يعقوب صرُّوف

صورة وذكرى – أثره في علم البيولوجيا

(١) صورة عامة

بعد أن توفي اسبينوزا هبَّ أصدقاؤه إلى نشر ما خلَّف من مؤلفات بعد موته، وكان كتابه «الأوبرا بوستيوما» أول ما وقع عليه اختيار الأصدقاء ليُطبع ويُنشر في الناس، ولم يكد يُنشر هذا الكتاب حتى هبَّ اللاهوتيون خِفافًا وثقالًا يناهضون آثار الراحل العظيم، ولم يأتِ يوم ٤ فبراير سنة ١٦٧٨ حتى صب اللاهوتيون لعنتهم على الكتاب زاعمين أنه كتاب «تجديف لم يظهر له من مثيل منذ أن خُلق العالم حتى اليوم.» ولم يمضِ على هذا الحادث قرنان من الزمان حتى تهيأت النفوس وأُعدَّت العقول لأن يقام لاسبينوزا أثر تذكاري كان من حسن الحظ أن يدشنه «رينان» أحد عظماء القرن الماضي ومن أكبر مؤرخي النصرانية، مشيرًا بإصبعه إلى النافذة التي كان يُطِلُّ منها اسبينوزا على ميدان بافلجوين قائلًا:

لعل الله كان أقرب إلى هذه النافذة منه إلى أي مكان في الأرض.

وفي يوم الأحد، ١٠ يوليه سنة ١٩٢٧، كنت حيث اعتدت أن ألتقي بأستاذي الراحل العظيم الدكتور يعقوب صروف بعد أن وصل إلى سمعي نعيُه ببضع دقائق، ولم أكد أقف أمام حجرته حتى رجعت بي الذاكرة إلى حكمة رينان فقلت في نفسي: «لعل الله كان أقرب إلى هذه الحجرة منه إلى أي مكان في الأرض.»

وأيُّ مكان في الأرض يمكن أن يكون الله أقرب إليه، أو هو أقرب إلى الله، من مكان يفيض بالعلم والعرفان والعطف والخُلق الرضيِّ والسماحة وحب الأقربين والأبعدين على السواء، كأن منازل العلاقات البشرية قد تساوت فيه، فلا يحس قريب بأنه أكثر دنوًّا وأوصل رحًى من غريب تجمعه بمن حلَّ فيه رابطة علم أو أدب أو أية علاقة من العلاقات الدنيوية التي يشعر بشر فانٍ بأنه إزاءها في حاجة إلى أمل يُرجَى أو معروف يسري؟

ليت شعري! هل كان الأستاذ الراحل العظيم يُحِسُّ بدُنُوِّ الأجل وهو بعدُ في أظهر مظاهر القوة عقليًّا وجِسْمانيًّا؟ أم كان صفاء نفسه يوحي إليه بأنه قريب لأن يدعى إلى العالم الثاني فيحدثني كلما التقيت به خلال الأشهر الثلاثة التي تقدمت يوم مصرعه في الموت والخلود والفناء وفي الله وفي الأثير؟ كنت وإياه في حجرته قبل أن يختاره الله لجنابه ببضعة أسابيع، وجرى بيننا الكلام في تاريخ الحضارة العربية، ولي فيها رأي كان لا ينفك الأستاذ عن تشجيعي على المضي فيه والتمكين له بكثرة القراءة والبحث، وما زلنا نتنقل من موضوع إلى موضوع حتى عَرَض لنا الكلام في أثر الثقافة اليونانية في حضارة العرب، وأخذ يكلمني في الدلالات اللغوية التي يمكن أن تكون برهانًا على أن العرب ترجموا قواعد علم العروض عن اليونان، ومن ثَمَّ طبقوه على البحور العربية، وبعد أن أبدى أسفه لقلة علمه بلغة الإغريق القديمة ليكون أقدر على البحث الْتَفَت إليَّ فجأة بعد صمت قليل كما كانت عادته إذا أراد أن يغير مجرى الحديث، وقال: إذا لم تكن حياةٌ في عالم آخر غير هذا العالم كانت هذه الحياة عبثًا في عبث، فقلت: ليس عندنا من برهان علمي يحقق هذه الأحلام، فقال: إذا كانت هذه الحياة مقدمة فلا بد لها من نتيجة، وأية نتيجة يؤيدها القياس المنطقي أكثر من الاعتقاد بحياة أخرى تكمل ما في هذه الحياة من مناحي النقص؟ فأجبته: لعل هذه الحياة لا تكون مقدمة بل تكون نتيجة، إليها المرجع والمنتهى، فأطرق قليلًا ثم قال وكأنه يناجي نفسه: الطبيعة سلسلة من السوابق واللواحق، وخط منظوم من المقدمات والنتائج لا تنتهي إلا عند غاية لا نستطيع أن نقف على ماهيتها، فسواء أكانت هذه الحياة مقدمة أم نتيجة فالأمر واحد، لأن المقدمة هي بحكم تسلسل الطبيعة مقدمة ونتيجة تؤدي بدورها إلى مقدمة أخرى، ولا أظن أن نظام الحياة يخرج عن نظام الكون في مجموعه. وكان صمت عميق انسللت بعده إلى ناحية من نواحي المكتبة وأخذت أقلِّب في كتاب من الكتب العربية القديمة، ولكن فكرتي كانت متجهة بكل ما فيها من قوة الحصر والتذكر إلى هذا الحديث القصير، غير عالم أنه كان مقدمة لنتيجة ظلت حياة الأستاذ الراحل رهنًا عليها إلى أجل قريب.

واليوم أكتب هذا الحديث رواية عن الصديق الراحل.

تالله ما أبعد اليوم ما بيننا وبينه! وتالله ما كان أقربه بالأمس إلينا! أفي لحظة واحدة يصبح الإنسان مجرد رواية وخبر بعد أن كان حقيقة ملموسة باليد مرئية بالبصر؟ ولكن من يدرينا، لعل هذه الحياة تكون الخبر عند من يلمس الحقيقة العظمى، بعد أن يفارق السر الكامن فيه هذا الهيكل الترابي؟

وبعد، فلست في موطن أستطيع فيه أن أُطْنِب في الإلمام بذكريات سبع من السنين عقدت خلالها بيني وبين الأستاذ الراحل عُرى الصداقة الصحيحة التي حُلَّت عروتها بموته، ولكنها ستظل حية بذكراه. ولو أردت اليوم أن أحيط بكل ما تخلل هذه السنوات السبع من الذكريات العلمية والمباحث العميقة التي تناقشنا فيها، لما وسعني كتاب ضخم أُلِمُّ فيه بنواحيها العديدة، ولكن حسبي اليوم أن أتكلم فيه كصديق، وأكبر ظني أن هذه الناحية هي أظهر نواحيه كرجل، وفيها تنحصر ماهيَّته الفردية. ولا أظن أنه كعالم إلا معدود من البيولوجيين أولًا، فلا المباحث البيولوجية التي تناولها منذ نيِّف وخمسين سنة ولا الكلمات الاصطلاحية التي أكَبَّ على ترجمتها أو نحتها أو تعريبها، كانت في متناول أحد من المشتغلين بالعلوم الحديثة في الشرق حينذاك، اللهم إلا بضعة أفراد من مجموع الأمم الشرقية التي تنطق بالضاد. وحسبنا اليوم أن نرى فكرة النشوء التي قامت من حولها معارك علم البيولوجيا خلال القرن التاسع عشر بأجمعه، قد أصبحت اليوم من المعارف العامة التي لا يستغني عن الوقوف على دقائقها عقل مثقف على النمط الحديث في أنحاء الشرق العربي كله.

•••

أعتقد وأظن أن اعتقادي فيه كثير من عناصر القوة والحق أن الدكتور صروف — رحمه الله — قد حاز أكبر عقل إنسكلوبيذي ظهر بين الأمم الشرقية في العصر الحديث، عقل إنسكلوبيذي من تلك العقول النادرة التي شهد القرن الثامن عشر أعظم من امتازوا به، أمثال ديدرو وفولتير وهولباخ ودالمبير وكوندورسيه، وامتاز به هربرت سبنسر في القرن التاسع عشر، وباكون وديكارت في حدود العصور الوسطى، وبلينيوس وغيره في العصور القديمة. غير أن لأمثال هذه العقول متجهًا تتجه فيه، وصبغة تصطبغ بها، بل إن شئت فقل إن لها وحيًا وإلهامًا يجبرها على أن تتبع خطة لا تحيد عنها وتجد من المتعذر أن تتنكب طريقها المرسوم. فإن امتاز عظماء القرن الثامن عشر بصبغتهم الفلسفية، وإن اصطبغ سبنسر بنزعته التركيبية، وإن عُرف ديكارت وباكون بخطتهما الأسلوبية؛ فإن أستاذي الراحل قد امتاز بنزعته العلمية الصرفة التي لم يؤمن بغيرها طوال حياته، فلم يحارِبها في عقله أسلوب من أساليب الفكر الأغلب ولا نازلها انفعال من انفعالات النفس على كثرتها إلا قُهِر وكُسِر.

على أنه كان في أسلوبه العلمي على نقيض الكثيرين من علماء العصر الحديث، وما نظن إلا أنه كان على حق في أن يناقضهم وأن ينبذ العكوف على طريقتهم كما وضعها فلاسفة القرن الثامن عشر، أولئك الذين وضعوها لا ليؤيدوا بها العلم ولا لينشروا بها المعرفة، بل لينصروا بها نزعتهم الفلسفية التي ساقت بهم إلى الإلحاد وإلى إنكار وجود الله.

•••

من مفاخر القرن الثامن عشر أنه حدد الأسلوب العلمي تحديدًا دقيقًا، غير أن هذا التحديد مع الأسف كاد يلغي الطريقة العقلية الصرفة التي يقوم عليها كثير من العلوم الحديثة، فضلًا عن أنها الأساس الذي يقوم عليه صرح العلم في مجموعه، حددوا الطريقة العلمية بقولهم: «كل ما لا تحقق وجوده الحواس لا يمكن أن يكون صحيحًا.» هذه مفخرة القرن الثامن عشر، أما مفخرة القرن التاسع عشر فاعتراف العلماء فيه بأن من الأشياء التي لا ينكر وجودها العقل ما لا يمكن إثباته بالحواس، وأقاموا على ذلك كثيرًا من الدلائل العلمية التي لا تنقض، ومن هذه الأشياء: الأثير والعقل ووجود العالم المادي الخارج عن حيز الإنسان والبعد الرابع في النسبية. وكان أستاذي الراحل من أولئك الذين اتَّبعوا الطريقة العلمية ولم يُلْغوا العقل، فدل بذلك على مقدار ما كان في نزعاته من حب الحرية العلمية، وما انطوى عليه عقله الكبير من مطاوعات الشك واللاأدرية الفائضة بضروب المرونة الفكرية.

وما يدلك على متَّجهه الفكري من شيء مثل كراهيته للنزعات المذهبية في أيِّما متَّجه اتجهت، فلا المذهبية الفلسفية وجدت إلى عقله طريقًا، ولا المذهبية القومية عرفت إلى نفسه سبيلًا، ولا المذهبية الطائفية أثَّرت في وجدانه يومًا، ولا المذهبية الدينية قد أخضعت يقينه برهة واحدة، بل ولا المذهبية العلمية تركت في عقله يومًا من الأثر ما يمكن أن يكون حائلًا يسد في وجهه طريق التفكير المستقل القائم على وزن الحقائق، ثم الحكم فيها حكمًا بعيدًا عن كل المؤثِّرات التي تبعث بها في النفس رَسِيسُ المعتقدات وثابت المذاهب.

(٢) صرُّوف كعالم بيولوجي

(٢-١) تمهيد

قلما يستطيع الباحث أن يُلِمَّ بالآثار الفردية التي يخلِّفها نابغة كبير في حالات عصره، وعلى الأخص إذا رمى إلى تحديد تلك الآثار من ناحية الفكرة العلمية، فإن الفكر كتيار الكهربائية أو كقبس الضوء أو كشعاع فياض من أشعة الكون، لا نعرف مصدره على وجه التحقيق، ونعجِز دائمًا عن تحديد آثاره التي يخلفها في نفوس الأفراد. أما إذا أردت أن تبلغ الحد المستطاع من تحديد تلك الآثار فارجع إلى القياس الاجتماعي، فإنك في هذا الميدان وحده يمكنك أن توازن بين حالات أجلى ظهورًا وأبين صورًا.

على أن مهمة الباحث تزداد وعورة إذا أَكَبَّ على درس الآثار التي يخلِّفها عقل إنسكلوبيذي تشعبت نواحيه وتفرقت طرقاته وكثرت منعطفاته، فأين يقع في تلك المفاوز الكثيرة على المصدر الذي بعث إلى الحياة بتلك الصور الخالدة المشوبة بروح اليقين، المكسوَّة بحُلَل البقاء والخلود؟ لا مِرية في أن الوقوع على ذلك المصدر هو المَرْمى الذي يرمي إليه كُتَّاب التراجم جميعًا، غير أن قليلًا منهم من استطاع أن يصل إلى ذلك السر الدفين. ولست بطامع في أن أقع على مصدر ذلك الضوء الذي بعث به أستاذي الدكتور صرُّوف في نواحي الشرق العربي وقد أظلمت جنباته وادْلَهَمَّتْ طرقاته فأنار السبل للغادي والساري، وأزاح الحجب عن خفيِّ ما أنار لغيرنا السبيل. أما مهمتي فلا أعتقد أنها تتجاوز تصوير تلك الآثار تصويرًا يمكن أن نتعقب به النتائج التي خلَّفها عمل الدكتور الفقيد في عالَمَيْ الاجتماع والفكر.

غير أن هذا لا يفوِّت عليَّ أن أُلِمَّ ببضعة آثار أخرى خلَّفها لنا عمله العظيم في نواحٍ تقل أو تزيد علاقتها بالناحية الاجتماعية على حسب المقتضيات وظروف الحالات التي تقوم في المجتمع بين آونة وأخرى، لهذا نتكلم في تلك الآثار واحدًا بعد آخر لنحددها على قدر المستطاع.

(٢-٢) الترجمة العلمية

بعد أن انقطعت صلة العالم العربي بالترجمة، وكانت في العصور الأولى مبدأ تلك النهضة الكبيرة التي استُمدَّت من السُّرْيانيَّة في مدارس نَصِيبِين والرُّهَا وأديرة آسيا الصغرى ومصر والعراق وحَرَّان، وأنبتت صلة اللغة العربية بكل لغات العالم تقريبًا، وظل المؤلفون والكاتبون قرونًا طويلة عِيَالًا على ما كتب الأوائل وما نقل المترجمون. وبعد أن انصرف الشرق العربي كله إلى الاشتغال بالآداب وحدها اشتغالًا لم يكن له من قاعدة أو أسلوب اللهم إلا أسلوب الفطرى، أسلوب التقرير دون التحليل، وبعد أن كادت تَفْتُر العزائم حتى عن هذه الأساليب الأولية لكثرة ما لاكتها الألسن وتناولتها به الأقلام من نقل وتغيير، وبعد أن دار الفكر العربي حول دائرة لا يخلُص إلى نهاية شوطها حتى يبدأ الشوطَ ثانيًا؛ اتجهت العقول إلى تلك الضجة الكبيرة التي قامت حول مذهب العلَّامة الكبير داروين، وقد بدأها بنشر مذكراته التي قرئت أمام جمعية لينيوس ثم نُشرت في «اللانسيت» وكانت النواة التي اجتمع من حولها الكتاب الخالد «أصل الأنواع». وكان لذلك الاتجاه الجديد أثر عظيم في الشرق، بل أثر لا يمحوه كَرُّ الأيام والدهور، أثر أقل ما فيه أنه أخرج عجلة الفكر الشرقي عن دائرتها المحدودة التي كانت تدور فيها فزلَّت عنها إلى ميدان فسيح مترامي النواحي متَّسِع الجنبات، ذلك ميدان العلم البيولوجي الذي أعتقد بحق أنه محور التقدم العالمي وأن لا ارتقاء لأمة من الأمم أدبيًّا وعلميًّا واجتماعيًّا بغير التوافر على درسه وتطبيق عملياته وتفهُّم نظرياته العميقة. وكان دكتورنا الكبير أكبر ركن من أركان هذه النهضة الكبيرة، ويدًا من أقوى الأيدي التي استَقْوَت على عجلة الفكر فأَلْوَت بها عن سَمْتها الأول وخرجت بها عن قضيب الدائرة القديمة الحديدي فأفلتت تطير في عالم أثيري من الفكر الحديث. على أن الناس في الشرق لم يقْدُرُوا حتى اليوم مقدار النتائج التي سوف تترتب على تلك الدَّفْعة التي دفعت بنا فيها تلك اليد القوية، ولا إلى أي حدٍّ سوف نبلغ من أطراف ذلك التيه البعيد.

قد يتساءل البعض ما هي تلك القوة التي تزودت بها تلك اليد القادرة على أن تحوِّل عجلة الفكر العربي عن دائرتها القديمة؟ وما هو السر الذي جعل مفتاح العلم يدور مرة أخرى في قُفْل ذلك الباب الذي أكل الصَّدَأ جوانبه منذ أبعد العصور؟ ولست أجد من شيء هو أهون عندي من الجواب، أما السر فهو تلقيح الأفكار القديمة البالية بأفكار جديدة، وتغيير الأساليب القديمة بأساليب حديثة، وقتل العادات العتيقة التي عكف عليها الفكر بعادات تلائم مقتضى الزمان والمكان. أما الوسيلة فشيء أبسط من هذا كثيرًا، وتنحصر في تفهُّم الجديد من المبتكرات العلمية والفنية والعقلية ونقلها بالترجمة إلى عالم يجهلها. على أننا لا ننسى هنا أن أبسط أشياء هذا العالم هي أكبر معضلاته كما أن في أبسط ذراته تكمن أعظم قواته، أليس هذا وحده بكافٍ لأن يخلِّد دكتورنا الفقيد؟

(٢-٣) العلوم البيولوجية

علم البيولوجيا هو علم الحياة، أو العلم بما هي الحياة. وهذا العلم الحديث، إذا استثنينا الرياضيات والفلك، يكاد يكون العلم الوحيد الذي تُرْبِي عملياته على نظرياته بمقدار ما يربي المحيط الزاخر على النُّهَيْر الصغير، لهذا كان أثره في العالم كبيرًا على حداثة عهده.

ومن أعجب ما يقع عليه الباحث المتعمق من طبيعة هذا العلم أن تأثيره في الاجتماع بالذات ثانوي إذا قِيسَ بتأثير فروعه التي تشعَّبَت منه، فالعلم بما في الحياة وما هي الحياة وما هي الكروموسومات وما هي النواة وكيفية التلقيح وما يترتب على كل هذه الأبحاث العلمية من النتائج؛ لا يقاس مثلًا بالآثار التي تخلِّفها في الذهن مباحث علم الحيوان أو التاريخ الطبيعي أو الوراثة أو الحفريات أو الجيولوجيا وغيرها من فروع علم الحياة، تلك العلوم التي تترك أمامك الدنيا والعوالم والحياة كمُصَوَّر جغرافي لا تستقرئ فيه كيف قامت الإمبراطوريات وكيف دَالَت ولا كيف ثارت الشعوب وكيف هدأت عاصفتها ولا كيف تكونت المدنيات وكيف انحلَّت لا غير، بل تقرأ فيها من صور الجمال والعلم ومن ألوان الفن والعظات ما تسكن إليه نفسك سكونَها إلى صورةٍ الكون ميدانها والطبيعة فنَّانها الأعظم.

يقول أرسطوطاليس: «في الشئون العملية ليس الغرض الحقيقي هو العلم نظريًّا بالقواعد، بل هو تطبيقها، ففيما يتعلق بالفضيلة لا يكفي أن يُعلم ما هي، بل يلزم زيادة على ذلك رياضة النفس على حيازتها واستعمالها.» وهذه القاعدة يصح تطبيقها على علوم الحياة كما صح تطبيقها عند أرسطوطاليس على فنون الأخلاق، فليس يكفي في علوم الحياة أن يحوز الإنسان علمًا بقواعدها، بل يجب أن يتعمق فيها ليحوز ذلك التصور الواسع الذي لا يجعل هذه العلوم قواعد جامدة فقط، بل يعطيك من العالم ونظامه فكرة فنية أساسها الجمال الذي يصدر عن المحسوسات والمرئيات، ويزيدك في الحياة حبًّا ويزوِّدك فيها بقوات عظمى تستخدمها لترقية النوع الإنساني.

يتبادر إلى ذهن البعض أن العلوم العملية، ومنها علم الحياة بفروعه، هي أشبه الأشياء بالجوامد التي لا تبعث في النفس روعة ولا تخلق فيها جمالًا، بل قد يذهبون إلى أبعد من هذا، هم يصورون العلوم بالصخور الصَّلْدة التي تتكسَّر عليها أمواج الأدب الذي يشبِّهونه بمياه البحر الناعمة اللطيفة. ولكن الحقيقة الواقعة على الضد من هذا، الحقيقة أن في جوف تلك الصخور الصَّلْدة عالَمًا من الجمال، لا يمكن بحال أن يصل إلى تصويره الأدب مهما ارتقت فنونه ومهما تعدَّدت أساليبه، إنما البلوغ إلى هذا العالم الفني العظيم وَقْفٌ على أساليب العلم وحدها، وفي حدْسي أن هذه الأساليب لا بد من أن يكون لها من الأثر البعيد في الآداب ما لا نستطيع تقدير مداه، وإن كنا على يقين من أنه تأثير سوف يبلغ مدًى قصيًّا من تغيُّر الفكر الإنساني في الحياة.

ولا أستطيع بحال من الأحوال أن أدَّعي أن هذه الصورة قد قامت في عقول الناس عندما بدأ الدكتور صرُّوف يدافع عن مبدأ النشوء والارتقاء واحدًا فردًا منذ أكثر من نصف قرن من الزمان. وهل تعرف ماذا يُفْهَم من نصف «قرن»؟ يُفْهَم منه أن روح التعصب كانت لا تزال بعيدة التأثير في العقول، وكان الجامدون لا يزالون ملتصقين بجدران الزمان يَسْنِدون ظهورهم إلى جملة من المذاهب العتيقة التي أخذت لَبِناتها تتهدَّم لَبِنَةً بعد أخرى، وكان في يدهم قوة التقاليد يَنُوءُون بها على العلم وأهل العلم. وكانت المعركة لا تزال حامية الوطيس بين داروين وأنصاره هربرت سبنسر وهكسلي من ناحية، ومستر سان جورج ميفارت والأسقف ويلبرفورس من ناحية أخرى، ومن حول هذه المعركة دارت معارك أخرى في ألمانيا وفرنسا، بل لا تزال المعركة دائرة حتى اليوم في أمريكا، وليس في أمريكا وحدها، بل في إنكلترا أيضًا، فإن المعركة التي دارت وتدور اليوم حول كتاب الصلاة المقرر في الكنيسة الإنكليزية والأثر الذي خلَّفه خطاب سير أرثر كيث، لا تزال أصداؤها ترِنُّ في آذاننا.

هذا ما يعني بنصف قرن من الزمان، في بدايته استمكنت تلك الصورة العلمية الرائعة الجمال من نفس دكتورنا الفقيد — رحمه الله — فقام يدافع عنها بقلمه ولسانه، والناس بعيدون عن أن يدركوا ما انطوت عليه تلافيف دماغه من صور الجمال العميق الثابت، لا الجمال الذي تحمله الكلمات والألفاظ والجمل التي قد تؤدي معنًى ما أو لا تؤدي، جمال العلم الثابت الذي هو أشبه بجمال الطبيعة، يخلُد ما بقيت صوره الخالدة السرمدية.

الصورة الفردية التي تكونت في ثنايا ذلك الذهن الإنسكلوبيذي الكبير لم تصبح اليوم صورة فردية، بل أخذت تمتد إلى العقول وتغزو الأفكار، كلا، بل غزت عقولًا ولَقَّحت أفكارًا. وذلك الجمال الذي كوَّنه عقل الأستاذ منذ نصف قرن من الزمان أخذت صوره تنتقل صورة بعد أخرى إلى أذهان أهل الشرق.

على أن لهذا الجمال آثاره العملية البعيدة في إدراك الناس، فليس هو بالجمال الأجوف الرنان الذي يبعث به الشعر، ولا هو بالجمال الذي تعطيه الألفاظ رونقًا موقوتًا تُمْحَى صوره إذا تراكمت عليها أتربة الزمان، بل هو الجمال المتجدد الدائم، هو النبع الذي يَفِيض بإكسير الحياة، عجز عن العثور عليه الرواد في صدر التاريخ الحديث، وعثر عليه العلماء في أواسط القرن التاسع عشر، أليس في نقل هذه الصور العلمية عن طريق علم الحياة أثر خالد يخلِّفه لنا صرُّوف العالم؟

(٢-٤) تغيير أساليب الفكر

في أوائل القرن الثامن عشر لمع في أوروبا نجم جديد أخذ الناسَ سناه، لمع في جو فرنسا نجم الفكرة الإنسكلوبيذية بعد أن كاد يأفل ذلك النجم أفول غيره من شموس الفكر المضيئة التي لمعت ثم خبت نارها على مر الزمان، غير أن هذا النجم لم يرسل بأشعته لتبقى وتضيء العالم، بل لمع بهيًّا زاهيًا وكأنه يودع العالم الوداع الأخير، فكان ذلك آخر عهد للفكر الإنساني به.

بزغ هذا النجم في العصر الروماني، وظل قويًّا خلال القرون الوسطى، ثم زاده اللورد باكون سناء وقوة إشعاع، وفاضت أنواره في أوائل القرن الثامن عشر، وكانت أعمال سبنسر آخر ما بُذل من جهد ليبقى ذلك النجم ساطعًا في سماء الفكر، ولكن حُمَّ قضاؤه ونزلت به صاعقة الموت على يد النشوئيين.

ومن الغريب أن الاتجاه الإنسكلوبيذي في جمع المعرفة وحصرها، قد ملك زمام كل الأمم التي عُنيت بالعلم والآداب في عصر ما من عصورها، فإن هذا الطور بنفسه قد مر به العرب، فكانت مدوناتهم وكتبهم الأدبية والتاريخية بل معاجمهم عبارة عن صور إنسكلوبيذية، تقل أو تزيد قيمتها باختلاف الأحوال. ولست أدري بماذا نعلل هذه الظاهرة، غير أنها ظاهرة ملموسة الآثار في التاريخ الفكري على كل حال.

وكان للسياسة أكبر الأثر في جذب مصر وسوريا إلى ناحية فرنسا، وهذه الفكرة لا تزال شديدة الأثر في العقول وفي الآثار العلمية. كان لنا أن نلجأ إلى فرنسا التي تظاهرت بصداقتنا منذ نيِّف ومائة عام، لنصد بهذه الصداقة تيار الاستعمار الأنجلوسكسوني عن الشرق، ولهذا السبب وحده تظاهرت فرنسا بالصداقة لسوريا، ليكون لها قاعدة تقاوم بها نفوذ إنكلترا التي بسطت سلطانها على الرجل المريض — تركيا — قضاءً لمآربها. ومن هذا الطريق ذاعت صور الثقافة الفرنسوية في مصر وسوريا، وكان من أثر هذا أن انتقل إلينا أسلوب الفكر الإنسكلوبيذي لا بكل حسناته وسيئاته بل بسيئاته وحدها.

لم يحفزنا نقل هذا الأسلوب إلى تدوين العلوم الحديثة ولا إلى نقلها فنتخذها في الحياة العلمية أساسًا، بل حفزنا إلى أخذ الصور الإلحادية التي أذاعها فولتير وديدرو وغيرهما من زعماء فرنسا في العصر الإنسكلوبيذي، فتخالطت بذلك الصور وتلاشت أساليب الفكرة العلمية، ومضينا نتخبط في هذه الدياجير حتى إذا أسلم بنا الزمان إلى أواخر القرن التاسع عشر واتجهت الفكرة إلى نشر المذهب النشوئي، أخذت العقول سمتًا جديدًا حوَّلتنا إليه الفكرة الأنجلوسكسونية في الحياة. وعندي أنها ليست فكرة في الحياة، بل هي الحياة بذاتها مصورة على ما يجب أن تكون الحياة الإنسانية في أخص حالاتها العملية، بل إن هذه هي نقطة الانفصال الحقيقي بين القديم والحديث في تاريخ الشرق العربي كله.

لا تعطيك الفكرة الإنسكلوبيذية في الحياة إلا صورة مما تقع عليه في تلك المعاجم الضخمة المشتتة المرامي التي أخرجتها جهود الإنسكلوبيذيين، فإنه من الصعب أن تقع في جماع تلك المجلدات الضخمة على مبدأ ينير للحياة سبيلها ويرسم لها قصدها وغايتها، وما الحياة إذا لم يكن لها قصد وغاية؟

في وسط هذه الفوضى التي نقلها الفكر الشرقي عن فرنسا أشعَّت أول الأقباس المضيئة منقولة عن النشوئيين في إنكلترا. والحق أنه لا يجدر بنا أن ننسى فضل جامعة بيروت الأمريكية في توجيهنا هذا التوجيه الذي كانت أساسه الحرية الفكرية المطلقة من كل القيود الثقيلة التي ربطتنا بالماضي على اعتقاد أنها النهاية التي لا يمكن أن نبلغ أكثر منها، فبين جدران هذه الجامعة قامت فكرة النشوء في عقل أستاذنا الكبير، وما أفلتت من بين هذه الجدران إلا لتملأ العالم الشرقي ضياء وتفيض عليه بفيوضها الحيوية.

هنا انتقلت المعركة إلى الشرق وما تزال قائمة، غير أن هذه المعركة قد أخذت في الشرق صورة تخالف الصورة التي أخذتها في الغرب، فأثرها في القضاء على الفكرة الإنسكلوبيذية الفرنسوية يكاد يكون تامًّا الآن، أما أثرها في القضاء على أساليب الشرق القديمة فلا يزال يحتاج إلى كثير من الجهد البالغ. على أن الطريق قد مُهِّد وأُزيلت أكثر عقباته ولم يبقَ إلا السير فيه بقدم ثابتة لنبلغ إلى الحد الذي سبقتنا إليه الأمم.

وهذه خطوة أخرى من الخطى التي خطاها بنا الأستاذ الكبير، أفليست تكفي وحدها لأن تجعل أثره في الشرق خالدًا؟

(٢-٥) الآثار الاجتماعية

ورثنا عن القرون الوسطى فكرة الخلاص الأخروي على أنها الفكرة التي يجب أن تتجه فيها جهود الحياة، فكأننا بهذا فصلنا بين معقول الحياة والحياة، أو بالأحرى فصلنا الفكرة في الحياة عن الحياة.

في القرون الوسطى، وفي بضعة القرون التي تقدمت قيام المعركة بين العلم وصور المعتقدات القديمة، قامت في العقول فكرة أن نهاية العالم تقترب وأن عمر الدنيا ألفان من السنين، وأن القرن العاشر من الميلاد هو نهاية العالم؛ هنالك انصرفت الفكرة إلى الآخرة. ومن الغريب أن انصراف الفكرة إلى الخلاص الأخروي لا تزال آخذة بخناق كثير من الشعوب على الرغم من أن العالم لم ينته بل لم يزل مشبوب القوة بالحياة. والحقيقة أن الوسائل كانت تنقص أهل العلم والذين أكبُّوا على الأسلوب العقلي يستدرُّون وحيه، فلما اهتدى العقل الإنساني إلى تعليل كافٍ لمذهب النشوء أخذت تتداعى جدران القديم حجرًا بعد حجر، وأخذت الإنسانية سمْتها نحو مبدأ آخر هو أن الخلاص الدنيوي لا ينزل عن الخلاص الأخروي قدرًا ولا ينحط عنه مكانة.

ونزل الإنسان عن عرش الملائكة، ولكن ليتربع على عرش آخر، هو عرش الحيوانات، وبان للناس أن السلسلة الطويلة التي انتهت بوجود البريمات وعلى رأسها الإنسان، إذ ترجع بدايتها إلى ملايين كثيرة من السنين؛ لا بد من أن تكون متجهة إلى بلوغ حد قد تنتهي إليه بعد ملايين عديدة من الأعوام في مستقبل عمر الكون. وهذه الفكرة الجديدة، على الرغم من أنها قياس تمثيلي صرف، على حد قول المناطقة؛ كان لها من الآثار الاجتماعية ما تتضاءل أمامه الآثار التي خلَّفتها الأوهام في مصر وبابل وأشور والكلدان خلال العصور القديمة.

على أن هذه الآثار من المتعذَّر أن تُحصى عدًّا، ولكن حسبنا أن نقول فيها إنها نقلت الإنسان من الآخرة إلى الدنيا، وكفى بهذا تصويرًا لمقدار ما تنطوي عليه من الآثار الاجتماعية الكبرى.

إن هذا الأثر الاجتماعي الكبير هو الذي تتبلور عنده جهود أستاذنا الكبير باعتباره عالمًا بيولوجيًّا أدرك إدراكًا تامًّا ما يمكن أن تنتهي إليه نشر الفكرة البيولوجية في أنحاء الشرق. وهنا نتساءل مرة أخرى: أليس هذا وحده بكافٍ لأن يجعل أستاذنا خالدًا؟

(٢-٦) النتيجة

وبعد، فهذه هي الآثار التي ترتبت على اشتغال الدكتور صرُّوف بعلوم الحياة، وإني ليحزنني أن أكون اليوم راويها، يحزنني أن نفقد ذلك النجم الساطع في ليل أَلْيَل وفي عصر نحن أحوج إليه فيه مما كنا إلى أمثاله في كل عصور التاريخ.

ومهما يكن من أمر هذه الصورة التي صورت بها ذلك الجهد الكبير الذي بذله الدكتور العظيم، فإني لأعتقد اعتقادًا لا يوهنه الشك بأن المستقبل كفيل بأن تتضاءل هذه الصورة أمام أهله إذا ما اكتملت في العقول كفاءة القياس التاريخي، وأدركوا أن اسم صرُّوف ينزل من تاريخ الشرق منزلة الحركات الفاصلة في تاريخ الفكر الإنساني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠