الفصل الثاني

ديوان حديقة الورد

يقول السيد جورج باز، نسيب الشاعرة، مناصر المرأة في سوريا، ومن أخلص مناصريها في العالم: إن «حديقة الورد» هو الديوان الوحيد الذي طُبع ثلاث مرَّات لشاعر معاصر.

وعلى كلٍّ فهو الأثر الوحيد الباقي من آداب وردة اليازجي، ولا شك أنها اقتبست اسمه من اسمها. كما يلوح أن اسم الورد المتواتر في كتابات الشعراء كان يذكُره بلذةٍ أدباءُ عائلتها، ولو أنهم عُنوا بهِ رمزًا غريبًا، كأنه صار يخصُّهم أكثر من غيرهم لاتصال شاعرتهم بهِ. ففي ديوان أخيها خليل المدعو «نسمات الأوراق» أبيات شجية عن الورد. هذا مثال منها:

ألا روِّحوا روحي برائحة الوردِ
فقد جاءنا فصل الربيع من البُعدِ
ألا متِّعوني مرَّةً من شميمهِ
فيذهب عني بعض ما بي من الوجدِ

•••

ولله ورد ليس يبرحُ ناضرًا
فلم يكُ مختصًّا بشهر له فردِ١
أتوق إليه مثلما اشتاق آيلٌ
إلى ما بهِ يروي ظماه من الوردِ
وأهفو لأنفاس النسيم إذا أتى
لنا من لدنه حاملًا أرج الندِّ

كذلك نتخيل أن ابن شقيقتها الشيخ نجيب الحداد متشبع من ذكرها عندما يترنم بذكر الورد في ديوان «تذكار الصبا» حيث يقول فيما يقول:

لشخصك من زهر الرُّبى لقبُ الورد
وهيهات ما للورد حسنك في الودِّ
تفوقينه ريحًا ولونًا ومنظرًا
وبقيًا على طول المودَّة والعهدِ
فللورد شهرٌ واحدٌ ثم ينقضي
ووردك باقٍ لا يزول عن الخدِّ

•••

فسبحان من أنشاك شخصًا وقد حوى
رياض جنان الخلد باسمٍ من الوردِ

وقال شقيقها الشيخ إبراهيم في تقريظ ديوانها:

هذي حديقة ورد عزَّ جانبها
وحبذا روض وردٍ يُفرج الكُربَا
من طافها يرَ فيها الدرَّ منتظمًا
والطيب منتشرًا، والسكر مختلبا
كالورد نضَّده في روضهِ سحرًا
درُّ الندى، أو كراحٍ كللت حببا
أو بحر خمرٍ بماء الورد ممتزج
والجوهر الفرد فيهِ يملأُ العُببا

وهذه كما يظهر أبيات تقريظ للإرضاء لا للتعبير عن رأي في المجموعة.

ولقد دُعيت الوردةُ ملكةَ الزهور منذ أقدم العصور، وتغنَّى بمدحها شعراءُ جميع الأمم؛ فزعم الإغريق في أساطيرهم أنها نشأت من قطرة من دم أدونيس حبيب الزهرة. أو من قطرة كوثر تناثرت من يد الآلهة يوم ولادة هذه الزهرة، ربَّة الجمال. وحسبها آخرون منوَّرة من ابتسامة إله الحب، أو متساقطة من رأس إلهة الفجر عند تسريح شعرها في الضحى.

ومهما كثرت الرموز فالوردة ما زالت كما كانت دوامًا زهرة الأحزان كما هي زهرة الأفراح. ترمز إلى الشباب والجمال والحبِّ، كما تُستعمل في الزينة والأرواح العطرية والأدواء الطبية. وتتناسق منها الأكاليل؛ أكاليل الوداع، على قبور الأحباب ونعوش الراحلين، كما نراها جميعةً ومُفرَّقة في حفلات الأُنس واللهو والطرب.

وذلك شأنها عند وردة اليازجي.

ففي حديقتها ورود باهتة في اللطف والمجاملة، وأخرى حمراء قانية في المودَّة والشوق، والقسم الطامي هو ورود قاتمة؛ ورود الفراق والحداد، ورود الرثاء والنحيب المبللة بدموع العين، المضمخة بزفرات القلوب.

١  أي إنه يُزهر في كل شهر، ولا يقتصر على «مايو» الذي يدعوه الإفرنج «شهر الورد».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠