الفصل الثامن

أنجبَت ميرفت لوجدان ولدهما الأول بعد أن تأخَّرت في الإنجاب بعض سنوات، وسمَّى ابنه عزام، وسعد الأب بالإنجاب والتسمية معًا. أمَّا مجيدة فكانت تقول: أنا جَدَّته من ناحيتين؛ ميرفت بنتي مثلما وجدان ابني.

وحزم وجدان أمره على شيء، ولكنه أبى أن يفاتح فيه أباه أو أمه في الشهور الأولى من مولد عزام الصغير حتى لا يُنغِّص عليهما الفرحة، ثم انتهز فرصة خلوه بأبيه وقال له: أريد أن أبحث عن شقة.

جزِع الأب جزَعًا حقيقيًّا وقال له: ولماذا يا بني لا قدَّر الله؟

– عزام الآن لعبة لك ولسته، ولكنه ما يلبث أن يكبر ويصبح مصدر إزعاج لكما، وأنتما الآن لا تحتملان طفلًا في سنِّه يعيش معكما بالبيت.

– هل طلبَت منك ميرفت هذا؟

– أنت تعرف أنني لا أكذب.

– نعم أعرف هذا.

– إذن فميرفت لا تعرف أنني سأطلب هذا الطلب أو أُفكِّر فيه.

– وإذن فاسمع، أنا منذ خرجت على المعاش وأنا أترقَّب مولد ابنك هذا، وحين جاء أحسست أن حياتي تجددت به، فلماذا تريد أن تحرمني من هذا الشعور؟

وطفَرَت الدموع إلى عينيه، ودخلت مجيدة فجأة ورأت الموقف الحائر من وجدان والحزين من عزام: ماذا، كفى الله الشر؟

وتمالك عزام نفسه وهو يقول: تعالي شوفي ابنك ماذا يقول.

وقال وجدان: لا داعي. نتكلم في هذا في وقتٍ آخر.

وقالت مجيدة: لماذا؟ أكنتُ زوجة أبيك؟ ماذا قلت لأبيك حتى جعلته بهذه الحالة؟

– يريد أن يترك البيت.

ودقَّت صدرها وهي تقول: ماذا؟

وقال وجدان: أخشى أن يزعجكما عزام.

– إذن اترك البيت وحدك إن كنت تريد، أمَّا ميرفت وعزام فباقيان معي.

وعلا صوتها وهي تقول: أهكذا يا وجدان؟ ألأني أحب زوجتك كل هذا الحب تريد أن تحرمني منها ومن ابنها؟

وسمعت ميرفت الصوت المرتفع الذي لم تتعود سماعه في هذا البيت، وسارعت إلى مصدره وعرَفَت موضوع النقاش، والتفتَت إلى وجدان: ماذا تظنني عندك، قطعة من أثاث؟ كيف سمحتَ لنفسك أن تتكلم في هذا الموضوع دون أن تستشيرني؟

وأطرقَ وجدان وقد أحسَّ أنه أخطأ في حق زوجته: أنا آسف.

وقال الأب: وهذا الموضوع لا يُفتح مرة أخرى.

وقال وجدان: أمرك.

•••

وحين خلَت ميرفت بوجدان قالت له: أليس معنى طلبك أنك تريد عشرة آلاف جنيه أو ثمانية على الأقل لتدفعها خلو رجل؟

وذهِل وجدان وأوشك أن يصيح: أنا أدفع خلو رجل. أنا وكيل نيابة.

– عجيبة. إذن فكنت تريد أن تشتريَ شقة.

وعجِب وجدان من نفسه وقال: ولا فكرت في هذا أيضًا. ومن أين لنا بثمنها؟ كل ما فكرت فيه أنني خفت أن يزعج عزام أبي أو أمي.

وقالت ميرفت: يا ليت الدنيا كلها مثل أبيك وأمك! إنهما يحبان عزام أكثر من حبك له. والحقيقة أنني لا أستطيع أن أترك نينا أبدًا، أمي وهي أمي لا تعاملني معاملتها لي. إنني إذا تركتها تجد نفسها لائصة في البيت. إنني أنا الذي أقوم بكل شيءٍ هنا.

ضميرك هذا يرتكب أخطاء كبيرة دون أن يفكر. وأنت الآن البك وكيل النيابة، والبك وكيل النيابة لا يجوز له أن يخطئ.

وابتسمت.

ونظر إليها طويلًا وابتسم وهو يقول: أطال الله عمرك لي ولعزام، ولست عزام، ولجد عزام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤