بيضة الكيوي

١٨٤٢–١٨٤٤

٧

فكر في الأمر وكأنه عملية تكوُّن بيضة طائر، تتخذ شكلها ببطء داخله. لقد حدث التبويض، ثم الإخصاب. بعد ذلك يأتي النمو، من حجم البويضة الميكروسكوبي … حسن، وصولًا إلى أي حجم تصل إليه البيضة قبل وضعها. لا تفكر في بيضة دجاجة أو بيضة إوزة، أو حتى البيضة الضخمة لطير أخرق مثل النعامة. فبما أن المقصود بالبويضة هنا هو الانتخاب الطبيعي والطائر هو تشارلز داروين، فكر في الأمر كبيضة الكيوي.

طيور الكيوي لا تطير، شكلها كروي، ومنقارها طويل، وهي كائنات غريبة ريشها يشبه الشعر تتجول ليلًا لتأكل الحشرات والديدان. وهناك أنواع عديدة منها وكذلك أنواع فرعية، وكلها يضمها جنس «الأبتركس»، وكلها تستوطن نيوزيلندا (دون سواها). وهي تنتمي لمجموعة مسطحي القص، بمعنى أن النعام، والريّة، والأمو، والشبنم هي أقرب أقربائها الأحياء. شكلت مجموعتان من الطيور العملاقة المنقرضة جزءًا من هذه المجموعة أيضًا، وهما طائر الفيل في مدغشقر والموة في نيوزيلندا. إذا كانت هذه الطيور كلها على صلة قرابة ولا تطير، فربما يتساءل المرء كيف أمكن لها أن تصل إلى أماكن بعيدة متباعدة هكذا لا يوجد بينها ترابط مثل أمريكا الجنوبية (طيور الريّة) وأستراليا (الأمو والشبنم)، وغينيا الجديدة (مزيد من الشبنم) ومدغشقر ونيوزيلندا؟ يبدو أن الإجابة هي أن هذه الطيور قطعت هذه المسافات مشيًا. تعود سلالة مجموعة مسطحي القص لعهد سابق على انقسام القارة الجنوبية الفائقة القديمة، التي تعرف الآن باسم جوندوانا لاند، إلى مجموعة من القارات والجزر. سار أسلاف الطيور مسطحة القص على الأقدام في أرجاء جوندوانا لاند، وبعدها تباعدت الأجزاء بعضها عن بعض. وتباعدت الطيور العملاقة وهي تركب الشظايا كما تفعل طيور البطريق فوق جبل من الجليد.

تبدو طيور الكيوي صغيرة الحجم عند مقارنتها بالطيور الأخرى في مجموعة مسطحي القص؛ إذ لا يزيد حجمها عن حجم دجاجة غذيت بإفراط. لم يتفق علماء التصنيف على عدد أنواعها أو على تسمياتها العلمية، لكن يبدو أنه اتُّفق حاليًّا على أربعة أنواع: كيوي جزيرة نورث البني (أبتركس مانتللي)، والكيوي العادي أو التوكويكا (أبتركس أستراليس)، والكيوي الكبير المرقط (أبتركس هاستي)، والكيوي الصغير المرقط (أبتركس أويني). هذا الأخير سمي على اسم ريتشارد أوين الذي قدم في ١٨٣٨ ورقة بحثية متعددة الأجزاء عنوانها «عن تشريح الأبتركس»، وعرضها في جمعية علم الحيوان بلندن. كان داروين قد استمع على الأقل لجزء من ورقة أوين، وأشار إليها في دفتر ملاحظاته «د». في اعتقاد داروين كان أكثر ما يسترعي الانتباه في الأبتركس هو صغر جهازه التنفسي، بما يطرح أن هذا الطير وهو في البرية لا بد أنه يتسم بالحذر والصبر والحركة الهادئة دون أن يميل لأن يجهد نفسه كثيرًا، ومن ثم فإن حاجته قليلة إلى التنفس بقوة. كان لدى أوين عينة واحدة ليفحصها، وهي لذكر، وقد كان أوين متخصصًا في التشريح، وليس في علم وظائف الأعضاء، ولم يكن عالم تاريخ طبيعي ميداني، ومن ثم فقد فاتته ملاحظة بعض خصائص الكيوي المميزة الشبيهة بقدرة الرئة المحدودة. فالكيوي لديه حاسة شم حادة خارقة للمعتاد، ودرجة حرارة جسمه منخفضة، لدرجة باردة غير معتادة بين الطيور. وسلوكه فيه مزيج غريب من المكر والعدوانية. فاتت داروين أيضًا ملاحظة هذه الصفات، إلى جانب أكثر حقيقة في بيولوجيا الكيوي لفتًا للانتباه: أن هذه الطيور الصغيرة تضع بيضًا ضخمًا.

تزن أنثى الكيوي البني أقل من خمسة أرطال، وتزن بيضتها رطلًا واحدًا تقريبًا؛ أي ما يقارب ٢٠ في المائة من وزن الأنثى الكلي. في بعض أنواع الكيوي تصل نسبة وزن البيضة لوزن الجسم إلى ٢٥ في المائة. على النقيض من ذلك نجد أن بيضة أنثى النعامة تزن أقل من ٢ في المائة من وزن النعامة نفسها. بعض أنواع معينة من الطيور الأخرى — كالطنان مثلًا — تضع في كل مرة بيضة واحدة فقط نسبتها لحجم الطائر أكبر من نسبة بيض النعام، على أن طيورًا قليلة تماثل الكيوي في حجم البيض، إن وُجد أي منها بالأساس. مقارنة بالطيور الأخرى يصل حجم بيضة أنثى الكيوي البني إلى ستة أمثال ما ينبغي أن تكون عليه. وهي تحوي أيضًا حصة غير متناسبة من الصفار، الذي يظل الفرخ يعيش عليه حتى ما بعد الفقس مباشرة. تستغرق هذه البيضة أربعة وعشرين يومًا لتتكون، وما إن يتم ذلك حتى تملأ البيضة الأنثى مثلما تملأ بيضة الرتق الجورب عند رتقه. تظل الأنثى تتخم نفسها لثلاثة أسابيع لتدعم نمو هذا الجنين الكبير، وأثناء اليومين الأخيرين تتوقف عن الطعام. فلا يوجد مكان في بطنها لشاغل آخر. ووفقًا لأحد المصادر: «يحدث أحيانًا أن الأنثى حاملة البيضة تنقع بطنها في بريكة من الماء البارد، وذلك لتخفيف الالتهاب وإراحة الوزن.» هذه أنثى مكتظة على نحو أليم بالأمومة.

فيما يلي ما تبينه صورة بالأشعة السينية لأنثى كيوي حامل، وذلك قبل وضع البيضة بخمس عشرة ساعة: جمجمة لها منقار طويل، رقبة رشيقة على شكل حرف S، عمود فقري مقوس، عظمتا فخذ محدبتان لأعلى، وفي المركز من هذا كله، فراغ ضخم بيضاوي — بيضتها — كالقمر أثناء كسوف كلي للشمس. الأنثى نفسها الآن مجرد هالة. يبدو الأمر مستحيلًا. كيف يمكنها أن تحمل هذا الشيء؟ كيف يمكنها أن تضعه؟ هل سيكافئها عن جهودها ومتاعبها أم سيمزقها إربًا؟

يثير حجم بيضة الكيوي أسئلة تطورية مثيرة للاهتمام. في البداية: لماذا هي بالغة الكبر؟ ما المزايا التكيفية التي تنالها إناث الكيوي (ولذكوره، الذين يتولون جزءًا كبيرًا من الحضانة) من هذا الاستثمار الضخم في فرخ واحد؟ كيف تغير خط سلالة الكيوي عبر الزمان التطوري؟ هل تطورت البيضة تجاه الحجم الكبير؟ أم أن الطير نفسه تطور تجاه الحجم الصغير — طائر منكمش من الطيور مسطحة القص، انحدر من أسلاف في حجم الموّة — بينما بقيت البيضة على حالها؟ إذا كان الطير قد انكمش والبيضة لم تنكمش، فلماذا لم تنكمش؟ هذه الأسئلة يمكن أن تقودنا إلى نقاش عن قياس التنامي (دراسة معدلات النمو وتباين الأحجام داخل الكائنات الحية) وتطور الكيوي. قد يكون من الطريف الحديث عن قياس التنامي هنا، بيد أن هذا ليس ما يهمنا.

فما يهمنا هنا هو الاستعارة المجازية. ففي كل مرة أرى فيها صورة بالأشعة السينية لأنثى الكيوي تطرأ على بالي فكرة أن هذا هو حال داروين خلال السنوات التي صاغ فيها نظريته.

٨

بحلول ربيع ١٨٤٢ أصبح داروين مؤلفًا مشهورًا، بفضل النجاح المفاجئ لمؤلفه «يوميات من رحلة السفينة بيجل» (الذي نُشر عام ١٨٣٩)، وأصبح والدًا لاثنين، بفضل إيما. كذلك انتُخب زميلًا للجمعية الملكية، المنتدى العلمي الأول في بريطانيا. لكنه كان لا يزال حبيس منزل صغير قبيح في صف من البيوت في لندن الملوثة الصاخبة، ولا يزال يقاسي مهام النشر الروتينية، الأقل بهاءً والأعلى في التفاصيل الفنية، التي أعقبت رحلة الأعوام الخمسة. أما بالنسبة لنظريته عن التحول، فلا شيء بعد. لم يُنشر شيء بأي حال. ولم يُكتب شيء سوى تلك الملاحظات غير المترابطة، وتلميح عارض على استحياء في خطاب لأحد الأصدقاء بأنه يواصل البحث في مسألة الأنواع والتغايرات. كان قد أفضى لزميله المقرب ليل بشكه في أن للأنواع بداية محددة وفق مرسوم رباني. ذكر داروين في «اليوميات» ما في جالاباجوس من طيور محاكية وطيور الحسون، ووجود الأنواع المختلفة منها في الجزر المختلفة، لكنه تجنب المزيد من التخمين عن هذا «الموضوع العجيب». كان يود أن يخبر الناس بنظريته، لكنه لم يفعل. لم تكن النظرية جاهزة بعد، ولم يكن هو جاهزًا بعد. كان قد أنهى دفاتر ملاحظاته عن التحول، قبل ذلك بثلاث سنوات، وتركها كما هي. ومن الأسباب الواضحة لعدم تصرفه بشأن «الموضوع العجيب» هو أنه كان مشغولًا على نحو محموم ومريضًا للغاية.

استمرت نوبات القيء والصداع الغامضة، وغيرها من الأعراض العنيفة، تصيبه على نحو متقطع. كان قد استقال من سكرتارية الجمعية الجيولوجية متعللًا بسوء صحته، وهو عذر حقيقي، لكنه أتاح له أيضًا الانغماس في أبحاثه الخاصة. الخُلطة الثقافية أمر طيب لمن يطيقونه، أما هو فكان يجد ذلك مثيرًا للغثيان بالمعنى الحرفي للكلمة. كان داروين قد تغلب على الوحشة التي شعر بها فوق السفينة «بيجل»، وأتخمه النشاط الاجتماعي المرح الذي يستمتع به أخوه، وهكذا بدأ في عملية الانسحاب من دوائر لندن العلمية إلى حياة البحث والكتابة والاعتلال الصحي المزمن المنعزلة. بدأ زواجه من إيما، الذي أقدم عليه بدوافع عملية دون عاطفة، يتطور إلى أن صار في النهاية علاقة إخلاص متبادل استثنائية واعتماد غير متكافئ؛ مع خدمتها له كممرضة وراعية، وحتى قبل وصول الأطفال (ثمانية آخرين)، كان أداء إيما لهذين الدورين يكفي لإبقائها مشغولة وراضية كما يبدو، لم تكن في حاجة إلى لعب دور المحاور الفكري أو لتدوين أفكاره أو تحريرها حتى تشعر بأنها تلعب دورًا في حياته.

إضافة لذلك، كان ذلك «الفراغ المؤلم» بين تفكيره ومعتقداتها لا يزال موجودًا، وهو الأمر الذي لم يهتم أي منهما بإبرازه. كانا يعرفان أن اختلافاتهما حول الإله، والكتاب المقدس، والخلق، والحياة الأخرى اختلافات واسعة لا يمكن حلها. قبل ذلك بثلاث سنوات، بعد زواجهما بوقت قصير، كتبت إيما خطابًا جادًّا لتشارلز تصف فيه معاناتها كي تصل إلى التصالح مع عدم تقواه المدفوعة بالعلم. وأقرت بأنها تعيش حالة من التضارب. فهي تريد أن تشعر بأنه «ما دمت تتصرف بضمير حي وتريد الحقيقة وتحاول مخلصًا تعلمها، لا يمكن لك أن تكون على خطأ». لكن من ناحية أخرى، فإنها لا تستطيع دائمًا أن تمنح نفسها هذا العزاء. فكانت قلقة من أن «تكون عادة الدراسات العلمية المتمثلة في عدم الإيمان بشيء حتى تتم البرهنة عليه» قد أعمته عن أهمية الإلهام الغيبي. وتساءلت عما إذا كان تشارلز قد تأثر تأثرًا مبالغًا فيه بأخيه إرازموس، المهمل المتشكك. وحذرته بلطف من وجود خطر على روحه الفانية إذا كان مخطئًا في رفضه للتعاليم العقائدية والرهان ضد الآراء المتعارف عليها عن المكافأة والعقاب الروحي. كتبت إيما: «إن كل ما يخصك يخصني أيضًا، وسأكون أشد تعاسة لو ظننت أننا لا ينتمي بعضنا لبعض إلى الأبد.» لم يكن تشارلز يود لها أن تكون تعسة باستمرار، ليس في حياته، ناهيك عن أي حياة أخرى؛ ولهذا فضل أن يترك الأمر حتى يختفي من تلقاء نفسه، على الأقل حتى نَشْر نظريته، بصرف النظر متى سيحدث هذا.

لكنه لم ينسَ خطابها قط. والحقيقة أنه احتفظ به بين أوراقه الخاصة، وكان يعيد قراءته من آن لآخر.

حاليًّا هو في حاجة لأن يركز على المهام الملحة ويحتفظ لها بكل قواه. فكتابه عن الشعب المرجانية سيُنشر في الأشهر القادمة. كان سيطرح فيه تفسيرًا بارعًا جيد الدعم عن طريقة تكوينها. وبعدها سوف يؤلف كتابًا عن الجزر البركانية. أضيف هذان الكتابان لخطته الطموحة الأصلية لسلسلة «علم حيوان السفينة بيجل». وبالفعل سينتهي به المطاف بكتابة ثلاثة أجزاء كاملة عن ملاحظاته الجيولوجية في الرحلة، إضافة إلى تحرير خمسة أجزاء عن علم الحيوان. وكل هذا سيستغرق وقتًا، بل سنوات. أين مرت الأيام؟ حاول في مفكرته اليومية أن يتابع خط سيره. حسب داروين أن كتاب الشعب المرجانية وحده سيستغرق منه جهد عشرين شهرًا. توزعت هذه الشهور على مدار أربعة أعوام عمل خلالها أيضًا على مؤلَّف «علم الحيوان»، وورقة بحث جلين روي، وبعض المشاريع الجيولوجية الأخرى، وعمل (هامشيًّا) على التحول، فيما ضاعت بقية أيام عمله في المرض. كانت أدواره أيضًا كزوج وأب ورب بيت تستغرق وقتًا، بصرف النظر عن المساعدة التي يوفرها له رئيس الخدم، والطاهي، ومربية الأطفال، والخدم الآخرون، إلى جانب تسامح إيما في عاداته التأملية الانعزالية. وفي مايو ذهب رفقة إيما والمجموعة كلها إلى ستافوردشاير لقضاء إجازة في بيت أسرتها. وبعد أن مكث شهرًا هناك انتقل للإقامة في شروزبري مع أبيه وشقيقاته، تاركًا إيما والأطفال.

كان قد ترك أيضًا دفاتر ملاحظاته في لندن، لكن هذا لم يوقفه عن التفكير. أصبحت العطلة من الأعمال الأخرى فرصة ليسجل شيئًا على الورق عن التحول. أثناء تلك الأسابيع من صيف عام ١٨٤٢، وهو وسط أسرة إيما ثم أسرته هو، وجد داروين ما يكفي من الساعات الهادئة ليكتب موجزًا مكثفًا لأفكاره وللأدلة والحجج التي جمعها لدعمها. كتب هذا بالقلم الرصاص. وصل هذا «المخطط» كما سماه إلى خمس وثلاثين صفحة، وكان مبنيًّا بحرص بخلاف دفاتر الملاحظات، وينتقل فيه من موضوع لآخر بطريقة قصد بها بناء قضيته بوضوح وإقناع. لكن شأن مدخلات دفتر الملاحظة، كان المخطط موجزًا، وفيه عبارات وجمل توحي بأكثر مما تقوله فعلًا بكثير (على الأقل لداروين). كان مخطَّطًا تمهيديًّا، شاملًا، للكتاب الذي ينوي تأليفه.

بدأ بموضوع التغاير بين الحيوانات الداجنة، وذكر النقطة البديهية الخاصة بأن الأفراد يختلفون اختلافًا ضئيلًا بعضهم عن بعض في الحجم والوزن واللون وغير ذلك. بعض هذه الاختلافات قابلة للتوارث، ولهذا استطاع مربو الحيوانات الحفاظ على الصفات المرغوبة، بل تعظيمها، من خلال الانتقاء الحريص للحيوانات التي تتزاوج معًا. بل تمكن المربون، مع الانتخاب الكافي عبر فترات زمنية طويلة من إنتاج أجناس جديدة؛ أنتجوا مثلًا خيولًا سريعة في مقابل خيول جر العربات، وأبقارًا مليئة بالدهن في مقابل أبقار اللحم. كان هذا هو الأساس الذي قام عليه قياس داروين المصيري.

ثم انتقل داروين من التغايرات بين الحيوانات الداجنة إلى التغايرات بين الكائنات البرية، وإلى ما سماه هنا «الوسيلة الطبيعية للانتخاب». التغاير في البرية قد لا يكون بنفس شيوع أو تطرف التغاير بين الحيوانات الداجنة (أو هذا ما رآه داروين)، ولكنه يحدث بالفعل في ظروف معينة. ما الذي يسببه؟ إنه لا يعرف، ولم يكن هذا مهمًّا حينها. بعض هذه التغايرات كان قابلًا للتوارث، مثل التغايرات بين الحيوانات الداجنة. ومع الوضع في الاعتبار المعدلات الطبيعية لتزايد السكان والفائض الهائل للذرية التي لا يمكن توفير الطعام لها، والتي نبهه لها مالتوس، فإن المخلوقات البرية تتعرض لنوع تلقائي من الغربلة، استنادًا على قدرتها على المنافسة من أجل البقاء واقتناص فرص التكاثر بالتزاوج. بحلول ذلك الوقت كان قد عثر على القياس التمثيلي المتجسد في الاستيلاد الداجن، إلى جانب التوصل إلى مصطلحه المختار: «الانتخاب الطبيعي». كتب داروين في صمت أن النتيجة الخالصة عبر آلاف الأجيال ستكون «تغير الأشكال».

وصف داروين آلية طبيعية (أو على الأقل جزءًا منها) «يمكن» بواسطتها إنتاج النوع الجديد. لكن هل هناك أدلة تجريبية على أنه «يمكن» إنتاج نوع من نوع آخر، من خلال أي مهرجان من التغير العضوي كهذا؟ نعم، وفي النصف الثاني من مسودته رسم خطوط هذه الأدلة، بابًا بعد باب: السجل الحفري، والتوزيع الجغرافي، والتصنيف المنهجي للأنواع بناءً على تشابه الهيئة، والأعضاء البدائية (كأجنحة الأبتركس)، وكلها مالت لتأكيد فكرة التحول وما يوجد من تناقض في مذهب التكوين الخاص. ثم كتب داروين استنتاجًا ختاميًّا، ألقى فيه الضوء على ثلاثة أنواع من الخرتيت الآسيوي كعينة — وهي خرتيت جاوة، وسومطرة، والهند — وذكر أن أتباع التكوينية يؤمنون بأن الأنواع الثلاثة جاءت، «بمظهرها الخادع» كأنواع وثيقة القرابة، نتيجة أفعال منفصلة للمشيئة الإلهية. لكن من وجهة نظر داروين يشبه هذا القول بأن الكواكب تدور في أفلاكها «ليس بواسطة قانون واحد للجاذبية، بل بفعل مشيئة إلهية متمايزة». فإذا كانت الأنواع كلها مصنوعة بيد ربانية، فإن للمرء أيضًا أن يفترض أن المريخ والمشتري يدوران على هذا النحو كلعبة اليويو. هذا غير مرجح، بل لعله حتى فيه تجديف. ألا يتعالى الرب ساميًا كل السمو عما نسميه الآن الإدارة التفصيلية؟ كان داروين يطرح فكرة أكبر من الانتخاب الطبيعي: وهي أن الكون محكوم بقوانين، وليس برغبات ننسبها لرب، وأن تحول الأنواع بالانتخاب الطبيعي هو أحد هذه القوانين وحسب.

أنهى داروين المخطط الأوَّلي بدفقة من البلاغة؛ إذ ذكر أنه حين ينتج عن الصراع المالتوسي القاسي، الذي يتضمن «الموت والمجاعة والسلب وحرب الطبيعة الخفية»، قدر كبير من الخير؛ ألا وهو خلق الحيوانات الأرقى، فإن ذلك يخلف فينا شعورًا عجيبًا بالعزاء. وكما كتب فإن:

هناك عظمة بسيطة في رؤية الحياة، بقدرتها على النمو والتمثيل والتكاثر، وقد نُفثت في المادة في الأساس على شكل واحد أو أشكال قليلة، وأنه بينما يدور كوكبنا حسب قوانين محددة، ويحل كل من الأرض والماء أحدهما محل الآخر، في دورة من التغير، ينتج عن ذلك الأصل البسيط، من خلال عملية من الانتخاب التدريجي لتغيرات بالغة الصغر، تطوُّرُ أشكال لا حصر لها غاية في الجمال والروعة.

قطع داروين خطوة كبيرة على سبيل عرض أفكاره، لكنها كانت مجرد مذكرة خاصة لنفسه. وحتى في سره تجنب الخوض في موضوع محدد؛ إذ لم يتحدث قط عن أصل الإنسان.

٩

في نهاية ذلك الصيف كانت لندن في حالة فوضى، أكثر من المعتاد؛ إذ تأهبت وحدات من الشرطة والحرس ضد أي شغب ممكن من المتظاهرين أتباع حركة «الميثاقية». وحوكم محرر ثوري وأُدين بتهمة نشر «تعاليم مخالفة للعقيدة» كالإلحاد والاشتراكية، وقد أضفى عليها في جريدة أخباره نكهة لنسخة سياسية غامضة من مذهب التحول. كان نصف مليون عامل ينفذون إضرابًا عامًّا عن العمل عبر البلاد كلها من أجل المطالب الميثاقية، وأخذت الوحدات العسكرية تتحرك شمالًا لاستعادة النظام في المدن الصناعية مثل مانشستر. واجهت القوات في لندن المحتجين المتذمرين، وقد أشرعت حراب بنادقها، وذلك في أماكن لا تبعد كثيرًا عن مكان سكنى داروين. بدا أن هذا هو الوقت المناسب لأن ينفذ تشارلز وإيما ما كانا يفكران فيه طيلة سنة: أن يشتريا بيتًا في الريف وينطلقا بعيدًا.

بعد فترة من البحث الدقيق عن منزل اختارا مكانًا في قرية صغيرة بالغة الهدوء اسمها، داون Down، في مقاطعة كِنت، على بعد ستة عشر ميلًا جنوب شرق وسط لندن. كانت ستة عشر ميلًا وقتها تعني ساعتين بالخيل والعربة، وهي مسافة تكفي لأن تمنحهما الهدوء، وتسمح لداروين أيضًا بالركوب عائدًا إلى لندن في المناسبات الخاصة التي تستدعيها أشغاله العلمية. الدار نفسها، المعروفة باسم دار داون، استُخدمت من قبل كدار لقس القرية؛ أما مؤخرًا فكانت تنتصب خالية، بالية ولا تباع. كان البيت كبيرًا وبه غرف نوم عديدة، وكان سعره منخفضًا لحاجته لإصلاحات كثيرة، وملحق به مساحة من الأرض قدرها ١٨ فدانًا. وقد ساعدهما قرض من والد داروين على شراء البيت. في أواخر سبتمبر استقرا في هذا البيت، دون أن يعرفا أنه سيكون بيتهما الوحيد وملاذهما العزيز لبقية حياتهما. ربما كان هذا ما يأمل فيه داروين بالضبط. كانت رحلة السفينة «بيجل» قد أشبعت أي رغبة له في السفر، وشعر بأنه مهيأ للاستقرار في بيته. أما زوجته فكانت أقل تحمسًا لهذا المنزل الكئيب والمنظر الطبيعي الممتد لريف كِنت؛ فليس في أي من هذا ما يثير إعجاب امرأة شابة نشأت في مقاطعة ستافوردشاير الرائعة، لكنها رأت أنها قادرة على التكيف معه. أول حدث رئيسي في المكان الجديد كان حدثًا سارًّا؛ إذ ولدت إيما فتاة، ابنتهما الثانية، وعُمدت باسم ماري إليانور. الحدث الثاني حل بعد ثلاثة أسابيع، وكان نذير شؤم، حين ماتت الطفلة الوليدة. دفنوا ماري إليانور في فناء كنيسة «داون». الآن صارت لهم جذور هنا، وإن كان هذا بطريقة محزنة.
تحول اسم القرية من Down إلى Downe، بتغيير في الهجاء قصد به أن تصير أكثر تميزًا. غير داروين من نفسه أيضًا، لكن لم يكن ذلك بغرض أن يزداد تميزًا. بل على العكس، فقد استقر في حياة القرية وكأنه في برنامج لحماية الشهود. وعلى شاكلة صغار الملاك في الريف أخذ يزرع الزهور، واشترى عددًا قليلًا من أبقار اللبن، وبدأ في إنشاء بستان فاكهة، ووظف عاملًا، واتخذ مقعدًا في مجلس الأبرشية، وأسس مكانًا خاصًّا للعمل في غرفة مكتب مليئة بالكتب والملفات، وأعطى تكليفًا بإجراء التجديدات في سائر المنزل. ثبَّت خارج إحدى النوافذ مرآة خفية، ووضعها بزاوية بحيث يستطيع أن يرى الناس وهم يسيرون على الممشى قبل أن يرونه. كان الزوار أشبه بالجحيم لأمعائه الضعيفة، كما أنهم يضيعون وقته الذي يحتاجه للعمل. لم يكن يريد أي صحبة، إلا بجرعات محدودة جدًّا وبشروطه الخاصة المحكومة. كانت الثرثرة النشطة تجعله منفعلًا، والانفعال يجعله مريضًا. حوت غرفة مكتبه ركنًا صغيرًا لدورة مياه خلف ستار، حيث يستطيع أن يتقيأ. من الآن فصاعدًا ستجري معظم محادثاته العلمية عن طريق البريد.

لطالما أجاد داروين كتابة الخطابات على نحو استثنائي، في عصر اعتمد على تبادل الخطابات. على أي حال، لم تكن الهواتف موجودة بعد، وكان من الضروري لأي شخص متعلم في العصر الفيكتوري أن يكتب الكثير من الرسائل الخطية للأسرة، والزملاء، والأصدقاء. هل سيقيم حفل عشاء؟ ستُرسل الدعوات مكتوبة. كانت النميمة والأحاديث المهنية تُكتب في رسائل، حتى بين من لا يعيشون على مسافات بعيدة. بعد انتقاله إلى دار داون، ذهب داروين بهذا الأمر إلى خطوة أبعد. فبسبب عزلته الاختيارية داخل بيته وإحساسه بهشاشة صحته، أصبح داروين يعتمد اعتمادًا كبيرًا على المراسلات المكتوبة، وانتظم للغاية في استخدامه لها. هكذا كتب خطابات صداقة، وخطابات عمل، وخطابات حب (إلى «العزيزة تيتي العجوز» أو إلى «مامي العزيزة»، كما كان يخاطب إيما بطرق مختلفة عندما يكونان مفترقين)، وكتب خطابات عن أعمال الخير والنشاط السياسي العلمي، خطابات تطلب النصيحة الأبوية، وكتب (فيما بعد مع وجود أولاده بعيدًا) خطابات تعطي النصيحة، وكتب خطابات للثرثرة الخالصة بغرض المتعة، وفوق كل شيء كتب خطابات تلتمس المعلومات العلمية؛ إذ كان يمطر أصدقاءه ومعارفه والغرباء بالأسئلة المتلاحقة، وطلبات البيانات، والتكليف ببعض التجارب البسيطة كي يجروها من أجله، وذلك إذا لم يكن في ذلك ما يضايقهم بأكثر مما ينبغي. كان يكتب على نحو فيه تملق وبلهجة اعتذار، لكنه كان يطلب ما يريد بإلحاح.

ما لون الخيل في جامايكا؟ هكذا كتب لمسئول حكومي امتلك يومًا مزرعة هناك. هل في وسعك أن تساعدني في تعيين هوية عينات صخر معينة؟ هكذا كتب لأستاذ تعدين في كامبردج. وأخبر جورج ووترهاوس، أمين جمعية علم الحيوان، أن آراءه عن التصنيف غير عملية ومشوشة، وكان ووترهاوس قد وافق على أن يجري أبحاثًا على ثدييات السفينة «بيجل»، وكان يتبع نظامًا يرتب العينات المتشابهة في دوائر أنيقة، وكأن المشيئة الإلهية قد ربطت بين الأجناس في حلقة مغلقة مثل قلادة من اللآلئ. كانت لغة خطاب داروين لووترهاوس ودية، ولكن موقفه كان حازمًا. وقال مفسرًا إن المشكلة في هذه الدوائر هي أنها لا تعني شيئًا ولا تؤدي إلى أي مكان. كان رأي داروين الخاص، وهو رأي خلافي احتفظ به لنفسه دون أن يتحدث به، هو أن «التصنيف يتألف من تجميع الكائنات معًا وفق «العلاقات» الفعلية بينها؛ بمعنى صلة القرابة بينها، أو انحدار سلالتها من أصول مشتركة». معنى هذا أن المبدأ الأساسي هو التحول. إن تَحَدُّث داروين بهذا لووترهاوس، الذي لم يكن ضمن دائرة أصدقائه المقربين؛ يعكس نفاد صبره ورغبته في أن يطلع «شخص ما» على سره. بعد ذلك، في أواخر عام ١٨٤٣، تبادل أول خطاباته مع عالم نبات بارع يدعى جوزيف دالتون هوكر، كان قد عاد في التو من عمله مساعد جراح ومتخصصًا في التاريخ الطبيعي على متن سفينة بريطانية اسمها «إيرباس»، خلال رحلتها إلى القارة القطبية الجنوبية، أنتاركتيكا.

التقى داروين بهوكر ذات مرة في عام ١٨٣٩، قبل إبحار السفينة «إيرباس»، وكان يعرف القليل عن هذا الشاب صغير السن من أصدقاء مشتركين. أما هوكر فكانت معرفته بداروين أكثر، فقد قرأ مؤلفه «اليوميات»، وكان يحمله معه فوق السفينة أربعة أعوام، وكان معجبًا إعجابًا مفرطًا بالرحالة العلمي الذي ألفه. ها هما الآن يتصلان اتصالًا شخصيًّا أوثق — وإن كان بواسطة البريد فقط — وكان اتصالهما بشأن عينات داروين النباتية القديمة من السفينة «بيجل»، وهي عينات لم تُدرس قط على النحو اللائق. وعلى الرغم من العبء الذي يتحمله هوكر بسبب المهمة الشاقة التي واجهها فيما يخص العينات، فإنه وافق على أداء ما طلبه داروين. طلب منه داروين أن يبذل اهتمامًا خاصًّا بنباتات جالاباجوس، التي قد يكون فيها تشابه مع أنواع معينة من سانت هيلينا، وهي جزيرة أخرى نائية. أدى هذا الاقتراح إلى تدفق أفكار هوكر حول النباتات المحلية التي رآها على جزر مختلفة أثناء جولة سفينته في المحيطات الجنوبية؛ حيث توقفت في نيوزيلندا، وتسمانيا، وجزر فوكلاند، وجزيرة هرميت قبالة أرخبيل أرض النار، وجزيرة أوكلاند، وجزيرة كامبل، وكرجويلين، وشتلاند الجنوبية، وأسنسيون، وسانت هيلينا نفسها. جزيرة هرميت مثلًا كانت غنية بطحلب الأشنة. بينما احتوت أسنسيون على ثمانية أنواع من السرخس، اثنان منها فقط موجودان أيضًا في سانت هيلينا، الجزيرة التالية لها. أما تسمانيا ونيوزيلندا فكانتا متفردتين. واصل هوكر الكتابة لصفحات عديدة، وكانت رسالته العامة واضحة: إذا كان ما تريد الحديث عنه يا سيدي هو الحياة النباتية الإقليمية المنعزلة في الجزر، ففي وسعي أن أغدق عليك بفيض من البيانات وبكل الحماس.

كان داروين يزعم أنه جاهل في علم النبات وانتظر أن يرى هوكر ما جاءت به السفينة «بيجل». سريعًا ما كتب هوكر مجددًا معبرًا عن إعجابه الخاص بنباتات داروين التي جلبها من جالاباجوس، وظلت مثبتة بمشابك ومضغوطة طيلة ما يقارب العقد من السنين. ونتيجة قراءته لتعليقات داروين في «اليوميات»، كان هوكر يتوقع أن يرى اختلافات في الحياة النباتية المحلية على الجزر المختلفة المتعاقبة، ومع وجود العينات الآن بين يديه تأكدت توقعاته. كان التنوع بين جزيرة وأخرى، بكلماته نفسها، «حقيقة غاية في الغرابة». غاية في الغرابة لدرجة أنه قال طواعية إنها: «تقلب تمامًا كل أفكارنا المسبقة عن تشعب الأنواع من مركز واحد.» كان يعني بذلك مركزًا من الخلق الخاص، يُفترض وجوده في مكان ما على اليابسة. كلا، إن نباتات جالاباجوس محيرة على نحو مباشر، فجغرافيتها النباتية لم تتفق مع ما تلقيناه من معارف التاريخ الطبيعي اللاهوتي، وكان هوكر على استعداد لأن يقول ذلك.

ابتهج داروين لهذه الإشارة. إنه لا يعرف هوكر تقريبًا، لكنه شعر فجأة بأمل مشرق من أنه قابل عقلًا مشابهًا لعقل داروين نفسه. كان هوكر ذكيًّا، وجيد التدريب، وقوي الملاحظة، وهو ينحدر من أسرة علمية محترمة (كان والده مديرًا للحدائق النباتية الملكية بمقاطعة كيو) وقد رأى الكثير من العالم مثلما رأى داروين. على أنه كان شابًّا (ستة وعشرين عامًا فقط) ومنفتحًا لإمكانية نبذ المعتقدات التقليدية إذا أملت المعطيات التجريبية ذلك. في الواقع لقد اجتذبه داروين اجتذابًا. ومرة أخرى كتب داروين في أوائل عام ١٨٤٤ رسالة يطلب فيها العون من هوكر بشأن «إحدى الحقائق الصغيرة» عن نباتات الجزر المحلية، ثم أنهى خطابه بعبارة صريحة قالها في اندفاع ودون تفكير.

إنها للحظة مشهورة. وهي تظهر في كل الكتب التسعة عن سيرة داروين التي تتكدس الآن فوق مكتبي، إضافة إلى عدد لا يحصى من الدراسات الأخرى، ولا يمكن إغفالها فقط لأن الكتَّاب والباحثين السابقين تحدثوا عنها بما يكفي. لم يكن هناك تاريخ لهذا الخطاب، إلا أن ختم البريد يقول إنه بتاريخ ١١ يناير من عام ١٨٤٤. أسرَّ داروين إلى هوكر قائلًا إنه بالإضافة لاهتمامه بالجزر الجنوبية، «أصبحتُ الآن ومنذ عودتي منشغلًا ببحث فيه افتراض بالغ الجرأة»، بحث سيقول عنه معظم الناس إنه محض سخف. لقد فكر داروين مليًّا في الأنماط الشاذة لتوزيع النبات والحيوان كما رأى في جالاباجوس وأماكن أخرى، وظل يقرأ عن تربية الحيوانات الداجنة، وظل يجمع كل قطعة من البيانات بدا أن لها علاقة بمسألة ما إذا كانت الأنواع كيانات لا تتغير. «وأخيرًا أتت ومضات الضوء» كما كتب داروين: «وصرت أقرب إلى الاقتناع (على عكس الرأي الذي بدأت به) بأن الأنواع ليست ثابتة.» (بدا الأمر أشبه بالاعتراف بجريمة.)

كان هذا اعترافًا جريئًا، يصرِّح به في عبارة متحفظة متخوفة، ويناقض إحدى العقائد الراسخة للتاريخ الطبيعي اللاهوتي البريطاني. وإحقاقًا للحق، فقد كان داروين أكثر قربًا من الاقتناع بالأمر.

الأقل شهرة عن ذلك هو التنصل الذي أضافه بعدها مباشرة حين قال: «فلتحمني السماء من هراء لامارك عن وجود «نزعة للتقدم» و«تكيفات نابعة من الإرادة البطيئة للحيوانات» وما إلى ذلك.» كان يحاول أن يبعد نفسه عن الأفكار المشكوك فيها لشخص بعينه من السابقين عليه، وهو جان باتيست لامارك. كان داروين يعرف جيدًا أن نظرية لامارك تافهة ويسهل جدًّا الخلط بينها وبين الأفكار التافهة لأصحاب النزعة التحولية التي يعتبرها هو نفسه عديمة القيمة.

١٠

وجد مؤرخو البيولوجيا إشارات على الفكر التطوري في أعمال فلاسفة وعلماء ظهرت قبل داروين بزمن طويل. ألفت كتب عن هذا المفهوم منذ زمن أرسطو. بعض هذه الإفادات المبكرة كانت لا تشير إلى التحول البيولوجي، بل إلى أمور مشابهة له في علم الفلك والجيولوجيا على نحو فضفاض، مثل التاريخ الطبيعي التقدمي لكوكب الأرض (من الغبار النجمي إلى الكتلة المصهورة إلى الكرة الصخرية). تناولت بعض الكتابات مسألة الأصل الأساسي للحياة. وكان بعضها أوثق صلة بالتطور بالمعنى الحديث، أي التأكيد على تنوع الأنواع وتصنيفها، أو الاستمرارية في إطار التنوع، أو قضية ماهية النوع المعقدة.

في فرنسا مثلًا، أثناء القرن الثامن عشر، طرح موبرتويس فكرة أن أعدادًا هائلة من الكائنات الحية تأتي إلى الوجود بالتولد التلقائي، لكن نسبة صغيرة فقط منها يثبت أنها على قدرٍ جيد من التنظيم بحيث تظل قادرة على البقاء. تحدث بوفون بالفرضية القائلة إن القردة العليا، والبشر، والخيل، والحمير، وكل الحيوانات الأخرى قد تكون على صلة قرابة من خلال انحدارها من سلف مشترك، ثم بعد أن جعل بوفون هذا الفرض يبدو مقبولًا، ما لبث أن تراجع عنه. نشر ديدرو تأملات حالمة حول المادة الحية، التي تتولد في شكل بسيط ولكن مع نوع غامض من الوعى، فتجمع نفسها على شكل كائنات معقدة. في ألمانيا أجرى جيه إف بلومنباخ عالم الأنثروبولوجيا (علم دراسة الإنسان) دراسات على الجماجم، واقترح أن الأجناس المختلفة للبشر قد تشكلت من أصل مشترك وذلك استجابة للظروف المحلية. وفي إنجلترا، قرب نهاية القرن، نشر إرازموس داروين مؤلفه «فسيولوجيا الحيوان»، الذي حوى اقتراحه العارض بوجود «خيط حي واحد» نشأ عنه كل صنف من الحيوانات حارة الدماء. أسهمت كل هذه التأملات الجريئة في خلق شعور عام بإمكانية وجود فكرة بديلة، وقدمت على الأقل بعض التشجيع لكل مَن يميل لتحدي عقائد التكوين المعتمدة بقوة على الكتاب المقدس. زاد ترجيح وجود هذه التحديات مع وصول بيانات جديدة: عينات وأوصاف لأنواع غريبة غير متوقعة في أماكن بعيدة، جاءت بها رحلات الاستكشاف والفتوحات الإمبراطورية، وكتب ضخمة من المعلومات البيوجرافية، تبين أن أنواعًا جديدة وأنواعًا مألوفة تتوزع في أرجاء كوكبنا في أنماط عجيبة، واستُخرج المزيد والمزيد من الحفريات، التي كشفت عن فترات من الانقراض والتعاقب عبر الزمن، واكتُشفت عبر عدسات الميكروسكوب كائنات دقيقة تسبح في كل نقطة من ماء البرك واللعاب، ثم هناك التكيفات المعقدة التي تُرى في أنواع كثيرة، إضافة إلى الأدلة المتراكمة على التغاير «داخل» الأنواع، إلى جانب اختلافات بين الأنواع. على الرغم من كل التخمين القلق وكل البيانات الجديدة، فإن أحدًا لم يطرح نظرية شاملة للتطور، حتى فعل ذلك لامارك عند نهاية القرن.

اسم لامارك الكامل هو جان-باتيست-بيير-أنطوان دي مونيت شيفاليه دي لا مارك، وهو اسم يعكس انتسابه لعائلة منحته دثارًا مزخرفًا من النبالة، لكنها لم تمنحه أي إرث. في سن السابعة عشرة توقف لامارك عن الدراسة في المعهد اليسوعي وانضم للجيش. وبعد أن ذاق ويلات الحرب وحاول تعلم الطب في باريس، تخصص في النبات، ونشر كتابًا ممتازًا من ثلاثة أجزاء عن الحياة النباتية في فرنسا. قوبل الكتاب بالاستحسان لكنه لم يحل مشكلة لامارك المتمثلة في كسب العيش، لذا عمل لعامين مدرسًا خاصًّا ورفيق سفر لابن بوفون. ثم التحق بوظيفة أخصائي مساعد في علم النبات، مقابل مرتب تافه، في «حديقة النباتات» (التي ضُمت لاحقًا إلى «المتحف القومي للتاريخ الطبيعي»). التحول التالي في حياة لامارك، التحول الحاسم، لم يحدث سريعًا. فبعد أن عمل خمسًا وعشرين سنة متخصصًا في علم النبات، انتقل إلى علم الحيوان، وعمل في المتحف أستاذًا في الحيوانات اللافقارية، وتمكن خلال فترة «عهد الإرهاب» من الثورة الفرنسية من الإبقاء على رأسه بعيدًا عن المقصلة. كانت وظيفته هي أن يلقي المحاضرات عن الحشرات والديدان والحيوانات الميكروسكوبية. بعد ذلك بعدة سنوات وقعت مجموعة الرخويات في المتحف تحت رعاية لامارك، وذلك بعد وفاة المتخصص في علم الرخويات، وكان صديقًا له. درس لامارك هذه المواد، ومجموعة متنوعة من الحفريات والقواقع الحديثة، فوجد أدلة على التغاير داخل النوع وأدلة على تشابهات متعاقبة بين الأنواع المنتمية لحقب زمنية متلاحقة.

على نحو مفاجئ فقد لامارك إيمانه بثبات الأنواع، بصرف النظر عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك، وهو يناهز الخامسة والخمسين من العمر. وبعد ذلك بوقت قصير، في مايو من عام ١٨٠٠ ألقى أول محاضرة تحدث فيها عن آرائه التطورية. طرح لامارك نظريته كاملة بعد ذلك بتسع سنوات في مؤلفه «فلسفة علم الحيوان»، وهو الكتاب الذي عُرفت النظرية أساسًا منه. ظهرت فيما بعد نسخة منقحة منها، في مقدمة لكتابه ذي الأجزاء السبعة عن التاريخ الطبيعي للافقاريات. ظل لامارك حيًّا بعد وفاة أربع زوجات له، وأصابه العمى، وعاش حتى سن الخامسة والثمانين في رعاية ابنة غير متزوجة، وظل يعاني على المستوى المادي طيلة حياته، حتى مات عام ١٨٢٩، ووقتها كان موضع إعجاب البريطانيين التطوريين الثوريين (مثل أولئك الذين يدرّسون التشريح لطلبة الطب في إدنبره ولندن) ونال إعجابهم أكثر مما نال إعجاب زملائه في فرنسا. دفن لامارك بعد طقوس متواضعة في قبر غير مميز، مثلما حدث مع موتسارت.

أغلب من يعرفون شيئًا عن جان باتيست لامارك يربطونه بفكرة واحدة وهي: توارث الصفات المكتسبة. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك، وهو ما يعكسه رفض داروين، بامتعاض ساخر في خطابه لهوكر، لما اعتبره هراء لاماركيًّا يتحدث عن وجود («نزعة للتقدم» و«تكيفات نابعة من الإرادة البطيئة في الحيوانات»). حاج لامارك بأن هناك عاملين يفسران التطور؛ أحدهما — كما ذكر داروين — هو النزعة الفطرية في الكائنات الحية لأن تتقدم تدريجيًّا من الأشكال البسيطة إلى التعقيد. هذه النزعة، في رأى لامارك، يمنحها لهذه الكائنات «المبدع الأسمى لكل الأشياء». تنشأ الأشكال البسيطة بالتولد التلقائي. ويحدث التعقيد المتزايد حين تفتح «سوائل فَطنة» معينة بطريقة ما قنوات جديدة خلال أنسجة الجسم لتخلق أعضاء جديدة أكثر تعقيدًا. لم يفسر لامارك سبب وجود نزعة التقدم، أو كيف تؤدي هذه السوائل الجسدية الثمينة سحرها. نظر لامارك إلى هذا العامل كأمر مسلم به. وهو ينتج عنه سلالات منفصلة، تتقدم مستقلة نحو أنواع أكثر تعقدًا، لكن ليس على صورة شجرة حياة متفرعة. هذا فارق مهم علينا أن نبقيه في ذهننا: لم يقترح لامارك قط أن جميع الكائنات تنحدر من سلف مشترك. الصورة الصحيحة لنظريته هي حشائش مراعٍ لها سيقان قصيرة وسيقان طويلة تنمو متوازية من الأرض، وليست صورة شجيرة أو شجرة لها أغصان متباعدة، كالتي رسمها داروين في دفتر الملاحظات «ب».

العامل الثاني عند لامارك، الذي يتسم بالمادية أكثر من افتراضه بوجود نزعة للتقدم ينعم بها الإله يشمل أربعة عناصر؛ العنصر الأول أن الحيوانات تواجه ضغوطًا معينة من الظروف الخارجية (أي البيئة) التي تعيش فيها. العنصر الثاني أنه عندما تتغير الظروف الخارجية يصبح لدى الحيوانات احتياجات جديدة، وهي تستجيب لهذه الاحتياجات بزيادة استخدام أعضاء معينة أو قدرات معينة، أو بإهمال استخدام تلك التي كانت تستخدمها. العنصر الثالث: هو أن زيادة الاستخدام تنحو إلى أن تزيد العضو أو القدرة حجمًا أو قوة، لكن عدم الاستخدام يجعلها تضمر. العنصر الرابع أن كل هذه التغيرات المكتسبة قابلة للتوارث. ها هي إذن الفكرة المألوفة المنسوبة، على نحو صحيح، للامارك، لكنها تمثل نظريته على نحو منقوص: الذرية ترث الصفات التي اكتسبها والداها؛ فالزرافة الصغيرة تولد برقبة طويلة لأن أمها وأباها مدا رقبتيهما للوصول إلى الأوراق العالية، وابنة الحداد تملك عضلات كبيرة لأن والدها نمّى عضلاته وهو يعمل على السندان، وطيور الكيوي لها جنيحات صغيرة عديمة الفائدة لأن أسلاف الكيوي أهملت الطيران.

هكذا يفسر عاملَي التطور، ويحمل العامل الثاني أربعة عناصر، وكأنما هذا ليس كافيًا، فثمة مكوِّن آخر للطبخة النظرية: إنه «الوجدان الداخلي» عند لامارك. في نقطة ما من مؤلَّفه «فلسفة علم الحيوان»، افترض لامارك وجود ذلك «الوجدان» القوي، والغامض في الوقت ذاته، ووصفه بأنه (نوع من «الشعور بالوجود»، كما ذكر دون المزيد من التوضيح)، لدى الحيوانات العليا، ويفترض به أنه يسوق سوائلها الفَطِنة ويحث أجسادها تجاه تلك الاستخدامات التي تنتج الجديد من القوى والقدرات. ربما يكون «الوجدان الداخلي» مجرد اسم آخر لما يسمى الآن بالوعي. أو لعل لامارك كان يعني ما هو أكثر. مع الوضع في الاعتبار تشوش تلك الأفكار وما يضيع في الترجمة، لن يثير الدهشة أن لامارك كثيرًا ما كان يساء فهمه. أحد مواطن إساءة الفهم هو القول إنه زعم أن للحيوانات قدرة فطرية على زيادة حجم الأعضاء أو القدرات استجابة ﻟ «رغباتها Wants»، (وهذه ترجمة خاطئة لكلمة احتياجات besoins بالفرنسية.) فالزرافة تريد رقبة أطول حتى تستطيع أن تأكل ورق شجر الأكاسيا، والرغبة مضافًا لها الجهد يجعلانها تحظى برقبة أطول. يبدو أن هذا كان انطباع داروين عندما سخر من لامارك لاقتراحه أن التكيفات نابعة من «الإرادة البطيئة للحيوانات».

كانت أول معرفة داروين باللاماركية وهو في إدنبره، في شبابه المبكر، أثناء الفترة التي كان يكتشف فيها أن التاريخ الطبيعي يشغله بدرجة أكبر كثيرًا من المطالب المهولة المملة للدراسة الطبية. قرأ داروين وقتها كتاب إرازموس الكبير عن «فسيولوجيا علم الحيوان»، وأعجب به دون أن يخضعه للنقد. (لم يكن قد أصبح بعد ذلك الحَكَم الصارم للنظريات والبيانات الداعمة، وكان من الطريف أن يعرف أن جده نفسه قد ألف كتابًا مشهورًا.) قرأ داروين أيضًا في أعمال لامارك المتخصصة في تصنيف اللافقاريات، وأهم من ذلك أنه سمع حديثًا عن التطور اللاماركي من معلم شاب متألق كان قد صادقه، ويدعى روبرت جرانت.

كان جرانت يبدو فظًّا وتقليديًّا من الظاهر، لكنه كان غير تقليدي وجريء في تفكيره؛ كان رجلًا ذا شخصية شائكة معقدة. درس جرانت الطب، وأخذ يدرّس تشريح اللافقاريات في إدنبره ويمضي ساعات الفراغ في إجراء بحوث على الحيوانات البحرية، خاصة الإسفنجيات، أو المشاركة في نشاط أندية علمية صغيرة مثل «الجمعية البلينية». وقد اعتاد الإشراف على أفضل الطلبة، واختار داروين في عام ١٨٢٧. ربما كان ما ساعد على توجيه اهتمامه إلى تشارلز حقيقة أن هذا الشاب الأخرق هو حفيد إرازموس داروين، الذي كان جرانت يجله باعتباره من رواد التطور. انطلق الاثنان معًا في رحلات على الأقدام إلى شاطئ البحر، وخاضا في برك المد ليجمعا كائنات دودية ورخوية، ليشرحاها بمساعدة الميكروسكوب الموجود في منزل جرانت، وفي النهاية تشاركا الاهتمام القوي بكائن حي معين هو «حصير البحر» (كان هذا الكائن حيوانًا، وليس طحلبًا أو سجادة صغيرة) واسمه العلمي «فلوسترا فولياشيا».

ذات يوم بينما كانا يسيران معًا، انطلق جرانت في إطراء لامارك ونظريته التطورية، على نحو فاجأ تشارلز الشاب. على أي حال، كان تشارلز وقتها ابنًا بارًّا لأسرة من الطبقة المتوسطة من شروزبري، وعلى الرغم من اسم عائلته، فإنه كان لا يميل إلى الأفكار الثورية، خاصة تلك المستوردة من فرنسا. قال داروين وهو يتذكر بعدها بسنوات: «استمعت له في دهشة وصمت، دون أن يؤثر حديثه على عقلي، بقدر ما استطعت.» لم يقتنع داروين بالتحول إجمالًا كما روج له جده، ولم يقتنع به تفصيلًا حين تغنى جرانت بلامارك. ربما كان هناك سبب آخر لمقاومته وهو أنه كان قد رأى بالفعل جانبًا مظلمًا دنيئًا في روبرت جرانت، عندما سطا الرجل الأكبر سنًّا على بعض ملاحظات داروين المبتدئ عن تاريخ حياة «حصيرة البحر» وضمنها في ورقة علمية. ولم يرد في النسخة المطبوعة أي شكر لتشارلز داروين، سواء كمساهم في البيانات أو لأي سبب آخر. هكذا تعلم داروين، وهو على شفا أول إسهام حقيقي له في العلم، درسًا قاسيًا عن الثقة والمنافسة. ولم ينسَ هذا الدرس أبدًا.

التقى داروين ثانية باللاماركية أثناء رحلة السفينة «بيجل»، عندما وصله وهو في موتيفيديو بالبريد الجزء الثاني من مؤلف ليل «مبادئ الجيولوجيا». كان قد قرأ الجزء الأول من قبل، الذي طرح نقد ليل للتفكير الجيولوجي عتيق الطراز القائم على الكوارث القديمة مثل طوفان نوح. طرح ليل رؤية جديدة (استقاها مع التعديل من دراسات جيمس هاتون منذ أربعين سنة) عن عمليات جيولوجية تتسم بأنها أكثر استمرارية، وأكثر تدريجية، وأكثر اتساقًا. هذه الرؤيا، المناقضة للمذهب الكارثي، ستُعرف بالمذهب الاتساقي. الفكرة المحورية لدى ليل هي أن التغير الجيولوجي يحدث على نحو تراكمي بطيء، وليس كارثيًّا، وهو ينتج عن قوى مألوفة تعمل في الحاضر مثلما كانت تعمل في الماضي. بدا هذا مقنعًا لداروين على نحو رائع، واهتدى بهذا المبدأ في أعماله الجيولوجية أثناء الرحلة.

الجزء الثاني من كتاب ليل «المبادئ» كان مختلفًا. فمع أنه كان يحمل العنوان الفرعي نفسه، الذي يقول إنه «محاولة لتفسير التغيرات السابقة لسطح الأرض، بالرجوع إلى أسباب لها تأثيرها الآن»، فإن هذا الجزء كان ينظر إلى التقلب والتحول في مملكتي الحيوان والنبات. كيف تكونت الحفريات؟ كيف نما الخث (النسيج النباتي المتفحم)؟ ما الذي دخل في تكوين الشعاب المرجانية؟ قبل أن يعالج ليل أيًّا من هذه المسائل تناول مسألة تثير الخلاف بقدر أكثر: هل الأنواع نفسها تتغير؟ خصص أول فصلين للامارك، وعرض فيهما نظرية العالم الفرنسي عرضًا شاملًا، مع ملاحظة أنها «لقيت قدرًا من الترحاب من جانب كثير من علماء التاريخ الطبيعي»، ثم فند ليل النظرية تفنيدًا صارمًا. كلا، الأنواع «لا» تتحول، هكذا قرر ليل؛ فهي لا تتغير بفعل عوامل لامارك أو أي عوامل أخرى. وقد حاج بأن القطط التي دفنت مع المومياوات المصرية تبدو مماثلة للقطط لدينا. والماشية البرية في أمريكا، التي تعيش حياة ضارية في مناخ غير مألوف، وتأكل طعامًا غير مألوف، تشبه على نحو دقيق الماشية الأوروبية البدائية. نعم، يمكن أن تثمر تربية الكائنات الداجنة عن سلالات جديدة من الماشية، لكن هذه تغايرات جديدة لا أكثر من النوع نفسه، ولن تكون أبدًا نوعًا جديدًا. لم يبدُ الإقرار بأن الأنواع تتغير على نحو تدريجي متوافقًا مع وجهة نظر ليل الاتساقية؛ التي تقول إن التغيرات الجيولوجية الكبيرة تنتج تراكميًّا على مر فترات طويلة من الزمن.

قرأ داروين هذا كله ووافق عليه. لامارك محض هراء. بعد ذلك باثنتي عشرة سنة ظل على الرأي عينه، مع بعض التحفظ؛ فالإجابة خطأ، لكن السؤال صحيح. لكن كيف إذن يحدث التحول؟ أعتقد أنني أعرف، هكذا همس لهوكر.

١١

بعد الاعتراف بتفكيره ذي الصبغة التحولية وإحساسه بالذنب كمن ارتكب جرمًا، وذلك في خطابه المرسل في ١١ يناير من عام ١٨٤٤، انتظر داروين رد هوكر. لكنه لم يتلقَّ أي رد. مر أسبوعان. سنكون محقين لو خمنَّا أن داروين شعر بالعصبية ونفاد الصبر. هل تسبب خطابه في صدمة لصديق المراسلة الجديد؟ هل أنهى صداقتهما قبل أن تبدأ؟ وأخيرًا أرسل خطابًا موجزًا آخر يحث فيه هوكر على الرد عليه. وهذا ما فعله هوكر، في خطاب طويل ودي مليء بالمعلومات عن الجغرافيا النباتية، وفيه الأنباء السارة بأنه يدرس النباتات التي أتى بها داروين من جالاباجوس. وواصل هوكر ثرثرته عن موضوعه الأثير، النباتات المحلية في الجزر البعيدة، وذكر نوعًا مميزًا من الكرنب يتوطن في كرجويلين، في أقاصي جنوب المحيط الهندي. يعتقد هوكر أن الكرنب الكرجويلي هو أغرب نبات صليبي في نصف الكرة الجنوبي بأسره. كيف وصل إلى حيث يوجد؟ ولماذا لا يوجد في أي مكان آخر؟ التأمل في هذا الكرنب، إضافة إلى بعض الكائنات الحية الغريبة الأخرى على الجزيرة، أدى به إلى الإقرار بفكرة مخالفة للسائد: وهي أنه ربما كانت هناك سلسلة من هذه المنتجات غير المعتادة في أماكن منعزلة، «وأن هناك أيضًا تغيرًا تدريجيًّا في الأنواع.» قف هنا! تغير في الأنواع؟ هذا اعتراف كبير. ويضيف هوكر وقد بدا متفتح الذهن لكن بتعقل: «سيسعدني أن أسمع منك كيف تفكر في الطريقة التي يمكن أن يحدث بها هذا التغير، ذلك أنني لا أجد حاليًّا أي تصورات مقنعة بشأن هذا الموضوع.» إنه هكذا يقول لداروين إنك لست مجنونًا ولست في خطر الاستنكار، ليس من جانبي أنا، ولكن … حسن، لِنَرَ ما لديك.

عاد داروين إلى الرسم التخطيطي الذي نحاه جانبًا منذ عامين سابقين. وأخذ يكتب ثانية، موضحًا الحجج مع إدراج الأدلة داخل البنية التي وضعها من قبل. حاول هذه المرة أن ينتج شيئًا يستطيع الآخرون قراءته، وألا يكون فقط قابلًا للقراءة، وإنما مقنعًا أيضًا. مرة أخرى بدأ بموضوع التغاير بين الأنواع الداجنة، وكيف أن المربين ينتخبون تلك الاختلافات الصغيرة ويعظمونها، وكان هذا هو أول أساس يقوم عليه التشبيه الرئيسي عنده. ثم تحول إلى الأنواع في البرية. كان لا يزال تحت تأثير الانطباع بأن العشائر السكانية البرية لا تتغاير إلا قليلًا، إلا حين تكون غير مستقرة بسبب التغيرات البيئية. لا بأس؛ في القليل الكفاية. حتى المقادير الضئيلة من التغير التي تنشأ من حين لآخر سوف تتيح حدوث انتخاب طبيعي، يعمل مفعوله عبر فترات هائلة من الزمان، لينتج أنواعًا جديدة من الحيوان والنبات.

بعد أن شرح آليته المفترضة — أي منطق الطريقة التي «يمكن» بها للتطور أن يحدث — عاود استعراض صنوف الأدلة التي تبين أن التطور «حدث بالفعل»، بفعل آلية أو أخرى. تكدست الصفحات. وخلال أواخر شتاء وربيع عام ١٨٤٤، لم ينقطع داروين عن هذا العمل إلا بانشغالات قليلة صغيرة الشأن (كأن يتابع طباعة ورقة بحثية صغيرة، أو أن ينتقل إلى لندن لاجتماعات الجمعية الجيولوجية، أو لزيارة عائلية في شروزبري) لكنه واصل التركيز والإنتاج الوافر، بقدر ما تسمح له حالته المزاجية والصحية. بحلول أوائل يوليو كان قد أنهى مسودة من ١٨٩ صفحة. في هذه المرة فعل ما لم يفعله في المخطط المبدئي؛ فأرسل المسودة إلى مدرس محلي لينسخها بخط يد مقروء. سبب وجود نسخة واضحة هو أنها يمكن أن يقرأها الآخرون. لكن من هم الآخرون؟ هل هم الأصدقاء المختارون مثل هوكر أو ليل؟ أم هم منضدو الحروف في دار النشر؟ لا … لا أحد، ليس الآن. وبدلًا من ذلك فإنه دس المسودة بعيدًا في مكتبه، ومعها خطاب إلى زوجته قُصد به أن تقرأه «في حالة موتي فجأة». كان هذا الخطاب هو وصيته الأدبية غير الرسمية.

يقول الخطاب: هذه مسودة نظريتي عن الأنواع. إذا كانت النظرية صحيحة، وإذا حدث حتى واقتنع بها حكم واحد كفء في الموضوع، فستكون النظرية وقتئذٍ «خطوة لها قدرها في العلم». لهذا أرجو أن تعملي على نشر هذه المخطوطة، هكذا قال لإيما، وأعطى التعليمات عن الطريقة التي يريد بها تنفيذ ذلك. ينبغي أن تجند إيما شخصًا مناسبًا لأن ينهي البحث، ويحسنه ويحرره. وينبغي أن تغري هذا الشخص بأن تقدم له ٤٠٠ جنيه استرليني، يضاف لها كل كتب داروين في التاريخ الطبيعي، وأي أرباح قد تأتي من النشر. ينبغي أن تعطي المحرر أيضًا كل ملاحظات داروين — ما تراكم لديه عبر ست سنوات من حقائق واستشهادات — التي كُتبت على قصاصات ورق وفُرزت حسب الموضوع داخل ثماني أو عشر حقائب أوراق بنية محفوظة فوق أرفف غرفة مكتبه. قال مفسرًا: «الكثير من القصاصات في حقائب الورق تحوي مجرد اقتراحات أولية وآراء مبكرة هي الآن بلا فائدة، والكثير من هذه الحقائق قد يثبت في النهاية أنها ليست لها علاقة بنظريتي.» لكنه يريد من محرره أن يغربلها. فبعضها قد يكون له علاقة وثيقة بالموضوع.

من ينبغي أن يكون هذا المحرر؟ ذكر داروين قائمة صغيرة من زملائه العلماء، تتضمن تشارلز ليل، وجون هنسلو، ذلك العجوز الطيب من كامبردج، وإدوارد فوربس عالم الأحياء القديمة المتألق، ثم جوزيف هوكر، الصديق الجديد الذي توافق معه داروين وكان يتعهده بالخطابات. لم يظهر اسم روبرت جرانت، الذي كان مشرفًا على داروين أيام إدنبره، وأصبح الآن ثوريًّا متقد الحماس، يدرّس التشريح ويبشر باللاماركية في لندن. كان جرانت من أتباع النزعة التحولية، وهو ما كان داروين يعرفه جيدًا، لكنه تحولي يعتنق النظرية الخطأ وينتمي إلى المعسكر السياسي الخطأ. كان داروين يريد تحديث التاريخ الطبيعي، وأن يجعله مؤسسًا على القانون وماديًّا في نظرته للأسباب والنتائج؛ فداروين «لم يكن» يريد إثارة حرب بين الطبقات. يخبر داروين إيما في خطاب وصيته أنه إذا لم يوافق أحد في قائمته على هذه المهمة الشاقة فإنها ينبغي أن تتفضل بزيادة العرض إلى ٥٠٠ من الجنيهات. وإذا لم يكن هذا كافيًا فعليها أن تطبع المخطوطة كما هي وحسب.

كان يدرك أن أعراض مرضه المزمن المتمثلة في انتفاخ أمعائه وتشوش رأسه قد تصبح خطيرة في أي وقت، وأنه قد يموت بسبب علة مجهولة خلال عام. في الحقيقة، ربما كانت هذه رغبة عقله الباطن. فلو مات الآن ونشرت النظرية بعد موته، فسيوفر عليه ذلك الكثير من المشقة.

١٢

لكنه، فيما يبدو، كان يزداد قربًا من القيام بوثبته كمؤلف وهو حي. كان يزداد جرأة ونفاد صبر. وفي أحد أيام شهر يوليو قام برحلة غير معتادة بعربة خيل ذات عجلتين، قطع بها الطريق إلى «حدائق النباتات الملكية بمقاطعة كيو» جنوب غرب لندن، وذلك ليعيد التعارف بنفسه مع جوزيف هوكر وجهًا لوجه.

مع اعتلال صحته وقلة حركته، فإنه ما كان ليذهب في رحلة كهذه لو لم يكن يرغب بشدة في توطيد صداقته مع هذا الزميل الشاب. كان لدى هوكر جوانب عديدة جذابة. كان متخصصًا شديد الدقة في النبات، ورحالة ممتازًا، وقد درس الجراحة (وتعليمه ليس تعليمًا دينيًّا مثل الكثير من أصدقاء داروين)، ولم يمنعه خوفه أو ورعه من التفكر في التحول. هذا هو الشخص الذي يحتاج إليه داروين؛ متخصص في جغرافيا النباتات له عقل جراح رزين. واصل داروين وهوكر تبادل الخطابات خلال أواخر الصيف والخريف، ناقشا فيها توزيع الأنواع ولماذا تحوي أماكن معينة — خاصة الجزر — تنوعًا بالغًا لأشكال فريدة. الانعزال هو العامل الحاسم، كما يطرح داروين. انعزال الجزر يؤدي بطريقة ما إلى «خلق أو إنتاج» الأنواع الجديدة، (لا يزال داروين يستخدم مصطلحات غامضة.) لم يشرح داروين ما يدور في ذهنه، لكن كان يريد مساعدة هوكر في استكشاف هذا الخط من التفكير بواسطة البيانات النباتية.

كتب داروين أيضًا خطابات إلى ليونارد جنينز، القس وعالم التاريخ الطبيعي، وصديقه من أيام الدراسة، الذي كان يتبنى أسلوب جلبرت وايت؛ إذ كان يسجل ملاحظاته عن الطبيعة من خلال ما يراه في أسيجة الشجيرات والغابات التي تحيط بأبرشيته الصغيرة. عندما تقابلا لأول مرة فيما مضى في كامبردج كان جنينز شابًّا محافظًا في الثلاثين من عمره، وقد استقر مؤخرًا كقس في مكان يسمى سوافام بولبك، وكان ملتزمًا بتعاليم التاريخ الطبيعي اللاهوتي التقليدية. منذ فترة بسيطة حرر جنينز طبعة جديدة من كتاب وايت الكلاسيكي الصغير «التاريخ الطبيعي لسلبورن». كان المشروع التالي لجنينز هو كتاب عن معارف الطبيعة كما جمعها هو بنفسه، بما في ذلك تقويم للتاريخ الطبيعي، ها هو مجددًا يسير على منوال وايت. كانت سوافام بولبك هي منطقة سلبورن الخاصة به. أطرى داروين جنينز بسبب أهمية هذه الملاحظات المحلية التي رصدها فصلًا بعد فصل، ثم بادره بسؤال كان يأمل أن يجيبه جنينز عنه. إلى أي مدى يسهم الكفاح والموت المبكر في الحد من تزايد عدد السكان أو العشيرة لأي نوع بعينه؟ كأحد أنواع الطيور في الريف الإنجليزي مثلًا. لم يتحدث داروين عن مالتوس، لكن بالطبع كان يدور في ذهنه الضغوط والقيود المالتوسية.

كان الخطاب يحوي ما هو أكثر من الإطراء وتصيد البيانات. كان جنينز قد كتب أولًا مذكرة حافلة بالأخبار، وطلب أخبارًا في مقابلها، ومن ثم قدم داروين لمحة عن حياته وأبحاثه الحالية في داون. وقال له إنه بالإضافة إلى تأليف كتب في الجيولوجيا، ورعاية حديقته وأشجاره، والقيام بجولات سير على الأقدام حول أراضيه، ومخه غارق في الحيرة، فإنه لم ينجز مؤخرًا الكثير من الملاحظات الميدانية بنفسه. لم يعد يجمع النحل، كما كان يفعل في الأيام الخوالي. لم يستطع أن يتحدث كخبير في الطيور المحلية. ولم يستطع أن يقدم حقيقة واحدة جديدة عن علم الحيوان في إنجلترا. لكن على الجانب الآخر، فإن هذا لا يعني القول إنه قد فقد الاهتمام بالحياة النباتية والحيوانية. «واصلتُ باطراد القراءة وجمع الحقائق عن التغاير في الحيوانات والنباتات الداجنة، وعن مسألة ماهية الأنواع. لدى كيان ضخم من الحقائق، وأعتقد أني أستطيع الوصول إلى بعض الاستنتاجات السليمة.» حسن، لكن انتظر، هل كان حقًّا يريد أن يفضي بذلك إلى القس الموقر جنينز؟ من الواضح أنه كان يريد ذلك. لقد سئم توخي الحذر. لقد سئم من الاحتفاظ بسره. هكذا تدفق السر خارجًا.

يقول داروين لجنينز: «الاستنتاج العام، الذي أوصلني إليه ببطء اقتناع مضاد على نحو مباشر، هو أن الأنواع تتغير، وأن الأنواع المترابطة تنحدر من أصول مشتركة.» ما رأيك في هذا أيها الصديق القديم؟ التطور يحدث، وعلم التاريخ الطبيعي اللاهوتي فشل في تفسير الأمر. أعرف أن هذا يعرضني للوم. وأذعن داروين قائلًا إنه توصل لذلك عن طريق التفكير الأمين الحريص. ويضيف داروين: «لن أنشر عن هذا الموضوع لسنوات عديدة.» ثم اختتم بتعليق ودود بدا فيه شيء من السخرية، إذ قال: «لعل كتابك المحلي الصغير يسهم بشيء في كنز الحقائق الداعمة لي.»

ثم كان أن وجه الحظ السيئ ضربة على نحو غريب وغير متوقع كمطر الصيف. ففي الشهر نفسه الذي كتب فيه داروين خطابه لجنينز، أي أكتوبر ١٨٤٤، أطلق ناشر محترم في لندن مؤلفًا عنوانه «الآثار الباقية للتاريخ الطبيعي للخلق»، وهو كتاب يبسط العلم للعامة ويتاجر بالنظريات على نحو رخيص، ويغطي نطاقًا عريضًا من الموضوعات المثيرة للاهتمام كعلم الفلك والجيولوجيا وأصول الحياة، وعلم الحفريات وتحول الأنواع، ويتناول في طريقه موضوعات مثل التوليد التلقائي، وحلقات كوكب زحل، وإنتاج الحشرات باستخدام الكهرباء، وإصابة الخنازير بالحصبة، وأصول الأعراق واللغات البشرية، وعلم الفراسة، والأشخاص ذوي الأصابع الست، واستنبات الجاودار من الشوفان المزروع، وولادة خلد ماء لوالد من الإوز، وعدد عظام الرقبة في الزرافة، إلى جانب الكثير من الحقائق الأخرى المثيرة للاهتمام وأشباه الحقائق المثيرة للذهول، وكل هذا يُمزج معًا في كعكة فواكه أدبية على يد مؤلف يكتب نثرًا سهلًا سلسًا ويختار أن يبقى مجهولًا. كيف يستطيع القارئ الفضولي أن يقاوم ذلك؟

أصاب كتاب «الآثار» بفضل محتواه ولغز مؤلفه المجهول نجاحًا هائلًا. تسبب الكتاب في إثارة الدهشة، والحث على التفكير، واستثارة الضيق، والحديث عنه، وقد حقق مبيعات جيدة جدًّا. تعرض الكتاب لنقد لاذع من طرف علماء متعنتين (منهم آدم سدجويك عالم الجيولوجيا العظيم في كامبردج، وهو من المدرسين الأوائل لداروين) إلا أن هذه الانتقادات لم تتسبب إلا في زيادة شهرة الكتاب ومبيعاته. سرعان ما ظهرت طبعة أمريكية، ثم ترجمة ألمانية في وقت لاحق. وفي بريطانيا وحدها صدرت طبعة ثانية للكتاب على الفور، ثم طبعة ثالثة، تلاها سبع طبعات أخرى خلال عقد من السنين، بإجمالي نسخ يقارب ٢١ ألف نسخة. بمقاييس ذلك العصر، فإن هذا شكَّل نجاحًا ساحقًا. قرأ الكتاب سيدات وسادة الطبقة الوسطى ممن لا يملكون خبرة علمية أو فلسفية، وقرأته أيضًا الملكة فيكتوريا، وجون ستيوارت ميل، وأبراهام لنكولن، وأرثر شوبنهاور، ورالف والدو إيمرسون، وألفريد تنيسون، وبنيامين دزرائيلي، وفلورنس نايتنجيل. واصل المؤلف إغفال ذكر اسمه، ليس فقط أثناء نجاحه التجاري المبكر وإنما أيضًا خلال الطبعات اللاحقة، وهذه الحقيقة تشهد على مدى الخطورة الحقيقية التي تكتنف مناصرة المذهب التحولي — حتى في نسخته الربانية — ما دامت شملت سلسلة الحيوانات المتحولة البشرية.

لم يكن كتاب «الآثار» إلحاديًّا. يقول الكتاب: «إن العناية الإلهية ارتضت ترتيب الأمر بحيث يولد من النوع الواحد نوع آخر، إلى أن يلد ثاني أرقى الأنواع الإنسان، الذي يعد أرقى الأنواع قاطبة.» العناية الإلهية هنا ذات ربانية تصنع القانون ولا تتدخل في سير الأمور؛ فهي ترسي الكون الملموس وتتركه يعمل. لقد أدرك مؤلف «الآثار»، وهو ناشر اسكتلندي يدعى روبرت تشامبرز، الحكمة من خلق الشيء ثم التواري عن الأنظار.

قرأ كل من هوكر وداروين الكتاب خلال شهرين من نشره. أخبر هوكر داروين بابتهاج أنه وجد كتاب «الآثار» ممتعًا، دون أن يتنبه إلى أن هذا قد يجعل صديقه ينزوي شاعرًا بالحسد من منافس له. قال هوكر إنه مهما تكن استنتاجات الكتاب بطبيعة الحال، لكن تجميع مادته كان مثيرًا للإعجاب. أما بخصوص المؤلف المجهول فإنه يبدو «رجلًا مسليًا» (لم يقصد هوكر بهذا امتداح براعته).

لم يرَ داروين أي شيء ممتع أو مسلٍّ بأي معنى، وكتب بجفاء من داون أنه «لم يجد الكتاب على قدر التسلية نفسه الذي وجده هوكر». حسن، التنظيم بارع، وهذا المؤلف مجهول الهوية يستطيع الكتابة بالتأكيد. لكن داروين قال في تذمر: «إنه لا يجيد علم الجيولوجيا، وعلم الحيوان لديه أسوأ بكثير.» كان هذا حكمًا منصفًا، مبنيًّا على أسس علمية، مع مسحة من المرارة. أدرك داروين أن مؤلف «الآثار» جعل موقفه — داروين — أصعب بطرق تثير الجنون والحيرة معًا. فالكتاب بما فيه من خليط سخيف من النظريات، وما فيه من أخطاء حقيقية، يعطي للسذج من القراء مجموعة مضللة من الأفكار غير المدعومة، ويعطي العلماء المتشككين سببًا آخر لرفض المذهب التحولي بوصفه محض هراء. وهذا أمر بالغ السوء لداروين، بالغ السوء تمامًا. الآن أصبحت ساحة السوق الثقافية متخمة، وأصبحت المسألة كلها ضبابية، وثار حنق النقاد الجادين.

ربما أمل داروين أن يساعد نجاح «الآثار» على تفتح عقول الناس بشأن التحول، وأنه ربما يعدُّهم لتقبله على المدى الطويل، كنظرية «حقيقية» مبنية على الأدلة والتفكير الاستقرائي شديد التدقيق. إلا أن هذا الإطار الزمني — على المدى الطويل — بعيد وغير مؤكد. بدا الآن أن لحظة الكشف عن أفكاره قد فاتت. عاد داروين إلى العمل في مشاريع أخرى. كان عليه إنهاء جزء ثالث من جيولوجيا السفينة «بيجل». وكان لديه مهمة صغيرة تتعلق برحلة السفينة «بيجل»، عن توصيف البرنقيل، يجب إنهاؤها وصقلها. وخطط لمراجعة مؤلفه «اليوميات» من أجل إصدار طبعة جديدة. كان قد حصل على عقد معقول (بخلاف العقد الذي رتب له فيتزروي) مع ناشر مختلف، وبهذا العقد ربما يحقق الكتاب له بعض النقود. لم يكن ذلك الوقت الأنسب لنشر نظريته عن التحول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١