامية، ص٥٤-٥٥). كل نبي أتى بمعجزة على مستوى علم قومه؛ سحر موسى وطب عيسى وفصاحة العرب (الإنصاف، ص٦١-٦٢) لأن العرب أهل فصاحة ونظم، مثل سحر قوم موسى وطب عيسى (الحصون، ص٤٨–٥٣؛ المعالم، ص٩٠–٩٣). وقد قال الرسول: أنا أفصح العرب، أنا أفصح من نطق بالضاد (الشرح، ص٥٨٦–٥٨٨؛ النهاية، ص٤٤٧–٤٥٠؛ الغاية، ص٣٤٢–٣٤٤).
١٣  مقدار المُعجِز منه عند الأشعرية مقدار أقل سورة منه فصاعدًا، وأن ما دون ذلك ليس مُعجِزًا، وعند أهل الإسلام القرآنُ كله وكثيره، وهو الحق (الفصل، ج٣، ص١٦–١٨؛ الشرح، ص٥٩٤)؛ وبالتالي يبطل الاعتراض القائل بأنه إذا قدر الإنسان أن يأتي بمثل كُلَيمة أو آية فما المانع أن يأتي بمثل مجموعه (الغاية، ص٣٤٦–٣٥٦).
١٤  البلاغة هي التعبير عن معنًى سديد بلفظ شريف رائق مبني على المقصود من غير مزيد جوامع الكلِم؛ الدلالة على المعاني الكثيرة بالعبارة الوجيزة (الإرشاد، ص٥٤٩-٣٥٠)، وعليه الجاحظ (المواقف، ص٣٥٠). وقيل شعرًا:
وأعجز البليغ حتى اعترفا
بالعجز أسفًا على ما سلفا
(الوسيلة، ص٧؛ التحقيق، ص١٧٢–١٧٤)
١٥  هذه حجة أهل الزيغ والباطل في رأي القدماء! وهي أيضًا حجة اليهود والنصارى والمعتزلة؛ أنه لا يُمكِن تحدي كلام قديم (التمهيد، ص١٢٦). القرآن بمعنى المقروء المكتوب صفةٌ قديمة والقديم لا يكون مُعجِزًا، ومعنى القراءة فعل القارئ والتلاوة فعل العبد. وكيف يخلق الله في الحال؟ في اللسان أو في الحروف؟ (التمهيد، ص٤٥١–٤٥٥). القرآن صفة قديمة، وهو مقروء، والقديم لا يكون مُعجِزًا؛ لأنه ليس حادثًا، والقرآن كسب (الغاية، ص٣٤٦–٣٥٦).
١٦  يُلاحَظ ذلك من الموضوعات التي يذكرها القاضي عبد الجبار، مثل: في الوجه الذي يصح عليه اختصاص بعض القادرين بالكلام الفصيح دون غيره، في بيان الفصاحة التي فيها يفضل بعض الكلام على بعض، في الوجه الذي يقع التفاضل في فصاحة الكلام، في بيان السبب الذي له يصح الكلام في التفاضل وفي الفصاحة، في أن العلوم التي معها يصح الكلام الفصيح لا تكون إلا ضرورية، في بيان صحة الذي بالكلام الفصيح، وهي كلها مقاييس إنسانية خالصة (المغني، ج١٦، ص١٩١–٢٢٦). ثم يطبِّقها القاضي عبد الجبار على مسائل إعجاز القرآن، مثل: في بيان الوجه الذي يصح كون القرآن مُعجِزًا، في اختصاص القرآن بمزية في رتبة الفصاحة خارجة عن العادة، في وجوه إعجاز القرآن وما يصح وما لا يصح (المغني، ج١٦، ص٢٢٦–٣١٦).
١٧  ما يُنقَل ويُحفَظ يكون مُعجِزًا، لا بد من إثبات أن القرآن مُعجِز بطريق قطعي يقيني، وليس من خلق الأولين أو تخرُّصات المتأخِّرين (الغاية، ص٣٤٦–٣٥٦).
١٨  هذه هي الحُجَج الأربعة التي ينقلها ابن حزم: (أ) أبلغ خطبة وقصيدة تُعادِل أقصر سورة دون تفاوُت كبير. (ب) اختلاف الصحابة في بعض القرآن حتى قال ابن مسعود إن الفاتحة والمعوذتَين ليستا من القرآن. (ﺟ) عند الجمع لم تُوضَع الآية في المصحف إلا ببيِّنة أو يمين. (د) لكل صناعة مراتب في كل زمن، ومحمد كان أفصح أهل عصره (المواقف، ص٣٥٠-٣٥١؛ الحصون، ص٥٣–٥٥؛ النهاية، ص٤٥٠-٤٥١؛ الفصل، ج٣، ص١٤-١٥).
١٩  وتلك هي الاعتراضات التي يذكُر بعضَها القاضي عبد الجبار ويرد عليها، مثل: (أ) مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ، وفي القرآن شِعر. (ب) إن فيه اللحن لدرجة أن قال عثمان ستقين العرب بألسنتهم. (ﺟ) منه تكرار بلا فائدة. (د) فيه كثير من الخُطب والقصائد الطويلة بحيث لو تتبعها البلغاء لوجدوا فيه سقطًا وتناقضًا، بل زيادة ونقصانًا. وعند الإمامية الروافض كان القرآن على عهد الرسول أضعاف ما هو عليه عندنا، وقد زيدت سورة الأحزاب فيه (الشرح، ص٦٠١-٦٠٢)، ويرد على بعض منها في «المغني» في عدة مسائل، مثل: في بطلان طعنهم في القرآن من حيث الزيادة والنقصان والتحريف والتغيير، في بطلان طعنهم في القرآن من جهة التكرار والتطويل، في بطلان طعنهم في القرآن بأن فيه فارسية وذِكر أمور غير معقولة في اللغة (المغني، ج١٦، ص٣٨٧–٤٠٥). لذلك عند بعض المعتزلة، إلا النظَّام وهشام الفوطي وعباد بن سليمان، القرآن مُعجِز من حيث التأليف والنظم، ومحالٌ وقوعه كاستحالة إحياء الموتى، وهو تحكُّم للرسول (مقالات، ج١، ص٢٧١؛ الأصول، ص١٠٨، ص١٨٣؛ التمهيد، ص١١٩–١١٢؛ الحصون، ص٥٠-٥١).
٢٠  أنكر النظَّام أن يكون إعجاز القرآن في نظمه (الفِرَق، ص١٣٢). فالعباد قادرون على مثله وما هو أحسن منه في النظم والتأليف (الفِرَق، ص١٤٣، ص٣٤٤). وعنده أن التأليف والنظم يقدر عليه العباد، وليس بمعجزة أو دلالة على صدقه في دعواه، والعباد قادرون على مثله وأحسن منه؛ فليس في النظم إعجاز كما أنه ليس في نظم كلام الناس إعجاز (الفِرَق، ص١٦٥، ص٣٤٤؛ الانتصار، ص٢٧-٢٨). إن المعتزلة والتُّرك والخزر قادرون على الإتيان بمثل القرآن وبأفصح منه، وإن عدموا العلم بتآليف نظمه فالعلم مقدور لهم (الفِرَق، ص٢٢٩؛ الانتصار، ص٢٧-٢٨). وعند أبي موسى المردار راهب المعتزلة، الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن وبما هو أفصح منه (الفِرَق، ص١٦٥؛ الأصول، ص١٠٨؛ المِلَل، ج١، ص٤٢، ص١٠٤؛ التمهيد، ص١٢٦). كما يرفض ابن حزم الإعجاز البلاغي، مسألة الإعجاز في التوراة والإنجيل ليس بهما التحدي بالإعجاز النظمي والبلاغي؛ بدليل الترجمة وضياع النصوص الأصلية (التمهيد، ص١٢٧). وعند هشام الفوطي وعباد بن سليمان، القرآن ليس تحكمًا للنبي بل مجرد أعراض، والأعراض لا تدل على الله أو على الرسول، القرآن من جنس كلام العرب؛ يقدرون على مثله قدرتَهم على كلامهم، فلم يستمر لهم التمسك بإعجاز القرآن (النهاية، ص٤٦٠-٤٦١).
٢١  هناك محاولات عدة لمسيلمة، مثل: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنَب ذئيل، وخرطوم طويل (الإرشاد، ص٣٤٩-٣٥٠). يا ضفدع بنت ضفدعَين، نقي كما تنقين، لا الماءَ تغيِّرين، ولا الشاربَ تمنعين، والزارعات زرعًا، فالحصادات حصدًا، والطاحنات طحنًا. وقد قيل أيضًا شعرًا:
وقرا مُعلِنًا ليصدع قلبي
والهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالديـ
ـن فذلك الذي يدعُّ اليتيما
(التمهيد، ص١٢٧-١٢٨)
النظم الغريب أمر سهل بعد سماعه بدليل محاولات مسيلمة (المواقف، ص٣٥؛ الشرح، ص٥٩٤).
٢٢  ويُثير القدماء مثل هذا الاعتراض في مجال اعتراضهم على الإعجاز في النظم والبلاغة، مثل: إذا كان الإعجاز في فصاحته وجزالته ونظمه وبلاغته، فما هو حدود هذه المعاني بمفردها أم بمجموعها وهناك اختلاف حول وجه الإعجاز؟ (النهاية، ص٤٥٢–٤٦١). ويرد القاضي عبد الجبار مُثبِتًا أهمية الدلالة، في ذكر جملة مطاعنهم في القرآن، في أن من حق الكلام أن يكون دليلًا، في أن الكلام إذا وقع منه تعالى فيجب أن يكون دلالة، في بطلان قولهم إن القرآن إنما يجب الإيمان به دون معرفة معناه، في أن فوائد القرآن ومعانيه يصح أن تُعرَف، في أن مراد الله بالقرآن لا يختص بمعرفة الرسول ولا السلف، في بطلان القول بأن للتنزيل في القرآن تأويلًا باطنًا غير ظاهره على ما يُمكِن عند الباطنية، في بطلان طعنهم في القرآن من حيث يشتمل على المُحكَم والمتشابه، في أن المتشابه قد يُعلَم تأويله والمراد به وما يتصل بذلك (المغني، ج١٦، ص٣٤٥–٣٧٨؛ المواقف، ص٣٥٠–٣٥٢؛ الشرح، ص٦٠١-٦٠٢).
٢٣  الشرح، ص٥٩٢–٥٩٨. اشتماله على قصص الأولين وما كان من أخبار الماضين مع القطع بأن الرسول كان أميًّا لا يكتب ولا يقرأ، ولم يفهم منه في جميع زمانه دراسة الكتب ولا تعلمهاوَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (الإنصاف، ص٦٢-٦٣؛ الرسالة، ص١٤٤–١٤٧؛ التمهيد، ص١٣٠-١٣١؛ لمع الأدلة، ص١١٢؛ الإرشاد، ص٣٥٠–٣٥٣). أقاصيص الأولين (الطوالع، ص٢٠٤). لو أقر العاقل على ما فيه من الأخبار بقصص الماضين وأحوال الأولين على نحو ما وردت به الكتب السالفة والتواريخ الماضية، ما عُرِف من حال النبي من الأمية، وعدم الاشتغال بالعلوم والدراسات، وما فيه من الأخبار عما تحقَّق بعدما أخبر من الغائبات … (الغاية، ص٣٤٥).
٢٤  يتضح ذلك من عديد من الآيات، مثل: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (١١: ١٢٠)، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٧: ١٧٦)، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٢: ١١١)، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٦: ٥٧)، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (٣: ٦٢).
٢٥  يذكر القدماء آيات قرآنية كثيرة للاستدلال على ذلك، مثل: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ، سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْلَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ …، كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي …، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ …، إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ … فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، ومن الحديث: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة»، «اقتدوا باللذَين من بعدي؛ أبي بكر وعمر»، وقوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية.» وقد قُتِل يوم صفين، وإخباره عن موت النجاشي وما يحدث من الفتن والمعاملات كنائبة بغداد ونار بحيرا. أما قوله لعباس حين عجز عن نفسه الفداء: «أين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل وليس معكما أحد، وقلت إن أصبت فلعبد الله كذا وللفضل كذا.» فهو ليس تنبؤًا بالغيب؛ لأن المال في حوزة عباس لم يكن غيبًا، بل كان مجهولًا للبعض ومعلومًا للبعض الآخر. ويتفق في ذلك الأشاعرة مع بعض المعتزلة مثل النظَّام؛ فيحتوي القرآن عند الأشاعرة على الأخبار عن المغيَّبات الماضية والآتية، وعلى دقائق العلوم الإلهية، وأحوال المبدأ والمعاد، ومكارم الأخلاق (التحقيق، ص١٧٢–١٧٤؛ المواقف، ص٣٥٠). عِلم غيوب المستقبل ظاهر جلي (الإنصاف، ص٦٣). وهو أمِّي لم يعرف الكتب ولم يجالس أصحاب التواريخ (الأصول، ص١٨٣-١٨٤؛ الفصل، ج٣، ص١٤-١٥؛ التمهيد، ص١٢٦–١٣٠). ومنها الإخبار عن غيوبٍ كانت في المستقبل، كما وقع في الخبر عنها على التفصيل، لا على وجه تخمين الكهنة والمنجِّمين (الأصول، ص١٨٤؛ الفصل، ج٢، ص٨٥؛ لمع الأدلة، ص١١٢؛ الإرشاد، ص٣٥٣). وقد قيل في ذلك شعرًا:
إذ هو جامعٌ لكل الكتب
ومُخبِر لسائر المغيَّب
(الوسيلة، ص٧)
وعند النظَّام إعجاز القرآن في الإخبار عن الأمور الماضية والآتية (الأصول، ص١٨٤؛ الفِرَق، ص١٤٣؛ الانتصار، ص٢٧-٢٨؛ الفِرَق، ص١٤٣؛ المِلَل، ج١، ص١٥٧).
٢٦  وذلك مثل نبوءة فتح القسطنطينية: «لتفتحُنَّ القسطنطينية، ولنِعمَ الأمير أميرها، ولنِعمَ الجيش ذلك الجيش» (الحصون). وهو يدل على علم بحال الإمبراطورية وتردِّيها، وظهور الإسلام كقوة جديدة في التاريخ.
٢٧  يوجِّه القدماء اعتراضات ثلاثة: (أ) قد تكون كرامة. (ب) قد تقع أيضًا من المنجِّمين والكهنة. (ﺟ) هل يظل ما ليس بغيوب مُعجِزًا؟ (المواقف، ص٣٥٠؛ المحصل، ص١٥١-١٥٢؛ الحصون، ص١٦١–١٦٥؛ الرسالة، ص١٤٧–١٥١).
٢٨  وهذا هو طريق الحكماء، وهو بلوغ الرسول هذا المبلغ العظيم في الحكمة النظرية والعملية بغتةً بلا تعلُّم أو ممارسة (الطوالع، ص٢٠٤). وهذا هو المسلك الثاني عد الإيجي؛ فقد استدل الجاحظ والغزالي بأحواله قبل النبوة، وحال الدعوة بعد تمامها، وأخلاقه العظيمة، وأحكامه الحكيمة، وإقدامه حيث يُحجِم الأبطال. ولولا ثقة بعصمة الله إياه من الناس لامتنع ذلك عادة، وأنه لم يتلوَّن حاله وقد تلوَّنت به الأحوال من أمورٍ مَن تتبَّعها علِم أن كل واحد منها، وإن كان لا يدل على نبوته، ولكن مجموعها مما لا يحصل إلا للأنبياء، فلا يرِد ما يُحكى عن أفضال الحكماء من الأخلاق العجيبة التي جعلها الناس قدوةً لأحوالهم في الدنيا والآخرة (المواقف، ص٣٥٦؛ المحصل، ص١٥١). وهو المسلك الرابع عند الرازي؛ فقد ادعى الرسول، بين قومٍ لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم، أني بُعثِت بالكتاب والحكمة لأتمِّم مكارم الأخلاق، وأكمل الناس في قوتهم العلمية والعملية، وأنور العالم بالإيمان والعمل الصالح؛ ففعل ذلك وأظهر دينه على الدين كله كما وعده الله، ولا معنًى للنبوة إلا ذلك، وهذا قريب من مسلك الحكماء، والمسلكان قريبان (المواقف، ص٣٥٧؛ المحصل، ص١٥٣؛ المعالم، ص٩٣–٩٧). وقد لاحظت ذلك بعض الحركات الإصلاحية عندما رأت في القرآن حِكمًا ومواعظ وأدب (الرسالة، ص١١٤–١٤٧).
٢٩  لو كان مُعجِزًا لأنه خارق لَكانت العلوم الرياضية والهندسية والحسابية مُعجِزةً لأنها خارقة (الغاية، ص٣٤٦–٣٥٦).
٣٠  استنباط جميع أحكام الشريعة منه، ولا يُستنبَط منه معجزة غيره حكم الشريعة (الأصول، ص١٨٣؛ الحصون، ص٥٣–٥٥). ومن شُبَه الملحدة ادعاؤهم بأن القرآن يُناقِض بعضه بعضًا (الشرح، ص٥٩٨-٥٩٩)؛ لذلك يذكُر القدماء بعض مبادئ الشريعة داخل إعجاز القرآن، مثل القاضي عبد الجبار، وتداخُلها مع موضوع الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يجب أن يكون عليه إعجاز القرآن، حال النبي وما يختص به، جملة ما يلزم من الشرائع عمومًا وخصوصًا، تابعًا للعلم أو الظن، الاجتهاد (المغني، ج١٥؛ النبوات، ص٧-٨، ص٩٧–١٠٩).
٣١  ويُشير بعض القدماء والمُحدَثين إلى هذا البُعد في عبارات متفرِّقة، مثل: بيان ما يلزم شريعته والدخول في دعوته، حاله في نفسه من عظيم الأخلاق وشريف الأوصاف والكمالات العلية، مع أنه يُقيم بعيدًا عن المآل، قُوْته كفاف ولم يصحب معلِّمًا يؤدِّبه وحكيمًا يهذِّبه، نشأ في أمة أمية (المغني، ج١٦، ص٤٢٥). حال الأمة التي خرجت من الجهالات والضلالات (الحصون، ص٥٠-٥١، ص٧٦–٧٨). المنهج الذي اتبعوه في هداية الأمم (التحقيق، ص١٦٩-١٧٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠