مقدمة

أعجبَني أيما إعجاب — عندما كنتُ أتنقَّل بين مَكتبات لندن — كثرة ما كُتِب للقارئ العادي في مُختلِف العلوم والفنون بصورةٍ شيِّقة مُبسَّطة بعيدة عن التعقيد والمُصطلحات الكثيرة التي تعني الأخصائي أكثر مما تعنيه، وهو القارئ الذي يقرأ ليُثقِّف نفسه ثقافةً عامة ويزوِّدها بالمعرفة في كلِّ علمٍ وفن. وقد لمَستُ أثر هذه الكُتب في أحاديث من اتَّصلتُ بهم في هذه المدينة وغيرها فهم قلَّما يتحدَّثون في أوقات فراغِهم عن عمَلِهم بل يتجاذَبون أطراف الحديث في أمورٍ شتَّى يشعُر المُستمِع أثنائها عِظَم ما هم عليه من ثقافةٍ وسَعة اطِّلاع.

وقد حدا بي هذا إلى أن أقوم ببعض واجِبي نحو القارئ العربي في ناحية تخصُّصي. ومما شجَّعني على ذلك أن علوم الحياة في الشرق العربي تكاد تكون وَليدةَ النهضة الحديثة؛ فمعها وُلِدَت ولكنها، بخلاف كثيرٍ من العلوم والفنون، كانت بطيئة النُّموِّ إلى أن أُنشِئت الجامعة المصرية منذ رُبع قرنٍ تقريبًا فَدُرِّسَت فيها هذه العلوم لأول مرةٍ دراسةً مُستفيضة تكاد تُداني دراسةَ أهلِ الغرب، غير أنها لا زالت مَحصورةً في مُحيط ضيِّق هو مُحيط الإخصائيِّين في علوم الحياة، وهم قِلَّة، يَدرُسونها بلغةٍ أجنبية مُثقلة بالمُصطلحات العلمية التي لا تستقيم الدِّراسة العالية إلَّا بها. ولمَّا كان القارئ العربي لا يعرِف عن هذه العلوم إلا النَّزر اليسير رأيتُ أن أُقدِّم له عدَّة مواضيع على هيئة سلسلةٍ اخترتُ لها اسم «جَولات في مملَكة الحيوان» أصِف له فيها بعضًا من عجائب المملكة الحيوانية. ولقد عُنِيتُ أن تكون المواضيع طريفةً مُشوِّقة ما استطعتُ مُتحاشيًا ذِكر المُصطلَحات العِلمية الجافَّة بقدر ما يسمح به الوصف، ولكنَّني حرصتُ على أن لا أبتعِد بها كليَّةً عن القالَب العِلمي؛ لكي يُلِمَّ القارئ ببعضٍ من أسرار الكون المُحيط به من الناحية العلمية البَحتة. والقصد كما قدَّمتُ هو التثقيف الذِّهني العام.

ويسرُّني في هذه المُقدِّمة أن أشكر الدكتور حسين فوزي عميد كلية العلوم بجامعة فاروق، الذي قُرأ الكِتاب وعلَّق عليه، كما أشكُر الدكتور إبراهيم أبو سمرة مدير معهد الأحياء المائية؛ إذ وَضع بين يديَّ صُور الثدييَّات البحرية الخاصة بالمعهد فاخترتُ أربعًا منها، تفَضَّل فأذِن بنشرِها، والدكتور حامد عبد الفتاح جوهر بك مُدير محطَّة الأحياء البحرية بالغردقة لسماحِه بنشر الصورة رقم ٢-٢.
أحمد حماد الحسيني
الإسكندرية في ١٣ مارس ١٩٤٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠