ثامنًا: الشخص أم الرسالة؟

إذا كانت النبوة تحتوي على أربعة أطراف؛ المُرسِل والمُرسَل إليه والمُرسَل إليهم والرسالة، وكان المُرسِل موضوع التوحيد أول العقليات، فإن المُرسَل إليه موضوع النبوة أول السمعيات، ويكون السؤال حينئذٍ في المُرسَل إليه: هل تتحدد صِلته بالمُرسِل فيكون لدينا البُعد الرأسي في النبوة، أم تتحدد صلته بالمُرسَل إليهم وبالرسالة فيظهر البُعد الأفقي في النبوة؟ وبصيغة أخرى: هل ترتكز النبوة على الشخص أم على الرسالة؟ إن المتتبِّع لتاريخ علم العقائد يجد هناك تشخيصًا واضحًا للنبوة؛ أي التركيز على النبوة كشخص دون النبوة كرسالة، وتظهر النبوة كشخص في الإسراء والمعراج، وفي العصمة، وفي التفضيل بين الرسل والأنبياء، ثم تتشخص في سيرته الذاتية؛ أولاده ونسبه وأصحابه وزوجاته، مرة في علاقته بالصوري ومرة في علاقته بالمادي، مرة بالنسبة إلى الروح ومرة بالنسبة إلى البدن. فما يجب له من صفات الصدق والأمانة والتبليغ والفطنة، وما يستحيل عليه من صفات الكذب والخيانة والكتمان والتهور أو البلادة، وهي صفات إن كانت للمُرسَل إليه إلا أنها شروط لأداء الرسالة.

(١) النبوة كشخص

وتظهر النبوة كشخص في حياة الرسول الخاصة وسيرته الذاتية، والتي لا تتعلق في كثير من الأحيان بالرسالة كتبليغ مُتواتِر لها مضمونٌ فعليٌّ يتصل بحياة الناس. ويُعطي القدماء نماذج لهذه النبوة المشخَّصة في الإسراء والمعراج، وفي عصمة النبي، وفي تفضيل الأنبياء، وفي سيرته الذاتية.

(أ) الإسراء والمعراج

لم يظهر هذا الموضوع كجزء من العقائد إلا في العقائد المتأخِّرة في مرحلة انحسار العقل وزيادة النقل؛ ففي العقائد المبكِّرة يُذكَر كأحد موضوعات الإيمان في النبوة، ولكنه في العقائد المتأخِّرة يزداد تفصيلًا في وصف السموات السبع، وسدرة المنتهى، والبراق، وجبريل، وميكائيل. وهي مادة مستمَدة أحيانًا من علوم السيرة، وأحيانًا أخرى من الخيال الشعبي والمصنَّفات فيه.١ وبتحليل إحدى الروايات الواردة في كتب العقائد المتأخِّرة يُلاحَظ أن الخلاف في مكان ووقت وقوعها، قبل الهجرة أو بعدها، في بيت أُم هاني أَم عائشة، قد يكشف تنافسًا بين الزوجتَين لنيل شرف الواقعة، أو قد يكشف تنافسًا آخر بين المهاجرين والأنصار لنيل الشرف، قبل الهجرة للمهاجرين وبعد الهجرة للأنصار. ولم يبدأ الرسول رحلته إلا بصحبة ملَكَين؛ جبريل وميكائيل، رسول الوحي ورسول الله. ولا تكون الصحبة إلا باثنَين يمينًا ويسارًا؛ تعبيرًا عن مرتبة الصديق ورفعة المنزلة، ثم حملاه إلى المسجد وهو مكان طاهر لشق صدر قلبه وغسله وملئه علمًا وحكمًا؛ فالحمل إلى المسجد أفضل من السير به إلى المسجد، كما هو الحال في أفعال الصلاة، ولم يتألم حين شق صدره على نقيض مناظر الصلب التي تألَّم فيها المسيح، حتى يزداد تحمُّله لآلام البشر، في حين أن الألم هذه المرة لا وجود له. وهذا يعبِّر عن تصوُّر الدينَين للألم؛ وجود أم عدم، فشل أم نجاح. وقام جبريل، وليس ميكائيل، بالغسل، ووضع فيه العلم والحكمة؛ لأنه ملك الوحي. وللواقعة نمط سابق في كرامات النبي قبل البعثة في شق صدره وغسله، ورفع المضغة السوداء منه، وتخليصه من الشيطان. وكلها أفعال الطهارة من المسجد إلى القلب إلى السماء؛ نقطة البداية ونقطة النهاية والمحمول بينهما. وركب الرسول البراق دون أن تُعطي مصنَّفات العقائد وصفًا له كما تُعطي كتب السِّيَر؛ لأن قدر الخيال الشعبي فيه لا نهاية له. وفي الطريق إلى المسجد الأقصى رأى عجائب لا تُذكَر، ولكن من الطبيعي أن يركب البراق وينظر حوله وهو يقطع هذه المسافات الشاسعة، أن يرى ما لا يراه غيره من عابري الفيافي والقفار، خاصةً من رسول تعوَّد على هذه الرحلة، ويعرف ما فيها من مناظر الطريق قبل البعثة وهو يقود القوافل إلى الشام. وبطبيعة الحال أن يصلِّي إمامًا في بيت المقدس التي هي قِبلة المسلمين قبل أن تتحول إلى البيت العتيق. وكيف يصلِّي والصلاة لم تُفرَض بعدُ إلا بعد الرجوع من الإسراء والمعراج؛ فقد فُرِضت الصلاة على المسلمين بعدها؟ وصلَّى إمامًا بالأنبياء والرسل؛ لأنه خاتم الأنبياء. ومن الطبيعي أن تكون الغاية مقدمة على الوسيلة، والنهاية على المقدمة. أما صلاته بالملائكة مع الرسل والأنبياء فيتطلب نزول الملائكة من السماء إلى بيت المقدس أولًا. وهي أفعل تفضيل على الأنبياء والرسل زيادةً في إبراز الإمامة للجميع. ولا يُذكَر كم من الوقت أخذ الإسراء ولا أيةَ صلاة كانت؟ أما المعراج فمِرقاة من ذهب ومِرقاة من فضة؛ فلكلِّ مسارٍ معراج، ولكلِّ قطارٍ قضيبان، والذهب والفضة أغلى معدنَين يصبو إليهما كلُّ إنسان راغبًا في الثروة والغنى ومتع الدنيا. ويبدو أن المعراج ليس روحيًّا خالصًا، بل هو معراج مادي من معدنَين ماديَّين. وهل يحتاج العروج إلى السماء طيرًا في الهواء إلى مسار مادي وطريق معدني؟ وحتى يزدان الركب بهاءً وجمالًا وأبهةً تحفُّه ملائكة يمينًا وملائكة يسارًا، يحفان بالموكب الملكي صحبةً وزينةً وتكريمًا. وعلى كل عتبة سماء يُخبِر جبريل ملائكته بقدوم الرسول، فيرحِّبون به ويعظِّمونه، فيظهر فضله، فيُسَر قلبه، ويزداد شكره لربه. وفي صياغاتٍ أخرى توصف السماء بالياقوت الأحمر والأخرى من الزبرجد الأصفر، وإحدى درجاته من الفضة وأخرى من الذهب مكلَّلة بالدر والياقوت! وهو وصفُ غنيٍّ رأى كل هذه الجواهر وعرفها، أو وصف تاجر مجوهرات ربما يعبِّر عن حرمان الناس؛ حتى يستطيع الخيال أن يؤثِّر فيهم ويجذبهم إليه. وهل السماء مادية حتى تكون فيها درجات من ذهب وفضة؟ وتُلاحَظ ثنائية المعدن وتمايز الألوان بين الأحمر والأصفر صراحةً، أو الأصفر (الذهب) والأبيض (الفضة) بطريق غير مباشر. وقد يكون ذلك وصفًا لألوان الشفق؛ الحمرة والصفرة، أو لألوان الطيف، كما يُلاحَظ تنوُّع المعادن من ياقوت وزبرجد، ذهب وفضة، در وياقوت، وتكرار الياقوت مرتَين. وكيف بالذي يُسرى به ثم يُعرَج وفي شوق إلى اللقاء، ويلتفت إلى هذا النعيم المادي الحسي كله الذي يُبعِد النفس عن نعيمها الروحي؟ وقد تكون السموات سبعًا وبها سدرة المنتهى لوصف نهاية المطاف. وهنا يتوقف علم أصول الدين ويعتمد على علوم التصوف.٢

والحقيقة أن هذه الرؤية لها نمطها التقليدي في تاريخ الأديان، مثل صعود باروخ ودانيال إلى السماء على عمود أو مركبة من نار؛ رمز القوة عند اليهود. ولها ما يُشابِهها أيضًا في أساطير اليونان، بل إن السماء في ديانات الشرق (كوريا) لتُصبِح هي المُبتغى والمطلب. فهي بهذه الصيغة أقرب إلى الأساطير الشعبية التي يخلقها الرواة للتأثير في النفوس، واللعب بعواطف الإيمان، واستعمال كل الواقع النفسي والاجتماعي للحاضرين من أجل الإقناع والتأثير. هل هو رمز على هزيمة الكفار في غزوة بدر، ورؤية النبي لنفسه وهو سيدخل مكة فاتحًا، كما هو الحال في رُؤًى عديدة من قبل، مثل رؤية يوحنا التي تبشِّر بانتصار المسيحية على الإمبراطورية الرومانية؟ الحقيقة أن الرواية كلها مُعارِضة لروح الإسلام ومنهجه وطبيعته ورسالته؛ فالإسلام دين واقعي ورسالة إنسانية. اكتمل فيه الوحي واستقل فيه العقل وأصبح للإرادة حرية الاختيار، ولكن الرواية عود إلى الوراء، إلى قصص الأنبياء عند بني إسرائيل؛ حتى لا يكون خاتم الأنبياء أقل من الأنبياء السابقين في مجتمعٍ تصل المنافسة فيه بين الدين الجديد والديانات القديمة، خاصةً اليهودية، حد العداء السافر والحرب العلنية. تُشير الرواية إلى جوانب غيبية والإسلام ليس دينيًّا غيبيًّا. هل هي مشاهدة للعالم على نحوٍ تجريبي بالرؤية الحسية؟ ولكن التجربة هنا فردية صرفة، مثل تجارب الصوفية التي لا يُمكِن إيصالها إلا رمزًا. وماذا رأى وماذا شاهد؟ لقد كان قاب قوسَين أو أدنى؛ أي إنه لم يرَ الموضوعات ذاتها، ولكنه رأى صورًا وخيالات لها، كما يفعل الأنبياء بعد البعثة، وكما يحدث للشعراء والأدباء والصوفية. هل أخذ منها علومًا يستفيد منها الناس، أم أنها تجارب ذوقية خالصة؟ وما هي هذه العلوم التي أخذها ولم يبلِّغها للناس؟ وما الفائدة العامة من التجارب الذوقية الفردية؟ هل هي مكافأة للرسول؟ وكيف تُعطى المكافأة والرسالة لم تتم بعد؟ هل هي معجزة من معجزاته مثل باقي المعجزات القديمة؟ ولكن المعجزة بهذا المعنى لم يعُد لها وجود. وقد أتى الإعجاز الجديد بديلًا عنها، وفي إعجاز القرآن الكفاية، وهو التحدي البشري الأدبي والتشريعي، من حيث الشكل ومن حيث المضمون. وإذا كانت الغاية منها تعليمية تجريبية صرفة، وهو ما يُطابِق منهج الإسلام في النسخ، فإن فرض الصلاة أثناءها، ثم سماع النبي تجارب الأمم السابقة على لسان أنبيائها في قدرات الأفراد والشعوب على تحمُّل العبادات، وتخفيض عدد الصلوات من الخمسين إلى الخمس صلوات، تكون العبادات كلها قد حقَّقت الهدف منها، وهو فرض الصلوات الخمس على الأمة بناءً على تجارب الأمم السابقة وطبقًا لخبراتها؛ وبالتالي تُصبِح الرواية كلها في حاجة إلى تفسير وتأويل.

لذلك يُؤثِر البعض تصوُّر الإسراء والمعراج روحيًّا خالصًا، فهما صورتان فنيتان لتميُّز النفس عن البدن، ولصعود الروح إلى الملأ بحثًا عن المعرفة وطلبًا للسعادة، ورمزان للتعالي والمفارقة يُشيران إلى يقظة الشعور، وإلى قدرته على التعالي والمفارقة. وهذا جائز على طريقة الفلاسفة، وما حاولوه من قبل في نظريات الاتصال بين العقل المُنفعِل والعقل الفعَّال، أو ما حاولوه من قبل في نظرية النبوة. وقد تمَّت هذه الرحلة الروحية في النوم لا في اليقظة، وتمَّت الرؤية بالروح لا بالعين. وعلى أقصى تقدير لم تصل الرواية إلى حد التواتر؛ وبالتالي لا تُفيد اليقين. وإذا كان الإسراء من مكة إلى بيت المقدس قطعيًّا نظرًا لإمكانية رؤية النفس عن بعد، فإن المعراج من بيت المقدس إلى السماء ظني.٣ وقد يُحاوِل البعض تفسير ذلك علميًّا؛ بأن يُماثَل بانتقال إبليس من مكان إلى مكان، وبحركات الأفلاك السيارة، على قدرٍ عالٍ من السرعة، دون أن نشعر بها، وبصعود الجسم الخفيف إلى السماء؛ بسبب ضغط الهواء، أو حتى برجال الفضاء وهم يسبحون.٤ ومع ذلك تظل من جنس تأويلات الحكماء، ولكنها مُرتبِطة بنتائج العلم، وإليه يرجع الفضل في فهم السمعيات. ولما كان العلم نسبيًّا، متغيِّرًا طبقًا لتقدُّم العلم، أصبحت السمعيات كذلك، وغاب عنها طابع الإطلاق واليقين حتى ولو كانت متواترة. والرؤية موجودة في أصل الوحي في عمومها، وهي الإسراء فقط دون الإعراج، وما سوى ذلك من الآيات تؤخذ قياسًا كما يفعل الصوفية، ويُدِيرونها حول واقعة الإسراء.٥

(ب) عصمة الأنبياء

والحديث عن عصمة الأنبياء هو من مظاهر الحديث عن النبوة كشخص لا كرسالة، مع أن النبي مثل باقي البشر ينطبق عليه قانون الاستحقاق، وهو بشر معرَّض للصواب والخطأ، ولكن له ميزة التصحيح لإعطاء الدرس وتعليم الناس؛ فهو على اتصال دائم بالوحي، وسلوكه قدوة. الأنبياء بشر كغيرهم من البشر، ليس لديهم أية ميزة إلا أنهم وسائل تبليغ للرسالة. ولما كانوا هم أول من حقَّقوها وطبَّقوها، فمن الطبيعي أن يكون سلوكهم هو السلوك الأمثل بالنسبة إلى الجماعة، فسلوكهم بهذا المعنى أكمل سلوك بشري؛ بدليل نجاح رسالاتهم، واتخاذ الجماعات لهم قدوة ومثلًا، خاصةً في السلوك العام الذي لا يؤثِّر في الرسالة في شيء.

ولكن هل يصل حد النموذج أو القدوة أو الأسوة إلى حد العصمة؟ وما هي العصمة؟ هل العصمة خلق من الله في النبي، وبالتالي هي هبة له من الله؟ لو كانت كذلك لكان النبي معصومًا بالضرورة، ولما استحق أي فضل أو جزاء على عصمته. ولما كان السؤال نفسه مُمكِنًا لغياب احتمال الخطأ أصلًا، ولما كان الفعل موجودًا للحساب؛ لانعدام حرية الإرادة منذ البداية، ورجوع أصل العدل إلى أصل التوحيد. هل هي ملَكة نفسية تمنع من الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب العاصي ومناقب الطاعات؛ وبالتالي تكون مكتسَبة بجهد النفس وبعد معاناة؛ وبالتالي تستحق الجزاء؟ إذا كانت الملَكة أقرب إلى الفضل واللطف والهبة والعون والتيسير، فهي أقرب إلى أفعال الله داخل أفعال الشعور الداخلية؛ وبالتالي لا تكون أفعالًا حرة، ولا تستحق جزاء. وإن كانت أفعالًا مكتسبة للإنسان بجهده وبناءً على حرية إرادته، استحقَّت الشكر، وأصبح الخطأ فيها مُمكِنًا؛ وبالتالي استحالت العصمة؛ بمعنى عدم الوقوع في الخطأ عمدًا أو عن غير عمد.٦ ويعتمد إثبات العصمة على عدة حُجَج، منها ما يتعلق بالنبوة كنظرية في الاتصال؛ علاقة النبي بالله وهي الأضعف، ومنها ما يتعلق بالنبوة كتبليغ رسالة، وهي الأقوى. فإذا كان الله قد قرن بكل إنسان شيطانًا، وأن الله أعان النبي على شيطانه، فأسلم فلا يأمره إلا بالخير، فذاك أيضًا قضاء على حرية الفعل الإنساني أصلًا؛ وبالتالي يضيع الاستحقاق. ووضع النبي في مرتبة أعلى من سائر البشر، أقرب إلى «الملائكة» منهم إلى سائر الخلق، فيستحيل التكليف؛ وبالتالي يستحيل الثواب والعقاب. ولا يرجع الفضل في العصمة حينئذٍ إلى الرسول بل إلى الله، وتكون هذه ميزة له وحده دون سائر الأنبياء، مثل داود وسليمان. وتظل حجة الخطأ قائمة طالما أن أفعالًا خاطئة قد تمَّت، سواء صغيرة أم كبيرة، عن عمد أو عن غير عمد. وإذا كان الرسول قد تم شق قلبه من قبلُ لاستنزاع الشيطان مرة قبل البعثة من كراماته، ومرة بعد البعثة في بداية الإسراء والمعراج؛ فكيف يعود إليه من جديد كي يُخطئ النبي، فيُعِينه الله عليه ويعصمه منه؟ أما الحُجَج الأخرى المتعلِّقة بالنبوة كتبليغ رسالة فهي أقرب إلى العقل، ولكن يُمكِن أيضًا ردها. صحيحٌ أنه لو صدر عنهم الذنب لحرم اتباعهم، ولو أذنبوا لرُدَّت شهادتهم؛ فلا شهادة لفاسق، ولو صدر عنهم لوجب زجرهم؛ لعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكانوا أسوأ حالًا من العصاة، لا يألون عهد الله، ولكانوا غير مُخلِصين، ولا يكونون أنبياءً، ولكانوا من حزب «الشيطان» وليس من «حزب الله» مع أن الله وصفهم بأنهم يسارعون إلى الخيرات، ولكن ذلك كله يقوم على افتراض مُسبَق، وهو أن النبي أكثر من بشر، ولا يجوز عليه ما يجوز على سائر البشر من خطأ وسهو ونسيان، مع أنه بشر رسول؛ يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وابن امرأة كانت تأكل القديد. صِدقه مِن صدق رسالته، وتصديق الناس له من تصديقهم لها. التوحيد أصل والعدل أصل آخر؛ في التوحيد اللهُ قادر على كل شيء، وفي العدل الإنسانُ حر الإرادة، مُستقِل العقل، يُخطئ ويُصيب، كما يجوز عليه الصحة والمرض، القوة والضعف، الشباب والشيخوخة، الحياة والموت.٧
وقد يخفُّ هذا الموقف المبدئي الإيماني شيئًا فشيئًا، بالتخلي تدريجيًّا عن إثبات العصمة حتى نفيها، ابتداءً من التفرقة بين ما قبل البعثة وما بعدها. فإن جاز بعض الخطأ قبل البعثة فلا يجوز بعدها؛ فقبل البعثة لم يكن الرسول مكلَّفًا، ولا متعبَّدًا بشريعة، ولا مُخاطَبًا برسالة؛ وبالتالي انتفى موضوع الصواب والخطأ؛ ولكن في نفس الوقت ينفي ذلك وجود الدين الطبيعي وشريعة العقل؛ دين الفطرة، بل ينفي وجود كرامات قبل البعثة، فلا تجوز المعصية والكرامة في نفس الوقت، كما ينفي حجة مكارم الأخلاق التي عُرِفت عن الرسول قبل البعثة، والتي تُستعمَل أحيانًا كأحد مبرِّرات اختيار الرسول كرسول، كما يُناقِض بعض عموم الآيات، مثل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ دون تخصيص لما بعد البعثة أو قبلها.٨ وقد تجوز السهوة والغفلة؛ أي الأخطاء لا عن قصد وعن غير عمد، في حين لا تجوز الأخطاء المقصودة المتعمَّدة؛ فلا يرتكب النبي خطأً وهو عالم به أو عن عمد، بل يفعله عن سهو وخطأ وسوء تقدير. وهذا يتفق مع المسئولية عن الفعل بوجه عام، ليس عند الرسول فحسب، بل عند باقي المكلَّفين؛ فشرط الفعل هو القصد، والأفعال غير المقصودة ليست أفعالًا تكليفية، وقد يقع الخطأ عن تأويل واجتهاد، وليس عن قصد وعمد.٩ والاجتهاد أصلٌ من أصول التشريع، وللمُخطي أجر وللمُصيب أجران. وقد تجوز عليهم الصغائر دون الكبائر؛ إذ لا يجوز عليهم الكفر والفسق، وهو ما ينتج عن ارتكاب الكبائر.١٠ ولكن ماذا يحدث عند الذي لا يفرِّق بين الصغيرة والكبيرة؟ وكيف تجوز الصغائر وفي نفس الوقت يكون النبي قدوة، وأفعاله سنة، وقد بُعِث ليُتمِّم مكارم الأخلاق؟ وإن جازت الكبائر مع الصغائر فلا يجوز الكذب في التبليغ؛ لأنه خيانة وكتمان، وهي صفة تمس الرسالة، لا يُمكِن تجاوُزها وإن أمكن التجاوز عن الأخطاء التي تمس الشخص.١١ وقد تقع منهم الأخطاء ويغفرها الله لهم، كما يغفر لباقي البشر، دون زيادة أو نقصان، بعد إعلان التوبة والندم. والحقيقة أن كل ذلك إن وقع فهي دروس تعليمية للناس، وتوجيه للأمة وإرشاد لها، ولا أحد معصوم من الخطأ ما دام بشرًا يُمارِس حريته ويعمل عقله؛ فقد ينسى النبي، كما ينسى البشر، حتى في حفظ الوحي، وقد ينتابه ما ينتاب البشر من أهواء وانفعالات، وقد يرجِّح مرجوحًا، وقد يُخطئ في التحليل وفي إدراك موازين القوى، وقد يتسرع أو يهتم، وقد يشك، وقد يعزم ويجزم ويقطع. ويأتي درس التصحيح في حالة النبي كتعليم وتوجيه وإرشاد. وعلى هذا النحو ترى الأجيال بعده التوتر بين الواقع والمثال، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وقد تكون كثير من الأفعال مشروطة أو محتملة ولم تقع بعد، ولكن التنبيه عليها وذِكرها كحالة افتراضية قد تقع فيما بعد، يدخل في إطار هذا الدرس التعليمي، وهو منهج الوحي في التعليم من المحاولة والخطأ، وفي إعادة التكليف طبقًا للواقع، وكما هو واضح في النَّسخ.١٢
والحقيقة أن القول بعصمة الأنبياء هو رد فعل على القول بعصمة الأئمة؛ فإذا كانت هناك عصمة كتعبير عن التبجيل والتعظيم للقائد والزعيم، فالنبي أولى بها من الإمام. والقول بعصمة الإمام تستدعي القول بجواز الخطأ على النبي، والقول بعصمة الإمام في الحقيقة إنما هي نتيجة لزعامته لمجتمع الاضطهاد، وضرورة سيطرته على الجماعة وقيادته لها؛ فالعصمة تُعطيه قوة معرفية وعملية، وتسمح له بالقيادة والإرشاد أكثر مما يُعطيه جواز الخطأ والمراجعة عليه من الناس، وهو نتيجة لاتجاه المجتمع العظيم لتبجيل الزعماء والقادة، ورؤية خلاصه فيهم ومن خلالهم، ورفعهم إلى مستوى الأنبياء بل والآلهة؛ ففي كل المجتمعات المُضطهَدة تبرز أهمية الإمامة وصفاتها مثل العصمة، وطالما كان الإمام معصومًا كان مطاعًا، ويبرز ذلك في كل مجتمعات التسلط عندما يدَّعي الزعيم السياسي أنه هو وحده العالم والقائد والمُلهَم والمُرشِد والمعلِّم، وأنه لا تجوز مراجعته أو نقده أو الخروج عليه، وأنه لا يجوز حتى لمس بغلة السلطان أو نقدها بكلمة، بل إن النبي يجوز أن يكفر ويعصي ويرتكب الكبائر، في حين لا يجوز ذلك على الإمام. وإن حاجة الإمام إلى العصمة أكثر من حاجة النبي؛ فإذا كان للنبي وحيٌ يصحِّحه فإن الإمام ليس له إلا العصمة. العصمة إذن سلاح سياسي لزعزعة الثقة في القيادة المعارضة؛ أي النبوة أو الخلافة، ولزرعها في قيادة جديدة هي الإمامة، فكل زعيم يدَّعي قومُه أنه أولى بالعصمة من الآخر؛ وبالتالي أولى بالطاعة لأمره والانتصار له، وبالتالي يتنازع العصمةَ الخصمان؛ دعاة النبوة ودعاة الإمامة، مجتمع التسلط ومجتمع الاضطهاد. كلٌّ منهما يبغيه دفاعًا عن ذاته؛ فدخلت العصمة كسلاح سياسي في الصراع من أجل السلطة.١٣
ثم يُطرَح موضوع العصمة من الحاضر إلى الماضي، ومن آخر مراحل النبوة إلى أولها عبر التاريخ، ومن خاتم الأنبياء إلى الأنبياء السابقين، والغرض من ذلك تأصيل موضوع العصمة الحالية تاريخيًّا إثباتًا أم نفيًا؛ وبالتالي تُستعمَل أخطاء الأنبياء السابقين؛ إما لإثبات العصمة أو لنفيها وتأويلها. والحقيقة أن موضوع العصمة لدى الأنبياء السابقين مُرتبِط بتاريخ النبوة؛ فكان لا يُعيِّر النبيَّ السابق أفعالُ العصيان؛ لأنها مظهر من مظاهر القوة والعظمة، مثل داود وسليمان في علاقاتهم النسائية، ومثل موسى في القوة والتشيع لقومه على حساب الحق وشمول المبادئ وعموم القيم. فكل نبي يعبِّر عن مرحلة نبوته؛ فهناك أنبياء لهم صفة الملك دون الفضيلة، مثل داود وسليمان، وأنبياء لهم صفة القوة دون الحق، مثل موسى. أما محمد خاتم الأنبياء؛ أي النبوة في مرحلتها الأخيرة، فقد بُعِث ليُتمِّم مكارم الأخلاق. ففي المراحل السابقة: النبوة — الملك، أو النبوة — القوة، يجوز فيها العصيان؛ وبالتالي تنتفي العصمة. أما في المرحلة الأخيرة في مرحلة النبوة — القدوة، أو النبوة — فلا يجوز فيها العصيان.١٤ كما يُطرَح السؤال بالنسبة ﻟ «الملائكة» بدافع المبالغة، بمقارنة الأنبياء بالملائكة، وإن كان الاتفاق على عصمة الملائكة أسهل؛ فهم ليسوا مكلَّفين؛ وبالتالي ليسوا مُحاسَبين، وهم ليسوا بشرًا؛ وبالتالي ليسوا أحرارًا عاقلين في موقف الاختيار بين الحسن والقيبح. لا يفعلون الخير إلا جبرًا، باستثناء إبليس الذي أثار استعمال حريته في الاعتراض والرفض؛ فكان جزاؤه استعمال الحرية إلى أقصى حد، وإمهاله وإعطاءه الزمان كله لتحدي حرية الإنسان ذاتها.١٥ ولو أن إبليس عند البعض لم يكن من الملائكة بل كان من الجن، وباستثناء هاروت وماروت، ولو أنهما أيضًا عند البعض لم يكونا من الملائكة. وإدراج إبليس مع الجن في اللغة تغليبًا. وقد زادت التفاصيل فيه في العقائد المتأخِّرة إلى حدٍّ جعل الجن متعبَّدين بالإسلام، طعامهم الروث والعظام. وربما لم يسأل إبليس الله النظِرة، وربما لم يعصِ إبليس بتركه السجود لآدم، ولكن لجحده بالله. وكذلك زاد التفصيل في قصة هاروت وماروت، وأنهما ليسا ملَكَين عصيا الله وشرِبا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا الناس، وزنَيا، وعلَّما زانيةً اسم الله الأعظم، فطارت به إلى السماء، فمسخت كوكبًا وهي الزهرة، وأنهما عُذِّبا في غار بابل، وأنهما يعلِّمان الناس السحر. والحقيقة أن إبليس هو رمز الحرية والرفض وتحدي الإنسان. أما هاروت وماروت فإنها قصة في نفس السياق؛ يتلو الشيطان على ملك سليمان، ويعلَّمان السحر، فيفرِّقون بين المرء وزوجه، ويضرِّرون بالناس، ولكن الإنسان قادر على الدخول في التحدي ومقاومة الشر والدفاع عن صالحه وكيانه.

(ﺟ) تفضيل الأنبياء

فإذا كان الأنبياء يسري عليهم ما يسري على باقي البشر من الأخطاء، فهل يتفاضلون فيما بينهم أو يتفاضلون مع غيرهم؟ يعرض القدماء أولًا مسألة التفضيل بين الأنبياء والملائكة؛ أيهما أفضل، قبل أن يعرضوا لتفضيل الأنبياء فيما بينهم، ثم يأتي بعد ذلك التفضيل بين الأنبياء والأئمة ما دام كلاهما يُشارِكان في العصمة أو في القيادة والزعامة، ويأتي ثالثًا التفضيل بين الأنبياء والأولياء ما دامت لكلِّ فريقٍ كرامات ومعارف وسلطة على البشر.

والحقيقة أن تفضيل الأنبياء على الملائكة أو تفضيل الملائكة على الأنبياء لا أساس له؛ لأنه تفضيل بين طرفَين غير متساويَين، وليسا من نفس النوع. فالأنبياء بشر والملائكة ليسوا من البشر. الأنبياء أشخاص مرئية، لها أفعال في التاريخ، ويُمكِن الحكم عليهم، في حين أن الملائكة أشخاص معنوية، لا يُمكِن الحكم عليها إلا ظنًّا. ولا يُمكِن مقارنة المادي بالمعنوي، المرئي باللامرئي، فهما ليسا من نفس النوع. الأنبياء معروفون برسالاتهم وأعمالهم، وآثارهم في التاريخ؛ أي تأسيس الدعوات وإقامة الدول وتشكيل عقائد الناس وتوجيه سلوكهم. أما الملائكة فلم يرَها أحد، ولم تؤثِّر في التاريخ، ولم تُعرَف إلا سمعًا من النبوة؛ وبالتالي لا يوجد إلا طرف واحد، هو النبوة أو الأنبياء الذين وُجِدوا في التاريخ، وأخبروا عن الملائكة. وما هو مقياس التفضيل؟ العصمة؟ درجة الخطأ؟ الرتبة عند الله؟ شرف الوظيفة؟ وإذا أمكن معرفة ذلك في حال الأنبياء، فكيف يُمكِن التعرف على كل ذلك في حال الملائكة؟ كيف يُمكِن معرفة عصمتهم أو درجة أخطائهم أو رتبتهم عند الله؟ أما الوظائف فلا تتفاوت فيما بينها شرفًا ورتبة، بل هو نوع من تقسيم المهام وتوزيع الأعمال؛ فالنبوة للتبليغ للناس، والمَلاك للتبليغ للنبي، وليس هذا بأفضل من ذاك. وبطبيعة الحال لا يكون التفضيل بين المادة والروح، بين المرئي واللامرئي، فليست الروح بأفضل من المادة، ولا المادة بأفضل من الروح، ولكن يكفي التفضيل من حيث الفعل والغاية والرسالة. وقد يكون الكائن الحر العاقل مثل الإنسان أفضلَ من الكائن المُجبَر مثل الحيوان أو النبات أو الجماد أو الملاك. وما الهدف من التفضيل؟ الاختيار أم الترجيح أو التمثل في السلوك؟ هل الهدف مجرد معرفة نظرية من عقليةٍ تتصور الموضوعات في سلَّم شرف وترتيب رأسي صاعد أو نازل، أم أنه تفضيلٌ ينتج عنه أثر عملي سلوكي في حياة الناس العملية؟ هل هو نتيجة لعملية التعظيم والتبجيل لرفع الأنبياء درجةً أعلى، أو للتقرب إلى الملائكة صعودًا إليهم وزلفى؟ وما هي نتيجة التفضيل؟ وكيف يتم الاختيار بين الأنبياء والملائكة في الأفضلية؟ وهل هي أفضلية فعلية أم مجرد حكم قيمة طبقًا للهوى والمزاج ودرجة الإحساس بالتعظيم والتبجيل والاغتراب عن الواقع؟

فإذا ما تم تفضيل الملائكة فلأنَّ اللامرئي أفضل من المرئي، والمجرد أفضل من العيني، والروحانيات متعلِّقة بالهياكل العُلوية في حين تتعلق النفوس بالهياكل السُّفلية، والروحانيات مبرَّأة عن الشهوة والغضب ومن الشرور كلها، وهي نورانية لطيفة، على عكس الجسمانيات المركَّبة، تقوى على الأفعال الشاقة وتعلم المجردات والكليات. وكل هذه الأسباب في الحقيقة إنما تنبع من النظرية الإشراقية، ومن المواقف الصوفية التي تكشف عن اغتراب عن الواقع وبُعدٍ عنه، وتطهُّر فيه، وهروب منه.١٦ وقد يتخصص الحكم بتفضيل الملائكة على الأنبياء؛ بأنهم الملائكة الذين لا يعصون ربهم نظرًا لواقعة إبليس. وقد يعمُّ الحكم في تفضيل الملائكة ليس فقط على الأنبياء، بل على جميع الناس وعلى عامة الخلق. وقد يتم التخصيص برسل الملائكة؛ فهم أفضل من عامة البشر.١٧
وتفضيل الأنبياء على الملائكة أكثر واقعية من التفضيل الأول، وهو أكثر مثالية، ويعتمد هذا التفضيل أيضًا على حُجَج نقلية؛ فقد أُمِرت الملائكة بالسجود لآدم، كما أن الله علَّم آدم الأسماء كلها، والذي يعلم أفضل من الذي لا يعلم، وأن عوائق البشر عن العبادة من شهوة وغضب، وقدرته على العبادة وتكليفه، لَتجعله أكثر استحقاقًا من الملائكة التي لا يُوجَد لديها مثل هذه العوائق، وأن وجود الإنسان في عالم الاختيار بين المَلاك والحيوان يجعله أكثر حرية وحركة وغنًى عن الملائكة التي لا تُوجَد إلا في عالم واحد، وليس لها هذا الاختيار؛ وبالتالي فهي مُجبَرة على الخير وعلى الثبات فيه. وقد يُزاد التخصيص في التفضيل، فتُصبِح رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة. لقد كان هاروت وماروت عجلَين في بابل وليسا ملائكة، أو كانا ملَكَين عاصيَين. وكيف تكون زبانية النار أفضل من الأنبياء؟ وحين يتم التخصيص بالملائكة السُّفلية فالأنبياء حتمًا أفضل منهم، ويظل الخلاف فقط في الملائكة العُلوية.١٨ الملائكة رسل إلى الأنبياء، لا يؤثِّرون في العالم كما يفعل الأنبياء، ليست لهم إرادة وعقل ولا موت ولا حياة كما لسائر البشر، بل قد يكون الإنسان العادي أفضلَ من الملائكة والأنبياء؛ فكلاهما رسول إليه مباشرةً أو بتوسط. والإنسان صاحب رسالة وأمانة مثل الملائكة والأنبياء، ولكنه ليس معصومًا مثل الملائكة، أو مؤيَّدًا من الله مثل الأنبياء. هو موجود في العالم يعتمد على إرادته الحرة وعقله المُستقِل؛ وبالتالي كان امتحانه أعظم، وكان جزاؤه ربما أكبر.
ثم يُصبِح التفضيل داخل كل نوع؛ تفضيل الملائكة على بعضهم البعض، وتفضيل الأنبياء بين بعضهم البعض، فيكون السؤال: من هو أفضل الملائكة ثم من هو أفضل الأنبياء؟ والسؤال بهذا الوضع يكون أكثر اتساقًا مع نفسه؛ لأن التفاضل بين كائناتٍ من نفس النوع، فيصحُّ التفضيل من حيث المبدأ وإن ظل خاطئًا من حيث الواقع. وكيف يُمكِن تفضيل الملائكة فيما بينهم؟ وعلى أي مقاس؟ وهل يتم التفضيل وظيفيًّا بناءً على تقسيم الأعمال وتوزيع المهام؟ ولكن الوظائف مُتكامِلة، ولا فضل لإحداها على الأخرى. الفضل فقط في أداء الوظيفة أو في عدم الأداء. ولما كانت الملائكة كلها مُطيعة فالكل في الفضل سواء؛ فجبريل وعزرائيل وإسرافيل وميكائيل كلها وظائف لا تفاضُل بينها، مثل وظائف الحواس؛ وظيفة العين ووظيفة أذن … إلخ.١٩ وماذا يعني تفاضُل الأنبياء فيما بينهم؟ الأنبياء هم مجرد وسائل لتبليغ الوحي، وليس لهم أي فضل بأشخاصهم على غيرهم، وليس بينهم تفاضُل؛ إذ إن كل نبي يمثِّل مرحلة من مراحل تطوُّر الوحي، ولا تفاضُل بين المراحل، بل تكامُل بينها، بل إن المرحلة المتقدِّمة لأنها أقل رقيًّا ليست بأفضل من المرحلة المتأخرة لأنها أكثر رقيًّا، ولا المرحلة المتأخِّرة لأنها أكثر رقيًّا أفضل من المرحلة المتقدِّمة لأنها أقل رقيًّا، بل إن المرحلة الأخيرة والتي فيها يتم اكتمال الوحي وتتحقق الغاية منه، ليست بأفضل من المراحل السابقة التي لولاها لما اكتمل الوحي، بل ربما كان الأمر أكثر صعوبة في المراحل السابقة عنه في المرحلة الأخيرة، بعد أن تعوَّدت البشرية على الوحي وارتقت بفضله. وكم لاقى من الأنبياء السابقين من العذاب والهوان والقتل ما لم يُلاقِه آخر الأنبياء، وكم عُوقِبت أمم الأنبياء السابقين بالطوفان أو الغرق في البحر أو بالربح أو بالجراد والقمل ما لم تُعاقَب به آخر الأمم. وعند كل أمة نبيها أفضل من جميع الأنبياء؛ لأنها أفضل من جميع الأمم.٢٠
وقد يمتد التفاضل فيشمل الملائكة والأنبياء والبشر؛ فيأتي جبريل في المقدمة، وبعده ميكائيل، ثم بقية رؤساء الملائكة، ثم عوام البشر؛ وقد يأتي الأنبياء أولًا، كلٌّ حسب فضله، وفي مقدمتهم خاتم الأنبياء، ثم الخلفاء الأربعة، ثم التابعون، ثم يقل الفضل قرنًا بعد قرن؛ وقد يأخذ الأولياء مكانًا عليًّا بين البشر قبل الصحابة أو بعدهم؛ وقد يتفاضل مَن صحِب الرسول من الجن مع أصحابه من الإنس، أو على الأقل يتساوون فضلًا؛ فكلاهما صحابة! ويستمر التاريخ في النزول انحدارًا من السماء إلى الأرض، وتُلحَق النبوة بالإمامة، ويُصبِح التاريخ تاريخ انهيار وسقوط بعد أن كان تاريخ رفع وعلو.٢١ والحقيقة أن موضوع التفضيل إنما يكشف عن عقلية التدرج والمراتب، وتصنيف البشر حسب درجات الكمال والشرف، وهو تصوُّر يقوم على أخطاء عدة؛ منها تصوُّر الناس على درجات رأسية، يتفاضلون فيما بينهم علوًّا وسفلًا، مع أن البشر جميعًا متساوون لا يتفاضلون إلا أفقيًّا أمامًا أو خلفًا؛ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، وتكون المنافسة على أخذ الدرجات العليا، وليس على السبق إلى الأمام وخلق الأفعال، وذلك كله إحساس بالتعويض والعجز. فالمُحاصَر في الواقع يفك حصاره إلى أعلى، فيتقدم نحو الوهم، ثم يتشخص ذلك كله في موضوع التفاضل بين الملائكة والرسل، وداخل عناصر كل مجموعة فيما بينها.
كما يظهر التفضيل بين الأنبياء والأئمة. والتفضيل من حيث المبدأ مُمكِن؛ لأنه تفضيل من نفس النوع؛ أي مفاضلة بين البشر. وتشتد المفاضلة خاصةً عندما تُوضَع الإمامة كاستمرار للنبوة، وعندما يُوضَع الإمام وريث النبي. وإن تفضيل الأئمة على الأنبياء هو تفضيل للفرع على الأصل؛ فالأئمة خلفاء الرسل كما أن العلماء ورثة الأنبياء، ولا إمام ثانيًا بلا نبي أولًا. وإذا ما اشتد التفضيل وأصبحت الأمة أفضل من الملائكة، فلأنَّ الأنبياء أفضل من الملائكة؛ وبالتالي تكون الأئمة بالضرورة أفضل من الملائكة. وإذا ما تم تفضيل الأنبياء على الأئمة فذلك تفضيل للأصل على الفرع، وللسابق على اللاحق، وللنبوة على تأويلها، ولكن يُصبِح السؤال نفسه بغير ذي معنًى إذا ما كانت نتيجة التفضيل علاقة التساوي بينهما، من حيث إن كلَيهما بشرٌ لا يألو جهده في تحقيق الرسالة، ولكن يظل للنبي ميزة الاتصال والبداية، في حين أن ليس للإمام هذه الصفة. يوجد النبي في المحورَين الرأسي والأفقي معًا، في حين يُوجَد الإمام في المحور الأفقي وحده، ولكن نظرًا لظروف المجتمعات المُضطهَدة فقد يصل الأئمة إلى درجة التأليه؛ فهم قادة الجماعة الذين سيحوِّلون الاضطهاد إلى حرية، ويقلبون الجور إلى عدل، ومن الطبيعي أن تكون الأئمة حركة تصحيح لانحراف مسار النبوة، ولكن في المجتمعات السوية يقتضي التنزيه أن يظل الإمام إنسانًا بشرًا خالصًا؛ تحقيقًا لرسالة النبي واستمرارًا لها.٢٢
وكما يظهر التفضيل بين الأنبياء والأئمة تحت أثر الإمامية، فكذلك يظهر التفضيل بين الأنبياء والأولياء تحت أثر الصوفية. وكيف تكون الولاية أفضل من النبوة، والولاية الفرع والنبوة الأصل؟ إن الوضع النفسي والاجتماعي للولي مُشابِه إلى حد كبير للوضع النفسي والاجتماعي للإمام، إلا أن الولي كان في مجتمع العجز، وكان الإمام في مجتمع الاضطهاد، وكلاهما مجتمع هزيمة. فإذا كانت النبوة السلاح الرئيسي للنظام القائم والدولة المسيطرة، فقد كان من الطبيعي أن ترتفع درجة الإمام في مجتمع الاضطهاد، وأن يرتفع الولي في مجتمع العجز، فيُصبِح الإمام والولي أعلى درجة من النبي وأفضل منه. وعلى هذا النحو يُمكِن للناس اتِّباع الإمام والولي دون النبي؛ وبالتالي ينضمون إلى المعارضة ضد السلطة، ولكن في المجتمع السويِّ الأنبياءُ أفضل من الأولياء لو كان التفضيل يعني الاتصال بالوحي وتبليغ الرسالة، وهذا ما يحدث للنبي دون الولي. وإذا كان الصحابة أفضل من الأولياء، فكيف يكون الأولياء أفضل من الأنبياء؟ النبي كامل ومكمِّل، في حين أن الولي كامل فقط ولا يكمِّل أحدًا، وليست له رسالةٌ يبلِّغها للناس. النبي كامل عقيدةً وشريعة، تصوُّرًا ونظامًا؛ فكماله أشمل، في حين أن الولي كامل روحيًّا فقط، ولكنه ليس قائدًا وزعيمًا ومؤسِّس دولة كما هو الحال عند النبي. إن موضوع التفضيل لا يتعدى كونه سلاحًا سياسيًّا من أجل الصراع على السلطة، وإن تفضيل القادة إنما يعبِّر في حقيقة الأمر عن أحقيةِ مجتمعِ كلٍّ منهم في السلطة بقاءً أو انقلابًا، طاعة أو خروجًا.٢٣

(د) سيرة النبي

وتبلغ ذروة تحويل النبوة إلى شخص وليس إلى رسالة، في تحويل سيرة النبي من علم السيرة إلى علم أصول الدين، وتُصبِح أحد قواعد العقائد في موضوع النبوة؛ ففي سيرة النبي يتحول الرسول من رسالة إلى شخص وسيرة ذاتية؛ نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه، وأولاده ذكورًا وإناثًا كجزء من العقائد. وهي معلومات تاريخية خالصة حول شخص الرسول لا دلالة لها، بل وتُعارِض جوهر الرسالة بأنها ليست وراثة من أب أو جد، ولا توريثًا لابن أو حفيد. تحوَّلت الرسالة إلى شخص النبي، وتم الخلط بين الرسالة والرسول. ويسود الخلط حتى الآن، يحفظه الصِّبية في الكتاتيب، وتغنَّى في التواشيح في أجهزة الأعلام، وتُنشَد في الموالد، وتُعطى في المصحات والمستوصفات كأسماء للمواليد الجدُد، تبرُّكًا وتيمنًا، كما يدخل في الاعتقاد أسماء الأمكنة، مثل مكة والمدينة، وأزمنة مولده ووفاته، وقد تكون القدس وفلسطين أقرب إلى قلب المسلم وروحه ووجدانه وأدخل في العقائد؛ فالضائع أكثر حضورًا في الذهن من الموجود. وما أهمية معرفة أولاده وترتيبهم وأحفاده؟ وهل هذا الترتيب زمانيًّا حسب تاريخ الولادة، أم شرفيًّا حسب الشرف وكما يقتضيه الصراع السياسي والأحقية في الإمامة؟ وهل ترتيب الزواج حسب الزمان، أم حسب الفضل، أم حسب درجة قربهن إلى الرسول؟ ويُستعمَل ذلك اليوم لإضفاء الشرعية على كل حاكم بنسبة نفسه إلى بني هاشم، وأمنيته أن يكون أميرًا للمؤمنين وخليفة لهم، حتى ولو كان سفاحًا قاتلًا، أو فاسقًا عاصيًا، أو ناهبًا لثروات الأمة وقاهرًا لعلمائها. إن ذلك جزء من علوم السيرة، وليس جزءًا من علم أصول الدين، فمكانه هناك أليق. وما الفائدة من وضع أزواجه كجزء من العقائد دون أصحابه، وقد كان دور أصحابه في الرسالة أكبر بكثير من دور أزواجه؟ ولقد قام القرآن بتقريع بعضهن، والتخفيف على النبي مما أصاب النبي بسببهن، بل لقد حاربت إحداهن خيرة الصحابة وسالت دماء المسلمين، بل لقد وُضِع أيضًا أعمامه وعماته. ولماذا لا تستمر القائمة في وضع أخواله وخالاته، وأبناء وبنات العمومة وأبناء وبنات الأخوال؟ بل ووُضِعت أيضًا مرضعته! لقد دخل هذا الجزء في العقائد المتأخِّرة بعد أن تشخَّصت النبوة، واختفت كرسالة في أوضاع سياسية تتشخص فيها المجتمعات والأمم في أشخاص الزعماء والساسة، وتُسمَّى الدول بأسماء سلاطينها، وكلهم إلى رسول الله مُنتسِب! ولولا بقايا من حياء لوضع كلٌّ منهم كجزء من التعليم الوطني شجرة النَّسب، وهو ما يُعارِض روح الإسلام وأقوال الرسول ذاته في طلبه للناس أن يأتوه بأعمالهم ولا يأتوه بأنسابهم. وقد تكون ذلك آثار جاهلية وانتصارًا لنعرات بعض القبائل دون البعض الآخر؛ ولذلك نمطٌ سابق في تاريخ الأديان في مقدمات الإنجيل، في إرجاع نسب المسيح إلى داود أولًا، ثم إلى آدم ثانيًا؛ لإثبات نسله من تاريخ الملوك والأنبياء، وفي بعض الأنساب تُوضَع أسماء الأنبياء مثل إلياس وخضر، ولولا صعوبة النقل إلى آدم لاكتملت شجرة النسب!٢٤

(٢) النبوة كرسالة

إن ما يهم في النبوة ليس محورها الرأسي؛ نظرية الاتصال وكيفيته وطرقه؛ فهذا أدخل في علوم الحكمة، بل محورها الأفقي؛ أي تبليغ الرسالة للناس من المُرسِل عبر المُرسَل إليه إلى المُرسَل إليهم، وهو الأدخل في علم الأصول. فالنبوة وسيلة لتبليغ الوحي، وتبدأ صِلتنا بالوحي بمجرد إعلانه وتبليغه. أما قبل ذلك فليس لدينا وسيلة للتعرف على كيفيتها. وقد دخل المُرسِل إليه، وهو الله، من قبل في التوحيد، في نظرية الذات والصفات. والحديث عن وسيلة الاتصال، مثل الملائكة والجن والشياطين، كل ذلك لا دخل له في الوحي الذي يبدأ تبليغ الرسول به للناس، وحمل الناس الأمانة، وتحقيقها في التاريخ. إن المُرسَل إليه ليس فقط هو النبي، بل إن النبي هو مجرد وسيلة إلى المُرسَل إليهم وهم الناس، والتوقف على الرسول تشخيص للنبوة وإيقاف للتبليغ وقطع للرسالة وكتمان لها. أشخاص الأنبياء لا تكون جزءًا من الوحي؛ فالأنبياء مجرد وسائل للتبليغ، وتبقى الرسالات بعد انقضاء الأنبياء، وتبقى الرسالات تترى حتى اكتمال الوحي، واندراجها جميعًا في آخر مرحلة.٢٥ كما أن إثبات النبوة عن طريق إثبات الصانع وقدرته لا تؤدي إلى شيء؛ لأنه لا يُمكِن نفي الصانع وإثبات النبوة؛ فالنبوة أساسًا رسالة، والذي يهم هو مضمونها وليس مصدرها. لا تنشأ بقرار من سلطة مُطلَقة، ولا تعني وجود معلِّم لم يتعلم، بل تعني نداء الواقع للفكر، وطلب رسالة أثر وقوع أزمة في التطور الإنساني، والتعثر في ارتقاء الوعي البشري.٢٦
فإذا لم تكن النبوة شخص الرسول، فهل هي صفة فيه أم صفة خاصة بالرسالة التي يحملها؟ وإن كانت صفة فيه فهل هي فطرية أم مُكتسَبة؟ والحقيقة أن النبوة ليست صفة في شخص الرسول؛ فذلك أيضًا تشخيص للنبوة في صفات النبي، بل هي صفة للرسالة التي يحملها؛ تواتُرها، ومضمونها، وتحقيقها. فلا تتوقف النبوة عند النبي، بل تستمر في الرسالة إلى نهاية الزمان، طالما أن هناك مكلَّفًا قادرًا على الفعل والتمييز. وعلى افتراض أنها صفة للنبي فهي صفة لا فطرية ولا مُكتسَبة، أو هي فطرية ومُكتسَبة في آنٍ واحد؛ فالنبوة ليست مجرد اختيار أمر بالتبليغ، بل صفة حالَّة في النبي؛ فهي في هذه الناحية فطرية وليست مُكتسَبة، من الداخل أكثر من الخارج؛ ومن ثَم فلا احتياج إلى أمر خارجي، بل إلى ظروف الاضطهاد والظلم التي تفجِّر طاقات النبي الدفينة. تعني فطرية عند القدماء أنها هبة من الله، وهذا أيضًا عودٌ إلى المحور الرأسي في النبوة، وإلى إرجاع النبوة إلى المُرسِل وليس إلى المُرسَل إليهم ثم إلى الرسالة. النبوة فطرية لأنها تمثِّل استعدادات خاصة في النبي، وفي نفس الوقت مُكتسَبة لأنها تنشأ في ظروف القهر والاضطهاد، ويأتي النبي محرِّرًا للأمة من التسلط والطغيان.٢٧ وإذا كان النبي هو قائد الجماعة، وهو المؤهَّل بصفاته لمهمة القيادة، فهل تكون النبوة جزاءً؟ وإذا نجح في رسالته وحقَّق غايته وانتصرت الجماعة، فهل عليها ثواب؟ النبوة ليست جزاءً بل اختيار لأفضل القوم زعيمًا لهم؛ لصفاته وقدراته وأهليته. وكيف تكون جزاءً ولم تتم بعد؟ وعلى أي شيء يكون الجزاء ما لم تتحقق؟ الجزاء، ثوابًا وعقابًا، لكل فعل، والنبوة باعتبارها فعلًا يكون لها الجزاء بهذا المعنى، ولا تكون في الأصل ابتداءً؛ لأن الاختيار يكون بناءً على الأهلية والقدرة، وإلا كان الاختيار عشوائيًّا بلا سبب،٢٨ ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة ما دامت النبوة مركِّزة على الرسالة وليس على الشخص؛ وبالتالي لا يهم جنس مبلِّغ الرسالة، ذكرًا كان أم أنثى، فالشخص ما هو إلا وسيلة للتبليغ، ولكن الواقع من تاريخ الأديان أن الأنبياء الذكور هم الغالب على الأنبياء الإناث، على مدى تاريخ النبوة، وفي كل مراحل الوحي؛ نظرًا لما تتطلب النبوة من مهام الحرب وفنون القتال، ومن واقع التاريخ البشري وإحصاء قادة الحرب فإن الغالبية كانت من الذكور.٢٩
وقد تحوَّلت الصفات في العقائد المتأخرة في إطار نظرية الوجوب والجواز والاستحالة؛ ما يجب للرسول وما يمتنع عليه وما يجوز له من صفات، وكانت النتيجة أربع صفات للوجوب، وأربعة أضدادها في الاستحالة، وصفة واحدة في الجواز؛ وبالتالي يجب على المسلم كما آمن بواحد وأربعين عقيدة في الله أن يُؤمِن بتسع عقائد في الرسول. ولما كانت الصفات الأربعة الثانية فيما يستحيل على الرسول مضادة للصفات الأربع الأولى، فيما يجب للرسول، أمكن وضعها في أربع صفات واحدة إثباتًا ونفيًا، إيجابًا وسلبًا، فالاستحالة هي قلب للوجوب؛ الأولى يجب عليه الصدق ويستحيل عليه الكذب، فالصدق أول شرط للتبليغ؛ والثانية تجب عليه الأمانة وتستحيل عليه الخيانة، والأمانة في التبليغ مثل الصدق فيه؛ والثالثة يجب عليه التبليغ ويستحيل عليه الكتمان، والتبليغ هو الإعلان، وهو الغاية الرئيسية من النبوة، ووظيفتها الأولى؛ والرابعة تجب عليه الفطانة ويستحيل عليه التهور أو البلادة؛ لذلك نجحوا في قيادة الأمم وفي تأسيس الدول. وتجوز عليهم الأعراض البشرية من موت وفناء ومرض وعجز وشيخوخة وطعام وشراب وجماع ونوم؛ فالنبي ليس إلهًا، ولا خالدًا، ولا يصعد إلى السماء، ولا يسير على الماء، بل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.٣٠

وإذا كان الرسول قدوة في السلوك وأسوة حسنة للناس، فقد رسب في وعينا القومي أضداد الصفات أكثر من استقرار الصفات ذاتها؛ فتوارى الصدق وراء التهور أو البلادة، وجعلنا الأعراض البشرية مستحيلة، ورفعنا الزعماء إلى مصاف الآلهة، فلا تموت ولا تمرض، وأضفينا عليها صفات الوجوب، وقدَّسناها عن صفات الاستحالة.

وبالرغم من محاولة بعض الحركات الإصلاحية الأخيرة تحويل صفات النبي الأربع إلى خصائص للرسالة العامة، فالتبليغ أساسًا هو إبلاغ الناس الخبر وإيصال الرسالة؛ وبالتالي القضاء على تشخيص النبوة، التي قد تكون هي الجذر التاريخي لتشخيص السياسة والمبادئ والرسالات في أشخاص الرؤساء، سرعان ما تحوَّلَت من جديد تحت أثر علوم السيرة إلى نبوة مشخَّصة، بل وامتدت الخصال الأربع وتكاثرت وأصبحت بالعشرات، وتحوَّلت من صفات محدَّدة خاصة بتبليغ الرسالة إلى صفات بدنية وجسمية ومزاجية خاصة، مثل حسن صورته وبياض وجهه المشوب بالحمرة ونور عقله وذكاء لبه وحكمه وعفوه وصبره وجوده وسخائه وسماحته وشجاعته ونجدته، ثم تمتد الصفات الفردية إلى الصفات الاجتماعية، مثل حسن عشرته وأدبه ورحمته ووفائه وتواضعه وعدله وعفته وزهده ووقاره وصحته وهيبته، والاعتقاد بنجاة أبوَيه نظرًا لنجاة أهل الفترة كلها، هكذا بلا أعمال أو استحقاق، أو بعد إحيائهما من جديد وإيمانهما به، وكأن الله مسيحٌ آخر يبعث الموتى من القبور قبل يوم الدين، وهو ما يظهر في المدائح النبوية والتواشيح الدينية التي تُسمَع في الموالد والأعياد، كما تُسمَع الأغاني في مدح صفات الزعماء.٣١
١  خبر المعراج ومَن رده فهو مُبتدِع ضالٌّ (الفقه، ص١٠٠-١٠١). حديث المعراج (الإبانة، ص١١؛ مقالات، ج١، ص٣٢٣). من أنكره فهو كافر، ويُحال إلى مصنَّف «المنهاج العُلوي في المعراج النبوي»، الإسراء في جملة العقائد التي يجب الإيمان بها (الحصون، ص١١٤-١١٥؛ الكتاب، ص١٣؛ الدردير، ص٧٢-٧٣؛ شرح الخريدة، ص٥٨). وقد قيل في العقائد المتأخِّرة شعرًا:
وقبل هجرة النبي الإسرا
من مكةٍ ليلًا لقدسٍ يُدرى
وبعد إسراء عروجٌ للسما
قد رأى النبي ربا كَلَّما
من غير كيف وانحصار وافترض
عليه خمسًا بعد خمسين فرض
وبلَّغ الأمة بالأسرار
وفرض خمسة بلا أضرار
قد فاز صدِّيق بتصديق له
وبالعروج الصدق وافى أهله
(العقيدة، ص٣٧–٤٢)
٢  نزول جبريل وميكائيل وغيرهما في بيت أم هانئ، فاحتملاه حتى جاءوا به المسجد، وشق صدر قلبه ولم يتألم، وغسله جبريل وملأه علمًا وحكمًا. وركب البراق، وسار إلى المسجد الأقصى، ورأى عجائب في طريقه، وصلى إمامًا في بيت المقدس بالأنبياء والرسل والملائكة … على معراج مِرقاة من ذهب ومرقاة من فضة، وعن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة، وعند باب كل سماء يُخبِر جبريل بسيدنا محمد ملائكةَ الباب، فيرحِّبون ويعظِّمون، فيظهر فضله، فيُسَر قلبه، فيزداد شكرًا لربه … ملك والاستقبال سلطاني (العقباوي، ص٧٢-٧٣). وهناك صيغة أخرى تصف السماء بالياقوت الأحمر والأخرى من الزبرجد الأصفر، وإحدى درجاته من الفضة وأخرى من الذهب مكلَّلة بالدر والياقوت (الإسفراييني، ص١٣٨-١٣٩؛ الجوهرة، ص١٣). السموات السبع، سدرة المنتهى، على البراق جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره (التوحيدية، ص٣).
٣  يعتمد هذا التفسير الروحاني للإسراء والمعراج على قول عائشة: «ما فُقِد جسد محمد ليلة المعراج.» أما إذا كان المعراج بمكة قبل أن تُولَد عائشة فذلك لا يطعن في قولها، فلربما سمعته من الرسول (شرح الفقه، ص١٠٠-١٠١؛ النسفية، ص١٣٨؛ الخيالي، ص١٣٨). الصحيح أن الرسول رأى بفؤاده لا بعينه. الإسراء من المسجد الحرام إلى بيت المقدس قطعيٌّ ثبت بالكتاب، والمعراج من الأرض إلى السماء مشهور، ومن السماء إلى الجنة أو العرش أو غير ذلك آحاد (التفتازاني، ص١٣٨-١٣٩). وعند المعتزلة المعراجُ لم يكن؛ لأنه جاء في أخبار الآحاد، وخبر الواحد يجب العمل به ولا يُوجِب الاعتقاد، ولا يُنكِر المعتزلة الإسراء؛ لأنه ورد بالنص: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى … والإسراء بالليل. أما المعراج فلا يثبت إلا بدليل قطعي، ولم يثبت إلا برواية أم هانئ: «كنت نائمًا وقلبي يقظان»، و«سبحان الله، سبحان الله، رأيت بفؤادي وما رأيت بعيني.» وهو ما يصدِّقه قول القرآن: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، وقد نفت ذلك المعتزلة والخوارج استنادًا إلى آية: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (البحر، ص٦١–٦٣)، كما أنكرته الجهمية (التنبيه، ص٩٩).
٤  الجامع، ص٢٠-٢١.
٥  لم يذكر القرآن الإسراء إلا مرة واحدة في آية واحدة في سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١٧: ١). أما المعراج فقد ذُكِر ٧ مرات؛ ٥ منها فعل إما للملائكة: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ (٧٠: ٤) في سورة المعارج، أو للبشر جميعًا: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٣٢: ٥) يوم القيامة، أو كل شيء يذهب إلى السماء يعلمه الله: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا (٢٤: ٢)، (٥٧: ٤)، أو للكفار تهكُّمًا: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٥: ١٤). أما الاسم ففي صيغة الجمع «معارج» مرة للكافرين تهكمًا: لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٤٣: ٣٣)، ومرة بمعنى طرق إلى الله في سياق الكفار كذلك: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِج (٧٠: ١–٣)، فكيف يوصف الرسول بذلك؟ وهل يصدَّق بشيء لا أصل له في القرآن؟ أما الآيات الأخرى التي يجذبها الصوفية نحو المعراج، فمثل: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٥٠: ٢٢)، وهي تعني بوجه عام الصواب في الإدراك في مقابل أولها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا، والثانية: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (٥٣: ٥–١٨).
٦  عند جميع أهل الإسلام، أهل السنة، والمعتزلة (النجارية)، والخوارج، والشيعة ومعهم ابن مجاهد، والأشعري شيخ ابن فورك والباقلاني، وأيضًا ابن حزم؛ لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة، ولكن قد يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، وفي هذه الحالة يعصمهم، مثل حالة زينب وطلاقها من زيد، وقصة ابن مكتوم في سورة «عبس وتولى»، وسلامه من اثنتَين، وقيامه من اثنَين في الصلاة (الفصل، ج٣، ص٢٩-٣٠). عند أهل السنة الأنبياءُ محفوظون عن جميع المعاصي (المسائل، ص٣٨٠). الإجماع على عصمتهم مع جواز السهو والنسيان (المواقف، ص٣٥٦). وقد قيل شعرًا:
وعصمةً أوجِب لكل الأنبيا
وللملائكة لا للأوليا
(الوسيلة، ص٧٣)
٧  يذكر أهل السنة حجة في النبوة كنظرية في الاتصال، وتسع حُجَج في النبوة كتبليغ رسالة؛ الأولى أن الله قرن بكل إنسان شيطانًا، وأن الله قد أعانه على شيطانه فأسلم، فلا يأمره إلا بخير! والتسع الأخرى: (١) لو صدر عنهم الذنب لحرم اتِّباعهم. (٢) لو أذنبوا لرُدَّت شهادتهم؛ فلا شهادة لفاسق. (٣) إن صدر عنهم وجب زجرهم؛ لعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (٤) لو صدر عنهم لكانوا أسوأ حالًا من العصاة. (٥) لو صدر عنهم لكانوا لا يألون عهد الله. (٦) لو صدر عنهم لكانوا غير مُخلِصين. (٧) لا يكونون أنبياءً لاتباعهم الشيطان. (٨) لو أذنبوا لكانوا من حزب الشيطان، وليس من حزب الله. (٩) وصف القرآن للأنبياء بأنهم يُسارِعون في الخيرات (الفصل، ج٣، ص٢٩-٣٠؛ المواقف، ص٣٥٩–٣٦١؛ المعالم، ص١٠٨-١٠٩؛ المحصل، ص١٥٩-١٦٠؛ شرح الفقه، ص٥٧).
٨  عند بعض أهل السنة العصمةُ ثابتة للأنبياء قبل النبوة وبعدها على الأصح (شرح الفقه، ص٥٥). وعند البعض الآخر أنهم معصومون بعد النبوة من الذنوب كلها. أما السهو والخطأ فليس من الذنوب ويجوز عليهم، وقد سهى النبي في الصلاة، وأجازوا عليهم الذنوب قبل النبوة، وتأوَّلوا ذلك (الأصول، ص١٦٧–١٦٩). عند الأشعري الأنبياءُ بعد النبوة معصومون من الكبائر والصغائر (الفِرَق، ص٢٢٢). قال أهل السنة بعصمة الأنبياء عن الذنوب، وتأوَّلوا ما رُوِي في زلاتهم أنها كانت قبل النبوة، على خلاف من أجاز عليهم الصغائر (الفِرَق، ص٣٤٣). لو كان النبي متعبَّدًا بشريعة قبل البعثة لم تجُز عليه المعصية، وإن لم يكن جازت (الفصل، ج٤، ص٥٥-٥٦).
٩  جوَّز أهل السنة على الأنبياء الخطأ والنسيان (الفصل، ج٤، ص٤٧، ص٥٤، ص٩٢؛ الطوالع، ص٢٠٩). والأمر كذلك عند بعض المعتزلة؛ فعند النظَّام ذنوبهم سهو وخطأ (الأصول، ص١٦٨). عند المعتزلة ذنوب الأنبياء خطأٌ من جهة التأويل والاجتهاد، دون قصد أو عمد. أخطأ آدم عن تأويلٍ فأكل من شجرة أخرى، وظن أن التحريم على شجرة بعينها، وليس على جنس الشجرة. ولا يجوز أن يعلم أنها معاصي في حال ارتكابها (مقالات، ج١، ص٢٧٢). وعند الأشعري تُبالِغ المعتزلة في عصمة الأنبياء من الذنوب؛ كبائرها وصغائرها، حتى منع الجبَّائي القصد إلى الذنب إلا عند تأويل (المِلَل، ج١، ص١٢٥).
١٠  أجمعت المعتزلة على أنه لا يجوز أن يبعث الله نبيًّا يكفر ويرتكب كبيرة، ولا يجوز أن يبعث نبيًّا كان كافرًا أو فاسقًا، وأن المعاصي لا تكون إلا صغارًا (مقالات، ج١، ص٢٧٢). وعند أبي هاشمٍ أخطأ آدم، ويجوز على الأنبياء الصغائر (الأصول، ص١٦٨). أما ابن فورك والأشعري فإنهما لا يجوِّزان عليهم الكبيرة وإن جازت الصغيرة (الفصل، ج٣، ص٢٩-٣٠). وعند مجموع الأشاعرة عصمة الأنبياء عن الكبائر (الإرشاد، ص٣٥٦-٣٥٧؛ شرح الفقه، ص٥٧، ص٩٧؛ الفقه، ص١٨٥). في أن الكبائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوة، في أن الكبائر وما يجري مَجراها لا تجوز عليه (المغني، ج١٥، ص٣٠٠–٣٠٤).
١١  عند الكرامية من المرجئة، والباقلاني من الأشعرية، واليهود والنصارى، يعصي الأنبياءُ اللهَ في جميع الكبائر والصغائر حاشا الكذب في التبليغ. والبعض يجوِّز الكذب في التبليغ. وفي كتاب صاحبه السمناني قاضي الموصل، أنه كان يقول إن كلَّ ذنبٍ دق أو جل فإنه جائز على الرسل، حاشا الكذب في التبليغ، وأجاز عليهم الكفر. وإذا نهى النبي عن شيء وفعله، فليس دليلًا على النسخ، بل قد يكون عصيانًا (الفصل، ج٣، ص٢٩-٣٠).
١٢  يذكر القدماء كثيرًا من المواقف التي أخطأ فيها الرسول، والتي أشار إليها القرآن صراحة، مثل: «تلك الغرانيق العُلى، منها الشفاعة لتُرتجى.» التي ألقى بها الشيطان، مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى، عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، عَبَسَ وَتَوَلَّى، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ …، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ …، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا …، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ …. ومعظم الآيات الموجَّهة إلى الرسول التي تبدأ بالاستفهام أو الاستنكار، ومن الوقائع حادثة زينب وزيد (المواقف، ص٣٥٦، ص٣٦٤–٣٦٦؛ التحقيق، ص١٦٧-١٦٨؛ الفصل، ج٣، ص٤٦–٤٩؛ المحصل، ص١٥١).
١٣  يتضح ذلك في أقوال الخوارج والشيعة خاصةً، باعتبارهما أكبر فرقتَين للمعارضة الجذرية العلنية والسرية في الخارج والداخل؛ فقد جوَّزت الأزارقة الخوارج أن يبعث الله نبيًّا يعلم أنه يكفر بعد موته، أو كان كافرًا قبل البعثة (المِلَل، ج٢، ص٣٣-٣٤). وجوَّز الأزارقة عليه الذنب والذنب كفر (المواقف، ص٣٥٨-٣٥٩). أما الشيعة فيجوِّزون الكفر؛ إظهارًا للتقية، وإخفاءً للدعوة (المواقف، ص٣٥٩؛ الطوالع، ص٢٠٩؛ المحصل، ص١٥٩-١٦٠). وجوَّز الفضيلية جواز بعثة مَن يعلم أنه يكفر (المحصل، ص٢٦٠-٢٦١). وعند هشام بن الحكم إذا عصى النبي جاءه الوحي، والإمام يتلقى وحيًا؛ لذلك كان معصومًا؛ وبالتالي جازت المعصية على الأنبياء (الفِرَق، ص٦٨)؛ فهشامٌ يشترط العصمة في الإمام، ويُجيز الخطأ على النبي؛ فقد أخذ النبي الفداء من أسارى بدر والله غفر له (الأصول، ص١٦٧)، بل وجائز أن يتعمد النبي الخطأ وهو يرتكبه؛ لأنها صفاته (مقالات، ج١، ص٢٧٢). أجاز الهشامية من الروافض على الأنبياء الذنوب، مع قولهم بعصمة الإمام من الذنوب (الفِرَق، ص٣٤٣). كما أجازت الكرامية الذنوب من الأنبياء؛ ما لا يُوجِب حدًّا ولا تفسيقًا، وفيهم من يجوِّز الخطأ في التبليغ؛ «ومناة الثالثة الأخرى … تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتها لترتجى.» ذلك من إلقاء الشيطان، وظنه المشركون من قراءته (الأصول، ص١٦٨). ورفض ابن حزم لذلك (الفصل، ج٤، ص٥٤-٥٥؛ الفِرَق، ص٢٢٢؛ الفقه، ص١٨٥). عند الكرامية كلُّ ذنبٍ أسقط العدالة وأوجب حدًّا فهم معصومون فيه، وغير معصومين فيما دون ذلك (الفِرَق، ص٢٢١-٢٢٢؛ الأصول، ج٥، ص٦٧-٦٨). وجوَّز الفضيلية بعثةَ مَن يعلم أنه يكفر، ويرى الحشوية أن الرسول كان كافرًا قبل البعثة (المحصل، ص١٦٠-١٦١).
١٤  يسترسل القدماء في سرد أخطاء آدم ونوح وإبراهيم ولوط ويوسف وإخوته وموسى وسليمان وداود ويونس (ذا النون) وينتهون إلى محمد. فالنافي للعصمة يذكر الأخطاء، والمُثبِت لها يئوِّلها كما يفعل الجبَّائي (الفصل، ج٣، ص٣٠–٥٩؛ المواقف، ص٣٦١–٣٦٦؛ التحقيق، ص١٦٥–١٦٧؛ مقالات، ج١، ص٢٧٢).
١٥  وأما الملائكة فبَراء، قال الرسول خُلِقت الملائكة من نور، وخُلِق الجان من مارج من نار، وخلق آدم من آصف (الفصل، ج٣، ص٢٩-٣٠). في عصمة الملائكة حكاية الله عنهم بالطاعة، عصيان إبليس والطرد (المواقف، ص٣٦٦-٣٦٧). وقد قيل في ذلك شعرًا:
وعصمةً أوجِب لكل الأنبيا
وللملائكة لا للأوليا
(الوسيلة، ص٧٣)
عصمتهم كسائر الملائكة
واجبة وفاضلوا الملائكة
(العقيدة، ص١١-١٢)
واختلف المسلمون في عصمة الملائكة، ولا مانع في أحد الجانبَين، ولكلٍّ حُجَجه، وهي كلها عموميات تُفيد الظن، ولا عبرة للظنيات في مجال الاعتقادات. وحجة النافية للعصمة عصيان إبليس وقد كان من الملائكة، ورفضه السجود لآدم، وقيل إنه لم يكن كذلك، بل كان من الجن، وكذلك اعترافهم واستدراكهم لفعل الله جوابًا على: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وقيل إن الغرض هو الاستفسار عن الحكمة (الدر، ص١٥٦-١٥٧). هو من الملائكة أم لا بين مُثبِت ونافٍ (مقالات، ج٢، ص١١٤). قال أكثر الأصحاب مع البهشمية والأصمية من المعتزلة إن إبليس كان من الجن، فالملائكة مخلوقون من نور، وليس من نار. وقال الجاحظ إنه من الملائكة؛ لأن الله استثناه منهم. واختلف فيه الفقهاء طبقًا لاختلاف النحويين في الاستثناء؛ هل يجوز أن يكون من نفس النوع أم لا؟ (الأصول، ص٢٩٦-٢٩٧؛ التفتازاني، ص١٣٧؛ الخيالي، ص١٣٧-١٣٨؛ الدواني، ج٢، ص٢٢٦؛ الكلنبوي، ج٢، ص٢٢٦؛ المطيعي، ص٦٠؛ الحصون، ص٨٢). وعند ابن حزم أن إبليس من الجن، والجن متعبَّدون بملة الإسلام، وأن الروث والعظام طعامهم، قد يخصهم الله بأوامر غير أوامرنا (الفصل، ج٣، ص٥٨-٥٩؛ ج٥، ص٤٨). وعند طوائف من المرجئة أن إبليس لم يسأل الله النظِرة، وكذلك الحال عند الأشاعرة (الفصل، ج٢، ص١٠٨؛ ج٥، ص٤٨). وكان بشار بن برد يصوِّب إبليس في تفضيل النار على الأرض بقوله:
الأرض مُظلِمة، والنار مُشرِقة
والنار معبودة مذ كانت النار
(الفِرَق، ص٥٤-٥٥)
أما هاروت وماروت فهما ليسا ملَكَين، شرِبا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا النفس، وزنَيا، وعلَّما زانيةً اسم الله الأعظم، فطارت به إلى السماء، فمسخت كوكبًا وهي الزهرة، وأنهما عُذِّبا في غار بابل، وأنهما يعلِّمان الناس السحر، وهي رواية موضوعة، وضد وصف الملائكة في القرآن، فصح أنها خرافة موضوعة (الفصل، ج٣، ص٥٦–٥٨). ولكنها قصة مقبولة كرواية عند باقي أهل السنة (التفتازاني، ص١٣٧-١٣٨؛ الدواني، ج٢، ص٢٢٦–٢٢٨؛ العقباوي، ص٥٠-٥١؛ المطيعي، ص٦٠). ولعلها من الإسرائيليات (الحصون، ص٨٢–٨٤). وأما العصمة نفيًا وإثباتًا فأدلتها مُتعارِضة ظنية لا تُفيد العلم واليقين (الخيالي، ص١٣٧). ذُكِر لفظ إبليس في القرآن ١١ مرة؛ منها ٩ مرات في معاني الحرية والرفض، ومرة واحدة للغواية، ومرة لنتيجتها. أما هاروت وماروت فذُكِرا مرة واحدة (٢: ١٠٢)، ولا تستحق كل هذا التفصيل، كما هو الحال في العقائد المتأخِّرة.
١٦  هذا هو موقف المعتزلة بوجه عام؛ فعندهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء (مقالات، ج١، ص٢٧٢). وهو أيضًا موقف الحسين بن الفضل العجلي وموقف الروافض (مقالات، ج٢، ص١١٢). أما الحُجَج النقلية التي يعتمدون عليها، فمثل: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، وذلك في مَعرِض التواضع، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وفي آيات أخرى كثيرة تظهر الملائكة كمعلِّمين للأنبياء: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ولما كانت الملائكة رسل الله إلى الأنبياء فهم أقرب إلى الله، كما يتم تقديم ذِكر الملائكة على الأنبياء بعد الله مباشرة وقبل الأنبياء في عدد من الآيات (الأصول، ص٢٩٥-٢٩٦؛ الطوالع، ص٢١٢). أما الحُجَج العقلية فمعظمها نظريات الفلاسفة عن الجواهر المفارقة، وأفضليتها على الجواهر المادية، مثل: الملائكة أرواح مجردة، الروحانيات متعلِّقة بالهياكل العلوية والنفوس الإنسانية بالهياكل السفلية، الروحانيات مبرَّأة عن الشهوة والغضب مبدأ الشرور كلها، الروحانيات نورانية لطيفة والجسمانيات مركَّبة من المادة والصورة ظلمانية مانعة، وهي قوية على الأفعال الشاقة، وهي عالمة لإحاطتها بالمجردات، واختياراتها موجَّهة إلى الخيرات في حين أن الأرواح الفلكية مُستقِرة في العالم (المواقف، ص٣٦٧–٣٧٠؛ الفِرَق، ص٣٤٣؛ الأصول، ص١٦٦، ص٢٩٥-٢٩٦؛ الفصل، ج٥، ص٩٠؛ المسائل، ص٣٨٠-٣٨١؛ المحصل، ص١٦١–١٦٣). وهو أيضًا موقف القاضي وعبد الله الحليمي، وهو موقف «أهل الحق» أيضًا؛ فالملائكة أفضل من كل الخلق (الفصل، ج٥، ص٩١–٩٥؛ المعالم، ص١٠٦–١٠٨).
١٧  عند بعض المعتزلة الملائكةُ الذين لا يعصون ربهم أفضل من الأنبياء، والملائكة أفضل من جميع الناس (الأصول، ص١٦٦-١٦٧؛ النسفية، ص١٥٢).
١٨  هذا هو موقف أصحاب الحديث؛ الأنبياء أفضل من الملائكة (مقالات، ج٢، ص١١٢؛ الطوالع، ص٢١٢؛ النسفية، ص١٥٢). وهو أيضًا موقف بعض المعتزلة، فهاروت وماروت كانا عجلَين من بابل. هل زبانية النار أفضل من الأنبياء؟ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (الأصول، ص١٦٦-١٦٧). وعند بعض المعتزلة الأنبياء أفضل من الملائكة الذين عصوا ربهم، كهاروت وماروت وإبليس (الأصول، ص٢٩٥-٢٩٦). وهو أيضًا موقف الشيعة، وهم أفضل من الملائكة السفلية، إنما النزاع في الملائكة العُلوية، وبعض الحُجَج، مثل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، والذي يعلم أفضل من الذي لا يعلم، للبشر عوائق عن العبادة من شهوة وغضب، الإنسان مركَّب بين الملَك والبهيمة؛ له عقل الملاك وجسد البهيمة (الطوالع، ص٢١٢). وقيل أولو العزم ثم بقية الرسل ثم بقية الأنبياء ثم الملائكة (الكفاية، ص٧٠).
١٩  عند البعض ترتيب الأفضلية من جبريل ثم ميكائيل ثم بقية رؤساء الملائكة … (الحصون، ص٧٩).
٢٠  عند أهل السنة محمدٌ أفضل الأنبياء، دون القول بأن أحد الأنبياء أفضل من الملائكة جميعًا (الفِرَق، ص٣٤٣؛ الأصول، ص١٦٦، ص٢٩٥-٢٩٦؛ الفصل، ج٥، ص٩٠؛ المسائل، ص٣٨٠-٣٨١؛ المحصل، ص١٦١–١٦٣). وقد قيل شعرًا:
والأنبيا يتلونه في الفضل
وبعدهم ملائكة ذي الفضل
(الجوهرة، ص١٢)
وأيضًا:
وأفضل الخليقة الرسول
يليه في الفضيلة الخليل
(الوسيلة، ص٧٣)
وعند الكرامية من المرجئة، والباقلاني من الأشعرية، واليهود والنصارى، جاز أن يكون في أمة محمد مَن هو أفضل من محمد من بعثته إلى أن مات (الفضل، ج٣، ص٢٩؛ ج٥، ص٦٨).
٢١  جبريل ميكائيل، ثم بقية رؤساء الملائكة، ثم عوام البشر، ثم الأولياء، أبو بكر وعمر، ثم الصحابي فالتابعي، وهناك تفاضُل بين الخلفاء؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وتفاضُل في القرون؛ «أفضل القرون قرني» (الحصون، ص٧٩). وقد قيل شعرًا:
وأفضل الخلق على الإطلاق
نبينا فمِلْ عن الشقاق
(الجوهرة، ص١٢)
ومَن صحِب الرسول من الجن له من الفضل ما لسائر الصحابة (الفصل، ج٥، ص٩١). انظر الباب الخامس: التاريخ المتعين، الفصل الثاني عشر: الإمامة، وأيضًا الخاتمة، من الفرقة العقائدية إلى الوحدة الوطنية.
٢٢  عند الروافض الأئمةُ أفضل من الأنبياء (مقالات، ج٢، ص١١٢). ولا أحد أفضل من الأئمة (مقالات، ج١، ص١١٥). زعم بعض الغلاة أن الإمام أفضل من النبي (الأصول، ص١٦٧). وعند هشام بن الحكم لما اشترط العصمة في الإمام وجوَّز الخطأ على النبي، كان ذلك تفضيلًا للإمام على الرسول (الأصول، ص١٦٧). وعند الإمامية الأئمةُ أفضل من الملائكة، وزعمت الغلاة (البزيغية الخطابية) في أنفسهم أنهم أفضل من الملائكة (الأصول، ص٢٩٥). وجوَّز بعض الروافض أن يكون الأئمة أفضل من الملائكة (مقالات، ج١، ص١١٢، ص١١٥). ومن البزيغية الخطابية مَن زعم أنه أفضل من الأئمة، ولا يكون الأئمة أفضل من الأنبياء (مقالات، ج١، ص١١٥). وهو أيضًا رأي القائلين بالاعتزال والإمامة، وعند أهل الحق إن كان كل نبي أفضل من جميع الملائكة فتفضيلهم على من دونهم أولى (الأصول، ص١٦٧). وعند فريق ثالث من غلاة الروافض الأنبياءُ والأئمة متساوون في الدرجات، ولكلٍّ منهم في دوره الفضل ما للآخر في دوره (الأصول، ص١٦٤).
٢٣  عند الكرامية في الأولياء مَن هو أفضل من الأنبياء، وأن ابن كرام كان أفضل من عبد الله بن مسعود ومن كثير من الصحابة (الأصول، ص١٦٧، ص٢٩٨). في الأولياء من هو أفضل من بعض الأنبياء (الأصول، ص٢٩٨). يكون في هذه الأمة من هو أفضل من عيسى. وعند الباقلاني (رواية ابن حزم) جائزٌ أن يكون في هذه الأمة من هو أفضل من الرسول من حيث بُعِث إلى أن مات. وعند الجبائي (أيضًا على لسان ابن حزم) أنه لو طال عمر إنسان من المسلمين ومن الأعمال الصالحة لَأمكن أن يُوازي عمل النبي (الفصل، ج٥، ص٩٠؛ الفِرَق، ص٣٤٣؛ شرح الفقه، ص١١٠-١١١). وتقول طائفة من الصوفية إنه في أولياء الله مَن هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل (الفصل، ج٥، ص٦٩؛ ج٤، ص٥١-٥٢؛ شرح الفقه، ص١١٠-١١١). أما الفريق الثاني وهم أهل السنة فعندهم أن الأنبياء أفضل من الأولياء، لا يبلغ الولي درجة الأنبياء (النسفية، ص١٤٧). ويدل على ذلك العقل والنقل، مثل قول النبي في أبي بكر: والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين أفضل من أبي بكر. وما دام الولي هو الكامل في ذاته فقط فالنبي كامل ومكمِّل (المعالم، ص١٠٥-١٠٦). ولأن الأنبياء معصومون، ومكرَّمون بالوحي حتى في المنام بمشاهدة الملائكة، ومأمورون بتبليغ الأحكام، والاتصاف بكمالات الأولياء (شرح الفقه، ص١١٠-١١١).
٢٤  وما يجب اعتقاده أنه وُلِد في مكة وتُوفِّي في المدينة، ويجب على الآباء أن يعلِّموا أولادهم ذلك، ويجب أن يُعرَف نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه، ويجب أن يعرف كل شخص عدد أولاده وترتيبهم وساداتهم وهم سادات الأمة على الوجوب. أولاده سبعة؛ ثلاثة ذكور وأربع إناث. وترتيبهم في الولادة القاسم ثم زينب ثم رقية ثم فاطمة ثم أم كلثوم ثم عبد الله وهو الملقَّب بالطيِّب الطاهر، وكلهم من السيدة خديجة، والسابع إبراهيم من مارية القبطية (الكفاية، ص٧٢–٧٤). وما يجب الإيمان به معرفة نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه؛ من جهة أبيه، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي (بالهمز وتركِه) بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. والإجماع مُنعقِد على أن هذا النسب إلى عدنان وليس فيما بعدُ إلى آدم طريقٌ صحيحٌ يُنقَل. نسبه من جهة أمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وعبد مناف هذا غير عبد مناف جده، بن كلاب أحد أجداده، فيجتمع مع أمه في كلاب (الكفاية، ص٧٩–٨٢؛ الباجوري، ص١٢، ص١٥؛ الجامع، ص٢٠-٢١؛ الوسيلة، ص٧٠؛ الحصون، ص٧٨-٧٩). وشُفِع به مولده وأبوه وأمه ومُرضِعته ومولده ووفاته وعمره وأولاده السبعة ذكورًا وإناثًا. وأزواجه: عائشة، وحفصة، وسودة، وصفية، وميمونة، ورملة، وهند، وزينب، وجويرية، وخديجة، وعمه حمزة والعباس، وعمته صفية (العقيدة، ص٢٥–٣٦؛ الإنصاف، ص٦٣-٦٤). قاسم وطاهر وإبراهيم كانوا أبناء رسول الله، وفاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم هن جميعًا بنات رسول الله رضي الله عنهن (الفِرَق، ص٨٧؛ الكفاية، ص٧٠).
٢٥  الإنصاف، ص٦٣-٦٤.
٢٦  يستعمل ابن حزم هذا البرهان لإثبات النبوة (الفصل، ج١، ص٥٧، ص٦١-٦٢).
٢٧  عند الكرامية النبوةُ والرسالة صفتان حالَّتان في النبي والرسول، سوى الوحي إليه والمعجزات وعصمته. ومن كانت فيه هذه الصفة وجب على الله إرساله. الرسول من قامت به هذه الصفة، والمرسل هو المأمور بأداء الرسالة (الفِرَق، ص٢٤١؛ الأصول، ص١٥٤)، ولكن عند أهل السنة النبوة ليست صفة (النهاية، ص٤٦١–٤٦٧). وبإجماع أهل السنة النبوة ليست مُكتسَبة، بل أمرٌ يخصُّه الرب (الحصون، ص٨٠). وقد قيل في ذلك شعرًا:
ولم تكن النبوة مكتسبة
ولو رقى في الخير أعلى عقبة
بل وذاك فضل الله يؤتيه لمن
يشاء جل الله واهب المِنَن
(الجوهرة، ص١٢)
إرسالهم تفضُّل ورحمة
للعالمين جل مولى النعمة
ثم النبوة هي الإيحاء
بشرعه عز لمن يشاء
كذاك مع تبليغهم الرسالة
فليس قطعًا صفة ذاتية
فامتنع للاكتساب بالرياضة
وغيرها فهو من الضلالة
(الوسيلة، ص٧٤)
٢٨  اختلفت المعتزلة؛ هل النبوة جزاء إلى فريقَين؛ الأول يُثبِتها كذلك والثاني ينفيها (مقالات، ج١، ص٢٧٢). وحدث نفس الاختلاف إجابة على سؤال هل هي ثواب أو ابتداء (مقالات، ج٢، ص٢٢٢). وعند هشام بن عمرو الفوطي، النبوة جزاء على عمل، وأنها باقية ما بقيت الدنيا (المِلَل، ج١، ص١١٠).
٢٩  نبوة النساء: هذا فصلٌ حدث فيه التنازع في قرطبة في زمان ابن حزم؛ أبطلَتها طائفة وأحالتها طائفة، وتوقَّفت ثالثة، ولا توجد حجة للمنع (الفصل، ج٥، ص٨٧–٨٩؛ الوسيلة، ص٨٠). وهناك في تاريخ الأديان كاهنات وساحرات ونبيات، مثل أستيروروث ومريم، ومن القواد جان دارك.
٣٠  في بيان الفَرق بين النبي وغيره فيما يجب أن يختص به من صفاته وأحواله وأفعاله، في امتناع جواز الكذب والكتمان على الأنبياء وما يتصل بذلك (المغني، ج١٥، ص٢٧٩–٢٨١). وقد قيل في ذلك شعرًا:
أرسل أنبيا ذوي فطانة
بالصدق والتبليغ والأمانة
وجائز في حقهم من عرض
بغير نقص كخفيف المرض
(العقيدة، ص١١-١٢)
وأيضًا:
وواجب في حقهم الأمانة
وصدقهم وضِف لها الفطانة
وتدل ذا تبليغهم أتوا
ويستحيل ضدها كما روَوا
وجائز في حقهم كالأكل
والجماع في النسا في الحل
(الجوهرة، ص١٢)
وأيضًا:
ووصف جميع الرسل بالأمانة
والصدق والتبليغ والفطانة
ويستحيل ضدها عليهم
وجائز كالأكل في حقهم
(الخريدة، ص١٤، ص٤٧–٥١)
وأيضًا:
وواجب للرسل الكرام
الصدق والتبليغ للأنام
أمانة ومثلها فطانة
ويستحيل الضد خذ بيانه
الكذب والكتمان والخيانة
ورابع المُمتنِع البلادة
وجائز بهم وقوع العرض
بحيث لا يقدح مثل المرض
والأكل والقيام والجماع
فكن لهم حريص الاتِّباع
وحكمة الوقوع للمشقة
تكثِّر الأجور مع تحِقة
(الوسيلة، ص٤٧)
وأيضًا السنوسية، ص٢، ص٧-٨؛ التوحيدية، ص٣؛ الكفاية، ص٢٥، ص٧٤–٧٦؛ البيجوري، ص١٠-١١؛ الجامع، ص١٤–١٦، ص٢٢-٢٣، ص٢٦؛ الجوهرة، ص١٢؛ الحصون، ص٣٢–٣٥؛ التحقيق، ص١٦١–١٦٥.
٣١  تُذكَر في مصنَّفات العقائد المتأخرة عدة صفات أقرب إلى ما يُذكَر في كتب السيرة، مثل: حسن صورته، نور عقله وذكاء لبه، حلمه وعفوه وصبره، جوده وسخائه وسماحته، شجاعته وغَيرته، حياؤه وإغضاؤه، حسن عِشرته وأدبه وبسط خلقه مع أصناف الخلق، شفقته ورحمته على أمته، وفاؤه وحسن عهده وصلته الرحم، تواضُعه مع علو منصبه ورفعة رتبته، عدله وعفته وصدق لهجته، وقاره وصحته وحسن هيبته، زهده في الدنيا، ويجب أن يُعلَم أنه أبيض مُشرَب بحمرة على ما قال بعضهم، ومن حسن الأدب مع عِترته اعتقاده نجاة أبوَيه؛ إما بالاعتماد على قول مَن يقول بنجاة أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة الرسول وهو من جملتهم، وأما بالاعتماد على ما ورد في بعض الآثار أن الله أحياهما له حتى آمنَّا به! ذلك جائز في مقدور الله (الحصون، ص٧٠–٧٥؛ الكفاية، ص٨٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠