النهضة الشرقية الحديثة

أظهر مظاهرها وأبقى آثارها

تكاد تكون «النهضة الشرقية» لكثرة ما تَلُوكُها الألسنة اصطلاحًا يدل على منحًى برأسه في مناحي التاريخ الحديث، فلا تكاد تفتح صحيفة أو تتصفح مجلة حتى تجد «النهضة والشرق» متضايفَيْن متلازميْن تلازمَ أسماء الأعلام المكوَّنة من مضاف ومضاف إليه، ولقد ثبت بجانب هذا الاصطلاح اصطلاح آخر هو اصطلاح «الأدب الجديد». وكلاهما اصطلاح من أوضاع السنوات العشر الأخيرة لم يخرجا بعدُ عن طبيعة المصطلحات، إذ تحمل أكثر من معنى وتدل على أكثر من فكرة واحدة.

يقول لك قائل إن الشرق في نهضة وإن الأدب في تجديد، فإذا سألته ما هي أظهر مظاهر النهضة الشرقية؟ أو ما هي أظهر مظاهر التجديد في الآداب؟ خرج بك في نظرية إلى أخرى ووَلَج بك من باب إلى باب، من غير أن ينتهي إلى نتيجة محدودة أو غاية معروفة. والحق أن ذلك راجع إلى طبيعة المصطلحات، وهي من طبيعتها قريبة جهد القرب من طبيعة التعاريف والحدود، إذ تتحيز في ذهن كل باحث على مقتضى الآراء التي هي أكثر من غيرها في ذهنه ثباتًا وأشد استقرارًا.

وقد تدل هذه الفوضى الفكرية على أشياء عديدة، فهي إما أن تدل على اضطراب في الأفكار يخيَّل إلينا أنه نهضة صحيحة، وإما أن تدل على عجز في أساليبنا الفكرية التي انتحيناها في العهد الحديث يَحُول بين قوانا المفكِّرة والكشف عن حقيقة شيء تحيط بنا أسبابه ولا نستطيع تحديده، وإما أن تدل على نزعة إلى نهضة لم نبلغ بعدُ أسبابها، وإما أن تدل على أننا أخذنا بأسباب نهضة صحيحة غيَّرت من أساليبنا العتيقة التي ورثناها عن القرون الوسطى.

لهذا ولكثير من الأسباب أشعر بعبء المسئولية إذ أحاول أن أكتب في أظهر مظاهر النهضة الشرقية خلال الخمسين الفارطة من السنين، وما يرجع شعوري بهذه المسئولية إلى شيء مثل رجوعه إلى الاعتقاد بأننا محتاجون إلى تحديد معنى النهضة تحديدًا دقيقًا قبل أن نحاول الكتابة في أظهر مظاهرها.

على أنه من الجائز أن أحدد النهضة تحديدًا يخالفني فيه كثير من الكُتَّاب والباحثين، غير أنِّي على أية حال لا أستطيع أن أعدو القاعدة قبل أن أفكر في موضوع كثر فيه الجدل واختلفت فيه وجهات النظر اختلافًا كبيرًا، فلست أجد في استطاعتي أن أحدد معنى النهضة تحديدًا يبعد عن مقتضى ما توحي إليَّ به أشد الآراء في ذهني استقرارًا وأكثرها ثباتًا، وما أجد في ذهني اليوم من الآراء ما هو أشد ثباتًا من رأيين: الأول أن النهضة لن تُحدَّد بأكثر من أنها تغير من الأساليب على مقتضى الحاجات العامة التي تحيط بالجماعات، والثاني أن تغير الأساليب من مجموعها وجزئياتها يجب أن يساير سنن النشوء والارتقاء حتى يصبح أساس النهضة ثابتًا بعيدًا عن السطوة القائمة على غير أساس طبيعي.

أما إذا حددنا النهضة على مقتضى هذا الرأي وتساءلنا: أَمِنْ نهضة في الشرق؟ لم يسعْنا إلا أن نسلِّم بأن الشرق الأدنى قد أخذ بأسباب نهضة كبيرة تناولت كثيرًا من الأساليب العتيقة التي ورثناها عن القرون الأولى، غير أننا بجانب هذا لا ننسى أن نذكر أن تغير أساليب الفكر العلمي والأدبي في الشرق بأجمعه لا تزال في درجة فاتها فيها كثير من الأساليب الأخرى التي تكون مهيِّئات النهضة العامة. أما إذا تساءلنا: هل ماشت أساليب النهضة على مقتضيات النشوء والارتقاء؟ فإننا لا نستطيع أن نجيب جوابًا يرضي نزعة المتفائلين، فإن الفوضى التي نرى بواعثها محيطة بنا ليس لها من سبب إلا أننا لم نماشِ روح النشوء والارتقاء في تهذيب الأساليب القديمة وبناء الأساليب الجديدة. لهذا نقول بأننا في عصر انتقال، وما عصر الانتقال لدى الواقع إلا عصر تتهدم فيه أساليب عتيقة لتحُلَّ محلها أساليب مستحدثة، من غير أن يكون لقواعد النشوء والارتقاء نصيب في الهدم والبناء.

نخلُص من هذا بنتيجة محصَّلها أننا بدأنا بنهضة، أو بالأحْرى أننا في غمرات نهضة، أثَر النشوء والارتقاء في بناء أساليبها الجديدة وتهديم القديمة ضئيلٌ، وأن ذلك هو السبب الأوحد فيما يغشى نهضة الشرق من الفوضى الاجتماعية، بل إننا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن هذا السبب هو الذي يجعل يقيننا بمستقبل النهضة متراوحًا بين التشاؤم والتفاؤل والشك واليقين.

الأساليب مُثُل تقبض على زمام الشعوب بخناق وتأخذ الجماعات، وعلى قدر ما يكون في تلك المثل من الرقي أو الفساد تكون منزلة النهضة التي تقوم على تلك الأساليب بمقتضى الضرورة، فأيُّ الأساليب انْتَحت أمم الشرق الأدنى فيما نسميه بنهضتها الحديثة؟ وأيُّ أسلوب من تلك الأساليب العديدة كان أبعد غَوْرًا في تصوراتها ومشاعرها فكان بالاستتباع أبلغ أثرًا في تكوين نهضتها؟ ولا خفاء أن الجواب على هذا السؤال يُسْلم بنا إلى الحكم في مظاهر النهضة الشرقية أيِّها كان أمعن في التصور العام تغلغلًا وأثبت في هزِّ النفوس نحو النهوض يدًا.

وأما إذا تساءلنا هل تُورَّث أساليب الفكر والحضارة كما تُورَّث الصفات العضوية من السلالات القريبة الأنساب؟ لما وسعنا إلا أن نقول بأن أساليب الفكر لا تُورَّث، وما يدلك على شيء من حقيقة هذا الرأي مثل نظرك في وراثة العرب عن العالم القديم، فالعرب ورثة الرومان، والرومان ورثة اليونان. غير أنك تجد أنه بقدر ما كان في الأساليب السياسية والاجتماعية الرومانية من أثر الحضارة اليونانية، تجد أن حضارة العرب كانت أقل الحضارات تأثرًا بالأساليب الرومانية واليونانية، ولعل السبب في هذا أن مدنية العرب قد تأثرت بدعوة جديدة قامت على أساليب مغايرة تمام المغايرة لما سبقها من الأساليب. وليس لنا أن نبحث الآن فيما كان من أثر هذه الدعوة في الحضارة العربية، وإن كان إجمال القول فيها ينْزِع بنا إلى الاعتقاد بأنها كانت ضررًا، وأن ضررها قد ظهرت صُوَره بارزة في كل صفحة من صفحات التاريخ العربي.

ويكفي عندك أن تنظر في الفرق بين أساليب الحكم والقانون في مختلِف هذه المدنيات، تجد أن الرومان قد تأثرت أساليبهم بأساليب اليونان السياسية أكثر مما تأثرت قوانينهم، وأن العرب كانوا أبعد كل الأمم الحديثة عن التأثر بشيء من روح تلك الأساليب.

وليس لي أن أستطرد في الشرح والبيان، وإن كنت كثير الشوق إلى الإفاضة في هذه المقارنات التاريخية التي تظهرنا على حقيقة السبب الذي قَعَد بأمم الشرق عن مجاراة الأمم الغربية في انْتِجاع الأساليب التي أسلمت بها إلى حضاراتها الحديثة، لهذا نمضي في بحث موضوعنا قانعين بأن أبْيَن مظاهر النهضة في الشرق القريب هو تغلغل روح القانون الروماني وأنظمة الرومان السياسية، وذلك في معتقدي أعظم ما ورث العالم الحديث عن أسلافه الأُوَل، وأهم ما أُدْمج في تضاعيف الأساليب الحديثة المسايِرة لمقتضى الحاجات الاجتماعية التي تحيط أسبابها بأمم الشرق في هذا الزمان.

•••

لقد تغيرت الفكرة في القانون تغيرًا كاملًا في الحضارة الرومانية، فمن فكرة فيه على أنه شيء يجب أن يطاع، لأنه مجرد إرادة شخص أو ذات سادت على الناس ولها من القوة ما تستطيع به أن تفرض عقابًا على كل من يحاول الاعتداء على قانونها الإرادي؛ إلى فكرة سامية توحي إلى الناس بأن القانون إنما يمثل تلك الإرادة العامة أو الإدراك العام المستمد من روح الجمعية الإنسانية، وأن الخضوع للقانون إنما هو خضوع للحاجات التي تتطلبها مصالح الأفراد والجماعات، أو هو عبارة عن أسلوب من المكافأة بين الحالات الاجتماعية ومقتضيات الواقع المحسوس.

وبعد أن تغير النظر في القانون وأصبح لأول مرة في تاريخ الدنيا قائمًا على هذا الأساس الاشتراكي الثابت، ظهرت نتائج عديدة ظلت مؤثرة أثرها المحتوم في كل ما ظهر في النظام الاجتماعي الحديث من الصور، ولقد مضت تلك النتائج ملابسة لمرافق الحضارات منذ بداءة العصر الروماني، وما كنت لترى لها من أثر في كل المدنيات التي قامت وفنيت فوق هذه الأرض من قبل.

كانت أول تلك النتائج الاعتقاد بأن القانون شيء فيه مطاوعات الاشتقاق والنشوء، وأنه ليس بالشيء الجامد المستمد من مصادر ليس للعقل ولا للإرادة الإنسانية أن تمتد إلى آثارها بتبديل أو تغيير. فإن الاعتقاد بأن القانون ليس سوى ذلك التصور الذي يقوم عليه ما نسميه العدل، وأنه ليس بحق الأقوى في فرض إرادته على غيره، قد أدى بالناس إلى معتقد آخر محصله أن القانون شيء ينمو وينشأ على مقتضى الحالات والبيئات، وأنه لا بد من أن يمضي متغيرًا حتى تتم الأُلفة بينه وبين ما يتطلع إليه الناس من بلوغ الغاية المثلى في الآداب العامة.

أما تصور القانون خلال المدنيات القديمة برمتها فكان على نقيض التصور الروماني، فإن القانون في تلك العصور لم يخرج عن أحد أمرين: فإما مجموعة من مختلِف الإرادات يفرضها تعصب الفاتحين والأمراء المستبدين بأمرهم، وإما مجموعة من الأوامر والنواهي تستخلص من عالم الغيب تصورًا، وتؤخذ على أنها إرادة الآلهة الموكَّلين بأمر هذا العالم. من هنا ذاع الرأي بأن القانون شيء ثابت لا ينتابه تغيُّر ولا يعتريه تبديل أبدًا، وما ذاع هذا الرأي إلا مطاوعة للاعتقاد بأنه النتيجة المباشرة لما تفرضه القوة المتسلطة على رقاب الناس. أما مضىُّ الجماعات قانعة بأنها ملْزَمة بطاعة القانون فلم يكن راجعًا إلى الاعتقاد بأن ذلك مساير لمقتضى الحق والعدل، بل لأن القوة التي تفرضه عليهم لا يمكن مقاومتها، لهذا ظل القانون طول الأعصر التي سبقت العصر الروماني تقليدًا جامدًا مَوَاتًا، لا تغيير ينتابه ولا تبديل يغشاه.

على هذا مضى الإنسان خاضعًا لحكم الوراثة والتقليد الذي خرج به عن قانون الجمعيات الإنسانية في عصور الهمجية الأولى، وظلت الجماعات مُوقِنة بأن القانون تفرضه عليهم إرادة خارجة عن إرادتهم، وأن الواجب عليهم إطاعته، لا لأنه حق وعدل بل لأنه تنفيذ لإرادة الأقوى، حتى ظلَّلَت العالم مدنية الرومان بظلالها الوارفة، وحينذاك تغيرت الفكرة في القانون، وعلى أَثَر الرومان سارت الجمعيات البشرية الراقية في كل عصور الحضارات الحديثة. على أن هذا لا ينافي القول بأن اليونان أول مَنْ فَرَّخت في عقولهم جُرْثومة التشريع على قواعد مبتكرة.

هنالك نتيجة أخرى اقتضاها تغيُّر الفكرة في القانون، فإن الجماعات التي تنظر في القانون نظر القانع بأنه ليس خاضعًا لإرادة الأفراد ولا لسلطان الأَثَرَة والقوة، ولا لموحِيات الغيب، بل تنظر فيه على أنه أداة ينمِّيها العقل وتقضي بها حاجات الاجتماع، وبذلك يصبح خاضعًا للنماء قابلًا للنشوء؛ لا بد من أن تشْفَع هذا الاعتقاد بآخر مكمِّل له، هو أن القانون إنما تلده الآداب العامة، وأن الآداب ليست نتاجًا للقانون، فإن القانون أينما نُظر فيه نظرة اليقين بأنه شيء قابل للنشوء خاضع للارتقاء، فلن تجده إلا سائرًا في سبيل يكافئ من ناحية بين خصائصه الكامنة في تضاعيفه وبين ما تتطلب الآداب العامة من المبادئ خلال كل عصر من العصور. غير أن القانون لا يَطْفِر مطلقًا إلى الغايات والمُثُل التي ينشُدها الفلاسفة، ويدعو إليها الخياليُّون، بل يمضي في هوادة الحكمة وتؤدة النشوء مسايرًا لمطاليب الآداب العامة يمثلها السواد الأعظم في جماعة ما، تاركًا تصورات الغايات والمثل العليا محصورة في عقول الطبقات المنْتقاة.

وبعد أن بلغت الفكرة في القانون هذا المبلغ، وأصبح القانون عبارة عن قوة معنوية تمثل تلك الصور التي تستحيل إليها الآداب العامة في جماعة ما؛ سايرت الفكرة في طاعة القانون مقتضى ذلك الحال، فحَمَلَت على ناحية الاقتناع باحترامه لذاته لا لشيء آخر، وأَضْحَت القوات القائمة على صيانة القانون مسخَّرة لدى الواقع للمحافظة على مصالح الأغلبية الخاضعة له ضد الأقلية الخارجة عليه.

أما النتيجة الثالثة التي اقتضاها تغير النظر في القانون، فشعور الناس بأن القانون، وقد أصبح الحارس المسخَّر لصيانة مصالح الجماعة، القائم حفيظًا على كيانها وحقوقها؛ شيء مقدس يجب أن يبذل كل فرد ما يستطيع في سبيل حمايته، حَذَرَ أن تجتاحه نزعات فاسدة تتحكم فيه بمثل ما تحكمت في العصور الأولى. وعلى مقتضى ذلك لم يصبح القانون قوة عمياء تتسلط في رقاب الناس ومصالحهم تسلُّطَ الاستبداد والعَسْف، بل أصبح منفعة عامة من حق كل فرد أن يدافع عنها بالوسيلة التي يراها ناجِعة إذا ما امتدت إليها يد طامعة تحاول الافْتِيَات على حرمتها.

ولقد تقوم فى رءوس بعض الأفراد تصورات توحي إليهم بأن ما يتطلب الخضوع للقانون من ضروب الإلزام قواسر تنافي ما تنزع به إليهم مشاعرهم. غير أنه كان لهذه الحالات السلبية نتائج عظمى، فإن الشجار الذي أحدثته ولا تزال تحدثه لم ينتجه إلا ارتقاء في الفكرة القانونية وتطورٌ في تصورات الناس من حيث النظر في مصالحهم العامة. غير أن هذه الحالات نادرة الحدوث، وهي لندرتها لا تؤثِّر في الفكرة الأصلية التي تقوم عليها الحضارات من ناحية القانون، فكرة أنه ليس من المستطاع أن تبلغ مبلغًا من الحضارة ثابتًا، من غير أن يعتنق السواد الأعظم من أفرادها مذهب أن الالتزامات القانونية ليس معناها طاعة القانون لمجرد الطاعة القاسرة، بل معناها أن هذه الطاعة يجب أن تكون بمحض الاختيار الذاتي لا خوفًا من قوة زمانية ولا روحية، وأن الدفاع عن القانون وحمايته واحد على كل فرد من أفراد الجماعة.

ولمَّا بلغت الفكرة الرومانية في القانون هذا المبلغ تبِعَتْها فكرة أخرى هي أن القانون ما دام عبارة عن تلك القوة التي تقوم حفيظةً على مصالح الكل الاجتماعي، وأنه لا بد من أن يمضي متطورًا ليحتفظ في تضاعيفه بتلك الأُلفة التي تتطلبها حاجات المجتمع؛ ترتب على ذلك أنه لا تَمَسُّ القانون يدٌ غير يد الأمة، أو بالأحرى يد الطبقة المنتقاة من أفرادها بعد انتخابهم على مقتضى ما تتطلب الحريات من الوسائل المشروعة.

هذا ما أدت إليه سلسلة التفكير في القانون على النمط الروماني، على الضد مما قال به خياليُّو الكُتَّاب، ومن أيد منهم مذهب سلطة الفرد على أن يكون عادلًا، فإن النزعة الرومانية كانت تفضل دائمًا استبداد الجماهير على عدل الأفراد. ولقد أيدت هذه النزعات نظرية أخرى ظلت بارزة في كل العصور، فقد دلت تجاريب الرومانيين العديدة على أن في المساوئ الاجتماعية قوة تذهب بها إلى حدٍّ من الصراع والجِلاد تُفني فيه إحداها الأخرى، كما يُستدل على ذلك بتاريخ الصراع بين الطبقات طول عصر الجمهورية والإمبراطورية، فمهما كان في حكم الجماهير من المساوئ فإن نظام التصويت العام يُفسح مجال التناحر أمام المساوئ الاجتماعية، حيث يلقي بها في ذلك الجو الذي يمهد السبيل لأقوم النزعات البشرية لكي تسود على غيرها.

•••

كان تصوُّر الحرية بعد تصوُّر القانون الأساسَ الثاني بل الركيزة الثانية التي قامت عليها الحضارة الرومانية. أخذ الرومان الحرية على أنها تصوُّر لا يَقُوم للإنسانية من معنًى سامٍ أو غاية مُثْلى في نفس فرد أو جماعة من غير أن ينزل منها منزلة التقديس والاعتقاد بأنها من مقومات الحياة الاجتماعية، بل بأنها أول حق من حقوق الإنسان الطبيعية. ومن أجل أنهم اعتقدوا بأن الحرية تصوُّر ثابت يبعث في النفس رُوحًا حية أبدًا، وليست بمذهب يجوز أن يجري عليه حكم المذاهب من حيث البقاء والفناء؛ لهذا استعصى عليهم أن يحددوها بالتعاريف، ولهذا تجد أن المعارك التي قامت بها الطبقات الرومانية في سبيل الدفاع عن حريتها والسبل التي سلكتها في هذا الدفاع مُشَعَّبَة الأطراف كثيرة الحلقات، وهل كان تحطيم قرطاجنة وتشتيت اليهود إلا حَلْقتين من هذه الحلقات العديدة؟

كان المحور الذي دارت من حوله تصورات الأمة الرومانية هو الاعتقاد بأن الحرية حق طبيعي يقوم بقيام الفرد أو بتكوُّن الجماعة، وأنه ليس لأحد من سلطة في انتزاعه أو انتقاصه من أطرافه. ذلك هو حق الحرية في أن تمضي الجماعة أو يمضي الفرد مَقُودًا بمقتضى ما يوحي إليه به ضميره من تكييف الحالات التي تحيط به في الحياة، وفي توجيه الفرص التي تَسْنَح له كيفما شاء في حدود القانون العام.

أما الحريات عند الرومانيين فثلاث: حرية الإرادة، وهي عبارة عن حرية الفرد في تحديد أفعاله على مقتضى ما تحتمل نفسيته من تصور لغايات الآداب المثلى. وحرية الفكر، وهي حق الفرد في أن يتبع بلا خوف ولا وجل موحيات عقله، من غير أن يَعُوقه عن ذلك تدخل السلطات ولا كُرْهِيَّة الجماهير ونزعاتها. والحرية السياسية، وهي حق الفرد في أن يتحرر من عَسْف السلطات الاختيارية وفي أن يشترك في وضع القوانين العامة أو في صبِّها في قالَب تتطلبه المقتضيات، ولا شبهة في أن هذه الحريات الثلاث هي الغايات المثلى التي تتطلبها الجماعات لتكون حائزة لكامل حريتها.

إن النظر في القانون وتصوُّر الحرية على هذه القواعد شيئان لا بد من أن ينتهي بهما الأمر إلى الجِلاد والتناحر على البقاء، ولا مِرْية في أن الجِلاد بينهما يكوِّن تاريخ المدنيات الحديثة التي قامت على أساس القانون والحرية متلازميْن منذ بداءة العصر الروماني. على أن التناحر بين القانون والحرية لن ينتهي بانتصار أحدهما على الآخر، أو تنتهي صورة من صور المدنية لتقوم أخرى مقامها، فإن القانون إن انتصر على الحرية أصبح استبدادًا، وإن انتصرت الحرية على القانون أصبح الأمر فوضى. أما القاعدة الصحيحة في تنازع القانون والحرية من جهة، وتلازمهما من جهة أخرى، فتنحصر في أن الحرية تُمِدُّ القانون بكل المهيِّئات التي تحفظ عليه قسطًا من قوة الحياة يسير به دائمًا في مدارج النشوء والارتقاء، في حين أن القانون يمد الحرية بقسط من النظام يوقفها دائمًا عند الحد الذي إن تعدَّتْه انقلبت فوضى. أما النزاع بين المبدأين فباقٍ، وأما التلازم بينهما فخالد، وكلا الأمرين تقتضيه طبيعة الأشياء الإنسانية، وما مثل المدنية في مظاهر الحياة الاجتماعية إلا كمَثَل الدقائق المادية في مظاهر الطبيعة، فكما أن في الدقائق قوَّتَيْ جذب ودفع لا بقاء لكيان الدقائق بغيرهما، كذلك المدنية لا بقاء لها بغير قوَّتَي القانون والحرية. وهذه القوى على تنافرها فيها من قوة التأليف ما لا يتفق لغيرها في عالمي الطبيعة والاجتماع.

وأما نُصَراء القانون في كل أدوار التاريخ فهم المحافظون، وأما نُصَراء الحرية فهم الأحرار، وهذان الحزبان قائمان في أحشاء كل حضارة تقوم على القواعد الرومانية ولو لم تظهرهما طبيعة النظام الاجتماعي في بعض الأحيان وتحت تأثير بعض الأحوال، ولقد كان لوجود هذين الحزبين في الحضارة الرومانية نتائج لا تزال آثارها حتى اليوم بارزة في جبين المدنيات الحديثة.

•••

هذه هي الآثار التي خلَّفها التشريع الروماني للحضارات التي قامت بعد العصر الذي ازْدَهَت فيه مدنية الرومان، وتلك هي الأساليب التي انْتَجَعَتْها الأمم الحديثة في نهضتها القريبة. وما هذه الآثار وتلك الأساليب إلا مبادئ عامة اقتبستها أمم الشرق الأدنى خلال الخمسين الفارطة من السنين، لتجعلها لنهضتها الحديثة أساسًا، وهذا في الواقع أظهر ما في النهضة الشرقية من الآثار، قانون من الجماعة وللجماعة يحدد حريتها، وحريات تهيئ القانون بأسباب الحياة، وصراع بين الناحيتين يمدُّهما بأسباب البقاء ويهيِّئ للأمم سبل النشوء والارتقاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠