الخنفساء الأخيرة

١٨٧٦–١٨٨٢

٤١

تحسنت صحة داروين في سنواته الأخيرة، لكنه أصبح مرهقًا ضجرًا.

فقد حماسه القديم. كان يعرف أن أعمال حياته الكبيرة قد أُنهيت. ربما كان هذا هو السبب في قلة تكرار تقيئه وقلة نوبات معاناته من اعتلال الرأس والدوار. عوّد داروين نفسه مرغمًا على متاعب الشهرة — الزوار المجِلون والخطابات الآتية من الغرباء وطلبات تلتمس حضوره أو رأيه أو شهادته كخبير في المحكمة — وإن كان ظل يزعم عدم قدرته بسبب المرض عندما يلائمه هذا الزعم. مثال على ذلك، فقد رفض دعوة للذهاب إلى أكسفورد لتلقي درجة الدكتوراه الفخرية. من كان يحتاج لذلك؟ فأكسفورد مليئة بالمتعصبين دينيًّا أمثال هنري نيومان، وبالإضافة لذلك، فإن داروين نفسه ينتمي لكامبردج. رفض داروين حمل نعش تشارلز ليل، أحد أقدم أصدقائه وأكثرهم دعمًا، عندما دُفن ليل في احتفال عظيم في كنيسة وستمنستر. بل إن داروين لم يذهب حتى إلى لندن من أجل الجنازة. تغيب داروين على مر عشرات السنين عن الجنازات الأخرى ومجاملات فراش الموت، واضعًا احتياجاته من الخصوصية والهدوء فوق ولاءاته البشرية، إلا أن الغياب عن دفن ليل في عام ١٨٧٥ كان علامة واضحة على إحجامه المتزايد عن المشاركة في أي مجتمع أكبر من مجتمع الأسرة والقرية. وعندما مات شقيقه إرازموس عقب ذلك بعدة سنوات، بعد أن عاش حياة الأعزب اللاهي الثرثار في لندن، جلب داروين جثمانه إلى داون لدفنه في فناء الكنيسة المحلية. ربما افترض (مخطئًا)، أنه هو نفسه سيوارى الثرى هناك، بجوار إيما عندما تتوفى هي الأخرى، حيث لا يكون بعيدًا عن أخيه الأكبر الوحيد.

بطريقة ما، كان داروين رجلًا أنانيًّا قاسيًا، لكنه أناني وقاسٍ أساسًا بما يخدم عمله. كان أيضًا حلو المعشر ملتزمًا بالواجب، ذا حس أخلاقي شخصي قوي مبني وحسب على أفكاره المادية عن الطريقة التي تطور بها السلوك الاجتماعي البشري. كان من حين لآخر يقدم على أفعال كريمة؛ فيساعد شخصًا جديرًا بالمساعدة في الحصول على عمل أو معاش حكومي، أو يرسل شيكًا بمبلغ له قدره دعمًا لقضية مهمة. كان قرب نهاية حياته لا يزال يعمل أمين صندوق لجمعية داون الصديقة؛ نادي التوفير والتأمين التعاوني الذي ساعد في إنشائه لأفراد العمال في القرية. شغل أيضًا مقعدًا في مجلس المدرسة المحلية بضع سنوات، وعمل قاضيًا يصدر الأحكام في قضايا صغيرة.

كانت تصله خطابات من كل مكان، بعضها عجيب أو متعجرف: عزيزي السيد داروين، ما آراؤك الدينية؟ عزيزي السيد داروين، لقد احتجزت في مصحة للمجانين، من فضلك أخرجني منها. عزيزي السيد داروين، لدي تمساحان أمريكيان هنا في بركة طاحونة في يوركشاير، ماذا تود أن تعرف عنهما؟ كان يرد على الكثير من هذه الخطابات، وعادة ما يكون ذلك عن طيب خاطر. أصبح ارتباطه بالعالم أكثر من أي وقت آخر يتم فقط عن طريق نشر الكتب ومن خلال البريد.

كان داروين يسعد بالمتع الصغيرة، التي تتم عن بعد وبدون تعطيل له، كأن يُنتخَب في الأكاديميات القومية بالمجر وروسيا وهولندا، وأن يتلقى (دون حضوره) وسام الاستحقاق الملكي من ملك بروسيا. أرسل له كارل ماركس نسخة من كتاب «رأس المال» كهدية، مع تحيات «معجب مخلص». على الرغم من شهرة داروين العالمية فإنه لم يُمنح قط وسام الفروسية، وذلك بسبب مزيج من الإهمال والحذر من العواقب من جانب رؤساء الوزارات المتعاقبين، بالتشاور مع الملكة فيكتوريا. (بعد وفاته، حين فات أوان ذلك، أبدت الحكومة بعض إشارات التصحيح: إذ مُنح اثنان من أبنائه وسام الفروسية لإنجازات أقل شأنًا من إنجازاته.) نتيجة إلحاح أسرته سمح بأن ترسم له صورة بالزيت عدة مرات، والتُقطت له صور فوتوغرافية يبدو فيها مهيبًا. كان الناس يريدون صورة مرئية لأبرز علماء بريطانيا الأحياء؛ سواء أقرءوا كتبه أم لا، وسواء أفهموا أفكاره أم تقبلوها أم لا. صار وقتذاك رمزًا ثقافيًّا، رجلًا مشهورًا، وسيئ السمعة إلى حد ما كما ينبغي أن يكون المشاهير. أكثر صوره الجديرة بتذكرها كانت لقطات عديدة التقطها مصور مجهول من شركة إيليوت وفراي الفوتوغرافية، أتى من لندن والتقط صورة داروين، على الشرفة، وقد ارتدى ملابس التمشية في طقس سيئ حول «الممشى الرملي». كان هذا قبل وفاته بقرابة العام.

تستطيع أن ترى اليوم في هذه الصور الفوتوغرافية مدى انعزاله وإرهاقه في ذلك الطقس القارص. كان يرتدي عباءة سوداء زُمّت بإحكام من حوله، وقبعة من اللباد الأسود تشبه قبعة لاعبي الكريكيت لها حافة عريضة. لا تظهر يداه في الصورة. وتبدو لحيته بيضاء مشعثة، تتداخل عبر السوالف الكثة مع شعره، الذي ينسدل على مؤخرة عنقه. بينما تشع عيناه بالذكاء والتجهم.

أصبح داروين مرهقًا ضجرًا تحديدًا من محاولاته لطرح التفكير التطوري والدفاع عنه، بكل نظرياته الإضافية وتفرعاته. كان الانتخاب الطبيعي جزءًا من ذلك وحسب، وإن كان جزءًا محوريًّا. وبسبب ما وقع عليه من هجوم من جانب فليمنج جنكن وويليام طومسون وآخرين، شذب داروين من دعاواه عن الانتخاب الطبيعي في مراجعات متعاقبة لكتاب «أصل الأنواع»، مشددًا على نحو أكبر على فكرة الاستخدام وعدم الاستخدام عند لامارك، وعلى المفعول المباشر للظروف الخارجية. لم يهجر داروين قط فكرته الشجاعة المروعة، لكنه أحاطها في اكتئاب بسياج يقيها، وفي عام ١٨٨٠ كتب إلى محرر مجلة «نيتشر» — استجابة لنقد آخر — ردًّا ساخطًا يقول فيه إنه لم يزعم قط أن التطور يعتمد «فقط» على الانتخاب الطبيعي. من الحقيقي أنه لم يفعل ذلك قط، ولا حتى في أول طبعة له من كتاب «أصل الأنواع». إلا أن تأكيده على هذا فيه تقليل مؤسف، لا ضرورة له، لمكانته. لم يكن داروين يعرف وقتها أن أفكار مندل النافذة والنشاط الإشعاعي والاكتشافات الأخرى ستثبت لاحقًا صحة أقدم وأقوى مزاعمه عن الانتخاب الطبيعي.

تناولت أبحاثه الأخيرة، التي امتدت على مدار عشرين عامًا من الإنتاجية المتواصلة بعد أول ظهور لكتاب «أصل الأنواع»، أسئلة صعبة ظلت موضع خلاف مع اقتراب رحيل داروين. كانت هناك نظريته (الخطأ) عن الوراثة، كما أوضحها في كتاب «تغاير الحيوانات والنباتات بتأثير تدجينها». كان يتخيل وجود عملية سماها «التكوين الشامل»، تجوب وفقها ملايين الجسيمات الضئيلة في أرجاء الجسم وهي تحمل الصفات المتوارثة، وفق حجمها، إلى الذرية. ثم هناك مفهومه (القيّم) عن الانتخاب الجنسي، كما طرحه في «انحدار سلالة الإنسان». وهناك أفكاره عن مصادر التغاير، وأهمية الإخصاب بالإخصاب المتبادل في مقابل الإخصاب الذاتي في النباتات الخنثوية، وتطور الغرائز الأخلاقية لدى البشر، وغير ذلك الكثير.

على الرغم من اهتمامه الحريص بهذه الموضوعات، فإنه وجد نفسه غير قادر أو غير راغب في مناقشتها في كل وقت يلقي فيه مهووس ما بقفاز التحدي في وجهه. كتب له أحدهم بتأكيدات دقيقة عن سلوك الإنسان، لكن رد عليه داروين بأنه اقتصر في السنوات الأخيرة على بحث فسيولوجيا النبات فقط، وأنه توقف عن التفكير في كل الموضوعات الأخرى. أقر داروين بأن محاولة استعادة هذه الموضوعات ثانية ترهقه. شكر داروين رجلًا آخر على «خطابه المثير للاهتمام» حول وجود الشعر فوق أذن مواليد البشر والقرود، ثم يقول معترفًا: «لقد بلغت الآن من كبر السن ما يجعل من غير المرجح لي بأي حال أن أكتب عن نقاط عامة أو صعبة في نظرية التطور.» كانت هذه طريقة مهذبة لقوله: «دعني وشأني عليك اللعنة.» وقد كان داروين مهذبًا دائمًا.

كان العمل على النباتات أهدأ وألطف وأقل تعقيدًا في التصور الذهني وأقل إثارة للنقاش الحاد. بعض هذه الأبحاث حمل تبعات تطورية؛ مثلًا فيما يتعلق بالطرق التي تتكاثر بها النباتات وتكتسب التغايرات وتتكيف. إلا أن الكتابة عن النماذج العروية لزهرة الربيع مزدوجة الشكل (بصرف النظر عما يعنيه ذلك) يبدو أقل استفزازًا عن الكتابة عن عظم العصعص، الذي يلمح بوجود بقايا ذيل بشري، كما فعل داروين في «انحدار سلالة الإنسان». بحلول ذلك الوقت كان داروين قد نال كفايته من استفزاز الغير، وهو ما عاد عليه بالتبعية بالمزيد من الضغط والاستفزاز. استعان داروين بابنه فرانسيس، وكان قد أنهى دراسته في كامبردج وعاد إلى قرية داون، حيث واصل داروين أسلوبه البارع في التجارب النباتية، مبقيًا على نبات الندية وأفخاخ ذباب فينوس في أوعيتها، وهو يغذيها بالحشرات واللحم النيئ، ويزودها بأملاح الأمونيا لاختبار حساسية أوراقها. أدى هذا إلى إنتاج كتابه «النباتات آكلة الحشرات» الذي نُشر عام ١٨٧٥. ساعد فرانسيس وابن آخر اسمه جورج في الصور التوضيحية. على الرغم من جاذبية الموضوع الشديدة؛ النباتات الآكلة للحم، فإن معالجة داروين له اتسمت بالوقار وامتلأت بالتفاصيل الفنية، ولم يحقق الكتاب مبيعات جيدة مثل كتبه عن التطور. لم يعوِّق ذلك داروين. كان يحب العمل في صوبة النباتات والحديقة. ومثلت تلك الكائنات الموضوعة في أوعيتها صحبة طيبة له في حجرة مكتبه.

نشر داروين أيضًا في عام ١٨٧٥ كتابه «حركات وعادات النباتات المتسلقة»، وهو طبعة تجارية (وإن لم تكن تجارية جدًّا) لورقة بحثية طويلة نشرها منذ عشر سنين عن طريق الجمعية اللينانية. ظل جون موراي مرحبًا بنشر كتبه التي تخاطب الاهتمام العام، حتى عندما كانت موضوعاتها تبدو ضيقة المجال وذات إمكانية بيع محدودة، وهو ما كان يحدث بتزايد. بعد ذلك بسنة أتى كتاب «تأثيرات الإخصاب المتبادل والذاتي في مملكة النبات»، الذي اعتبره داروين رفيقًا لكتابه السابق عن إخصاب زهور الأوركيد. أصدر داروين خلال السنوات العديدة التالية طبعة جديدة من «زهور الأوركيد» وكتابين آخرين عن النباتات، كلاهما يحوي أفكارًا واكتشافات صغيرة كان يفخر بها فخرًا خاصًّا؛ إلا أن هذه الكتب لم تلقَ اهتمامًا كبيرًا في حياته، ونادرًا ما أعيد طبعها بعد ذلك. كتب داروين: «لطالما أسعدني أن أمجد النباتات بوصفها كائنات منظمة.» لم يعد يهتم كثيرًا هل تثير كتبه دهشة العالم وتربح أكوامًا من النقود. أصبح الآن محصنًا ضد الطموح ومتيمًا، كحاله دومًا، بالمغزى الجميل للتفاصيل الدقيقة وحقيقة الارتباط البيني الدامغة.

٤٢

في أوائل عام ١٨٧٦ كان منزل العائلة أهدأ مما كان عليه لسنين. في ١٢ فبراير أتم داروين سبعة وستين عامًا. لم يكن هو وإيما ممن يهوون المنزل الخالي، لكنهما كما ستكشف الأحداث كانا قريبين من هذا الوضع أكثر من أي وقت سبق. كان ويليام، الابن الأكبر، يعمل مصرفيًّا في سوثهامبتون. كان حكيمًا في التصرف في ماله ويميل إلى الصلع مثل والده، وغير متزوج. ماتت آني ودفنت في مالفرن. بينما دفن تشارلز الصغير وماري إيليانور الابنة الوليدة في أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر، في فناء كنيسة داون. تزوجت هنرييتا كبرى البنات الأحياء من رجل غريب السلوك نوعًا اسمه ليتشفيلد واستقرت في لندن. بعد مرور خمس سنوات كان آل ليتشفيلد بلا أطفال. أنهى جورج وفرانسيس (الذي ينادى عادة بفرانك) بل حتى هوراس، أصغر الأبناء الباقين، تعليمهم في كامبردج وكان كل واحد منهم يتلمس طريقه المختلف، مثلما فعل والدهم، نحو الاهتمامات الجدية والمستقبل المهني، وكان فرانك، الذي حصل على شهادة طبية لكنه لم يرغب في ممارسة الطب، قد عاد وحده ليعيش بجوار والديه. أما ليونارد الذي كان يعتبر نفسه أبله العائلة، فقد التحق بأكاديمية ووليتش العسكرية بدلًا من كامبردج، ثم انطلق في رحلاته مهندسًا عسكريًّا. لم يبقَ بعدها إلا بيسي، أصغر البنات، التي لم تتزوج حتى سن التاسعة والعشرين، وقدر لها أن تبقى على هذا الحال. لم تتلقَّ بيسي أي تعليم خارج المنزل قط وكانت، حسبما قاله قريب محب، «لا تجيد الأمور العملية»، وما كانت لتستطيع معالجة أمور حياتها الشخصية دون عون. وحتى هنرييتا كانت تستأسد عليها. كانت امرأة بائسة ضئيلة الشأن مهملًا أمرها، حتى إنه يندر أن تُذكر، ولا حتى في أكثر سير حياة داروين تدقيقًا. يبدو أن السجلات لا تنبئ بشيء عن أحوال بيسي في أوائل عام ١٨٧٦، لكن كان من غير المرجح أن توجد في أي مكان إلا في بيت الأسرة.

لم يعد المكان يمتلئ بالشباب والنشاط كما كان من قبل. لا يوجد أحفاد يجددون الفوضى المرحة. أخذ داروين يعمل على نباتاته ويلعب الطاولة مع إيما في الأمسيات. كانت لعبة الطاولة تقليدًا قديمًا. كسب داروين على مر السنين (كما تباهى ساخرًا من نفسه) ٢٧٩٥ مباراة فيما خسر أمامها ٢٤٩٠ مباراة. بعد مضي ساعات، وبعد ساعات، يعود فرانك إلى البيت الصغير الذي يعيش فيه مع زوجته آمي. حتى بارسلو، رئيس الخدم المخلص، كان قد رحل. لقد تقاعد بمعاش متواضع يدفعه له داروين.

أصبح داروين، العليل العجوز، يعتمد أكثر من أي وقت مضى على إيما، زوجته المحبة وراعيته والصرح العاطفي للعائلة. قد يغيظها داروين بشأن مباريات الطاولة، لكن حبه الشديد لهذه المرأة، الذي بدأ على نحو فاتر للغاية في ١٨٣٨، قد ازداد دفئًا وتوهجًا بمرور الوقت. لم تكن إيما تشاركه اهتماماته الفكرية، لم تكن تشاركه ترفُّعه عن الدين أو نظرته المادية للعالم؛ كانت لا تزال تعبد إلهًا مسيحيًّا وتشعر بالقلق بشأن روح زوجها، أما هو فكان من ناحيته يحبها حبًّا جمًّا. لم يستطع التظاهر بأنه يصادق على معتقداتها، أو يتقبل أعمق أشجانه (كفقدان آني) وأمراضه بروح من الإذعان التقي، كما كانت إيما تريده أن يفعل. لكنه كان يبجل ما فيها من خير وكان حساسًا لمشاعرها. ظل أربعين عامًا يحتفظ في مكان ما وسط الحقائب والأوراق بذلك الخطاب الجاد الذي كتبته له قبيل زواجهما، عندما سمعت اعترافه بأفكاره الجامحة المهرطقة. كتبت في إصرار: «لا تظن أن هذا ليس من شأني، وأنه لا يحمل الكثير من الأهمية لي.» كتبت له إيما أن هذا أمر له أهميته، وعارضت رأيه بحزم، لكن بحب. فكل ما يخصه يخصها هي أيضًا، وكتبت له قائلة: «سأكون أشد تعاسة لو اعتقدت أنه لا ينتمي أحدنا للآخر إلى الأبد.» ومن وقتها ظلت على مر السنين على أملها في أن يكونا معًا إلى الأبد، في الحياة الآخرة، لكن دون أن تلقى أي تأكيد منه لهذا الأمل. لم يكن في استطاعة داروين إلا أن يتعاطف معها، أو يتجنب الموضوع. لم يكن من طبعه أن يكذب، لكنه في وقت ما خط ملحوظة في نهاية خطابها، عُثر عليها بين أوراقه الأخرى، قال فيها:

عندما أموت، فلتعرفي أني كثيرًا ما قبّلت هذا الخطاب وبكيت.

تشارلز داروين

كانا متزوجين منذ وقت كبير، أولاد خئولة وحبيبان وصديقان، يسمعان صدى خطواتهما في بيت كبير بارد، وهما يتحركان في قسوة تجاه الموت والانفصال.

أتت في الربيع بعض الأنباء الطيبة: فآمي، زوجة فرانك، حامل. وفر هذا الحافزَ لمشروع داروين الأدبي التالي. أخذ داروين، وقد واجه أخيرًا احتمال وصول حفيد له، يكتب مسودة لسيرته الذاتية الخاصة، آملًا أنها «قد تثير اهتمام أطفالي أو أطفالهم.» كتب أول صفحات في أواخر مايو من عام ١٨٧٦، أثناء زيارة للمنزل الريفي لشقيق إيما، وواصل الكتابة بعد العودة إلى داون. وكان يقضي ساعة أو ما يقرب في كتابة المخطوطة بعد ظهيرة أغلب أيام الصيف. أخذ يبحث في ذاكرته عن الحقائق والأحداث البارزة، دون أن يلجأ (من باب التغيير) إلى أي دفاتر ملاحظات أو محافظ أوراق للبيانات أو مفكرات يومية. يكتب داروين، ماتت أمي وأنا في السنة الثامنة من عمري، و«من الغريب أني لا أستطيع أن أتذكر تقريبًا أي شيء عنها» سوى فراش موتها وعباءة مخملية سوداء. لكنه تذكر الوقت الذي سرق فيه وهو صبي صغير تفاحًا من أحد البساتين، ويتذكر مجموعته المبكرة من الصَّدف، وبيض الطيور، والمعادن، مع إحساس لا يُمحى بالذنب بعد ستين سنة لأنه ذات مرة كان قاسيًا مع جرو، وتذكر أيضًا أداءه غير المتميز في المدرسة الداخلية؛ حيث كان سيئًا في اللغتين اليونانية واللاتينية، وأنه كان طالبًا يقظًا، لكنه لم يكن مهتمًّا كثيرًا بالدراسة. تذكر شغفه بصيد الطيور، خاصة لحظة الانفعال التي راودته بعد أن قتل أول صيد له من طير الشنقب. لم يستطع أن ينسى تعليق والده اللاذع، الذي قاله غالبًا حين كان تشارلز مراهقًا: «أنت لا تهتم بشيء إلا الصيد والكلاب والإمساك بالجرذان، وسوف تكون مصدر عار لنفسك ولكل عائلتك.» وتذكر تأثير روبرت جرانت كمرشد له في إدنبره، ثم العصابة المشاكسة من معتادي الشرب ولعب الورق الذين رافقهم في كامبردج. تذكر داروين بعض الاهتمامات الجانبية الأرقى التي انشغل بها أثناء سنوات كامبردج أيضًا؛ تعلم علم النبات من هنسلو، والاستماع إلى مجموعة المرتلين في كنيسة كنجز كوليدج. ثم كتب داروين: «لم يمدني أي نشاط مارسته وأنا في كامبردج بالحماس والمتعة مثل جمع الخنافس.»

لم يشرّح داروين هذه الخنافس. كان جمعه لها هواية، وليس لغرض علمي. لم يتساءل عن توزيعها الجغرافي أو تشابهاتها الشكلية، ليس في تلك الأيام. الأمر ببساطة هو أنه كان يقتنيها، ويحدد هويتها، ويكتنزها في إعزاز. وحتى في سنه الكبيرة ظل قادرًا على تذكر أنواع معينة أسعدته؛ مثل خنفساء باناجيوس كروكسماجور، وهي خنفساء أرضية ذات لونين برتقالي وأسود، والأشجار العطنة والضفاف القذرة التي كان يمسك بها فيها. حكى داروين قصة عن نفسه تظهر حماسه الأحمق: في يوم ما كان يصطاد الخنافس من لحاء ميت لشجرة، واكتشف نوعًا نادرًا، ثم آخر، وأمسك بخنفساء واحدة في كل يد، ثم رأى «نوعًا ثالثًا وجديدًا، لم أتحمل فكرة أن أفقده، لذا وضعت الخنفساء التي كنت أمسك بها في يدي اليمنى داخل فمي. لكن يا لحسرتي، فقد قذفت فيه سائلًا لاذعًا للغاية أحرق لساني، حتى إنني أُجبرت على أن أبصق الخنفساء خارجًا»، وهو ما مكن تلك العينة، هي والعينة الثالثة، من أن تفرا بعيدًا. كانت هذه غلطة مضحكة بطعم الخنافس.

مثلت هذه القصص الجانب الخفيف من سيرته الذاتية. الجانب الأصعب كان سؤاله لنفسه: أي نوع من الرجال كنته، وما هي نقاط قوتي وضعفي، وماذا كانت قناعاتي وشكوكي؟ وقد أجاب عن ذلك أيضًا.

لم يقصد أن ينشر أيًّا من هذا. بعد تسعة أسابيع من العمل المتقطع نحّى المخطوطة جانبًا وعاد إلى نباتاته. وخلال السنوات القليلة التالية أخرجها عدة مرات وكتب المزيد، مدرجًا ذكريات جديدة وأفكارًا خطرت متأخرة على باله، ومحدثًا ذلك المقطع الذي يتأمل فيه كتبه المنشورة. تقدم هذه المخطوطة في شكلها النهائي، بصراحتها البسيطة وأسلوبها المباشر، مادة ممتعة للقراءة بما فيها من مزيج من السرد الشخصي ورسم الصور من الذاكرة والتبحر الفلسفي في الذات. أكثر الأقسام كشفًا لشخصية داروين (الذي حُذف من قائمة المحتويات التي كتبها داروين بإهمال، وكأنما عزم بشكل ما على إبقاء هذا الجزء خفيًّا) هو قسم عنوانه «الاعتقاد الديني». لا بد أن داروين عانى بقدر التوتر ما بين رقة الإحساس وتبلده، وهو يودع هذه الأفكار على الورق، وذلك بسبب الفجوة الموجودة بين آرائه وآراء إيما.

يتذكر داروين أنه قبل أن تخطر له فكرة التحول كان شابًّا متمسكًا بالإيمان التقليدي. وعندما كان مبحرًا على السفينة «بيجل» كان عرضة للسخرية لتقواه واستشهاده بالكتاب المقدس. وأثناء تصوره الفكري لنظريته في دفاتر ملاحظاته، في أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان يفكر كثيرًا في الدين. لكن بمضي السنين، مع دراسته لقوانين الطبيعة الثابتة، تآكل تصديقه للمعجزات، ثم «توصّل تدريجيًّا إلى عدم الإيمان بالمسيحية كوحي إلهي». لم يكن هناك أي رضا أو تسرع في فقدانه للإيمان؛ فقد حدث ذلك تقريبًا ضد إرادته. «وهكذا، تسلل عدم الإيمان إليَّ في بطء، لكنه في النهاية صار كاملًا.» الحقيقة أن هذا التغيير أتى ببطء بالغ، حتى إنه لم يشعر بأي جزع. والآن وقد تم الأمر، لم تعد تسكنه أي شكوك. ويضيف قائلًا في صرامة:

لا أستطيع حقيقة أن أرى كيف ينبغي على أي فرد أن يرغب في أن تكون المسيحية حقيقية؛ لأنها لو كانت كذلك، يبدو أن لغة النص المقدس الواضحة تبين أن الرجال غير المؤمنين، وهذا يتضمن أبي وأخي وكل أصدقائي المقربين تقريبًا، سوف ينالهم عقاب أبدي.

وهذا اعتقاد لعين.

ستكون هذه الفقرة مزعجة بوجه خاص لإيما. (وقد حظرتْها بالفعل في أول طبعة نشرت للسيرة الذاتية، بعد خمس سنوات من وفاة داروين.) لا بد أن داروين قد توقع رد فعلها وشعر أسوأ شعور بهذا الشأن، لكنه صرح في المخطوطة، على نحو نهائي وحاسم، بما يدور في عقله.

إضافة إلى تخليه عن العقيدة المسيحية، كف داروين أيضًا عن أي اعتقاد عام في وجود إله مشخص. ماذا عن وجود الشر في عالم يفترض أنه تديره ذات إلهية رحيمة كلية الوجود؟ كتب داروين أن هذا أمر غير منطقي للغاية، «وهو يجافي فهمنا.» ماذا عن خلود الروح البشرية؟ هذه فكرة مريحة للبال حتى إننا ننحو إلى اعتناقها بالغريزة، كما اقترح داروين، لأن البديل مظلم لدرجة يستحيل معها تأمله. ماذا عن المنشأ الأول للحياة؟ ومولد الكون؟ هل هناك «علة أولى» سماوية، كائن نهائي مجرد وغير مشخص يحرك العالم وقوانينه؟ يقر داروين قائلًا: «لا أستطيع أن أدعي إلقاء أدنى ضوء على مشكلات عويصة كهذه. فسِرُّ بداية الأشياء كلها يستحيل علينا أن نحله، وأنا كفرد يجب أن أرضى بأن أظل لاأدريًّا.» كان صديقه هكسلي هو من صك كلمة «لاأدري» نفسها، وكان داروين سعيدًا بأن يوصف بها. كان يشعر أن كلمة «ملحد» تحمل من العدوانية والثقة أكثر مما ينبغي.

هذا الجزء من السيرة، بعنوانه الغريب «الاعتقاد الديني»، موضوعه كله هو انعدام وجود أي اعتقاد لديه. لقد حلت معتقدات إرشادية من نوع آخر محل معتقداته الدينية المبكرة. تفكر داروين في حجة وليام بالي القديمة عن التصميم، كما وردت في كتاب «التاريخ الطبيعي اللاهوتي» التي تشربها داروين نفسه بإعجاب حين كان طالبًا شابًّا في كامبردج. ثم أعلن داروين بصراحة تامة أن حجة التصميم ثبت فشلها «الآن وقد تم اكتشاف قانون الانتخاب الطبيعي». فالمفصلة الجميلة للصدَفة ذات المصراعين، بخلاف مفصلة الباب، لا تشي بوجود مصمم ذكي. وكتب داروين: «يبدو أنه لا وجود لأي تصميم في تنوع الكائنات الحية وفي عمل الانتخاب الطبيعي بأكثر مما هو موجود في مسار هبوب الرياح.»

٤٣

أُنهيت أول مسودة لهذه السيرة الذاتية ونُحت جانبًا في أوائل سبتمبر من عام ١٨٧٦، عندما جاء المخاض لآمي؛ زوجة فرانك. أنجبت آمي ابنًا سليمًا صحيحًا، لكن صحتها تدهورت، ربما بسبب حمى النفاس. وبعد أن عانت تشنجات رهيبة وفشلًا كلويًّا، وافتها المنية، بينما كان زوجها وحماها موجودان معها يشهدان رحيلها. لم يفر داروين بنفسه هذه المرة من رؤية المشهد الصعب. دفن فرانك زوجته آمي في ويلز بين أهل أبيها، ثم عاد ليخلي منزلهما الصغير، الذي أصبح بالغ الكآبة بفعل الذكريات والفراغ. انتقل هو والطفل الوليد، الذي سمي برنارد، إلى الجانب الآخر من القرية؛ إلى منزل الأسرة الكبير.

هكذا نشأ أول حفيد لداروين خلال سنوات رضاعته وتعلمه المشي في حضور جد شغوف قريب منه أوثق القرب. كان برنارد بخلاف كثير من أطفال داروين وإيما طفلًا سمينًا سليم الصحة، كان بمنزلة «جائزة قيمة» وكان هادئًا كهدوء ناسك بوذي. تقول إيما عنه: «إن له فمًا وتعبيرًا مليحين، ويتسلى على نحو خاص برؤية وجه جده.» كان داروين يستمتع برؤية حفيده بالمثل. لم يحوِّل داروين نمو وتطور برنارد إلى موضوع للبحث، كما فعل مع أول ابن ولد له، كان يستمتع وحسب بوجوده مع الفتى الصغير. أمرت إيما وداروين بعمل بعض التجديدات في البيت حتى يناسب فرانك على نحو أفضل (في ظل عمله كمساعد لداروين) وبرنارد أيضًا. ذهب أربعتهم معا في إجازة، (وربما ذهبت إتي وبيسي في إثرهم أيضًا)، وسافروا في عربة قطار خاصة إلى منطقة البحيرات. طور برنارد وداروين اسمي تدليل لهما؛ فغدا اسم الجد «بابا»، وصار اسم برنارد، دون سبب منطقي، «أبادوبا». وفي سن الخامسة كان «أبادوبا» موضع ترحيب بأن يسلي نفسه بهدوء فوق أرضية مكتب داروين ويرسم الصور، بينما «بابا» يمارس عمله. تشاركا في المشي حول الحديقة ووقفا يدًا بيد فوق الممر أثناء حفل موسيقي في الخلاء. كان مقدرًا لبرنارد أن يتغير سريعًا خلال السنوات القليلة التالية، وبالطبع تجاوز مرحلة الرضيع الفاتن إلى مرحلة المراهق النحيل الذي يدرس بمدرسة إيتون، لكن داروين لم يعش ليرى ذلك.

في أواخر عام ١٨٨١ أخذ يشعر بآلام في القلب. لم يعد الأمر مقتصرًا الآن على اعتلال غامض مزمن أو نوع من توهم المرض.

لم يعتزل داروين العمل قط، على العكس من بارسلو رئيس الخدم. ولما كان داروين لا يشغل وظيفة أو منصبًا — وإنما ملتزم بتلبية ندائه الداخلي — لم يكن لديه عمل أو وظيفة يتخلى عنها. فأبحاثه هي نبض حياته. كره داروين الكسل أكثر مما كره الإنهاك. كان دائمًا في حاجة لمشروع ما. آخر أبحاثه الرئيسية كان عن ديدان الأرض ودورها في صنع التربة، وهو بحث أدى إلى إنتاج كتاب صغير طريف سبق ذكره آنفًا هو «تكوُّن عفن النبات بفعل الديدان، مع ملاحظة عاداتها»، وقد نُشر في السنة السابقة لوفاته. تناول داروين الموضوع لأول مرة في عام ١٨٣٧، بعيد مغادرته للسفينة «بيجل»، ثم عاد إليه بعدها بأربعين سنة، بعد أن أتم المهام الأكثر إلحاحًا في مصيره العلمي. أحب داروين الديدان الأرضية. فهي تفي بمعاييره للموضوع الجيد للبحث العلمي: كائنات متواضعة، موجودة في كل مكان تقريبًا، وهي أكثر أهمية مما تبدو عليه، وتنتج تأثيرات ضئيلة متراكمة ذات تبعات تراكمية كبيرة. كان داروين يحتفظ ببعض هذه الديدان في مكتبه، وقد وضعت في أوانٍ مثل النباتات، وكان يجري عليها كل أنواع التجارب الغريبة. لم يكن هناك جانب في سلوك دودة الأرض لا يثير اهتمامه. كتب في مؤلفه: «الديدان ليس لديها أي حاسة للسمع.»

إنها لم تنتبه أدنى انتباه للنغمات الحادة الصادرة عن صافرة معدنية، تكرر إصدارها بالقرب منها، ولا تنتبه أيضًا أدنى انتباه لأعمق النغمات وأعلاها الصادرة عن مزمار الباسون. ولا تأبه للصرخات إذا روعي عدم اصطدام النفس بها. وعندما توضع هذه الديدان فوق طاولة قريبة من أصابع بيانو تُعزف بأعلى صوت ممكن، فإنها تظل هادئة تمامًا.

كان فرنك هو الذي يعزف الباسون وتعزف إيما البيانو. أما برنارد الصغير فكان حسب أحد المصادر الموثوق بها يتولى النفخ في الصافرة. كان إجراء الأبحاث على الديدان، بأسلوب داروين، نشاطًا تقوم به الأسرة كلها. أثبت داروين بمساعدتهم أن ديدان الأرض ليست موسيقية.

صدر كتاب «تكون عفن النبات» في أكتوبر من عام ١٨٨١، ولدهشة داروين وجون موراي نفدت الطبعتان الأوليان. طبع موراي ثلاث طبعات أخرى قبل نهاية العام، وكان يطبع ألف نسخة في كل مرة. من الواضح أن القراء كانوا مستعدين لتلقي كتاب كهذا بلغة واضحة سهلة من السيد داروين المهيب. لعب إيجاز الكتاب دورًا آخر في تزكية قراءته. بيع الكتاب وكأن أسلوبًا في البحث العلمي — البسيط والفعال في الوقت ذاته، الذي يجمع على نحو استثنائي بين الملاحظة الحادة الصبورة والوسائل التجريبية البسيطة للغاية — في طريقه إلى الانتهاء. والحقيقة أنه كان في سبيله للانتهاء بالفعل.

٤٤

توفي داروين عصر التاسع عشر من أبريل من عام ١٨٨٢، من هبوط ضموري في القلب، في الثالثة والسبعين من عمره. كان بجوار فراشه كل من إيما وفرانك وهنرييتا وبيسي. أما برنارد، وهو في غرفة الحضانة، فكان يعرف فقط أن «بابا» مريض على نحو ما. لم تكن النهاية هادئة؛ عانى داروين الألم والغثيان والتقلصات التي جعلته يتقيأ دمًا. صارت لحيته البيضاء ملطخة ولزجة بفعل الدماء. كان داروين يلتقط أنفاسه بضعف فيما بين النوبات. وقال في إحدى اللحظات: «لا أخاف الموت بأي حال.» قالها وهو يعرف أن الناس سوف يتساءلون. وفي لحظة أخرى، همس لإيما: «يا حبي، يا حبي الغالي.» ثم غمغم بعدها بساعات عديدة: «لو استطعت أن أموت وحسب …» وكرر العبارة وكأنها التماس؛ محاولة للتحرر. أخذ يغفو ويفيق، أعطوه ملء ملاعق قليلة من الويسكي، شعر بالدوار، وفقد الوعي مرة أخرى. ثم رحل، رحل بأكثر من معنى واحد. غادر داون في عربة موتى تجرها الخيل، متجهًا إلى لندن.

هبَّ العالم مطالبًا بجسده من أجل التاريخ والأجيال القادمة ومجد الثقافة البريطانية، إلى آخره، وذلك بواسطة توافق في الآراء تم تجميعه في عجل بين المسئولين الحكوميين وأصدقائه العلماء. بموجب هذا التوافق تقرر دفن تشارلز داروين في كنيسة وستمنستر، مثل ليل ونيوتن وتشوسر، وليس كما كان يفضل على الأرجح في فناء كنيسة القرية بين إرازموس وتشارلز الصغير وماري إليانور وديدان كِنت الطيبة. لو كان هناك جنازة واحدة يود داروين أن يتغيب عنها بنفسه إذا أعطى الفرصة، فستكون جنازته الخاصة. كان هناك جلبة أكثر مما ينبغي. وهذا أمر سيئ للمعدة. تغيبت الملكة فيكتوريا نفسها عنها، وكذلك جلادستون رئيس الوزراء، لكن بارسلو كان موجودًا هناك. وقد حمل نعشه، مع آخرين، كل من هوكر وهكسلي ووالاس.

لكن قبل أن يحدث هذا كله كان داروين قد أنهى جزءًا صغيرًا آخر من البحث. كانت الديدان هي كتابه النهائي، لكنها ليست آخر ما نُشر له. ففي الأسابيع السابقة على موته كان قد عاد لأحد اهتماماته الأخرى القديمة: وسائل الانتثار، التي تستعمر بواسطتها أنواع الحيوان والنبات أماكن جديدة.

أولى المقدمات المنطقية للجغرافيا البيولوجية الحديثة، التي لها دور حاسم في نظرية داروين التطورية، هي أن أنماط توزيع الأنواع تعكس التناثر الطبيعي من نقاط ذات أصل تطوري، وليست تخصيصات جغرافية عشوائية وزعتها يد الرب. كان داروين قد أجرى أبحاثًا على وسائل التناثر هذه في خمسينيات القرن التاسع عشر، من خلال التجارب التي شملت الغمر في ماء مالح وأشكال أخرى من أشكال محاكاة العوامل البيئية الفعالة. نقل داروين نبات الهليون عبر بحار صغيرة، ودفع البذور داخل بطن السمك الميت، وغذى طيور البجع بالسمك، ثم جمع براز البجع واستخلص البذور ليرى إن كانت قد احتفظت بقدرتها على الإنبات. دلّى داروين أقدام البط في حوض مائي مليء بقواقع الماء العذب، مغريًا المغامرين منها بأن تلتصق بأقدام البط. والآن وجد ما يفتنه في مجموعة بيانات أخرى لم تؤخذ هذه المرة من التجربة، بل من الملاحظة العارضة. ففي مكان ما قرب نورثهامبتون وجد في أحد الجداول أو البرك بطلينوس ماء عذب صغيرًا ثبّت نفسه بإحكام فوق ساق خنفساء مائية.

كانت خنفساء واحدة تجر حيوانًا رخويًّا منمنمًا. بعيدًا عن سياقه العلمي — مسائل التناثر والجغرافيا البيولوجية والتطور في مقابل الخلق الخاص — يبدو الأمر بلا أهمية مطلقًا. بل ربما يبدو بلا أهمية «داخل» سياقه. لكنه لم يبدُ كذلك لداروين. وصف داروين الصلة بين الخنفساء والبطلينوس في خطاب قصير ظهر بمجلة «نيتشر» في عدد ٦ أبريل لعام ١٨٨٢. كان العنوان هو «عن تناثر حيوانات الماء العذب ذات المصراعين»، وكان هذا آخر بحث نشر له. النقطة الأساسية للبحث بسيطة، لكنها جوهرية. فها هو الدليل على الطريقة التي يمكن بها لبطلينوس خصب أن ينتقل بالهواء (حيث إن الخنافس المائية تطير مثلما تسبح) من بركة لأخرى لينشئ عشيرة في المكان الجديد. التناثر، الجغرافيا البيولوجية. الاستعمار، ثم طور جديد من التطور.

حصل داروين على بياناته الأولية عن طريق البريد، كما كان يحصل على الكثير منها دومًا. كتب شاب اسمه دبليو دي كريك خطابًا من نورثهامبتون لافتًا انتباه داروين إلى اكتشافه الصغير للخنفساء مغمدة الجناح. كان السيد كريك صاحب مصنع صغير للأحذية وله ولع بالطبيعة (وسيأتي له حفيد اسمه فرانسيس كريك، لعب دورًا مهمًّا في تاريخ البيولوجيا كشريك في اكتشاف بنية اﻟ «دي إن إيه»). كان اسم الخنفساء دايتيسكوس مارجيناليس، وهي خنفساء غاطسة كبيرة مفترسة. أي نوع من البطلينوس؟ لا يعرف دبليو دي كريك ذلك. عندما كتب إليه داروين طارحًا المزيد من الأسئلة، تفضل السيد كريك بإرسال الخنفساء نفسها هي والبطلينوس بالبريد. لكن الكائنين لم يعودا متصلين. فقد سبب خروجهما من الماء ضغطًا شديدًا على كل منهما، وانفصل البطلينوس (أو «الصدفة» كما سماها داروين وكريك) وأغلق نفسه بإحكام.

«لقد وضعت الصدفة في ماء عذب لأرى إن كان الصمام سينفتح.» هذا ما أخبر به داروين كريك. كان يريد أن يعرف ما إذا كان البطلينوس لا يزال حيًّا مثل بذور الهليون المالحة.

كانت هناك قضايا علمية موضع نقاش، كما كانت هناك قضايا حياتية، وآداب سلوكية، وأمور تتعلق بالرحمة. قال داروين لكريك: «كانت الخنفساء التعسة لا تزال تحيا بضعف، لذا وضعتها في زجاجة مع أوراق نبات الغار المفرية كي تموت ميتة سهلة سريعة.» كان أي متخصص في التاريخ الطبيعي في زمن داروين يعرف أن أوراق الغار عندما تُفرى تطلق حامض البروسيك الذي يحوي سيانيد الهيدروجين. لم يُرِد داروين أن تعاني خنفساؤه الأخيرة. كان رجلًا نبيلًا يعي تمامًا أنه سبَّب ما يكفي من المتاعب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١