خداع الطبيعة

للطبيعة سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وكل ما في الطبيعة من جماد ونبات وحيوان مندمج فيها، لا يخرج عن قطرها ولا ينفلت عن سلطانها.

وهم الذين يقولون بأن الإنسان سيد الطبيعة، وأنها مسخَّرة له، وأن السماء والكواكب والسَّيَّارات لم تُخْلق إلا للإنسان، كأنَّ الإنسان، ذلك الدابَّة المفكرة، محور الكون وأساس النظام العالمي، ذلك مبلغ ما وصل إليه تجبُّر الإنسان وعَنَتُه. والحقيقة الواقعة أن الإنسان لم يخرج عن كونه نتاج تفاعل الظاهرات الطبيعية الخاضعة لحكم السنن العامة، فهو ابن رأيٍ للطبيعة فيه لا يتبدل ولا يتغير، وكل ما في الإنسان من ظاهرة راجع إلى فعل الوراثة الخاضعة لحكم النواميس الطبيعية الثابتة. غير أن الإنسان مهما كان خضوعه لحكم الوراثة الطبيعية ثابتًا، فإنه — كما يقول السير «راي لنكستر» — «ابن الطبيعة الثائر»، ولكن ثورته سلبية، لأن خضوعه لأحكام الطبيعة عامٌّ شاملٌ.

نورد لذلك مثلًا من عالم النبات نطبقه على الظاهرات النفسية التي تقع تحت حسِّنا كل يوم.

قسم العلماء مملكة النبات إلى قسمين عظيمين: الأول النباتات اللازَهرية «الكربتوجامية»، والثاني النباتات الزَّهْرية «الفنيروجامية»، وميزة القسم الثاني أزهار بهية الألوان أخَّاذة بالأنظار والألباب، تجذب نحوها العضويات الحية من الحشرات بنَضْرَتها وجمالها وبَهِيِّ ألوانها.

أما النباتات اللازَهرية فلا زهر لها، وجماعها على وجه التقريب من الحشائش ذوات الفَلْقَة الواحدة. وأما النباتات الزهرية فجماعها من الأشجار والأعشاب ذوات الفلقتيْن، وينطوي تحتها معظم أنواع مملكة النبات وأجناسها. وترى أن النباتات الزهرية كلما انحطَّتْ مرتبتها كان الأمر على عكس ذلك، والشواذ في هذه القاعدة نادرة. فما هو السبب الذي جعل ذوات الأزهار العليا تمتاز على ذوات الأزهار الدنيا ببهاء اللون والتناسق والجمال؟

ثم تجد من جهة أخرى أن الأشجار، على الضد من الأعشاب، كلما كانت أسحق في الارتفاع قلَّ جمال أزهارها، وكلما كانت أقلَّ ارتفاعًا زاد جمال أزهارها، فما السبب في ذلك؟

السبب في ذلك يعرفه مذهب النشوء والارتقاء، ولا تعليل لهذه الظواهر بغيره.

•••

كل ذوات الأزهار تُخرج زهرًا فيه عضوان: عضو تذكير وعضو تأنيث، فيخرج من عضو التذكير غبار أشبه بالهباء، ويدعى علميًّا ﺑ «اللَّقْح النباتي»، وفي عضو التأنيث بروز يقال له «الاستحمانة». فإذا نُقل اللَّقْح من عضو التذكير إلى الاستحمانة في عضو التأنيث، تم اللَّقاح وأخرجت الشجرة بِزْرًا يحفظ نوعها ويُكْثر نسلها، أما إذا تعذَّر ذلك فإن النوع لا محالة ينْقَرض ويَفْنى. وقد تحمل الزهرة الواحدة عضوين، أحدهما للتذكير والآخر للتأنيث معًا، بحيث يقارب أحدهما الآخر في الوضع. وقد تختص أزهار في بعض الأنواع بإنتاج أعضاء تذكير صرفة، وأزهار بإنتاج أعضاء تأنيث لا غير. وقد تختص أنواع بأشجار تنتج أزهارًا فيها أعضاء تذكير، وأشجار غيرها تنتج أزهارًا فيها أعضاء تأنيث فقط. وفي كل هذه الحالات تحتاج الأزهار إلى فعل مؤثِّر ذي قوة وبأس، يحمل اللَّقْح من زهرة إلى أخرى أو من عضو إلى آخر أو لَقْح أزهار شجرة إلى أزهار أخرى، ليتم اللقاح ويُحفظ النوع من الانقراض والفناء.

ومن أغرب ما في الطبيعة من حكمة تُعلِّل لنا السبب في أن الأشجار الباسقة لا يكون في أزهارها جمالٌ بقدر ما في أزهار الأشجار القصيرة السُّوق؛ أن الأولى في غير حاجة لتلقيح الحشرات إياها، فتكون أزهارها صغيرة الحجم وألوانها مقاربة إلى درجةٍ ما للون أوراقها، بل إنها لا تكاد تتميز عن الأوراق إلا باعتناء تام، كشجر البلوط والكافور، ولذا كان هبوب الريح طريق تلقيحها الطبيعي، ناهيك بأن الرياح عامل طبيعي لا إرادة له ولا حس فيه بالجمال، ولا دافع له على الحصول على حاجيات للحياة يسوقه إلى ارتياد الأزهار مجذوبًا إليها بحُسن رونقها وزاهي ألوانها أو شهيِّ عُصارتها النباتية. ذلك على العكس من الأنواع القصيرة السُّوق، فإن حاجتها إلى الحشرات كبيرة، لذلك تكون أزهارها عظيمة الحجم، ذوات ألوان مختلفة متناسقة.

أما الأزهار التي تلقِّحها الحشرات، ففضلًا عن احتياجها إلى بهاء اللون وكِبَر الحجم، لتظهر على أغصانها جلية لأعين الحشرات؛ فإنها تفرز عُصارة شهية تقدُم الحشرات على اجْتنائها برغبة كبيرة. وهذه العصارة الرحيقية تفرزها غددٌ خاصة، فتجري من ثَمَّ في قنوات خصيصة بذلك أو تظهر مترشِّحة على ظاهر أعضاء الزهرة داخل التُّوَيْج غالبًا. ولهذه العصارة فائدتان: الأولى أنها تجذب الحشرات إلى الزهرة لتجني رحيقها الشهي، والثانية أن هذه العصارة لزجة كالغراء، فإذا لامست جسم الحشرات أو خراطيمها أو مَلَامِسَها أو أرجلها، ثم لامست الحشرات سَدَاة عضو التذكير الذي يُنتج اللَّقح؛ عَلِق اللَّقح بسهولة بأعضاء الحشرات، فلا يذهب كله سُدًى، بل يكون نقله إلى الاستحمانة في عضو التأنيث محققًا.

هنالك يقع التناحر على البقاء، وهنالك يُفتح للطبيعة مجال الانتخاب الطبيعي، فإن الأنواع التي تكون أزهارها أبهى لونًا أو أكبر حجمًا أو أكثر إنتاجًا لتلك العصارة، تكون بحكم الضرورة أجذبَ للحشرات وأكثر لقحًا وأكبر إنتاجًا للبذر وأقل إسرافًا من اللَّقح، فيَكثر عدد أفرادها الناتجة، وبذلك تتغلب على غيرها من الأنواع التي تكون أزهارها أقلَّ بهاءً في اللون أو أصغرَ حجمًا أو أنضبَ في إنتاج العصارة النباتية مَعِينًا. هذا سر التناحر على البقاء، وهذا ما يؤدي إلى الانتخاب الطبيعي، ومن هنا يُستحدث الجمال في طبائع العضويات بحكم الحاجة والضرورة والفائدة لتغاير الأنواع ونشوئها.

•••

ارجع بعد ذلك إلى العالم الإنساني، وطبِّق هذه الظاهرة على الحياة اليومية، وتأمَّل قليلًا في تلك الحالة النفسية التي تجتذب أنظار كثير من الرجال والسيدات إلى واجهات المخازن العمومية الكبرى؛ تجد أن الحالة في الطبيعة المطلقة هي بعينها الحالة في الطبيعة الاجتماعية، فالناس أمام الحوانيت الكبرى متهافتين على باهي ألوان الأقمشة وتناسق الصناعة، كالحشرات في تهافتها على الأزهار ذوات الألوان الجميلة التامة التناسق. وكما أن في الطبيعة تنحارًا على الحياة بين الأنواع، فإن في الاجتماع تناحرًا على الحياة بين المنتِجين، فالمصنوعات كلما كانت أتم نَسَقًا وأبْهى لونًا وأكثر تآلفًا في أجزائها وأجذب لأنظار الناس، امتازت على غيرها بمهيِّآت البقاء.

لنا بعد ذلك أن نقول إن في الطبيعة قوة للخداع والمخادعة، تنصرف إلى جانب الخير لا إلى جانب الشر، إذ تعود بالنفع على الخادع والمخدوع!

ألا يحق لنا أن نقول بأن في الطبيعة حكمة ترجع إلى إرادة عاقلة تصدر عنها، مصروفة إلى الخير المحض لا إلى النفع الخاص؟ وألا يصح أن نقول بأن الإنسان لا يستطيع أن يخادع الطبيعة إلا ويكون مخدوعًا من جانبها؟ ألا يَخْلَق بنا أن نقضي بأن نسبة الفرق بين جمال الصناعة الإنسانية الخارجة من يد المدنية الحديثة وبين جمال الزهرة الطبيعية الوادعة؛ كنسبة الفرق بين بدائع القوة الخالقة العظيمة وبين الصناعات البشرية؟

•••

غير أننا نتساءل ما هو السبب في وجود تلك القوة الخفية التي تصرفها الطبيعة إلى مخادعة الأحياء؟ سببها أن الطبيعة مُوكَلَة بحفظ الحياة فوق هذا السَّيَّار، حتى من طريق الموت والفناء، فهي تُفني صور الحياة وتذهب بأنواع ما إلى الانقراض، وتنْثُر لقح النبات سدى، لا لشيء سوى أن تحفظ حياة الأنواع متمشية بها في طريق الارتقاء منتحية كل سبيل متذرعة بكل وسيلة تُسْلِم بها إلى تلك الغاية، فهي كما يقول «جوته» كبير مفكري القرن التاسع عشر: «إن الطبيعة إذ تفْرِط في الإسراف من جهة، تسرف في الاقتصاد من جهة أخرى»، لذلك نقول بأن قوة المخادعة التي تقع عليها في الطبيعة لا سبب لها إلا حاجات الأحياء ومنافعها.

خذ لذلك مثلًا مبدأ المحاكاة في الطبيعة — Mimiery — فإنه مبدأ ينطبق على كثير من الصور الدنيا كما ينطبق على جزء قليل من الصور العليا في عالم الحيوان، كما أن له أثرًا في عالم النبات، فمحاكاة الحشرات للبيئة المحيطة بها من أكبر الوسائط التي تتذرع بها الطبيعة لوقاية أنواعها. ولا تقتصر هذه الوقاية على رد غَائِلة أعدائها عنها، بل تتعدى إلى حفظ حياة بعض الأنواع، إذ تهيئها بفرصة تجعل حصولها على غذائها أكثر سهولة، فإن الحشرات العضوية مثلًا، وهي التي تشابه العصا، لا يمكن أن نفرق بينها وبين أي غصن من الأغصان التي اعتادت ارتيادها، وبذلك تتهيأ بفرصتين: الأولى خديعة أعدائها، والثانية مخادعة فرائسها، إذ تَنْبُو عن أنظارهم، فيَفُوت الأولين افتراسُها، ولا يفوتها افتراسُ الآخرين.

عَثَرْتُ ذات يوم على حِرْباء في شماليِّ مصر، وكانت على غصن شجرة بجواري، ولم ينبهني إليها إلا طفل صغير أمسك بها فأزعجته حركتها البطيئة، إذ كان يتصور أنها جزء من الشجرة لا حيوان متحرك، فنقلتها إلى غصن شجرة أخرى أقل اخضرارًا، فامْتُقِع لونُها أولًا ثم لم تلبث أن أصبحت بلون ورق الشجرة تمامًا، ولما لففتها بقطعة قماش سوداء اسودَّ لونها بسرعة، ثم نقلتها فجأة إلى صندوق لففته بقطعة قماش حمراء فاحمرَّ لونها إلى درجة ما، وهكذا دَوَالَيْك لا يحيط بها وسط إلا واندمجت فيه بسرعة حتى ضُرب بها المثل في التقلب وعدم الثبات على شيء واحد. والظن الغالب أن الطبيعة لم تَحْبُ الحرباء بهذه الصفة إلا لتعوِّض عليها ما خصتها به من ثقل الحركة وبطء الانتقال، فإنها إذ تقتات على الحشرات دون غيرها لا تستطيع أن تقبض عليها إلا إذا خدعتها الطبيعة عن الحرباء بخداع المحاكاة في اللون. والحرباء لا تهاجم فرائسها، بل تظل إذا ما أخذت لون الوسط المحيط بها واقفةً بضع ساعات تنتظر أن تقترب منها حشرة فتلتهمها، فلو أنها خُصَّت بصفة الثبات على حالة واحدة لاستطاعت الحشرات أن تميزها بسهولة، وكان من الواجب في تلك الحال أن تخصها الطبيعة بسرعة الحركة وإلا انقرض نوعها.

ولا تدل المحاكاة في مباحث التاريخ الطبيعي على مشابهة آتية من طريق الإرادة والإدراك، فإنها صفة لا إرادية تتصف بها الحيوانات وتُوَجَّه بكليتها إلى نفع الأحياء. وكل ما يُعنى بالمحاكاة إنما ينحصر في مماثلة ذات فائدة تعطي الحيوانات المحاكية فرصة للاختفاء عن أعين مفترسيها، أو تزودها بصفة تجعل حصولها على غذائها أكثر سهولة وأسرع متناوَلًا.

وليست المحاكاة صفة شائعة بين الحيوانات العليا، فهي نادرة بين الحيوانات الفَقَارِيَّة، وهي أشد ندرة بين الثدييات، فإن علماء التاريخ الطبيعي لا يروُون من حالات المحاكاة بين الثدييات سوى حالة اختص بها جنس يَقْطُن بعض جزر الملايو ويدعى اصطلاحًا في اللسان الحيواني «الكلادوبيت Cladobates» وهو من الحيوانات الحشرية آكلة الحشرات Insectivora، فإن كثيرًا من أنواعه تحاكي السنجاب العادي في الحجم واللون وفي كَثَاثَة شعر الذيل وكثافته، ولقد قال فيه العلَّامة «وولاس» زميل «داروين»: إن هذه الصفة قد تساعد تلك الأنواع على أن تفترس الحشرات والطيور التي تغتذي بها بسهولة، إذ تُخدع عنها تلك الحيوانات بالسنجاب الذي لا يأكل إلا الثمار. وفي هذه الحال وغيرها من الحالات الشبيهة بها لا تُعَدُّ المحاكاة صفة واقية، أي صفة سلبية، بل صفة هجومية إيجابية ينتفع بها الحيوان في الحصول على غذائه.
أما في الطيور فقد ذكر مستر «وولاس» أن مشابهة «الكاكو Cuckoo»، وهو طير ضعيف الجسم فاقد القوة لا يحسن عن نفسه دفاعًا، لجنس البازي ولطيور الفصيلة الدَّجَاجية Gallinaceous Tribe؛ قد تُعَدُّ حالة من حالات المحاكاة الحقيقية. غير أن لدينا مثلًا آخر من أمثلة المحاكاة بين الطيور، ففي أستراليا وما يجاورها من البقاع يقطن نوع من الطير يقال له في اللسان الحيواني «تروبيدورنكس Tropidorhynchus»، تكونه أفراد من الطير قوية العضلات كثيرة النشاط، مجهزة بمخالب قوية، ومَنَاسِر حادَّة مرهفة، ومن عاداته أن تجتمع أفراده في جَلَبَة وصياح عالٍ، فتستظهر على أنواع الغِربان والبُزاة على قوتها في القتال وصبرها عليه، لأن ذلك النوع فيه قدرة على النزال، فضلًا عن حبه للمغالبة وخوض المعارك الحامية الوطيس. وفي نفس تلك المنطقة تعيش أنواع أُخر من الطيور المغردة تكوِّن جنسًا يسمى «ميميتا Mimeta»، وهي لا تشابه بقية أجناس فصيلتها، فإنها ضعيفة البنية قاتمة اللون، فهي إما سمراء وإما زيتونية إلى خضرة داكنة. وتجد أن أنواع هذا الجنس تشابه في كثير من الحالات أفراد «التروبيدورنكس» التي تقطن وإياها في بقعة ما، ففي جزيرة «بورينو» مثلًا تتشابه أنواع الجنسين مشابهة كبيرة، أتى على ذكرها العلَّامة «وولاس» وأفاض في وصفها ببلاغته المعروفة.
وذكر مستر «وولاس» عند المحاكاة بين الزواحف أمثالًا فيها غرابة، فإن في أمريكا نوعًا من الأفاعي الاستوائية السَّامَّة يدعى في اللسان الحيواني «إيلابس»، مُطَوَّق الجسم بدوائر ذات لون بهي لامع، تحاكيه عدة أنواع من الأفاعي غير السامة، ولا تَمُتُّ إليه بشيء من الخصائص والعادات الحيوية، ولكنها تقطن معه في بقاع ما، فالأفعى السامة التي تقطن مقاطعة «غواتيمالا» وتسمى اصطلاحًا «إيلابس فلفوس Elaps Falvus» لها دوائر سوداء على جسم كهرماني إلى حمرة، أما غير السامة وتدعى اصطلاحًا «بليوسيرس إكوالس Pliocerus acquilis»، فتشابه الأولى في اللون تمامًا، وهذه الصفة تهيئ الأفعى غير السامة المعدومة السلاح بمهيِّئات الوقاية، لأنه كثيرًا ما تنْفُر منها الحيوانات، وعلى الأخص الطيور التي تغتذي بها، إذ غالب ما تُخدع عنها بالأفعى السامة، وبذلك تتهيأ لها فرص البقاء.

على أن المحاكاة لا تقتصر على أنواع الحيوان وأجناسه وفصائله، بل تتعدى إلى النبات. غير أن أغرب ما وقفت عليه من حالات المحاكاة بين النبات نوعٌ من أهليات أمريكا الاستوائية يشابه كثيرًا من أنواع العَوْسَج والقَتَاد التي تنمو في أدغال متقاربة. ومن صفات هذا النوع أنه مهيَّأ بمعدات للقبض تنكمش إذا ما لامستها أنواع خاصة من الطير كصغار العصافير وغيرها. وهنالك أفعى كَمْهَاءُ لا تعيش إلا بالقرب من تلك الأشجار، فإذا وقع طير في شِراك الشجرة امتدت إليه الأفعى والْتَهَمتْه غنيمة باردة. فإذا انقرض هذا النوع من الشجر، أو إذا انقرضت الأنواع التي تحاكيه، أو انقرضت أنواع الطير التي يقبض عليها ويفترسها إذا ما لامسته؛ انقرضت أنواعٌ من الأفاعي الكمهاء التي تعيش في تلك البقاع.

وهكذا تجد في الطبيعة من أمثال هذه العظات البالغة ما يقف أمامه العقل مبهوتًا. ويكفي للباحث الخبير أن يقف على سر من تلك الأسرار التي تقوم عليها الحياة العضوية فوق هذه الأرض؛ ليعلم أن جهل الإنسان بحقائق الكون يزيد بنسبة علمه، فالإنسان في دائرة البحث مثله كمثل من يصعد في سُلَّم حلزوني يزداد اتساعًا كلما ازداد ارتفاعًا، وهو كلما صَعِدَ فيه يمتد نظره إلى علم مجهول لا نهاية له.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠