تمهيد

دفعَني لمُعالجة موضوع الثدييَّات البحرية في هذا الكُتيِّب — كمُقدِّمةٍ لسلسلة «جولات في مملكة الحيوان» — طرافَة ما ذهبَتْ به أساطير القُدَماء عن الثدييَّات البحرية وما يتعلَّق بهذه الأساطير من روايات لا تزال راسِخةً حتى اليوم في عقول كثيرٍ من الناس، فأردتُ أن أُقدِّم لهم هذه الحيوانات في صُورِها الحقيقية لكي يعرِفوها مُجرَّدةً عن الخيال، كما دفَعَني أيضًا أنَّ كثيرًا من غير المُشتغِلين بعلوم الحياة يَخلِطون بين أحياء البحر، فلا يكادون يُميِّزون بين الأسماك الحقيقية — كالقِرش مثلًا — وبين الثدييَّات البحرية التي تُدانيه حجمًا وتُحاكيه شكلًا كالدُّلفين — وهو نوع من الحيتان — والواقع أنَّ الفرق بينهما كالفرق بين البُلطي والأرنب، أو بين القَرموط والقسط، أو بين البُوري والثَّعلب؛ فالقِرش أقرَب إلى البُلطي والقرموط والبوري منه إلى الدُّلفين، كما أن الدُّلفين أقرب إلى الأرنب والقِطِّ والثَّعلب منه إلى أيٍّ من تلك الأسماك، فالخلط بينهما خلط بين أدنى الفقَّاريَّات (الأسماك) وأرقاها (الثدييَّات)، فالفارق بينهما كبير إلى حدٍّ بعيد. فبينما تتنفَّس الأسماك الهواء الذائب في الماء بواسِطة الخَياشيم نجِد الثدييَّات البريَّة منها والبحرية على حدٍّ سواء تتنفَّس الهواء الجويَّ بواسطة الرئتين؛ أي أنها تغرَق تحت الماء إذا مُنِعت من الصعود إلى سطحِه لاستِنشاق الهواء الجوي، بينما تختنِق الأسماك إذا أُخرِجت إلى الهواء لوقتٍ قصير، كما أن الأسماك مُغطَّاة بقُشور صُلبة بينما الثدييَّات البحرية عارِية. وبينما نجِد الأسماك ذوات دَمٍ بارد؛ أي أن درجة حرارة الجِسم تتغيَّر مع تغيُّر درجة حرارة الوَسَط المُحيط بها، نجِد الثدييَّات ذوات دَمٍ حار؛ أي أنَّ درجة حرارة الجِسم ثابِتة لا تكاد تتغيَّر مع تغيُّر درجة حرارة الوَسَط الذي تعيش فيه. وبينما تضع الأسماك بيضًا يفقِس عن صغارٍ تترُكُها وشأنَها للطبيعة أو صغارًا لا تكاد تُولِيها أيَّةَ عِناية، تضَع الثدييَّات صغارًا تُرضِعها اللَّبن وتَحنو عليها وتتعهَّدُها بعِنايتها ولا تتركها حتى يشتدَّ ساعِدها وتستطيع أن تكفي نفسها بنفسها.

والثدييَّات في التحديد العِلمي فقَّاريَّات تُرضِع صغارها من الثَّدي، ولذلك تُسمَّى الحيوانات اللَّبونة، كما أن أجسامها مُغطَّاة بالشَّعر وتفتح مع كلِّ شعرة غُدَّة دُهنيَّة يُلَيِّن إفرازها الشَّعرة فلا تُقصَّف. بهاتين الصِّفتَين الهامَّتَين نعرِف الثدييَّات ونُميِّزها على بقيَّة الحيوانات الأخرى، أو بمعنًى آخر: إن كلَّ حيوانٍ يُرضِع صِغاره اللَّبن ويُغطِّي جِسمه الشَّعر لهُوَ حيوانٌ ثَديِي.

وللثدييَّات صِفات أخرى غير هاتَين الصِّفتين، نذكُر منها أن بالجِلْد غُددًا عَرَقيَّة تُفرِز العرَق تتحرَّر عن طريقه كَميَّة من الطاقة الحرارية تُساعِد على حِفظ حرارة الجسم ثابتة، كما أن لها شِفاهًا عَضليَّةً وأنوفًا غُضروفيَّة وكِلتاهُما مُتحرِّك. وأسنانها مُختلِفة الشكل والوظيفة، فمنها القَواطع ومنها الأنياب والضُّروس الأماميَّة والخلفية. وتظهر هذه الأسنان في مجموعتين: الأولى منهما هي أسنان اللَّبن سُرعان ما تتساقَط، ثم تُستبدَل بالأسنان المُستديمة، وهذه إن فُقِد منها شيء لا يُعوَّض، فهي في هذا تُخالِف الفقَّاريَّات الأخرى حيث تكون الأسنان ذات شكلٍ واحد كما أنها تُعوَّض كلَّما تهَشَّمَت أو بلِيَت في سلسلةٍ لا تنقطِع. ومنها أيضًا أن الفكَّ الأسفل يتركَّب من عَظمين اثنين يتَّحِدان في ارتِفاق الذَّقن، بينما هو في الفقَّاريَّات الأخرى يتركَّب من عددٍ كبيرٍ من العِظام. والسؤال إذن: أين ذهبَتْ هذه العِظام ما دامت الثدييَّات قد انحدَرَت من هذه الفقَّاريَّات الدُّنيا؟ ويُجيبنا عليه عِلم الأجنَّة والتشريح المُقارن؛ إذ به نعرِف أنها تحوَّرت إلى عُظيماتٍ صغيرة احتواها تَجويف الأذُن المُتوسِّطة، أي التالية لطَبلة الأذن، لتنقل الذَّبذبات الصَّوتية الساقِطة على الطبلة إلى الأذن الداخلية حيث تنتقل منها بواسطة العصَب السمعي إلى المخ فيميزها. والعُظيْمات هي المِطرقة والسِّندان والرِّكاب، كما أن للأذُن صيوانًا تتجمَّع به ذبذبات الصوت فتصِل إلى الطبلة مُركَّزةً وهو غير معروف في الحيوانات الأخرى.

ومن صِفات الثدييَّات العامة أيضًا أن بالعُنُق سبْعَ فقراتٍ مهما قصُر أو طال؛ فللزَرافة مثلًا سبْعٌ منها، كما أن للجُرَذ مثلَها عددًا. ويتركَّب عَظْم القصِّ الواقِع في الجِدار الأسفل للصدر من عددٍ من القِطع بينما هو قِطعة واحدة في غير الثدييَّات. ويَقْسِم تجويف الجسم الداخلي حاجزٌ عضلي مُستعرض مُحدَّب يُقال له الحِجاب الحاجِز إلى قِسمين: تجويف الصَّدر وبه القلب والرئتان وجزء من المريء، وتجويف البَطن وبه المِعدة والأمعاء والكَبد والكليَتان وغيرها من الحشا. وللقلب أربَعُ حجراتٍ؛ يصدُر الأبْهَر (أو الأورطي، وهو الشَّريان الرئيسي الذي يوزِّع الدَّم إلى مُختلِف أجزاء الجِسم) من البطين الأيسر، ثم ينحرِف ناحية اليسار. فالثدييَّات تُخالِف البرمائيَّات والزَّواحف؛ حيث يُوجَد اثنان من مثل هذا الشَّريان، كما تُخالِف الطُّيور حيث يتَّجه الأبهر فيها ناحية اليمين، كما أن الكُرَيَّات الدموية الحمراء في كلِّ هذه الفقاريَّات بَيضاوية مُحدَّبة الوَجهين ذات نَواة، بينما هي في الثدييَّات صغيرة نسبيًّا مُستديرة مُقعَّرة الوَجهين عديمة النوى. وبالمخ تلافِيف تكثُر كلَّما تقدَّمت الفصيلة ناحية الرُّقيِّ التَّطوريِّ أي ناحية الإنسان، وبهذه التَّلافيف تُوجَد مراكز الذَّكاء؛ لهذا تتمتَّع الثدييَّات بأكبر قِسطٍ من الذَّكاء بين الحيوانات قاطبة. وغير هذه الصِّفات كثير.

وتنتشِر الثدييَّات في مُختلِف مناطِق المعمورة؛ في الصحاري والوِديان، في الغابة والأحراش، في السُّهول والجبال، بين القُطبين الشمالي والجنوبي، فلا تكاد تَخلو منطقة من المناطق الجُغرافية منها، وهي في كلِّ هذه المناطق تجمَع بين أكثر هذه الصِّفات التشريحيَّة. غير أن هناك عددًا من الثدييَّات قد ترَك اليابِسة إلى البحر من قديمٍ واتَّخذ منه مَسكنًا، وهذه هي الثدييَّات البحرية، موضوعنا في هذا الكُتيِّب. وللبحر نُظُمه وبيئته، مَوجه ونَوءُه. ولكي تستطيع هذه الحيوانات أن تُكافِح في هذا الخِضَمِّ المُتَّسع وتتَّبِع نُظُمَه، فقد تكيَّفَت أجسامها تكيُّفًا كبيرًا تُلائم به بَسطة المُحيط وتَلاطُم أمواجه ومُلوحة مائه، فأضحَت في حَلْبة الصِّراع آمِنةً في سبيل البقاء.

وتنتمي الثدييَّات التي تقطُن المُحيط إلى ثلاث فصائل:
  • (١)

    الفصيلة الحُوتيَّة أو فصيلة القَياطِس.

  • (٢)

    فصيلة عرائس البحر.

  • (٣)

    سِباع البحر والفُقَم التابعة لفصيلة آكِلة اللحوم.

وسوف نتحدَّث عن كلٍّ من هذه الفصائل في بابٍ مُستقلٍّ من حيث صِفاتها التشريحية ومدى مُلاءمتها البيئة المائية، وعن توزيعها الجُغرافي وبعضٍ من عاداتها. أما ما ورَد عنها من الأساطير الطريفة فنلمِسها سِراعًا؛ فهذه قد سَرَد الدكتور حسين فوزي في كِتابه «حديث السِّندباد القديم» الشيء الكثير منها وعلَّق عليها بأسلوبٍ مُمتعٍ فأُوَجِّه القارئ إليه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠