مَاهِيَّة التاريخ

(١) التاريخ من الوجهة الفنية

يُخيَّل إلى بعض المشتغلين بالعلوم الحديثة أن من المستطاع أن يُلَقَّن التاريخ على أنه «علم Science» من العلوم الطبيعية المبنية على الاستقراء، فلا يكفي النقل فيه، بل لا بد من تطبيقه على نواميس الاجتماع المؤيدة بالاستقراء، وكل من أمعن النظر في هذا الرأي استخلص منه قضيتين: الأولى أن التاريخ علم استقرائي، والثانية أن للاجتماع نواميس مؤيدة بالاستقراء يمكن أن تُتخذ أساسًا لكتابة التاريخ على أنه علم يقيني تام، لهذا نريد أن نبحث هاتين القضيتين لننتهي من بحثهما بحكم صحيح، يرينا أيمكن أن يصبح التاريخ علمًا بالمعنى المعروف في تقسيم المعارف الإنسانية، أم أنه لا يزال فنًّا نظريًّا كما ظل طوال العصور الماضية.
العلم Science والفن Art والآداب Literature ثلاثة اصطلاحات تدل في العصر الحاضر على ثلاثة أشياء معينة، يفصل بينها في الاعتبار العقلي حدود موضوعة، ولا تجتمع إلا في حيز واحد، حيث ترجع برمتها إلى أنها نتاج للفكر الإنساني.
على أن كلمة «العلم» كثيرًا ما اسْتَبْهَم على الكُتَّاب فهم المقصود منها، ولقد وُضع لهذه الكلمة من التعاريف في الفلسفتين القديمة والحديثة ما لا يعده حصره. وبقيت كفاءات العقل الإنساني متخالطة في مباحث الفلسفة حتى قام الفيلسوف «أوغست كونت» بوضع الفلسفة اليقينية Positive Philosoply محوِّرًا منازل العلم بمقتضى كفاءات العقل البشري. على أن الفلسفة اليقينية على ما يعتورها من النقص، شأن كل المذاهب الفلسفية إزاء النقد الحديث وإزاء تشعب فروع المعرفة العامة، فإنها وضعت قواعد أولية، زادها النقد قيمة، واتخذها الناقدون دعامة لمباحثهم، فأنتجت مذهبًا جديدًا في حدود المعرفة الإنسانية.
انتهى الباحثون في أوائل القرن العشرين إلى أن «العلم Science» نتاج القوة التجريبية والتطبيق العلمي في القوانين الطبيعية الثابتة والاستقراء القائم على قواعد راهنة كقواعد الرياضيات، والفن Art نتاج القوة المخيِّلة أو المصوِّرة، والآداب Literature نتاج القوة النظرية والبحث الاستنتاجي. فالآداب بذلك دعامة العلم التجريبي الاستقرائي، والعلم لا محالة مسبوق بها، وهي في ذاتها علوم أولية لا تزال في طور التكوين والنشوء Incipient Sciences، ولكنها ليست علومًا يقينية تميزت وتقررت قواعدها شأنَ العلوم الرياضية والطبيعية مثلًا. ويصح أن تكون بعض مباحث الآداب في اعتبار البعض علومًا نظرية لا تجريبية يقينية.
«فالعلم» تتبعه الرياضيات وعلوم الطبيعة والكيمياء والآلة وما إليها، و«الفن» يتبعه الشعر والموسيقى والتصوير وما إليها، و«الآداب» تتبعها البلاغة والتاريخ والاجتماع والفلسفة عامة في أوسع معانيها. وهذا التقسيم نفسه قد يختلف فيه الباحثون اختلافهم في تعريف النفس والفلسفة العقلية، غير أن الرأي السائد في عقول الناظرين في منتجات العقل الإنساني أنهم يفرقون بين العلم والفلسفة أو الآداب كما يدعونها اصطلاحًا، باعتبار أن كل ما خرج من حيز النظر إلى حيز العمل والتجربة فأصبح ذا قواعد طبيعية ثابتة لا ينتابها التغير ولا يعتريها التبديل؛ فقد أصبح علمًا يقينيًّا Positive Science، وكل ما لم يدخل ذلك الحيز فهو فلسفة أو أدب Literature، ذلك هو الفرق الموضوع اليوم بين الفلسفة أو الآداب وبين العلم.

ولقد قامت في أوروبا مدرسة أخصها أساتذة التاريخ في جامعة «السوربون» بفرنسا، وعلى رأس هذه المدرسة الأستاذ الفيلسوف «هنرى برغسون»، يحاولون أن يكشفوا عن قانون أو سُنَّة عامة يخرجون بها التاريخ من حيز الآداب أو الفلسفة أو الفن، كما يتطرف البعض في التعبير، ليدخلوه في حيز العلم المحض، بحيث يصبح للتاريخ قواعد راهنة تنتج أسبابًا واحدة، وجاراهم في ذلك فئة من كُتَّاب هذا العصر.

وإذا نظرت في الواقع، لوجدت أن كل فرع من فروع الآداب والفلسفة قد اشتُقَّت منه علوم تختلف نظرات الباحثين فيها اختلافًا كبيرًا أو يسيرًا على مقتضى الظروف، فأمم العالم مثلًا تتفق جميعها في قَطْع أدوار نشوئية عامة، فلكل أمة مثلًا عصر حجري وعصر برونزي وعصر حديدي، ولكن التاريخ لم يصل إلى هذا الحد من العلم اليقيني حتى نَزَعَت العقول إلى القول بأن البحث في ذلك ليس من خصائص التاريخ، فوُضع لهذا الفرع من التاريخ اسم خاص أُطلق عليه فسُمي «علم الأنثروبولوجيا»، وهو علم أدنى لُحْمَةً بالاجتماع والسيكولوجيا منه بالتاريخ بمعناه المتداول المعروف. كذلك إذا نظرت في التاريخ وفي فلسفة التاريخ التي كتب فيها «هردر» الفيلسوف الألماني و«فولتير» الكاتب الفرنسوي الأشهر، فإن فلسفة التاريخ لم تلبث أن انقلبت اجتماعًا، وتركت التاريخ حيث هو وكما كان معروفًا من قبل. وكل هذا لا يجعل التاريخ علمًا ثابتًا ذا قواعد مقررة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

إن قانون الارتقاء الذي غيَّر من نزعات الإنسان ومشاعره وصَبَّ كل جماعة من الجماعات في قالَب خاص بها، لم يجعل للتاريخ من سُنَّة عامة تكافئ بين حالات الإنسان في كل عصر من العصور، وإلى ذلك يرجع السبب في أن العلل الواحدة التي تؤثر في حالات الاجتماع الإنساني قد تنتج نتائج مختلفة باختلاف الظروف والحالات والمؤثرات الخفية التي لن نعرف منها إلا ظواهرها دون حقائقها وماهيَّاتها.

يقول هربرت سبنسر: «إن تاريخ العضويات يثبت أن الارتقاء الحقيقي ينحصر في التغاير من حال التجانس إلى حال التنافر، وإن سُنَّة ذلك الترقي العضوي هي سُنَّة ضروب الترقي كافة. ثم يقول: إن كل ما في الكون مثل تكوين الأرض، ونشوء الحياة فيها، ورقي الجماعات في العمران، ونشوء الحكومات والصناعات والمتاجر والآداب والعلوم والفنون جماعها تخضع لهذه السُّنَّة الطبيعية في التغاير التدرجي من الوحدة النوعية إلى الاختلاف والتكاثر النوعي. فإن الانتقال من حالة التجانس إلى التنافر كان السبب الوحيد في حدوث الارتقاء منذ ظهر أول أثر للتغايرات الكونية في الوجود إلى أن بزغ فجر المدنية في تاريخ الإنسان.»

هذه سُنَّة عامة أخذها الباحثون في كل علم من العلوم ليعرفوا بها تلك الأسباب التي تسوق من التجانس إلى التنافر، طبقها علماء الحيوان والنبات على الأنواع ليعرفوا أصلها وكيفية نشوئها، وأخذها علماء الحياة ليعرفوا السبب في نشوء الأفراد التي تكوِّن الأنواع. ومما لا مُشَاحَّة فيه أن المؤرخين وعلماء الاجتماع لو استطاعوا أن يعرفوا الأسباب التي ساقت الجماعات الإنسانية في سبيل الارتقاء من التجانس إلى التنافر، لا في صفاتهم العضوية؛ لأن ذلك متروك لعلم الحياة أو التكوين العضوي، بل في تكوين الصفات التي كونت مشاعر الجماعات وميولها وأذواقها والقواعد التي تحكم صلة هذه الصفات الإنسانية في المجتمع العام أو في الكل الاجتماعي، وأمكنهم أن يكشفوا عن البواعث الطبيعية التي دفعت بالجماعات الإنسانية الأولى إلى التَّطْواف والمهاجرة ونشوء اللغات وعلاقتها بتطور الإنسان … إلى غير ذلك من الأسباب التي تكوِّن التاريخ عامة؛ فهنالك يمكنهم أن يجعلوا التاريخ علمًا ثابتًا، أما وإنهم لم يبلغوا ذلك المبلغ فالتاريخ لا يزال فرعًا من فروع الآداب، وأغلب الظن على أنه سوف يظل كذلك أزمانًا لا نقدرها.

ولا نعلم كيف يستطيع أحد أن يفكر في وضع قواعد للتاريخ تقاس بها الحوادث وتُتَعرف النتائج كالحال في بقية العلوم، أو وضع تعاريف عامة للتاريخ يؤمن بها كل الناظرين فيه كما آمن الرياضيون بأن النقطة آخر الخط وأن الخط نهاية السطح، والمؤرخون لا يزالون مختلفين، ولن يظلوا مختلفين في البواعث التي كوَّنت التاريخ الإنساني، فمنهم من يقول بأثر البيئة الاجتماعية، ومنهم من يقول بأثر البيئة الطبيعية، ومنهم من يرد أسباب التاريخ إلى العوامل الاقتصادية، ومنهم من يرجعها إلى المؤثرات النفسية، وكل فرقة من هذه الفرق وكثير غيرها قد سبقت إلى كتابة التاريخ مُنْتَحِيَةً منحاها الخاص، متَّبعة طريقها ومبدأها.

إن آخر رأي ذاع في البواعث التي أحدثت التاريخ الإنساني كان رأي العلَّامة «بنيامين كد» الكاتب الاجتماعي الأشهر، ورأيه أن المحور الذي تدور حوله دائرة التاريخ الإنساني، بل مظهر التاريخ البشري الوحيد، ينحصر في موقعة كبيرة وشجار دائم قامت به الجماعات ابتغاء أن تخضع عقليتها وقوتها الاستنتاجية لقوتها الشعورية، ذلك لطبيعة في الجماعة لن تنفك عنها، طبيعة تُخضِع الجماعة دائمًا لقوة الشعور دون قوة العقل. وأن تلك الحروب التي مزجت دم الإنسانية الذكي بحضيض الثرى، وتلك الثورات المدنية والاجتماعية ليست سوى نتيجة من نتائج تلك الطبيعة، فالانتقام والغضب والكراهية والتعصب للجنس والمعتقَد مظاهر لن تجد لها في الأفراد من أثر في تحطيم بناء مدني أو قيام حالة من حالات العمران، ولكنك ترى أن للجماعة من مظاهر الخضوع لهذه البواعث ما كان سببًا في قيام الحروب والثورات على مدى الأزمان.

غير أنك تجد أن علمَي الاجتماع والسيكولوجيا، وهما الدعامتان الوحيدتان لهذه الطريقة، لم يتقيد النظر فيهما بعدُ بقيود علمية ثابتة، ولا تزال موضوعاتهما رهن التغيير والتبديل. واختلاف الآراء وتنافرها في معضلات هذين الفرعين لا يقاس بها اختلافها وتنافرها في أي فرع من فروع المعرفة الحديثة، اللهم إلا في قليل من الآداب التي يتسع فيها مجال الخيال، وتتنافر في النظر فيها عقول الباحثين، وتختلف فيها وجوه البحث باختلاف الناس.

ولقد عجزت كل العلوم وفروع المعرفة برمتها حتى اليوم عن وضع حد فاصل لعلاقة الفرد بالمجموع، ولم يستبِن الباحثون قياسًا محكمًا يضبط في نظرهم هذه العلاقة، وسيبقى اصطلاح «الفرد المستقل» اصطلاحًا غامضًا، بل مظهرًا من مظاهر اللبس والإبهام، إن لم يكن في ذاته خطأً محضًا لا يقوم له في الطبيعة الاجتماعية مثال. كذلك إذا نظرت في اصطلاح «التطور الاجتماعي»، وتساءلت ما هو التطور الاجتماعي العام؟ فإن ذلك الاصطلاح لم يكشف له العلم عن قانون محدود، ولم يعرف الباحثون في الماضي ما يمكن أن يكون مقياسًا تقاس عليه الظروف والحالات التي يتشكل فيها النشوء، ويتكوَّن بتشكُّله التاريخ الإنساني، ولم يفصح العلم عن تلك الأسباب التي تسوق الجماعات إلى التغاير والاختلاف عن حالاتها الأولى، فتدفع بها إلى الرقي أو تبعث بها إلى حضيض التدهور والانحلال.

وما دامت العلاقة بين الفرد والمجموع لم تُعرف وكذلك الأسباب التي تسوق الجماعات إلى الترقي أو الانحطاط، أو علاقة الجماعات الخاصة بمجموع الكل الاجتماعي؛ فكيف يخطر على عقل بشر أن العلم الإنساني، وهو على ما ترى من النقض والتخلخل، في مستطاعه أن يضع للتاريخ قواعد ثابتة كقواعد الرياضيات، ما دام النظر في الاجتماع لم يصبح بعدُ علمًا يقينيًّا صحيحًا، وهو دعامة الطريقة العلمية في بحث التاريخ؟ وكيف بعد هذا يتصور إنسان أن التاريخ علمًا؟

•••

ظل القول بأن التاريخ فرع من الآداب منذ زمان «زونوفون» و«هيرودوت» و«بلوتارك» و«ليفي» إلى «غيبون» و«ماكولي» و«ميشليه»، ولقد نهج «ستبس» و«سيلي» الطريقة الوصفية في كتابة تواريخهما رغم نزعتهما إلى الطريقة العلمية التي دعوا إليها زمانًا. أما «السوربون» اليوم فيمثل الرأي العلمي يوحي إليه الأستاذ «برغسون» بذلك الوحي، محاولًا وضع حدود لمسألة لا حدود لها في الواقع.

ولقد ذهب اللورد «ماكولي»، وهو أكبر مؤرخي الإنجليز في القرن التاسع عشر، مذهبًا خاصًّا فقال: إن التاريخ ليس إلا صفحات من الزمان تتعاقب عليها صور الجماعات بما فيها من أثر العلم والأدب والانفعالات والمؤثرات الطبيعية والنفسية والاقتصادية والجغرافية، كالمنظر الذي تراه في صفحة السماء يومًا يستحيل عليك أن تراه بذاته مرة أخرى بما فيه من اختلاف الصور والألوان والأشكال والتغايرات المتعاقبة. من هنا نجد أن أهل الشهادة لحوادث التاريخ كأهل الشهادة لمناظر الطبيعة، إن رأوها وتناولوها بوصف وأخذت عنهم ذلك الوصف أو تلقيت عنهم تلك الصورة لتقيس عليها أو لتستنتج منها أو لتقارنها بغيرها من الصور التي تقع تحت حسك؛ فإنك إنما تنظر بنظر غير نظرك، وتنعكس على لوحة نفسك صور انفعالات وبواعث وعواطف قد تشعر بما يناقضها تمامًا لو أنك نظرت إليها بعينَي نفسك وتحت تأثير مشاعرك وانفعالاتك الخاصة.

وإذا اعتبرنا التاريخ صورة فيجب علينا أن نعتبر المؤرخ مصورًا تخطُّ ريشته لأهل زمانه الصور التي تنعكس على لوح نفسه من ممارسته لحوادث الأزمان الغابرة، تلك الأزمان التي لن نعرف من حقائقها إلا بقدر ما أثَّرت حوادثها في أنفس المؤرخين فيها، فالمؤرخ إنما يستمد من خيال غيره ومن انفعالات غيره ومشاعر غيره، ليستخرج صورة جديدة تستحيل إليها نفسه، ويكون مقدار خطئها أو صوابها راجع إلى مقدار قربها أو بعدها من حالات العصر الذي يؤرخ فيه، وحالات العصر الذي يؤرخ فيه منقولة إليه برمتها عن غيره، وصحة النقل أو خطؤه راجعان إلى صحة نظر الذين صوروا ذلك العصر أو خطئهم. ومن هنا لا تستطيع أن تضع للتاريخ مقياسًا تقيس عليه حقائق الأزمان الماضية وتتنبأ بها عن المستقبل اعتمادًا على ظروف حاضرة، إذا وعيت هذه الاعتبارات في مجموعها.

يقول «جوته»: «إن التاريخ يجب أن يعاد تدوينه والنظر فيه من حين إلى آخر، لا لأن حقائق كثيرة تكون قد عرفت على مر الأيام، بل لأن أوجهًا من النظر قد تظهر في أفق البحث العقلي، ولأن المعاصرين الذين هم ذوو ضلع كبير في تقدم عصورهم وارتقائها، يساقون دائمًا إلى غايات ينتهون بها إلى حيث تصبح ذات صبغة يقتدر بها على تدبر الماضي والحكم عليه بصورة لم تكن معروفة من قبل.»

ومن طريق النظر في فكرة «جوته» في التاريخ ساد الرأي عند المؤرخين بأن القول بأن التاريخ فرع من العلوم الاستقرائية مسألة غامضة مبهمة، والحقيقة أن أصحاب ذلك القول لم يقيموا من حجة على صحة رأيهم، فتخلصوا من موقفهم بالقول بأن التاريخ فرع من العلوم الاستقرائية باعتبار الموضوع، وفن باعتبار الذاتية. ولقد رُدَّ على هؤلاء رأيهم هذا بأن التاريخ إن اعتُبر علمًا باعتبار الموضوع، فإنما يصبح اجتماعًا صرفًا ليس للتاريخ فيه من أثر، اللهم إلا علاقة المستمِد من المستمَد منه.

ولقد نقد الأستاذ «ماكولي تريفليان»، وهو خير من أرَّخ في نهضة إيطاليا الحديثة، رأي الذين يذهبون مذهب أن التاريخ علم يقيني، فقال في ماهية التاريخ وفائدته في مقالة عنوانها «كليو Cilo»، أي إلهة التاريخ، فقال:
إن ميزة التاريخ التي لا ينكرها أحد تنحصر في تدريب العقل، ليصل إلى درجة يقتدر بها على إدراك المسائل السياسية إدراكًا صحيحًا، ولكن هذه الميزة لا تتناول التنبؤ عن المستقبل، فلا يمكن للتاريخ مثلًا أن يمدنا بمجموعة من السنن العامة يصح تطبيقها في كل عصر ليسترشد بها السياسيون، ولا يستطيع التاريخ أن يظهر لنا من طريق المقارنة التاريخية مَنْ مِنَ المتخاصمين كان في جانب الحق في أية مسألة من المسائل العامة. ولكن ماهية التاريخ تنحصر في شيء أبعد من ذلك شأنًا وخطرًا، وهي تدريب عقلية الإنسان على معالجة المسائل العامة وفهمها ومشاركة بقية الأمم في شعورها، فإن المعلومات التي يمدنا بها التاريخ لا قيمة لها في ذاتها ما لم تخلق فينا حالة فكرية جديدة، فإن فائدة تاريخ «ليكي Leckey» في أيرلندا لا ينحصر في أنه دوَّن في كتاب واحد تفاصيل المذابح العديدة وحوادث القتل والتفظيع، بل إنه أحدث فينا حاسَّة بالعطف والشعور بالخجل، وساعد على إدراك الحقيقة التي تقضي بأن ذنوب الآباء تتعدى إلى الأبناء وإلى الأجيال التي تَشِبُّ على الكراهية١ فهو لم يبرهن على منح الحكم الذاتي لأيرلندا من حيث هو خطأ أم صواب، بل درَّب عقول أنصار الاتحاد مع إنجلترا وأنصار الحكم الذاتي لأيرلندا على إدراك المسألة الأيرلندية وغيرها من المسائل إدراكًا صحيحًا.
ثم أردف المؤرخ هذا القول بالكلام في مسألة أخرى أثبت بها أن التاريخ لا يمكن أن يستنتج قوانين عامة من الأسباب والمسببات كالعلوم الطبيعية مثلًا، قال:

وما زالت المحاولات التي ترمي إلى استنتاج الأسباب والنتائج التي تنطبق على حياة الإنسان وحالاته السياسية، والتي تتكرر بتكرر حدوث هذه الأسباب؛ معدومة الجدوى. فإذا استطعنا مثلًا إقامة البرهان العلمي الثابت على قانون الجاذبية، تعذر علينا ذلك في البحث التاريخي، كما لو أردنا مثلًا أن نثبت أن المجاعات تنتج الثورات دائمًا، وهو ما لا يمكن إقامة البرهان على صحته، بل إن عكس ذلك صحيح في جملة حوادث يستنتج منها أن المجاعات تنتج خضوعًا واستسلامًا ومذلة. من هنا لا يمكن الفصل بين أية حادثة من حوادث التاريخ وبين ما يحيط بها من الظروف إذا ما أردنا أن نستوضح قانونًا عامًّا يمكن تطبيقه على كل ظرف؛ لأن الحادثة التاريخية ليست سوى مجموعة من الظروف لا يمكن أن تحدث بظروفها مرة أخرى.

ثم قال الكاتب متهكمًا:

وليس لأحد هذه القدرة إلا السياسيين الذين يزخرفون خطبهم بالحجج والدلائل التاريخية.

من هنا نعتقد أن التاريخ فن من فنون الأدب لا يصبح علمًا ثابتًا إلا بعد أن يكشف المؤرخون الذين ينتهجون النهج العلمي في التاريخ عن الأسباب التي ساقت الإنسان من تجانسه الفطري إلى تنافره الاجتماعي، وعن السنن والقواعد التي تحدد علاقة الفرد بالمجموع الذي يتبعه، وعلاقة ذلك المجموع بالكل الاجتماعي، ويفصحوا عن حقائق التطور الاجتماعي وضوابطه، والانفعالات وبواعثها، والمشاعر وتشعُّب مناحيها، حتى تصبح قواعدهم التاريخية كقواعد علوم الحيوان والنبات والتكوين العضوي مبنيةً على سُنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.٢

(٢) التاريخ من الوجهة الوصفية

١

هل تعرف كيف نشأت في وسط هذه البيئة الاجتماعية التي تتحكم في أفكارك ومشاعرك التحكم كله؟ وهل تفقه من سبب يجعل خضوعك لحكم البيئة التي نشأت ورُبِّيت فيها تامًّا كاملًا، في حين أن عقلك طالما نزع بك إلى الثورة ضد النظام القائم من حولك؟ وهل تعرف من سبب طبيعي ترجع إليه إذا ما حاولت أن تحلل حقيقة ذلك العراك القائم في دخيلة نفسك بين ما يوحي إليك به عقلك، وبين ما تُقِرُّك عليه مشاعرك؟ إذا كنت في حيرة من أمرك إزاء هذا كله فارجع معي إلى جزائر البحار النائية، إلى جزائر «تاهيتي» أو «فرناندو نورونها» أو جزائر «أرض النار»، وطُفْ بمجاهل تلك البقاع التي لم يَشِعَّ فيها للمدنية شعاع، ولم يرسل إليها العلم بخيط من خيوطه المضيئة منذ أن انفصلت الأرض عن بقية النظام الشمسي لتدور حول فلكها المرسوم. هنالك وبين عشائر المتوحشين، تلمس بيدك حقيقة ما يعنى الطبيعيون ﺑ «الوراثة الطبيعية» والتقاليد التي خرج بها الإنسان من ماضيه المشحون بما تعرف، وهو ضئيل تافه، وبما لا تعرف، وهو تِيهٌ موحش تعجز مخيلتك عن أن تدرك طرفًا من أطرافه، إلا قليلًا.

على أن أخص ما تقع عليه مما يحيط بك من حقائق الحياة الإنسانية في فطرتها الأولى، خضوعُها خضوعًا أعمى لحكم الغيب دون حكم الشهادة، تَحُفُّ بك حياة شاعرة لا غير، ولن تقع على أثر من آثار الحياة العاقلة التي تسكن لحكم المنطق ولا تجاري العواطف وقواسر الطبيعة البشرية. وأبلغ ما يأخذ برُوعك في تلك الحياة أنك تُلفي نفسك محوطًا بعالم من الأرواح فيه جَمَال، وفيه وَحْشَة؛ فالصخور القائمة من حولك، والأشجار الحافَّة بك، والماء والسماء، والدواب والهوام، بل أنت نفسك عبارة عن أرواح تتخايل إليك في سيرك وضَجْعَتك، في نومك وهَجْعَتك، في غَدْوَتك ورَوْحَتك، متحكِّمة في ماضيك ومستقبلك، مؤثِّرة في سرك وعلنك، وعلى الجملة يُخَيَّل إليك أنك رُوح مُسَيَّرَة في وسط عالم من الأرواح، منفصل عن عالم المادة.

ولا يسبقنَّ إلى حَدْسك أنك ثمرة مباشرة لمدنية القرن العشرين، فإن ما فيك من أثر الماضي؛ من أثر آبائك في العصور الأولى، أكثر مما فيك من أثر المدنية الحديثة، فأنت ابن الذين اعتقدوا بتعدد الآلهة، بل ابن الذين عبدوا الأحجار والأصنام والحيوان والنبات، وقدَّسوا الوهم وأماتوا العقل، ومَشَوْا مع الخيال، ونبذوا حكم القياس المنطقي. فيك من أثر تلك البيئة أضعاف ما فيك من أثر المنطق في الفلسفة، والتوحيد في الدين. بل جُلُّ ما بينك وبين آبائك من فرق أنك اجتزت دورًا لا يزال أولئك المستوحشون في جزائرهم النائية عنوانًا عليه في الزمان الحاضر، فإذا فَخَرَت بأنك من أبناء القرن العشرين، قرن العلم والمدنية، فلا تنسَ ذلك الماضي لتتخذ القياس عليه نبراسًا تستضيء به في ظلمات بحثك في تاريخ النوع الذي أنت تابع لإحدى سلالاته، ولتتذكر دائمًا أنه من الأَوْلى بك أن تقول «كان آبائي» بدل أن تقول «كان الأولون».

في عصر من تلك العصور التي قطعتها الإنسانية في شوطها نحو المدنية الحديثة، كان المعتقد أن الأزمات التي أحاطت بالشعوب، لا بل كل ما حَفَّ بالأفراد من مطاليب الحياة وقواسرها؛ راجع إلى فعل إرادة عُلوية تفعل في الجزئيات فعلها في الكليات، وأن كل لُبَانَات النوع الإنساني خاضعة لتأثير قوة من قوى الغيب أو ما يسمونه ما وراء الطبيعة، تحتكم في كل دورة من دورات الحياة، مهما ضَؤُلَ أو عَظُم شأنها.

لهذا لم يشعر العقل الإنساني بحاجة ماسَّة تضطره لأنْ يستكشف سر العلاقة الكائنة بين الماضي والحاضر؛ ليربط بينهما بسلسلة منظومة من السببيات الطبيعية، بل أَخْلَد لحكم الطبيعة والزمان، فظل العقل لغوًا طوال تلك الأعصر التي نزلت فيها الإنسانية على حكم المشاعر وحدها، لهذا تجد أن التاريخ لم يُعْنَ بشيء إذ ذاك عنايته بأقوال مجموعة من الأفراد، والإشادة بذكر لفيف من الناس برزوا من بين الصفوف المتراصَّة، وحكمت المشاعر بأنهم ظلُّ من ظلال السماء فوق الأرض، وأنهم المنفذون لما يريد القضاء ولما يُمْلي القدر في تلك الجموع التي استنامت لحكم المعتقَد الثابت، حتى سلبهم ذلك المعتقَد صبغة الإيجاب فظلوا على السلب عاكفين، غرقى في السبات حول تلك الأسس التي شُيِّد عليها صرح المجتمع البشري.

لما أن انقضى ذلك العصر بما فيه من بواعث التخيل، وبما كان فيه من أوجه الجمال مقرونة بموحِيات القوة الشاعرة وحدها، واستكشف العقل أن لموجات الحوادث الإنسانية التي طَمَت على الأزمان الأولى نظامًا أشبه بنظام سير الأجرام في أفلاكها، وأن الشعوب التي تطفو على وجه الحياة، والشعوب التي تبتلعها الحوادث الاجتماعية فتُطْمَر في جوف الزمان؛ هي بذاتها مظهر من مظاهر الحياة وحقيقة من حقائقها الكثيرة. بَيْدَ أنها تَمُتُّ بأصلها إلى أبعد الأزمان إيغالًا في أحشاء الدهور، محوطة بآثار ما فيها من طبيعة الحركة، وفطرة التقدم، ودوافع الارتقاء. هنالك شق التاريخ لنفسه في حياة الجماعات سبيلًا بكرًا، وتوجه العقل سلطانًا مسيطرًا على ناحية من نواحي المنفعة المحققة التي ينشدها الإنسان في هذه الحياة الدنيا. وهنالك نبذ التاريخ طريقة العكوف على الكلام في دسائس الأمراء وذوي المطامع من أهل الجاه، وترك القسيس في معبده يحاول أن يفسد السياسة بالدين وأن يفسد الدين بالسياسة، وأهمل حاشيات الملوك ومنافساتها، ومماحكات قواد الجيوش ومناظراتهم، وعَمَد إلى تدوين أوجه الحركة والنظام الذي يفيض به نهر الحياة الإنسانية، منصبًّا في ذلك المنحدر الذي طالما طَفَتْ فوقه الملوك والأمراء على مدى العصور، وهم أشبه الأشياء بفضلات الهشيم المتناثرة؛ إذ تتلاعب بها أمواج يَمٍّ ثائر أدركه المَدُّ في ليل اشتدَّت حُلْكته، واعْتَكَر ظلامه.

قد تقول غير هذا، قد تقول: إن تعليل حوادث الحياة الإنسانية إذا أخذ يبتعد شيئًا فشيئًا عن فكرة تدخل الإرادة العُلوية في جزئيات الحياة وكلياتها معًا، بعد أن عَمَد الناس إلى تعليل الظاهرات بالأسباب الطبيعية؛ رجع العقل عن البحث وراء المصادر التي تحرك الحوادث إلى البحث في الأسباب التي كوَّنت الجماعات الإنسانية. وهنا اتُّخذ التاريخ على أنه قاعدة ثابتة لا يستطيع باحث أن يلجأ إلى غيرها من ضروب المعارف الإنسانية، إذا ما أزمع أن يفقه شيئًا من طبيعة الحوادث الحاضرة، أو أن يستكشف ناموسًا يستهدي به إن هو أراد أن يتدبر المستقبل.

نظر في التاريخ تلك النظرة، نظر إليه بتلك العين التي ينظر بها الجيولوجي إلى بقايا الحفريات المستحجرة ليتخذ منها حلقات وسطى تربط بين الأنواع المختلفة، فإن المؤرخين طالما حاولوا باستعماقهم في دراسة الحالات العامة التي قامت في كل عصر من العصور؛ أن يستشفُّوا حقيقة البواعث والأسباب التي تمكنهم من اكتفاء المؤثرات أو الأسباب التي تربط بين حوادث عصر «حاضر» بأبعد الحوادث وقوعًا في أحشاء التاريخ الإنساني.

استمكن هذا التصور من عقول الباحثين استمكانًا، وتغلغل في معتقد الناس، حتى إن كل عقيدة، أو مذهب، أو نظام مدني أو اجتماعي، بل الفكرات الطافية على سطح الحياة اليومية؛ قد لقي جماعها من الأنصار فئة حاولت أن تستكشف في تاريخها من الحلقات ما يربطها بحادثات وقعت خلال أبعد العصور إيغالًا في صميم القرون الأولى؛ أي بحادثة اجتماعية، أو تصور من التصورات، أو بمبدأ أو مذهب فلسفي، أو بأسطورة من أساطير الأولين.

في ذلك نزعة من نزعات الفكر. أما المذاهب الفلسفية، والمبادئ الدينية، فشَرْعٌ في حكم تلك النزعة، فإنك إذ ترى أن أصحاب المذهب الكثلكي في أوروبا يعودون بأبحاثهم إلى مخلفات الأزمان الأولى التي أينعت فيها النصرانية، لا بل إلى عصور الوثنية؛ ليستمدوا منها براهين وأدلة تؤيد حجتهم وتنصر مذهبهم في الدين، وإذ تُلفي أن البروتستانت يرجعون إلى مثاليات الإغريق، بل إلى سياسيات «بركليز» وتعاليم «أرسطو» و«سقراط» ومبادئ «سولون»؛ لينقضوا فكرة نظرائهم في العقيدة، وإذ تجد من جهة أخرى أن الراديكاليين يحاولون أن يقطعوا شوط الارتقاء قفزًا، على الضد من كل تجانس في نظام الطبيعة، تأييدًا لوجهة نظرهم في الحياة، وأن الرجعيين باعتقادهم أن مدنية العصور الأولى أقرب إلى مناهج الفطرة من مدنية العصور الحاضرة، يعملون جهدهم ليصدوا تيار التقدم راجعين بالأفكار والمذاهب والمعتقدات إلى أوابد العصور الغابرة، على النقيض من سُنن النشوء ونواميس الارتقاء؛ لا تستطيع إلا أن تحكم بأن هؤلاء جميعًا إنما يساقون في طريقهم سوقًا بمقتضى حكم الطبيعة ونواميس الحياة، فيُجهدون أنفسهم ويُفنون عقولهم ليثبتوا أن لتصوراتهم ومعتقداتهم علاقة وصلة ﺑ «الماضي» الذي تقدسه المشاعر وإن حكم ضده العقل، كل هذا ليبرروا ادعاءهم بأن معتقدهم وشِرعتهم أحق بالحياة والبقاء في الزمان «الحاضر».

ولماذا نقصر استشهادنا على ذلك بزعماء المذهب الكثلكي أو قادة الكنيسة البروتستانتية وحدهم؟ ولأيٍّ من الأسباب نقصر الكلام على الراديكاليين أو الرجعيين أو أية فئة من فئات الفلسفة أو العقائد، ونُعفي حَفَظَة الكرسيِّ البابويِّ في قصر الفاتيكان، أو جبابرة الملوك والقياصرة فوق عروشهم الرهيبة؛ من حكم تلك النزعة التي تصور أكثر ما في التاريخ من حوادث؟ ألم ترَ إلى بابوات روما وملوك الدولات العظمى كيف نزلوا عما كانوا يدَّعون من استمداد سلطاتهم وقواتهم من الله، وكيف رجعوا عن الدعوى بأن إرادتهم مستمَدَّة من الإرادة القدسية؛ فتراهم وقد نزلوا على حكم الزمان وساوَوْا بين أنفسهم والدَّهْماء، فلم يجدوا من مبرر يبرِّرون به وجودهم بعد أن تقوَّضت أركان حقوقهم الموهومة إلا أن يلجئوا إلى ذكرى ما كان لوجودهم من أثر في قيام المدنيات وارتقاء الشعوب، وأنهم كانوا القوَّامين على الشرف الوطني من أن تعبث به الأيدي الأجنبية، وأنهم كانوا حَفَظَة الآداب، وخَزَنَة المصالح القومية، وأنهم كانوا أول الآخذين بيد البلاغة والفن، وأنهم أول من عمل على سعادة الجماهير، إلى غير ذلك مما يرويه التاريخ؟

تجد من هذا عامةً أن الملوك ورؤساء الدين أصبح حكمهم إزاء التاريخ حكم أصحاب المذاهب والمعتقدات؛ إذ يحاولون أن يتخذوا من «الماضي» وثائق يعزِّزون بها «الحاضر» ويزكُّونه بما فيها من الأدلة والبراهين.

ولقد تعجز تلك النزعة التي صورت التاريخ على هذه الصورة عن أن تجد من الفكرات والنظريات ما يؤيدها، فكما أن التقاليد التي ورثها الفرد عن آبائه الأولين، وطريقة التربية التي خضع لسلطانها، والحوادث التي انتابته في الحياة، ومجمل الظروف والمؤثِّرات التي كوَّنته، لا بد من أن تترك أثرًا بارزًا في أخلاقه، وتُتَّخذ دليلًا على ما فيه من عزة وشرف في «حاضره»؛ كذلك الحال في السوابق التاريخية التي وقعت في الحياة العامة والأفكار، قد يمكن أن تُتَّخذ برهانًا من «الماضي» تُبَرَّر به الحالات «الحاضرة».

غير أن هذه السوابق التاريخية إذا اتُّخذت على أنها أسانيد موثوق بصحتها وقوتها، وأن دلالتها على الأشياء والحوادث ثابتة لا مبدِّل لها، فتَعْمِد كل سابقة منها إلى أن تثبت بحكم العقل ونزعة البحث أنها ذات الأثر الأول في إبراز الأسباب التي ساقت إلى وقوع حوادث الأزمان الفارطة؛ فإنا لا نلبث أن نشعر بأن تلك الشبكة المتخالطة التي تنسجها السوابق التاريخية متنافرة الأجزاء تنافرًا لا يعزِّز الادعاء بأن دلالتها على الأشياء والحوادث ثابتة، وأن الباطل ونزعات المشاعر لن تأتيها من بين يديها ولا من خلفها.

وقد نسوق هذا الحكم عينه على أولاء من فلاسفة المؤرخين الذين يحاولون أن يَعْزُوا السبب في نشوء الجماعات الإنسانية إلى فعل مؤثِّر بعينه من المؤثرات العامة، كتأثير الطقس أو الفواعل الجوية، أو البيئة الطبيعية، أو مبدأ بقاء القوة في نظام الكون المادي، إلى غير ذلك.

إن «كارليل» أكثر الباحثين استعماقًا في حقيقة الفكر، وأشد الكاتبين تبيانًا لضُئُولة المعرفة الإنسانية؛ قد نصح لكل المؤرخين أن ينصرفوا عن كل محاولة يراد بها إثبات أن نشوء الجماعات الإنسانية راجع إلى فعل مؤثر بذاته في مؤثرات الكون أو الحياة، وأن الأجدر بالمؤرخ أن يبرز صورة واضحة جلية للعصر أو الحادث الذي يؤرخ فيه، يستخرج منه عظة أو عبرة تنتج نفعًا ماديًّا في العمليات؛ لأن ذلك في رأي «كارليل» أَولى بالمؤرخ من أن يظن، ومن ثَم يتصور أو يعتقد أنه بتعليل نشوء الاجتماع استنادًا على مبدأ من مبادئ الكون قد بلغ إلى أبعد أغوار الطبيعة، من حين أن المعرفة الإنسانية، مَقِيسةً بأسرار الغيب والمجهول، ليست إلا كفِلِّينة طافية على وجه بحرٍ ما تبلغ له من قرار.

غير أن «كارليل» مع هذا الاعتقاد يحتِّم على كل الباحثين أن ينزعوا إلى البحث في «الماضي»، إذ يقول:

إن الماضي عبارة عن نبع المعرفة الفياض الذي لا نستطيع بدون أن نسترشد بضيائه، متعمِّدين أو مدفوعين إليه بحكم الفطرة، أن نتدبر الحاضر أو نحدث عن المستقبل.

على هذا واستنادًا على فكرة «كارليل» نريد أن نثبت أن للتاريخ ناحيتيْن، لكلٍّ منهما كفاءة عقلية خاصة تعود إليها، فإن اعتُبر التاريخ على أنه مجرد رواية للحوادث، أصبح راجعًا إلى كفاءة الوصف في العقلية الإنسانية، وإن أُخذ التاريخ على أنه تفسير فلسفي للحوادث، أصبح عائدًا إلى كفاءة التأمل.

من هنا نستطرد إلى الكلام من كلتا الناحيتين لنفصل بينهما، ولنعرف أثر كلٍّ من الناحيتيْن، ناحية الوصف وناحية التأمل في التاريخ، في إرشاد الأجيال الحاضرة أو اكْتِنَاه خفايا المستقبل.

٢

نبشت الأبحاث التاريخية رُمُوس الماضي البائد، وخرجت منها بأجزاء متناثرة وبقايا من تراث الأولين، وأقامتها أمام أعيننا كهيكل حفري من هيكل الحيوانات البائدة. وقعت على ذلك الهيكل المقدس عين الحكيم فأصاب حكمة، ورأته عين العالم فأفاد علمًا، وتناوله خيال الشاعر فصاغ بيانًا وسحرًا، واستوعبه الفنان فرَأَبَ به من صدوع الفن ما تطاولت إليه الأيام ففصمت منه العرى.

لم تكشف لنا تلك الأبحاث عن صور الحوادث العظمى المنسابة في جوف الأزمان انسياب الماء الهادئ في مجراه، ولم تقتصر على الكشف عن كوارث الحياة المندفعة في سماء العصور اندفاع الشُّهب والنيازك خلال تتالي الأجيال لا غير، بل أبانت لنا فوق ذلك عن حقيقة الحياة السياسية والمشاعر الدينية والنزعات الاجتماعية ومؤثراتها وأسبابها ونتائجها التي أخذت بخِناق الشعوب المختلفة والقبائل المتباينة. كل هذا تناولته أقلام المؤرخين فخطَّت به على لوح الحياة الحديثة سطورًا خالدة من آيات الحياة البائدة، فامتزج كثير من الماضي بقليل من الحاضر، وترامى الشعاع الذي ولَّده ذلك المزيج إلى شعاب المستقبل ومفاوزه، فأزاح عن بعض نواحيها ما كان يكتنفها خلال الأجيال الأولى من ظلام.

وصلت الأبحاث التاريخية بين الماضي والحاضر بحلقات استكشفها المؤرخون، حتى أصبحت سلسلة الحوادث التاريخية محبوكة على الزمان التاريخي، محيطة بكثير من دقائقه بَلْهَ تفاصيله. أبانت لنا تلك الأبحاث عن صور الماضي فأرتنا دولات الشرق تبرز عظيمة فتية، مزودة بمهيِّئات النشوء والارتقاء، أو تتوارى وراء حجب الغيب، وتغيب في جوف الحوادث، مكتنَفة بعوامل السقوط والفساد، فتتمثل لنا هياكلها المُشْمَخِرَّة وقد طاولت السِّمَاك عظمةً وقوةً آونة، أو تلوح لنا هابطة إلى الحضيض ذُلًّا واستكانة آونة أخرى، وهي بين هذا وذاك أشبه الأشياء بأرواح متمردة أصابها مسٌّ من الجن، أو خيالات جبابرة أخذتهم العزة بالإثم، وهم في صراع لكلٍّ منهم فيه نَوْبَة من الغلبة والاندحار، فلن تستبين في أمرهم شيئًا إلا حدْسًا، كما تستبين الأشباح استبانة غِشاوة وكَلَال؛ إذ تتخايل إليك في آخر الأفق الأوسع، عند تنفُّس الفجر، وقد شابته ظلمة الليل ببعض أدناسها.

أرتنا تلك الأبحاث بلاد فارس وقد عقدت على تاجها ألوية الانتصار، ممتطية صهوة العزة والقوة، متَّبعة خطى ملوكها المستبدين بأمرها يقودونها من نصر إلى نصر، فكانت كذُؤَابة من الليل الحالك ناءت بكَلْكَلِها على الغرب وأَرْخَت بسُدُولها على شرقيِّ البحر الأبيض المتوسط، فشابت جزائر اليونان بشائبة من القوة فَزِع لها أبناء الإغريق فَزْعَة بعثتها في نفوسهم مخاطر الغزو الأجنبي، وتُمَثِّل الذِّلَّة في الاندحار بعد العزة في شرف الحرية، فدَبُّوا تحت قدمَي جبار فارس وجنوده دبيب الماء تحت قواعد الجبال الراسية، فلا يلبث أن يردها كثيبًا مَهِيلًا.

انقلب الإغريق بفزعتهم الوطنية أمةً قوية فتية موفورة الحياة، فردَّت مستبدَّ الشرق عن جدران الغرب، وكأن الفزع قد نبَّه فيهم ما أخفته أجيال الدَّعَة والطمأنينة من صفات القوة والتناحر على الحياة، فكان علماء اليونان وفلاسفتها وشعراؤها وكتَّابها وخطباؤها وساستها، وعلى الجملة مدنيتها ورجالها الذين ظلوا هداة العالم ومبعث العرفان خمسة وعشرين قرنًا من الزمان، أورثوا المدنية خلالها تراثًا من العلم، وثمارًا من الفلسفة والشعر والسياسة والموسيقى والفن، أرضت المنطق والذوق خلال عصور التاريخ برمتها.

تتخايل لنا مدنية الإغريق في إبَّان سطوتها فتُمثِّل لنا آداب سقراط ورُوحانية أفلاطون ومنطق أرسطو وسياسة سولون وعصر بركليز، حتى إذا ما أدركها الانقسام في الداخل مقرونًا بفزع الغزو الأجنبي من غربيِّ أوروبا، تتخيلها ثانية فإذا بها كتلة مَوَات من الأنفس البشرية تتردَّى في الظلام.

ولا نلبث بعد أن نرى أبناء الإغريق يتوارَوْن وراء الأفق، أن تشرق أمامنا شمس مقدونيا الفتاة بارزة من وراء حجب الغيب؛ لتستنير بهديها كل بلاد اليونان، ولتخضع لقوتها وسلطانها.

لقد استجمعت مقدونيا تلك البقايا المفككة من الوطنية الإغريقية وساورتها ذكريات الماضي العظيم الخالد، فحركت فيها حماسة الذكرى من القومية وهزة الوطنية ما أخرج أبناءها عن حدود الغرب ليغزوا الشرق، فغَزَوْه حتى جوف الهند، وكانوا كلما تقدموا في غزوتهم الشرقية خطوة تحطمت تحت أقدامهم التيجان وثُلَّت العروش وتهدمت الإمبراطوريات كما تنهار الجدران المتداعية أمام الفأس، يضعها في أصولها جبار قوي الأصلاب.

غير أننا لا نلبث على ذلك برهة وجيزة حتى نمقع دبيب الفساد يَدِبُّ في نواحي الإمبراطورية المقدونية وينتابها من العوامل الخفية ما يَحْفِر من تحت عَظَمَتِها الظاهرة هُوَّة سحيقة يتقوَّض في أغوارها بناؤها المُشْمَخِرُّ، فيتناثر أجزاءً وقطعًا، تَشِعُّ كلُّ قطعة منها بقليل من الضوء الموروث عن الشمس المحطومة على صخور الزمان، ثم تنطفئ منها الجَذْوة تلو الجذوة، كمنارات الرهبان المتعبدين في رءوس الجبال المنقطعة عن العمران أنْ خبت نارهم فلا موقد لها.

في وسط تلك المعمعة الكبرى التي تحطمت فيها إمبراطورية مقدونيا بين صلصلة السيوف الباترة، وبريق الأسنة المشْرَعة، وبين تلك الضجة الكبرى التي أحدثها تقوُّض أركان تلك الإمبراطورية، وبين صيحات الويل والأسى التي بعثتها قوة التحليل في متانة التركيب؛ تكشف لنا حجب الغيب عن «روما» تتحرك كالامفبيان الذي نقرأ أخباره في قصص السندباد، يحمله البحر، ويحمل فوق ظهره قارة برمتها. يتحرك ذلك الامفبيان حركة الحياة في بقعة من الأرض حزينة مجرودة صماء، إن استظلت يومًا بشيء يبعث في النفس من معنى شعري فهو السكون المطلق من كل الشوائب إلا شائبة الحياة تَدِبُّ في جسم رومولوس، وإلا صفة الحنوِّ في قلب الذئبة ترضعه ثديها وتتعهده بالرباية ليبتني روما العظيمة، وتقوم عليها الإمبراطورية الرومانية العظمى.

كما ارتضع «رومولوس» ثدي الذئبة فصار فتى أسس روما كذلك ارتضعت روما ثدي إيطاليا، فترعرعت وشبَّت إلى الفتوة، وما زالت تكبر ويمتد سلطانها حتى تكوَّن منها ذلك الامفبيان الذي أحاطت قوته بكل الإمبراطوريات التي قامت وتحطمت خلال نشوئه من طور الطفولة إلى طور النضج التام، واستظلت بظلاله بلاد الغال وقرطاجنة ومصر وفارس ومقدونيا والإغريق وأشورية وبابل وفينيقية، بل إن شئت فقل الدنيا المعروفة في ذلك العهد ترابطت أسبابها لتكون إمبراطورية واحدة، هي الإمبراطورية الرومانية.

غير أن ذلك الامفبيان العظيم لم يبلغ منتهى قوته إلا ليدركه الكلال والنَّصَب، فتناوحت من حوله رياح الفساد، وهبت عليه عواصف الانقسام الداخلي، فأخذت أجزاؤه تتحلل جزءًا بعد جزء، حتى أدركه التخلخل والانشعاب، وما هي إلا صيحة من صيحات الزمان، وحركة من حركات الحَدَثَان تبعثها يد القدر في قلوب قبائل الشمال، فتنقض على «روما» انقضاض الصواعق فتتركها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا.

انقلبت في «روما» الخشونة والبساطة زخرفًا وتكلفًا، وارتدَّت الشجاعة إسفافًا، والحرية استبدادًا، والبطولة اسمًا أجوف لا مسميات له، وتفككت بانحلال الأخلاق وفسادها كل الروابط الاجتماعية التي تقوم عليها الممالك وتُشيَّد الدول، وأيُّ انحلال في الأخلاق أبشع صورة من انحلال الأخلاق الموروثة في المرأة، سِنَادَة المستقبل وعماد الأسرة؟ وأيُّ انحلال في أخلاق المرأة أشد إسفافًا مما بَلَغْنَه نساء روما في آخر عصور الاضمحلال، حيث كنَّ يَعْدُدْنَ السنين بعدد الرجال الذين أحبَبْنَهم وكنَّ معهم على صلة أقل ما فيها من فساد أنها قلبت نظام الأسرة، فحلَّلت روابطها وفَصَمَت عُراها.

لم يقف الأمر في فساد روما عند هذا الحد، بل إن الراهب المتعبد المتوجِّه إلى الله ارتدَّ مشعوذًا يؤمن بالسحر والأساطير، وتبدلت روما من أبنائها الرومانيين بمجموع من العبيد المحرَّرين والأُجَرَاء الذين لم يكن فيهم من خُلَّة ظاهرة الأثر إلا أنهم أكثر تشبُّهًا بربات الحِجَال منهم بالرجال. وأصبح الجيش، وهو حافظ النظام في أول عصور المدنية الرومانية وحامي ذمار روما العظيمة وإمبراطوريتها الكبرى؛ آلة في يد كل من امتدَّت مطامعه إلى التسلط السياسي وكانت فيه مهارة لاستدرار وحي العواطف بالكلام، ففسد الأمر كله، وناءت عوامل الفساد على الصرح المُشَيَّد على عواتق العظماء، فدكَّته دكًّا، بل نسفته نسفًا.

٣

لقد مضينا في بحثنا حتى الآن نستورد صورًا يروي التاريخ من أمثالها العديد الوافر. أمَا وقد بلغنا هذا المبلغ، فإنا نتساءل كما يتساءل كل من أخذ من بحث التاريخ بنصيب وضرب فيه بسهم: أيُّ أثر لهذه الصور وأمثالها مما يرويه التاريخ وتخطُّه لنا أقلام المؤرخين في الكشف عن ظلمات الحاضر، أو البيان عن خبايا المستقبل؟ على أن الظن الغالب ليوحي إلينا بأن الإجابة على هذا السؤال لن تكون إلا بالنظر في بضعة حقائق تاريخية تتناول الحاضر وعلاقته بالماضي والمستقبل؛ لنعرف إلى أي حد تبلغ صور التاريخ من أثرٍ في الكشف عن قضايا الزمان الحاضر ومشاكله، وعن الصور التي تستحيل إليها في المستقبل.

فإن الحاضر عبارة عن صورة متحولة عن الصور التي تشكَّلت فيها الجماعات الإنسانية خلال الماضي، وليس المستقبل إلا صورة متحولة عن الصور التي نراها ونلمسها في الزمان الحاضر.

إن «الحاضر» حلقة الوصل بين الماضي والمستقبل؛ ليظل أمامنا سرًّا عميقًا ولغزًا وعرًا، ما لم نستعن على فهمه وتعرُّف طبيعته بمعلومات نستمدها من الماضي، فإن أكثر الصور التي استحالت إليها نفسية الجماعات في هذا الزمان ظهورًا وأشدها أثرًا في حياة الناس، كمعاهد الدين ونظامات القضاء والعسكرية والتعليم المدرسي؛ لَتلوح للذين لم ينالوا قسطًا من التثقيف وافرًا كما تلوح للأطفال والصِّبْية، كأنها نظامات غُرست في جوف الزمان، وتغلغلت آساسها في صميم الأزل واللانهاية تغلغل الشمس والكواكب والسيارات، وإن شئت فقل إنها في نظرهم مشاركة للكون الأوسع في نظامه قِدَمًا وضربًا في أحشاء الدهور.

أما إذا عاد الإنسان إلى «الماضي» وألقى عليه نظرة تأمل، عرف لأول وهلة أن نصيب هذه النظامات من البقاء كنصيب الزمان المنحدر في جوف الأبد انحدار الماء في اليم اللامتناهي، وأن في طبيعتها التغيُّر والزوال، لهذا يُلقي في رُوعنا دائمًا أن الزمان لا بد في أن ينتابها بالتغير والنشوء، وأن هذه النظامات لن تظل على وتيرة واحدة، بل إن الطبيعة لن تسمح لها بالثبات؛ لأنها كما خرجت في الماضي من أفكار الناس ومشاعرهم وحاجاتهم وتصوراتهم فإنها تزول أو يضعف أثرها بنسبة ما ينتاب أفكار الناس ومشاعرهم وعواطفهم وحاجاتهم وتصوراتهم، وما إلى ذلك، من التغير والاختلاف.

وما التاريخ في حقيقة الواقع بشيء إلا نتاج تلك المَلَكَة العقلية التي تسوقنا إلى تتبُّع آثار التغايرات التي خضعت لها النظامات الإنسانية منذ أول نشأتها وبدئها إلى الوقت «الحاضر»، وبذلك نستطيع أن ندرك خطرها وموقعها من الفائدة المحققة في حالات الاجتماع الذي تَكْتَنِفُنا أسبابه. ومن هذه الطريق وحدها يعصمنا التاريخ من المظاهر الخداعة التي قد تسوقنا في طريق الضلال، ومن غير أن نستعين بالتاريخ يستعصي، لا بل يتعذر علينا، أن نقضي بحكم صحيح في النظامات القائمة من حولنا، أهي سائرة في سبيل النماء والقوة، أم متقهقرة إلى حضيض الفساد والانحلال؟ أهي قائمة على نفس الأسباب التي حملت الجماعات على تأسيسها وتشييد قواعدها، أم أخذت تفقد من سلطانها شيئًا بزوال الأسباب التي ساقت إلى تكوينها في «الماضي»؟

خذ لذلك مثلًا كنيسة الكثلكة، فإن سلطانها لا يزال مبسوطًا على ربوع أوروبا ونفوذها قائم لم ينقص، كما كان في أشد العصور البابوية إيداعًا بالقوة واعتزازًا بالسطوة، فكيف إذن نقضي بأن المذهب الكثلكي آخذ بأسباب القوة أو متردٍّ في سبيل الاضمحلال والضعف إذا لم نستعن على ذلك بتتبع تاريخ من كانت تسجد لخَزَنَتِه الجبابرة والقياصرة العظام، إلى ذلك العهد الذي قامت خلاله في وجهه أعداء أشداء أحاطوا بمعاهده إحاطة السوار بالمعصم، وناءوا على سلطته الزمانية بقوة السلاح فلم يتركوه إلا بعد أن انتزعوا منه آخر ما كان من السلطات السياسية؟ ثم ارجع إلى نظام الملوكية تجدْه لا يزال قائمًا بكل ما كان له في الماضي من مظاهر الأُبَّهة والعظمة، وبقليل مما كان له من أثر في الحكم. فإذا أردنا أن نعرف إن كان هذا النظام لا يزال على ما كان من قوة وسطوة، أم أنه آخذ في سبيل الزوال؛ وجب علينا أن نرجع إلى تاريخه مذ قبض الملوك على أعنَّة السلطة يحكمون بمقتضى إرادتهم ووحي وجدانهم، إلى الزمان الذي أخذت تُنتزَع فيه امتيازات الملوك درجةً بعد درجة وحالًا بعد حال، حتى أصبح نظام الملوكية عبارة عن أسطورة قديمة تُروى أخبارها في بعض البقاع، وعن رمز يدل على آثار الماضي في بقاع أخر.

وكذلك الحال إذا رجعت إلى نظام الأرستقراطية، فإن الأرستقراطيين، النبلاء ورثة الشرف القديم والمجد المؤثَّل، لا يزالون في هذا العصر قابضين على الكثير مما كان لهم في الماضي من أثر في المجتمع والثروة والمجد الكبير، ولا يزالون يكوِّنون عصبة مستقلة الرأي في النظام الحكومي في بعض الأمم. على أننا لا نستطيع أن نعرف حقيقة موقفهم على الوجه الأكمل ما لم نرجع إلى العصور الماضية، ونرى النبلاء يشاركون الملوك في عروشهم، والأمراء في سطوتهم ومجدهم، ثم نراهم في العصر الحاضر يغضون الطرف عن كثير مما كان لهم؛ لئلا تغمرهم موجة الجماهير فتبتلعهم في جوفها العميق.

ثم تأمل في عصرنا الحاضر، عصر الحرية المحمية بالسلام، المستندة إلى قوة الحديد والنار، وأَجِلْ طرفك في القارات الخمس لتجد ألسنة اللهيب كامنة في جوف المدافع، والأفق يلمع بأسنة الحراب، والرحب على سعته يكاد يضيق بوحدات الجيوش وفيالقها التي لم يعهد لها التاريخ مثيلًا. فكيف تعرف إن كانت العسكرية في الزمان «الحاضر» لا تزال آخذة في أسباب النماء والحياة، أم راجعة إلى الانحلال والفساد، إلا إذا استعانت على تفهُّم ذلك بتتبع تاريخها منذ نشأتها إلى العصر الحاضر.

ولنرجع إلى الجماعات، فإنا إذا نظرنا فيها خُيِّل إلينا أن الناس لا يزالون مستنيمين إلى عادات الخضوع والذلة، وأن الظاهر من أمرهم أنهم إلى الاستكانة أقرب منهم إلى العمل على نيل حرياتهم. ولكننا إذا عدنا إلى التاريخ وتتبعنا أثر التطور الاجتماعي مذ سيقت الجماعات سَوْقَ البهائم لتقدِّم قربانًا على مذبح المسلطين عليهم، إلى اليوم الذي كسر فيه الناس قيودهم ووطِئُوا بأقدامهم رقاب المستبدين؛ استبنَّا حقيقة ما يعني الكُتَّاب بالديمقراطية، ومقدار ما جنى الناس من خير في العصر الديمقراطي الحديث.

•••

وهكذا نجد أن التاريخ إذ يزوِّدنا بمقدمات نتخذها قاعدة للتأمل والمقارنة، وإذ يوجِّه انتباه الباحثين إلى كثير من دقائق الحياة الإنسانية؛ يساعدنا على تفهُّم حقائق الأشياء المحيطة بنا بما هي عليه، ويوقفنا على الكثير من أوجه الخطر والشأن فيها، ويوجهنا إلى الناحية التي نطمع فيها بالنفع والسلام. كذلك لا يقتصر أثره على الإبانة عما يحوطنا من الحالات في زمان «حاضر» لا غير، بل يعضدنا على وجه التعميم، لا على وجه التخصيص في أن نكوِّن فكرة عامة، وأن نتصور إلمامًا ما سوف يكون من أمر تلك الحالات في المستقبل.

هذه النظرية تخرجنا من حدود الجبر إلى حدود الإرادة الحرة في تصريف أمور الاجتماع، فإن هنالك فئة من المؤرخين يعتقدون أن كل ما يرويه التاريخ من حوادث، وأن كل ما خرج به الإنسان من نظامات ومعاهد وشرائع؛ ليست في الواقع إلا تنفيذًا لإرادة سبقت فيها منذ الأزل، وحقت عليها كلمة الغيب أن تكون ما كانت، وأن تبقى كما هي كائنة، وأن تظل كما ستكون.

أما إذا مضينا على هذا الاعتقاد قانعين بأن التاريخ أزليُّ النشأة أبديُّ البقاء على حالة ما، وأنه خاضع لإرادة الغيب، مصرَّفة أموره وحوادثه على مقتضى نواميس الكون الطبيعية التي لا تتبدل مقدماتها ولا نتائجها؛ فإن من الظاهر الجلي أننا إذا تتبَّعنا آثار النظامات الاجتماعية منذ نشأتها حتى اليوم، ثم أخذنا نمد سلطانها وأثرها الذي نلحظه في الحاضر إلى لا نهاية، على فرض أنها أبدية البقاء ثابتة التأثير على حالة واحدة؛ كان في مستطاعنا أن نعرف مقدار ما سوف يكون أثرها ومنزلتها في المستقبل قياسًا على أثرها ومنزلتها في الماضي، فنقضي على ما نراه آخذًا في النماء بأنه باقٍ إلى أجل ما، ونقضي على ما نلحظ أن دبيب الفساد قد أخذ يدب فيه بأنه زائل لا بقاء له؛ فنمحو من صفحة الوجود نظامات، ونقدر لأخرى البقاء إلى أبعد عصور المستقبل المجهول. كل هذا قضاء لفكرة ثابتة بأن العوامل المؤثرة في التاريخ كالعوامل المؤثرة في سطح الأرض؛ فنحكم بالاتساق في حالات الاجتماع حكمَ الجيولوجيين بالاتساق في المؤثرات التي تنتاب الأرض، على بُعد ما بين الحالتين من الخُلف والتباين، وكأن هؤلاء القوم قد عناهم الشاعر العربي بقوله:

يقفون والفَلَكُ المحرك دائرٌ
ويقدِّرون فتضحك الأقدارُ

على هذه الفكرة مضت فئة من الباحثين مقتنعين بأن التاريخ كسجلٍّ للماضي يمكن أن يلقي بشيء من النور على خبايا الحاضر والمستقبل، على وجه التخصيص لا على وجه التعميم. ولكن قليلًا من البحث والتأمل لَيدل على أن التاريخ في حين أنه يزودنا بما نقف به على حقيقة المرتكز الذي يرتكز عليه «الحاضر»؛ فإنه لا يفسر لنا مُغَمَّضَاته ولا يبين لنا عن حقيقة مشكلاته، وإنه إذ يساعدنا على الإلمام بشيء نتوقع به حدوث حالات ما في «المستقبل»، فإنه لن يزودنا بما نستطيع به أن نقبض على زمام حادثاته، أو أن نوجهها في المتجه الذي نريد لأنفسنا أو لغيرنا.

ولقد ثبت لدينا من قبل أن التاريخ يفصح لنا عن حقيقة النظامات القائمة من حولنا بأن يرجع إلى أصلها ومنشَئِها الذي نشأت منه، ويتقصى الأدوار التي مرت بها وأوجه التطور التي طرأت عليها، حتى يسلم بها إلى «الحاضر» كما نراها ونعهدها. بيد أن تلك النظامات إذ هي بذاتها معدومة الأثر الذاتي؛ لأن نفعها أو ضررها مَقِيسٌ دائمًا بنسبة ما تؤثر في رفاهية الإنسان، لذلك يتعذر علينا أن نوجه خطى النشوء التي تخطوها الجماعات في سبيل الخير والسلام، ما لم نعرف مقدار الأثر المباشر الذي يلحق المجتمع من قيام تلك النظامات، وما هي ماهيتها في التأثير في عقول الناس الخاضعين لها وسلطانها على أخلاقهم ومشاعرهم وتصوراتهم.

ولا ينكرنَّ أحد أن لتلك النظامات أثرًا ما، سواء أكان خيرًا أم شرًّا، وأن لبعضها القدرة على تنوير الأذهان وتحريك الفكر نحو المعقولات، كما أن لبعضها الأثر الأول في خلق روح الجمود وقتل ملكة التفكير والحكم على الأشياء حكمًا مستقلًّا. وكذلك لا ينكر باحث أن الغرض الذي يرمي إليه السياسيون مقصور على العمل على إحياء بعض النظامات الاجتماعية والأخذ بيدها، والسعي في تهديم البعض الآخر والذهاب بآثاره. غير أن السياسي إن أراد أن يتبع في عمله طريق الحق والصواب، وجب عليه أن يعرف بداءة ذي بدء ما هي تلك الآثار التي تخلِّفها النظامات المختلفة في الجماعات كما يجب على الطبيب أن يعرف أثر ما يصف من دواء في بناء الأجسام من قبل أن ينصح للمريض به، فليس إذن ما نحتاج إليه هو معرفة الكيفية التي بلغت بها النظامات إلى الحالة التي نراها عليها، بل إن ما نحتاج إليه هو معرفة الآثار التى تنشأ عنها فى الحالات القائمة من حولنا، إنا لا نحتاج إلى التاريخ بمعناه المعروف، بل نحتاج إلى سبيل ينفذ به بصرنا إلى أعماق «الحاضر»؛ إذ أيَّةُ فائدة نجنيها وأيُّ نفع نرقبه من معرفتنا تاريخ الرِّقِّ وكيف نشأ وانتشر وكيف ضعف وزال أثره في أية بقعة من بقاع الأرض وخلال أي زمن من أزمان التاريخ؟ في حين أن ما نريد أن نعرف ماهيته هي آثاره المباشرة الدائمة على طبيعة الإنسان الأدبية في مختلف الأمم وعلى تتالي الأجيال، أو ماذا يعود علينا من نفع إذا نحن عرفنا تاريخ ذيوع اليهودية أو المسيحية أو الإسلام، والأطوار التي مرت بها العقائد العظمى حتى ثبتت أصولها بين الأمم التي تدين بها. بَيْدَ أن وجه الفائدة الصحيحة محصورة في معرفة الآثار التي خلَّفتها تلك العقائد في الأمم التي دانت بها وخضعت لسلطانها، أيَّةُ فائدة في أن نعرف تاريخ الجِلاد بين الأرستقراطية والديمقراطية إذا جهلنا معه معرفة تاريخ حقيقة الأثر الذي يبعثه كلٌّ من النظامين في روح الجماعات ومقدار أثر كليهما في أخلاق الناس ومشاعرهم وحياتهم العامة؟ من هنا يتضح لنا أننا إذا تعذر علينا معرفة الآثار التي تتركها النظامات في حالات المجتمع، مادِّيًّا وعلميًّا وأدبيًّا وأخلاقيًّا، استعصى علينا أن نقود خطوات الجماعات في المستقبل في سبيل الأمن والسلام.

أما إذا أردنا أن نفقه حقيقة المؤثرات الطافية على وجه الحياة في زمان ما، انبغى لنا أن نتقصى الفكرات والعواطف والمعتقدات السارية في رُوع الناس في «الحاضر»، وما تلك الأشياء، أي الفكرات والعواطف والمعتقدات في حياة الجماهير، إلَّا النتاج المباشر لصور الدين والمذاهب والحكومات التي يعيشون خاضعين لسلطانها وسيطرتها، وإن شئت فقل لنظاماتهم العامة، ولا خفاء أن الصفات الأدبية والعقلية الخاصة بأمة من الأمم ليست في الواقع بشيء سوى مجموعة الآثار التي تخلقها النظامات المختلفة. ومع كل هذا، فإننا لا نستطيع أن نفقه الحالات القائمة في حياة جماعة من الجماعات أو أمة من الأمم، قبل أن نفرق بين الآثار المخلَّفة عن كل من النظامات القائمة فيها، والتي نعتقد بحق أنها قسم من طبيعتها الكامنة في تضاعيف فطرتها.

٤

إن التاريخ كرواية للماضي لا يمكن أن يزودنا بما نفصح به عن مشكلات «الحاضر»، ولا يمكِّننا من اكتناه خفايا المستقبل، ذلك لأن الإفصاح عن «الحاضر» والتغلل في ثناياه والإرشاد عن المستقبل لا يتيسر إلا باستجماع ضروب من المعرفة النظامية اليقينية في تأثير النظامات العامة على الحياة الإنسانية.

غير أنه لا يجب أن نغفل عن أن استجماع ضروب من المعرفة النظامية اليقينية في تأثير النظامات على الحياة الإنسانية وعلى الأخلاق؛ ينتج علمًا غير التاريخ، ينتج علم السياسة، وعلم السياسة علم أُهمل النظر فيه إهمالًا كبيرًا، حتى إنك لا تجد من علم يُدْعى بحق علم سياسة الأمم. وكل ما في علم السياسة، على ما هو اليوم، من حق، عبارة عن بضع نظريات وضعها فلاسفة من أهل النظر في فترات من الأزمان، تتباعد بمقدار تباعد علم السياسة عن أن ينال من النظام الاجتماعي بأثر صحيح في العصر الحاضر. والحق أن علم السياسة يقع في جو فاصل بين علمين: علم الجماعات العام، أي علم الاجتماع من جهة، وبين علم حكم الشعوب العملي من جهة أخرى.

إن وظيفة علم الاجتماع على ما حددها الاجتماعيون تنحصر في الإفسار عن حقيقة الانقلابات الاجتماعية، مطبَّقة على سنة ما من سنن الكون، كسنة النشوء مثلًا، وهي سنة عامة، ومن أجل أنها عامة تعجز دائمًا عن إرشاد الأمم إلى خير سبيل يسلك إلى الصلاح والتقدم من الوجهة العملية الصرفة.

كذلك تجد أن العلاقة بين سُنة النشوء وبين علم السياسة كالعلاقة بين علم الحياة العام وبين علم الطب، فإن علم الحياة في حين أنه يكشف عن قوانين الحياة الخاصة بكل الكائنات العضوية يعجز عن أن يعالج التغيرات المرضية التي تنتاب الجسم الحي، وهذه هي الحال في علم الاجتماع، فإنه بينما يكشف عن السنن الطبيعية التي تخضع لها الجماعات، يعجز عن أن يزودنا بما نستطيع به أن نرشد جماعة ما من الجماعات إلى سبيل الخير والصلاح.

إن علم الاجتماع ليس من طبيعته أن ينصرف إلى معرفة الرغبات والشهوات الخفية، ولا المصالح المادية، ولا المعتقدات التي يجب أن تصبح موحَّدة الأطراف مَسُوقة في طريق واحد، قبل أن تتمكن أية جماعة من أن تخطو إلى درجة أعلى من درجات الارتقاء. بل على العكس من ذلك تجد أن علم الاجتماع طالما يلقي في رُوعنا أن وراء الظواهر الاجتماعية المشاهدة تكمن يد القضاء والقدر، مؤثرة خلال الدهور متَّخِذة من الذوات البشرية ألاعيب مفقودة الإرادة مستنيمة لحكم الغيب.

أما إذا رجعت إلى حكم الشعوب العملي، فإنك تجده عبارة عن صورة من صور التدجيل والخداع البعيد عن حكم الفلسفة والآداب، وأنه من قصر النظر وضعف الإدراك بحيث لا يمكن أن يُتَّخذ كوسيلة من وسائل الإرشاد عن المستقبل، وأكبر دليل على ذلك أن وجهة نظره محصورة في البحث وراء مصالح فئة خاصة من الناس والوقوع على ما يسد مطامعها ويُرضي شهواتها ويَنْقَع غُلَّة تعطشها إلى الحُطام ويهدئ ثورة عدائها لبقية الفئات التي تتكون منها الجماعة التي تحكمها، وأن هذه الفئة المختارة تنزع دائمًا إلى أن تقيس قوتها وعظمتها بمقدار ما تستطيع أن تُخرج من قوانين ونظامات تُرضي أكبر قسم من مصالحها الدنيوية.

من أجل هذا تجد أن الفرق بين علم السياسة الإثباتي — على أنه لم يوجد بعد — وبين قواعد حكم الشعوب العملي على الطريقة الشائعة، كالفرق بين علم الطب الصحيح الذي يبحث في خصائص القوى الحيوية والأعضاء التي يتكون منها الكائن الحي ومنافعها وعلاقاتها ووظائفها الفيزيولوجية، وبين طب الرُّقَى والتمائم والتعاويذ؛ منشأ الأول العلم اليقيني الثابت، ومنشأ الثاني الجهل والحدْس والضرب في مجالِي الظنون، واستخدام أضعف ناحية من نواحي النفس الإنسانية في سبيل النفع الذاتي الموقوت.

من هنا تأتي ضرورة علم السياسة، على أن يحصر همه في البحث وراء تأثير العقائد والنظامات وصور الحكومات على سعادة الإنسان، وأن يُثقِّف عقلية الشعوب تثقيفًا يستغله في المستقبل رجال السياسة العملية بأن يُوَلُّوا الشعوب وجهة تَرْضَى عنها تلك الآمال التي تجيش بها صدور المصلحين.

على أننا إذا نظرنا نظرة نقد وتحليل وجدنا أن النظامات المدنية ليست إلا نتاج تلك الأفكار التي تخرجها رءوس الناس، والانفعالات التي تفيض بها مشاعرهم، كما أن الفكرات والعواطف والانفعالات في أكثر أمرها ليست سوى نتاج ما تغرس النظامات في طبائع الناس من صفات، لهذا قد يعترض معترض بأننا إذا نظرنا في تأثير النظامات على الجماعات من غير أن ننظر في تأثير الجماعات على النظامات، فإنما نتورط في أمر لا مفر معه من أن ندلف بقدمنا في منحى من التفكير ناقص غير ذي أسلوب، فيه من الضبط والدقة ما تتطلب عويص تلك المسائل التي نعكف على النظر فيها.

غير أن نظرة تأمل غير مكدودة بالتقاليد ولا مُعْنَتَة بالعكوف على الفروض، لَتعرفنا أن دراسة تأثير النظامات على الجماعات أمر يتناوله العلم والبحث الاختباري، في حين أن تأثير الإنسان والجماعات على النظامات أمر طالما أفْلَت من يد النظر العلمي، بل إن شئت فقل بحق إنه أمر لن يخضع لروح العلم الحديث. وفي الحق أننا نستطيع أن نبحث عمليًّا تأثير نوابغ الأزمان الماضية على النظامات، ونستطيع أن نعرف تأثير بوذا ويوليوس قيصر ولوثر وكلفن وروسو وفولتير وكوندورسيه على نظامات الأزمان التي تقدَّمتهم والتي وُلدوا ونشَئُوا تحت سلطانها. غير أنه ليس من الحق في شيء أن ندَّعي كشف حجب الغيب عن الزمان الذي سوف يظهر فيه نابغة العصر المقبل، أو نتقصَّى صور النظامات التي سوف يُولَد خاضعًا لسلطانها وسلطتها، أو نعرف إلى أي حدٍّ سوف يذهب نبوغه في التأثير عليها والتحوير في قواعدها، ومبلغ معرفتنا بذلك لا يعدو مبلغ تَكَهُّنِنا عن الزمان الذي سوف يقع فيه أي استكشاف علمي قبل أن تُوَفَّق الأفهام إلى الوصول إليه، لهذا نقول بأن تأثير النوابغ ذوي العبقرية على المستقبل لن يُعْرف ولن يمكن التكهن به، ذلك من الأشياء التي سوف تظل متروكة لمشيئة الأقدار.

نخلص من مجمل هذا بنتيجة واحدة، هي أن تأثير نوابغ الأزمان الفارطة على النظامات يمكن أن تُتَّبع آثاره، في حين أن تأثير نوابغ المستقبل على نظامات الأزمان المنتظرة لن يُعرف ولن يمكن التكهن به، لهذا نقول ونقول بحق: إن النظر في تأثير النظامات على الإنسان أو تأثير الإنسان على النظامات، حتى ولو كان ممكنًا، لن يَحْبُوَنا بنعمة الاستعماق في تعرُّف حقيقة الحاضر أو يكشف لنا الأستار عن خبايا المستقبل.

•••

إن التاريخ كرواية للماضي لن يزودنا بتلك الصفات التي نستطيع بها أن نستعمق من طريق السياسة إلى النظر في مشكلات الحاضر نظرًا يكشف لنا عن حقيقة ما يكمن وراء تلك المشكلات من الحق البيِّن، ولن يولِّد فينا تلك الكفاءة التي يتيسر لنا من طريقها أن نحدِس عن المستقبل، لهذا نرجع إلى النظر فيما يمكن أن يفيدنا التاريخ كذوات حية عاقلة تتناوب من حولها دورات الليل والنهار مشحونة بشيء من المفاجآت وضروب الحوادث.

إن للحياة في نظر الأحياء العاقلة قيمة تُوزَن عادة بموازين تختلف باختلاف النظر في حقيقة الحياة وما يجب أن تتجه فيه من السبل المشعَّبة، لهذا تجد أن كل من نظر في الفلسفة قد وضع للحياة قاعدة يعتقد بحق أو بغير حق أنها الغاية من الحياة، فقال كارليل: إن اختيار المُثُل التي تجري عليها الرغبات في هذه الحياة هي أعظم خطوة يخطوها الإنسان في حياته. وقال ماتيو أرنولد: إن الأخلاق ثلاثة أرباع ما في الحياة من قيمة. وقال جوته: إن الحياة هي العمل لا التأمل. ولا مُشَاحَّة مطلقًا في أن الفلسفة لن تصل إلى أرقى مما وضع هؤلاء، فإن سبيل كل منهم لَكافٍ وحده إن اتَّبعه الناس لإرشاد الإنسانية، فهل يمكن للتاريخ أن يزودنا بكفاية نستطيع من طريقها أن نصل بالإنسانية إلى ما يرغب فيه الفيلسوف من النتائج؟

إذا بحثنا التاريخ بحث نقد واستقلال في الفكر، نجد أنه إن استطاع أن ينبِّه كامن العواطف والانفعالات فإنه قد عجز دائمًا عن أن يوجه التصور إلى الناحية التي يختار فيها المُثُل التي يمكن أن يجري عليها الإنسان في الحياة آمنًا أو أن يوازن بين مجموعة صور الأخلاق ليتخذ منها الأصلح ليتَّبعه الإنسان، كما أنه قد عجز عن توجيه الفكر نحو البحث وراء أمثل الأعمال التي يمكن أن يتخذها الإنسان في الحياة سببًا.

لن نستطيع أن ننكر أن التاريخ يعطينا من مُثُل العظماء الذين وقفوا حياتهم في سبيل خير الإنسانية، قوةً نستقوي بها على ما في طبائعنا وأخلاقنا من نقص، وأن نقوِّم بها اعوجاج النفس ومرض الضمائر. غير أن الماضي ليس برُمَّته رواية متصلة من أولئك النوابغ العظماء الذين سَعَوْا إلى خير الإنسانية! ليس برمَّته مسرحًا لضروب الشجاعة والبطولة! فإن المُثُل التي ينقلها لنا التاريخ عن الماضي قد تكون أحيانًا أرقى المُثُل وأفعلها في تقويم الأخلاق وقد تكون أحيانًا مُثُلًا ساقطة مُسِفَّة، والتاريخ يُضطرُّ في كثير من الأحيان أن لا يعكف على مُثُل الفضيلة وحدها، بل غالب ما يصور لمخيِّلاتنا كثيرًا من صور القوة القاهرة والاستبداد المفجع. والنتيجة أن إعجاب الناس ينقسم دائمًا بين حب القوة وحب الفضيلة، وكثيرًا ما ينزع الناس إلى الإعجاب بالقوة دون الإعجاب بالفضائل، لطبعٍ مؤصَّل في تضاعيف فطرتهم.

فإذا كان عجز التاريخ عن توجيه تصوراتنا إلى اختيار المُثُل على ما رأيت، فالأَوْلى أن يكون عجزه عن إرشادنا في الحاضر أو المستقبل أبلغ وأعمق، وأنه لن يرسل إلينا من الماضي خيوطًا مضيئةً شفافة تكشف لنا عن الحاضر وتُمِيط لنا الحُجُبَ عن المستقبل، بل إن ما يرسل من خيوط النور لَتُرى كليلة واهنة، متخالطة مضلَّلة.

كذلك نستطيع أن نقول بحق: إن التاريخ لن يرشدنا في مجال العمل. فإذا أخذنا الحياة على أنها العمل، وليست سلب الزخرف ولا جَدْب التأمل، فمن أية ناحية يمكن لحوادث الأزمان القديمة، أو لصور البطولة التي تظهر في الأزمان الحديثة على صفحات التاريخ، ولو كانت فاضلة بحق؛ أن تفعل الوجداني؟ أنا الكائن المفكر الذي تحيط به مجموعة من المشكلات والمسائل مختلفة تمام الاختلاف عما أحاط بهم، تلك المشكلات التي هي بحكم تطوُّر الأزمان وتبايُن الظروف لا بد من أن تكون بلا مثيل لها في التاريخ.

(٣) التاريخ من الوِجْهة الفلسفية

١

تكلمنا من قبل في التاريخ باعتباره تدوينًا ورواية للحقائق، غير أن قليلًا من التأمل يجعلنا نعتقد بأن التاريخ شيء أكثر من مجرد التدوين والرواية، فإن فيما كتب كثير من المؤرخين أمثال غيبون وماكولي وهيوم وجروت وكارليل كثيرًا من التأملات الفلسفية تتعارض في خيوط الشبكة التاريخية التي تحاك عادة من حوادث تُرْوى ووقائع تُقَصُّ وتدوَّن، وتكون مهمة المؤرخ في هذه الحالة محصورة في أن يقع على البواعث والأسباب والقواسر التي يستطيع بها أن يعلل حقائق التاريخ التي يتكلم فيها، بحيث يخرج منها بصورة فيها ألفة واتساق. فإذا شعرنا بأن البواعث والأسباب التي يعينها المؤرخ ليعلل بها الحوادث قد استُمدت من طبيعة الحالات التي قامت في العصر الذي يؤرخ فيه، ومن أخلاق الناس الذين يكوِّنون بأعمالهم وقائع ذلك العصر؛ فإذ ذاك نقول بأن المؤرخ قد نجح في تزويدنا بصورة حقيقية عن العصر الذي يدوِّن حوادثه، وإذا أخفق في الأولى أخفق بالضرورة في الثانية. أو بعبارة أخرى: إن الأسباب التي تعيَّن لتعليل الحوادث إذا لم تكن ثابتة الأثر في الماضي ثبوتَ أثرها في الحاضر، أي إنها تؤدي في الحاضر إلى ذات الحوادث التي أدت إليها في الماضي؛ فإننا نشك دائمًا في حقيقة التعليل التاريخي، فقد عَمَد العلَّامة غيبون في أحد فصول تاريخه المعروف إلى إحصاء الأسباب التي رآها أعمق أثرًا من غيرها في نشر المسيحية في القرون الأولى، فإذا أردنا أن نقيس مقدار ما في تعليلات غيبون من قوة وثبات، عَمَدْنا إلى التساؤل عما إذا كانت مثل الأسباب التي ذكرها يمكن أن تُحدث الآن (في الحاضر) نفس النتائج التي عزاها إليها غيبون في الماضي؟ ولا جَرَمَ يكون قبولنا أو رفضنا لتعليلاته راجعًا إلى حكمنا الناتج عن هذا السؤال.

على هذا نرى أن التاريخ بدلًا من أن يعلل لنا «الحاضر» يستمد كل ما فيه من قوة البيان والتعليل من الحاضر نفسه، أو بعبارة أخرى نقول: إن التاريخ بدلًا من أن يكون المنارة التي تبعث بالضياء الذي ينير لنا سبل «الحاضر» وتعلل لنا أسبابه وتَبِين لنا عن نتائج ما يقع فيه، نجد أن «الحاضر» هو بذاته تلك المنارة، وأن التاريخ ليس أكثر من أمثال تُضرب وتعليقات تُروى. ولقد جهل كثير من المؤرخين هذا المبدأ التفسيري وعَمُوا عنه، فكان ذلك سببًا في أخطاء وقعوا فيها وأغلاط تردَّوْا في حَمْأَتِها، ولو أنهم فطنوا له لكانوا من أكبر مؤرخي العصور الحديثة.

غير أن لنا أن نتساءل: كيف يمكننا أن نفسر الماضي بالنظر في الحاضر، إذا لم يكن لدينا من النظامات الحاضرة ما يناظر نظامات العصور الماضية، فليس في أوروبا اليوم وكثير من بقاع الشرق أرِقَّاء مستعبَدون؟ فكيف يمكننا أن نَفْقَه حال الجماعة التي شاع فيها استخدام الأرِقَّاء وكانوا عنصرًا أوَّليًّا من عناصرها المكوِّنة لها، ما دمنا لا نقع في أطراف الدنيا المتمدينة على مَثَل لهذه الصورة الاجتماعية؟ أما الحوادث فتنحصر في «قتاس النظائر»، أي بالنظر في ماهية العلاقة التي قامت بين السيد والعبد، فبين السيد المخدوم في عصور المدنية الحديثة وبين الخادم تقوم ذات العلاقة التي قامت بين الرقيق وبين المُسْتَرِقِّ في عصور الحكم الإقطاعي. فإذا استطعنا مثلًا أن نحقق طبيعة هذه العلاقات وتفاصيلها، وتطرقنا بعض الشيء في إحكام الصلة بين سيد آمر مطاع وخادم مأمور مجبور على أن يطيع، ثم أَمْعَنَّا بعد ذلك في إحكام هذه العلاقة ليكون أساسها سلطة مطلقة يَنْعَم بها سيدٌ وخضوع مطلق يُلْزَم به عبدٌ، كما كان شأن الأسياد مع عبيدهم في العصور الأولى؛ استطعنا أن نعثر في «الحاضر» على الحل التاريخي الذي يفسر لنا الماضي.

لقد اتبع شكسبير هذه الطريقة المثلى، طريقة تعليل الماضي بالحاضر، في كتابة دراماته الكبرى التي نال بها ذلك النجاح الباهر، وبلغ بها ذروة من الشهرة وبُعْد الصِّيت لم يبلغها بعدُ إنسان غيره. فكان إذا أراد أن يبرز لنا صورة من الصور التي قامت في العصر الروماني مثلًا، عَمَد إلى «بلوطرخوس» وغيره من مؤرخي ذلك العصر يستمد منهم الحقائق التاريخية الكبرى، ويستوعب منهم شكل الحكومة وقوام الدين وتوزيع القوة والسلطة في بناء الهيئة الاجتماعية، ويأخذ من مجموع هذه الأشياء هيكله الأَوَّلي الذي يبعث فيه الحياة والنشاط! ويخرجه من خيال الماضي ليكون حقيقة واقعة. أما الطريقة التي اتَّبعها فانحصرت في أنه كان يدرس طبيعة العصر الذي عاش فيه، ويلاحظ تأثير النظامات والمعاهد الاجتماعية التي قامت من حوله وأثَّرت في عقول الناس وفي عقليته على الأخص؛ مما يُفسح لتفكيره مجال الاستيثاق من مقدار الفروق التي تقوم بين عادات عصره وأسلوب الحياة فيه والصور السياسية والدينية التي يصطبغ بها، وبين ما يناظرها في الأزمان الأولى، فتكون النتيجة أن يخرج بدراما أو عدة درامات أكثر قربًا من الحقيقة وأشد حيوية، بل أكثر صدقًا وأقرب تصديقًا، بل يفوز بخلق صورة من الحياة الرومانية أعظم وأمتع من كل تلك السخافات المُمِضَّة التي زودنا بها المؤرخون. والحقيقة أن شكسبير قد عَمَد إلى أمثل الطرق وأدرك من الحياة مبدأً لم يدركه غيره، أدرك من التاريخ، وهو رواية الحياة الإنسانية، ما لم يدركه غيره من المؤرخين وأصحاب الرواية، فبدلًا من أن يتخذ التاريخ هاديًا ينير لنا سبيل «الحاضر»، عمد إلى مبدأ أن «الحاضر» هو النبراس الوحيد الذي يمكِّننا، إذا اهتدينا بنوره، من أن نحيي عظام الماضي الرميمة، وفي هذا وحده تنحصر عظمة شكسبير.

٢

هنالك عدد من الأحكام العامة يخيل إلى الناس أنها من الحقائق التاريخية أو بالأحرى أنها نتاج للبحث التاريخي العميق، ولقد أصبح لهذه التعميمات سلطة سحرية غريبة تستغوي الناس، بعيدة جهد البعد عما لهذه التعميمات من قيمة حقيقية. من هذه التعاليم التاريخية، كما يتطرف البعض في القول، ذلك الزعم الفاسد الذي يوحي إلينا بأن الانغماس في الترف هو السبب في انحلال الدول، وأن الإفراط في الديمقراطية ينتهي بقيام الحكومات المستبدة، وأن أول نَفَس يستشمه الناس من الحرية يزيد الامتعاض والتبرُّم بدلًا من أن يطفئ أُوَارهما. ومهما يكن من أمر هذه التعميمات وما فيها من صواب أو خطأ، فالواقع أنَّ ليس فيها من تعاليم التاريخ أي أثر؛ فإننا إنما نعتقد أن التَّرَف هو مقدمة الانحلال والفساد، لا لأن التاريخ يؤيد هذه النتيجة بل لأننا نرى «اليوم» أن الترف يؤدي إلى الأنانية وحب التسلط لذاته وإلى التَّخَنُّث، وأن هذه الأشياء تَحُلُّ عُروة العُقدة الاجتماعية التي لا يمكن تكوُّن أمة بغيرها. ونرى أن التطرف في الديمقراطية إنما يؤدي إلى الاستبداد، لا لأن عددًا من الوقائع التاريخية يؤيد هذه الحقيقة، بل لأننا نرى أن التطرف يُنتج الفوضى وعدم النظام، وأن مِن عدَم النظام لا ينتج نظامٌ إلا بيد قوية قاهرة تنحصر في شخص معين وتتركز فيه.

وليس في مستطاعنا بطبيعة الحال أن نأتي على ملاحظات عديدة على قدر ما نرغب، نبين بها أوجه العلاقة بين سقوط الدول وبين مقدمات السقوط السياسية، فليس في طبيعة الأشياء الإنسانية أن تسقط أمامنا كلَّ يوم إمبراطورية كبيرة أو دولة عظمى وتتحطم إلى الحضيض؛ لتكون بمثابة مختبَر عملي نستخدمه لاستخلاص استقراءاتنا السياسية، لهذا نضطر إلى أن نعود إلى الماضي لنستخلص منه أمثال هذه النتائج التاريخية، فتحل لدينا محل المشاهدة المباشرة، وتقوم لدينا المثل المادي، وتقوِّى فينا متَّجهاتنا وميولنا السياسية، وفي هذا الموضع فقط يفيدنا التاريخ، فليس من شأن التاريخ أن يعلمنا شيئًا جديدًا لم نكن نعرفه، ولكن شأنه الحقيقي ينحصر في أنه يقوي فينا النزعات التي نكون قد كوَّنَّاها بالفعل من ملاحظاتنا واختباراتنا التي نستمدها من «الحاضر»، أن يزودنا بأمثال نؤيدها منْتزَعة من الماضي البعيد، إنه يعطينا نفس ذلك الضرب من التحقيق الذي يزودنا به استكشافنا لوقوع كسوف قديم للشمس نعثر عليه بين دفتي كتاب قديم متروك، بعد أن نكون قد عرفنا أن زمان وقوع ذلك الكسوف قد حَسَبَه فلكيُّو العصر الحاضر على وجه التحقيق. إنما يفعل التاريخ للنوع البشري ما تفعل تجاريب العقول الأخرى للفرد، فإن أكبر جزء من معرفتنا إنما نكتسبه ﺑ «اللقاح» لا بالاختبار المباشر.

إن أكبر قسط مما نعرف إنما ينتقل إلينا من إخباريات موثوق بها يرويها معاصرونا، أو من الكتب التي نقرؤها، أو من شاهدي عِيَان نؤمن برواياتهم ونصدِّق مروياتهم. ومع كل هذا فإننا نؤمن بما يُنقل إلينا، ونمضي عاملين على مقتضى ما يوحي إلينا به ذلك المنقول، لا لأن السند الذي نتلقَّى عنه هذه المنقولات معصوم عن الخطأ مبرَّأ عن الزَّلَل، بل لأن ما يُنقل إلينا يتفق مع بقية معتقداتنا الأخرى، أو على الأقل لا ينتهكها ولا يناقضها؛ فإن في مستطاعي أن أعتقد بوقوع حوادث لم أشاهدها، وبارتكاب جرائم لم أرتكبْها، لا لأن برهانها لا يُنْقَض، ولا لأن راويها لا يَزِل ولا يخطئ، ولكن لأنها نتيجة لنزعات وميول أشعر بمثلها قائمًا بين جوانحي مستمكنًا من قرارة نفسي، بل وأراها قائمة فيما يحفُّ بي من ظروف الدنيا وحالاتها، فإني أستطيع مثلًا أن أعتقد أن شخصًا قد قتل جاره في فَوْرَةٍ من فورات الانفعال ولو لم أشاهد مثل هذا الفعل طول حياتي؛ لأني أقدر أن أعرف إلى أي حد يذهب تأثير الانفعال النفساني إذا هو تمادى غير مصدود باعتبارات نفسية أخرى أرقى منه طبيعة وأنبل ماهية، كذلك الحال في التاريخ، فهو يزود العصر الحاضر بتجاريب القرون الأولى، وبذلك يجعلنا نتحقق من أن النتائج التي وقعت بالفعل هي نفس النتائج التي يجب علينا أن ننتظر وقوعها استتباعًا لنزعات نراها قائمة في عصرنا الحاضر. غير أن الاستنتاجات التي نستمدها من تلك التجاريب يجب أن توافق آراءنا ومعتقداتنا، وبالجملة تكون مصدَّقة لدينا، وإلا فإننا ولا شك نرفضها ولو نزل بها من السماء رسول مبين. وعلى هذا نرى أن ذلك الجزء الدنيء الذي نقتطعه من الأبد السحيق وندعوه «الآن» يوازن كل مرويات التاريخ على عظمتها واتساعها، كما توازن قطرة من الماء، إذا أُحكم وضعها، مياه الخضم المتلاطم الأمواج، على سَعَة رحابه.

٣

أما القول بأن «التاريخ» إنما يستمد الثقة به من الحاضر، فلا تظهر صحته بأكثر مما تظهر من ترك الناس في الزمان الحاضر لِمَا كانوا يعتقدون به من المعجزات في الأزمان الماضية؛ فإن الروايات التاريخية التي كانت تؤيد الاعتقاد بوقوع المعجزات بالفعل لا تزال قائمة حتى اليوم كما كانت في العصور الوسطى، وهي فوق ذلك معتبرة من «الحقائق» التاريخية الثابتة، فلماذا لا يعتقد الناس بصحتها كما كانوا يعتقدون بها من قبل؟ السبب في ذلك أن التاريخ إنما يستمد كل ما فيه من قوة الكشف عن الحقائق من وقائع العصر الحاضر، وليس من الثقة بأشخاص ينقلون روايات ما مهما كان مبلغ الإيمان بصدقهم، ففي تلك الأيام التي آمن الناس فيها بصحة المعجزات، وبالأحرى في الأيام التي آمن الناس فيها بتدخل قوى الغيب في تصريف حالات هذه الدنيا، كان من الممكن أن يتقبل العقل الإنساني التصديق بوقوع المعجزات تسليمًا ولأول وهلة، أما اليوم فالمعتقد على أنَّه ليس لقوى الغيب أن تتدخل في حالات الاجتماع الإنساني، أو غيرها من حالات هذا العالم، وعلى هذا أصبحت الروايات التي كانت تُروى عن وقوع المعجزات، مهما بلغت منزلة الذين يروونها من التبجيل والاحترام، مما لا يمكن تصديقه بمقتضى الحالات القائمة اليوم. أما ذيوع الاعتقاد بأن قوى الغيب كانت تتدخل في تصريف حالات هذا العالم في الأزمان السالفة، فراجع لدى الواقع إلى أن كثيرًا من الحوادث التي كانت تحدث في كل وقت وآن لم يكن في المستطاع تعليلها تعليلًا طبيعيًّا يقبله العقل الإنساني، وخضوعًا لذلك الناموس المؤصَّل في تضاعيف الفطرة البشرية نَسَب الناس وقوع هذه الحوادث إلى إرادات مشابهة لإرادتهم كلما أَعْوَزَتْهم الحاجة إلى أسباب طبيعية ينسبونها إليها. أما السبب في أننا لا نؤمن اليوم في تدخل قوى الغيب في حالات هذه الدنيا، فراجع إلى الاعتقاد بأن كل الحوادث الكونية مهما كانت صفاتها وضروبها من الممكن أن يُتتبَّع أصلها إلى أسباب طبيعية.

والحال في السِّحر هي بعينها الحال في المعجزات، فإن البراهين التي كانت تقام في تأييد وجود السحر كانت قوية، حتى إن رجالًا ممن اتصفوا بأنهم من زهرة رجال الإنسانية مثل باكون وماتيوهال وسير توماس برون، قد اعتقدوا بصحة السحر اعتقادًا جازمًا. وهؤلاء وغيرهم كثيرون، على الرغم من نفوذ بصائرهم وعلوِّ كعبهم في العلوم والفلسفة، قد رأوا أن البراهين التي تقام لتأييد السحر كافية للاعتقاد بصحته، ولا سبب لهذا إلا أنهم بدءوا يفكرون في موضوع السحر وعقولهم مشحونة شحنًا تامًّا بما يجعلهم أكثر استعدادًا لقبول البراهين والتفسيرات التي يذهب إليها المؤمنون بهذه الظاهرة الخرافية، ولقد رأوا وقائع تقع وحوادث تحدث من حولهم كل يوم من غير أن يستطيعوا أن يعلِّلوها إلا بأن يفرضوا وجود ذوات غير مرئية لها إرادة مشابهة لإرادتهم، وهذا في الواقع راجع إلى أن البراهين التي رأوا أنها كافية لأن يقيموا عليها معتقدهم في الماضي لم تصبح كافية لأن تقنعنا اليوم بما اقتنعوا به من قبل.

ولا حاجة بنا لأن نمضي في ضرب الأمثال، فإننا إذا احتجنا إلى دليل آخر يثبت لنا أن التاريخ ليس إلا تذييلًا للحاضر وتبريرًا له، بل يجب أن يُخضع له الخضوع كله؛ فإنا نقع عليه في تلك الحقيقة الفذة، حقيقة أن المعرفة بفروعها إنما يُحكم فيها من وجهة نظر الحاضر وليس من وجهة «الماضي»، فلسنا نحكم اليوم على المذَنَّبات بتلك الوجهة من النظر التي كانت تحمل الناس على الاعتقاد بأن هذه النجوم الضالَّة إنما ترسل من أذنابها «الوباء والخراب» في كرة الأرض، بل نحكم على آثارها «الماضية» بما نعرف من طبيعتها في «الحاضر»، كذلك لا نعتقد اليوم أن الرعد ناتج عن سوط إسرافيل إذ يسوق السحاب، ولا أن الصواعق نذير من نذر الله. وعلى الجملة نقول بأن كل التفسيرات «الماضية» التي عُلِّلت بها حوادث الكون والاجتماع يجب أن تُخْلي الطريق لما يوحي به «الحاضر»، وبالأحرى نقول بأن «الماضي» يجب أن يُترك ويُنسى ليحل محله «الحاضر». ومن غريب الأمر أن «العلم» في حين أنه يقضي على «الماضي» ويُحيي «الحاضر» فإن مقرراته لن يفصل فيها إلا «المستقبل».

٤

إذا أردنا أن نبلغ ببحث هذا الموضوع قسطًا أوفى من الكمال، وجب علينا أن ننظر في التاريخ باعتباره تفسيرًا فلسفيًّا للماضي، وأن نبحث في ما يمكن أن يُلقى من ضوء على مشكلات الحاضر والمستقبل.

وكثيرًا ما نظر بعض الكتاب والباحثين في التاريخ معتقدين بأن من ماهيته أن يؤيد معتقدات أو مذاهب فكرية. ومما لا ريب فيه أننا إذا رجعنا إلى ذلك العدد العديد من المذاهب التي أيدها التاريخ، ظهر لنا أن في هذا الزعم قسطًا من الحق كبيرًا. ولقد أشرت من قبل إلى أن تلك النظريات العالمية أو الاجتماعية التي تعتمد في بقائها على الحقائق التاريخية، يكون لها في أذهان الناس قيمة ووزنًا أكبر من قيمة تلك النظريات التي تعتمد في البقاء والثبات على النظر الاستقرائي العميق فى ما يحيط بنا من الأشياء.

إذا قرأنا ما كتب كونت وبوكل وسبنسر، وأمعنَّا النظر فيما ذهبوا إليه من الآراء في تعليلهم حقيقة الارتقاء الاجتماعي؛ يخيَّل إلينا دائمًا أن النظريات التي يحاولون إقرارها قد قامت في عقولهم مستمدَّة من الحقائق التي يروُونها، بنفس السهولة التي نستوعب بها تلك النظريات من كتبهم. وعلى هذا يأخذنا الزهو والإعجاب بما نُوهَم أننا وُهِبنَاه من قوة عقلية تمكننا من أن نحيط، كما يحيط الله، بكل ما قطعت الإنسانية من أشواط التقدم والارتقاء، في نظرة واحدة نلقيها على الصورة الماثلة بين يدينا، في حين أن العين لتُبْهر وتفقد قوتها على الإبصار، وأن قوة التصور لتنوء بثقل ما يتراكم عليها من حمل التقاليد؛ فيرتد الإنسان كليلَ البصر، فاقد الحيلة. غير أن العقول الفذَّة الكبيرة لَتدرك بأن النظرية، بدلًا من أن تُستمد مباشرة من الحقائق استمدادًا ذاتيًّا، قد تكوَّنت في صميم الحقائق ذاتها، وبالأحرى نقول بأن النظرية ليست هي النتيجة الأخيرة التي يخلص بها القارئ بعد طول اطِّلاعه وإكبابه على القراءة، بل على الضد من ذلك نجد أن القراءة لم تكن في الحقيقة إلا جهدًا يُبذل في سبيل الوقوع على حقائق تؤيد النظرية، وبدلًا من أن تُستمد النظرية من سلسلة طويلة من الحقائق التاريخية، نجد أن النظرية إنما تُستحدث من مشاهدات محدودة قوامها الرجال، والأشياء التي تحيط بهم.

والنتيجة أن النظرية ليس لها أقل تأثير على الحد الأخير الذي تبلغ إليه الحقائق التي تُستمد منها لأول وهلة، على نفس الصورة التي نلحظها في آلة ضخمة كبيرة؛ إذ لا يكون لها من تأثير على المحرك الذي يحركها، وخذ لذلك مثلًا من الفيلسوف سبنسر، فإنه يعتقد أن نظريته في النشوء، على الرغم من أنها تظهر للقارئ كأنها قد استُمدت مباشرة من الحقائق المفصَّلة التي سُردت لتأييدها؛ كانت في الحقيقة نتاجًا مباشرًا لمشاهدات وقع عليها العلَّامة فون باير، محصَّلها أن العضويات في نمائها الجسماني تنتقل من حال التجانس إلى حال التنافر، وهذه الفكرة التعميمية التي تركزت في كل ذي أُلفة واتساق كانت بدورها ذات أثر كبير في عقل سبنسر، حيث استطاع من طريقها أن يضع نظريات جديدة في كثير من فروع العلوم. وما النظرية لدى الحقيقة إلا فكرة تعميمية، تتحدد وتأخذ صورة معينة، ومن ثم تستمد من حقائق العلوم والمعارف الإنسانية ما يثبت أن هذه النظرية هي «القاعدة» أو «السُّنَّة» التي يخضع لها نظام الطبيعة، وهذا أمر طبيعي ما دمنا نعتقد أن حقائق العلم إنما هي حقائق «موضوعية» قد يصح نظرنا فيها اليوم، ثم لا نلبث أن نأخذ في بحثها ثانية في الغد، وإعادة النظر فيما تقوم عليه من القواعد والأسس. ولا جَرَم أن هذا النظام يظل سائدًا ما دام الإنسان ينظر في المُفَصَّلات، غير أنه إذا أراد أن يرجع إلى أصل الأشياء ويبحث في منابعها الأصلية ويتساءل «كيف وجدت؟» كما فعل سبنسر في كتبه الكثيرة التي حدثنا فيها عن كيفية نشوء الحياة والأنواع والجهاز العصبي، وكيف حدث ما نسميه الزمان والمكان والإدراك والحواس والجمال والفضائل، وكيف نشأت الجمعيات البشرية والديانات والحكومات؛ كل هذا على قاعدة أن نظرية النشوء هي الأصل الذي ينير لنا سبيل معرفة هذه الأشياء، فإنه إذ يرى أن أصل الأشياء إنما يقع في حيز بعيد عن أن تتناوله مشاهداتنا وأنه مدفون برمته في ثنايا الماضي السحيق، فمن البيِّن أن تفسيراته إنما تنحصر في البيان عن الكيفية التي يمكن أن تنشأ بها الأشياء، إذا صحت نظرية النشوء، لا في البيان عن النمط الحقيقي الذي نشأت به الأشياء، وكذلك الحكم في صحة نظرية النشوء نفسها أو فسادها، فإن ذلك لا يتوقف على مقدار المدى الذي تبلغه في البيان عن الكيفية التي وقعت بها ظاهرات «الماضي»، بقدر ما يتوقف على بيانها عن الظاهرات التي تقع حِفَافَيْنا في «الحاضر».

٥

من هنا نرى أن التاريخ، على أي وجه من الوجوه قلَّبْتَه، لا يستطيع أن يرشدنا عن المستقبل، بل على الضد من ذلك نقرر بأن وقوفنا على حالات «الحاضر» هو الذي يزودنا بقوة نستطيع بها أن نتغلغل إلى طيَّات الحق الثابت.

فمثلًا أية قيمة لتلك المجموعات الضخمة التي جمعها مونتْسِكْيو ليؤيد بها مذهبه في أن الطقس هو السبب الأول الذي يُحدث التباين بين الأمم من حيث القوة والنشاط والعادات ونظام الحكم، إذا دلَّتنا التجاريب والمشاهدات على أن تأثير الطقس، على الرغم في أنه من المؤثرات التي تكوِّن الظاهرات الاجتماعية، ثانويٌّ صرف؟

من هنا نعتقد أن التاريخ أولًا: فن صرف، ثانيًا: أنه لا يرشدنا في المستقبل ولا يكشف لنا عن حقائق الماضي، وأن «الحاضر» وحده هو الذي نستطيع إذا ما وقفنا على وقائعه أن نسترشد به في تفسير التاريخ وفي معرفة شيء مما سوف يجود به المستقبل.

فهل لنا أن يصبح «الحاضر» معبودنا الأعظم كما هو معبود الغرب، فنتبدل من العقلية الشرقية القديمة بعقلية غربية جديدة، تمهد لنا السبيل لكى ننظر نظرة مستقيمة في حقائق الأشياء؟٣
١  يشير إلى الحكمة المعروفة في التوراة، إذ تقول: «لأنني الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء من الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ، وأصنع إحسانًا إلى ألوف من محبيَّ وحافظي وصاياي.
٢  نشرت في مجلة المقتطف، بالعدد الأول من المجلد الثاني والستين، يناير سنة ١٩٢٣.
٣  مراجعنا في هذا المقال: ماكولي تريفيليان وكارليل ولورد ماكولي وبيتي كروزيار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠