وردة اليازجي

أيتها السيدات والأوانس!

أكادُ أشعر بأني معبِّرة عن رأي كلٍّ منكنَّ بتحبيذ هذه الاجتماعات النسوية والتنويه بالفائدة منها والنتيجة؛ لأنَّ المرء كثيرًا ما يتجرَّدُ من شخصيته الصميمة أمام من يختلف عنه بطبيعته وأحوالهِ، وذلك ليهتمَّ بأمور غريبة عنه وقد لا تروقهُ دائمًا.

وفي هذا التجرُّد من الشخصية لاستيعاب ما هو غريب عنَّا غيرية ممدوحة توسِّعُ النفس وتهيِّئها للإلمام بجزءٍ أكبر من الحياة. ولكنَّ من طبيعة الإنسان — فردًا كان، أم مجموعًا، أم جنسًا — أن يرجع إلى نفسه حينًا بعد حين. فيتعهَّدها بالسكوت والتأمُّل، أو يتحدَّث عنها بأسلوب من الأساليب، أو هو يصغي إلى المتحدِّثين عن نفوسهم أو عن نفوس الآخرين بما في وجدانه من الخوالج الواضحة أو المبهمة.

ولمَّا كنا في مثل هذا الاجتماع عاكفات على شئوننا النسوية دون رقيب أو محاسب، تيسَّر لنفوسنا أن تصفو من الشوائب، فتستسلم لما يجوز أن نسميه «مغناطيس الخير».

وما هو إلَّا ذلك الفيض الذي يغمر كلَّ جمهورٍ التأمَ لغرضٍ نبيل. فيدفق في كلِّ قلب وينعش منه القوى، ويحمله على تقدير ممكناتهِ وتقدير الحياة. فيعود القلب جذلًا كأنهُ وجد نفسه فهزَّته عواملُ العطفِ والصلاح والنشاط وحبِّ السعي لغاية نافعة.

وإني لشاكرة لهذه الجمعية الكريمة دعوتها. ولكنتُ أشكرها الشكر ذاته لو هي دعتني أصغي إلى إحداكنَّ بدلًا من التحدُّث إليكنَّ. فإن كل امرأة مخلصة يسمعُ الشرقُ صوتها في هذه الأيام إنما تترجم عن بعض ما يخامر جميع الشرقيات. ويزيد في سروري أن يضمَّ هذا الاجتماع طائفتين من الطوائف التي تعلِّق عليها البلاد أعزَّ آمالها؛ أعني طائفة المعلمات وطائفة المتعلِّمات.

تساءل يومًا لورد بايرن الذي احتُفل أخيرًا بيوبيله المئوي: «ما هو الشعر؟» ثم أجاب: «هو الشعور بعالمٍ مضى وعالمٍ مقبل.»

وهذه الكلمة من خير ما يُعرَّف بهِ طور التربية والتعليم. أي إن المنحنى على النفوس الفتية يعالج إنماءَها وصقلها لا بدَّ له أن يسبر غور الماضي ليكون على بصيرة مما يمكنه أن يعدَّ للمستقبل من الشخصيات الصالحة.

هي هذه الفكرة — وقد علمتُ أن هذا الاجتماع سيضم الناظرات والمعلمات والطالبات من مدارس الحكومة — التي ساقتني إلى الكلام عن وردة اليازجي، وهي من أشهر النساء اللائي عرفهنَّ تاريخ الآداب العربية ومن أذكاهنَّ وأفضلهنَّ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠