الفصل الثالث

شعرها

(أ) ورود المجاملة الصافية

كل ما نظمته ينقسم إلى قسمين: المدح والرثاء.

ففي باب المدح يدخل شعر التقريظ والترحيب والتراسل مع أدباء العصر وأديباتهِ. فهي تستهلُّ حديقتها بأبيات ردَّت بها على الشاعرة وردة ابنة نقولا الترك الشاعر. والشطر الأول من المطلع سار في الآداب السورية مسير الأمثال وصار نعتًا للسيدة وردة. وهو:

يا وردة الترك، إني وردة العربِ
فبيننا قد وجدنا أقرب النسبِ
أعطاكِ والدكِ الفنَّ الذي اشتهرت
ألطافه بين أهل العلم والأدبِ

وقالت تجيب شاعرة أخرى، وردة كبَّا (ويظهر أن الشعر في ذلك العصر كان محظوظًا «بالوردات»):

أزهار ورد قطفناها بأبصارِ
ونشر ورد شممناه بأفكارِ
ووردةٌ أثمرت في القلب إذ غُرست
ولم أرَ وردةً تأتي بأثمارِ
لقد سمت في الورى قدرًا، فلا عجب
فالوردُ بين الورى سلطان أزهارِ

ولئلَّا تؤاخذ بامتداح نفسها عن طريق غيرها فقد استدركت في الختام بقولها:

بيني وبينك في أسمائنا نسبٌ
لكنما بيننا فرق بأقدارِ
والورد من بعضهِ النسرين يشبههُ
في العين، لكنه من طيبهِ عارِ

هذا أسلوب من التواضع في الشعر العربي، ونجده كما نجد معاني المدح ذاتها مكرَّرة تقريبًا في كلِّ قصيدةٍ وجهتها إلى مراسليها ومراسلي والدها من مصريين وعراقيين وسوريين. فقد ردَّت على عالِمٍ من أصدقاء والدها بقولها:

سلامٌ فاح كالورد النصيبي
يُساقُ لذلك الربع الخصيبِ
إلى من في الكمال له صفات
كمسكٍ فاح منه كلُّ طيبِ
قصائده كضوءِ الشمس تجري
ولكن لا تصادف من غروبِ

وتهدي إلى أمين بك سيد أحمد في الإسكندرية نسخة من ديوانها فتقول:

هذي حديقة ورد قد بعثتُ بها
إلى حديقة فضلٍ في الورى عظُما
سيَّرتها نحو غيثٍ طاب موردهُ
مشفوعةً بثناءٍ أشبه النسما
يشدو بها كلُّ بيتٍ في مناقبهِ
حلا بوصفك نظم الشعر فابتمسا

وجوابًا على رسالة أخرى من أديب مصري:

أهلًا بخودٍ إلينا أقبلت سحرًا
تزهو كبدر الدجى تحت الظلام سرى
أرى عليها لآلي النظم زاهرةً
من بحر علم يروق السمعَ والبصرا
جاءت من البحر فوق البحر زائرةً
فليس نعجب أن أهدت لنا دُررا

وقالت مرحِّبة بالأميرة تاج الشهابية وقد جاءت «رأس بيروت»:

ما لي أرى من بيروت مبتسمًا
والزهر ينبتُ فوق الروض أفواجا
وقلت ماذا اقتضى هذا السرور لها
قالوا رأت في أعالي رأسها تاجا

ورحلت تلك السيدة إلى مكان يقال له «الوادي»، فقالت الشاعرة:

تحيةً من مشوقٍ زائدِ الغُللِ
تُهدَى إلى تاج مجدٍ من ذوي الدولِ
لطيفة الذات يهديها النسيم إلى
وادٍ له الشوق في الأحشاء كالجبلِ
إلى التي صار قلبي اليوم مسكنها
كأنها الشمس حلَّت منزل الحملِ

وأصْغِينَ جيدًا إلى هذا البيت:

يا من بها زهت الأيام قائلة
لا تحسبوا أنَّ كلَّ الفضل للرجلِ

وحيت البرنسِسْ نازلي المصرية يوم زارت لبنان كما حيت الأميرة نايلة شقيقة السلطان عبد الحميد، ومما قالته في الترحيب بها:

يا ثغر بيروت البهيج، تبسَّمِ
وبحمد خالقك الكريم ترنَّمِ
اليوم زارتك المليكة فاكتست
شرفًا ربوعك بالطراز المعلمِ
هي غصن دوحة آلِ عثمان الأُلَى
شادوا فخارًا ليس بالمتهدِّمِ
قومٌ لهم شرف الخلافة والعُلا
بين الملوك من الزمان الأقدمِ

ومنها هذا البيت الذي أودُّ أن أوجِّهَه إلى كل فاضلةٍ من أخواتنا المحجوبات:

خودٌ بدت تحت اللثام، ومجدها
قد لاح بين الناس غير ملثَّم

وجوابًا لعيسى أفندي إسكندر المعلوف المؤرِّخ والعضو في المجمع العلمي بدمشق:

أهلًا بأكرم غادةٍ
أهدى بها المولى الخطيرْ

•••

باتت تطارحني حد
يثًا رقَّ كالماءِ النميرْ
عذبٌ يروق زلالهُ
وردًا، ويُشرب بالضميرْ
من كل قافية بدتْ
كالزهر في الروض المطيرْ
ولطيف معنًى كالنسيم
جرى بأنفاس العبيرْ
خلعت عليَّ من الثَّنا
ثوبًا بمرسلها جديرْ

وقالت مقرِّظة تاريخ الصحافة العربية للفيكونت فيليب طرازي، وقال لي حضرته: إن هذه الأبيات آخر ما نظمتْ:

يا ذا الهمام الذي أحيت عنايتهُ
تاريخ كتَّابنا من سالف الزمنِ
خلَّدت ذكر الصحافيين فيهِ كما
أوليتهم منَّةً من أعظم المننِ
فلتروِ فضلك منهم ألسنٌ بقيتْ
وليشكرنَّك عظْم في التراب فنِي

وقالت حينما انتُخب دولتلو سليمان أفندي البستاني مبعوثًا عن بيروت:

أخلِق ببيروت دار العلم من قدمٍ
أن تصطفيك على الأيام معوانا
فاللهُ لما ارتأى إعلان حكمتهِ
ما اختار من شعبهِ إلَّا سليمانا

ومن أهمِّ هذه المجاملات ما راسلت بهِ الشاعرة المصرية عائشة عصمت تيمور، التي أثنت عليها في مقدمة ديوانها «حلية الطراز» ثم أهدت إليها نسخة منهُ. فعقب ذلك مساجلة لطيفة في الشعر والنثر؛ حيث تبارت كل من الشاعرتين في مدح صاحبتها وتنضيد القول. وقد أثبتت هذه المراسلة زينب فواز في «الدر المنثور». أما في «حديقة الورد» فلا نجد إلا قصائد اليازجية إلى التيمورية. ومنها شكر على الهدية:

قد أعاد الزمان عائشة ﻓﻴ
ﻬﺎ فعاشت آثار علم قديمِ
هام قلبي على السماع وأمسى
ذكرها لذَّتي وفيهِ نعيمي

وردًّا على رسالة:

يا نسمةً من أرض وادي النيل
وردَتْ فأطفتْ بالسلام غليلي
نفحتْ بلبنان ففاح أريجُها
سحرًا بأشهَى من نسيم أصيلِ

•••

عزَّ اللقاءُ على المشوق وللمُنى
عندي حديثٌ ليس بالمملولِ
وعلامَ لا أهوى عُلاكِ وما الذي
بهواي فيك تُرى يقول عذولي؟
أنت الفريدة في النساءِ، فكيف لا
أهوى حبيبًا بات دون مثيلِ؟
علَّمتني قول النسيب، وهجت بي
ما هاج حبُّ بثينة بجميلِ
شوقي لمجلسك الكريم، وإنهُ
شوق الطروب إلى كئوس شَمولِ

ثم تشكر على ما في الرسالة من ثناءٍ شعريٍّ:

ولقد أفضْتِ عليَّ منه لآلئًا
حسدت بها جيدي كرائمُ جيلي
من كل قافية كأبكار الدُّمى
ترنو إليَّ بناظرٍ مكحولِ
وافتْ تُحيِّيني فأحيت مهجةً
طابت بلثم المرشف المعسولِ
بذلتْ ليَ الودَّ الذي استمنحتهُ
فهتفتُ يا بشرى بأكرم سولِ!

وفي قصيدة أخرى على كتاب «نتائج الأحوال»:

فتاةٌ زيَّنتْ جيد المعالي
بدرٍّ من حُلى الآداب رطبِ
أهيم لها على بُعدٍ، وماذا
على الأقدار لو سمحت بقربِ
على مصر السلام وساكنيها
وما في مصر من ماءٍ وتُربِ
على ربعٍ بهِ قلبي مقيمٌ
ومَن لي أن أقيم مكان قلبي

•••

رأيت نتائج الأحوال فيه
ممثَّلةً تلوح بغير نقبِ
لتيموريَّةِ العصر المُحلَّى
بما نسجت يداها كلُّ حقبِ
أدبية معشر شرُفت أصولًا
وسادت بين أقلام وكتبِ

ولا ندري ما إذا اجتمعت الشاعرتان بعد هذه المراسلة يوم جاءت وردة اليازجي مصر سنة ١٨٩٩م قبل وفاة عائشة تيمور بثلاثة أعوام. ففي أبيات الحنين إلى مصر لهجة صادقة، رغم أن موضوع الأبيات من الموضوعات التي تتطلب المجاملة لا سيما في ذلك العصر؛ حيث لم يكن الصدق غرض الشاعر، وكان يندر من الكتَّاب الذي يُعنى بأمانة التفكير والتعبير.

أقول: «في ذلك العصر»؛ مع تمام العلم بأن أكثر ما يتهاداه الأدباء والشعراء في أيامنا من هذا النوع وإن صار بعضهم أحرص على كرامة آرائهم وإحساساتهم.

(ب) ورود المودة والشوق

قالت اليازجية للتيمورية:

علمتني قول النسيب، وهجت بي
ما هاج حبُّ بثينةٍ بجميلِ

إلا أني أشك في أن التيمورية وحدها هاجت عند «وردة العرب» ما هاج حبُّ بثينة بجميلِ. وأرجح أنها ككلِّ قلبٍ حسَّاس تعلمت ذلك القول في احتياجها إليه، لأن الحبَّ لغة طبيعية لا بدَّ أن تستوفي حقَّها من الوجود بصورةٍ من الصور. وقد كتبت في المودَّة والشوق أبياتًا قلائل إلَّا أنها تستمد من عاطفة تملأُ القلب رغم التقيُّد في التعبير عنها بالمعاني والاستعارات المألوفة. ففي معارضتها لقصيدة ابن زُريق البغدادي حيث تجد ما لا مندوحة عنه من جريان «الأدمع كغوادي السحب» و«ذوب الأضلع من الأشواق»، إذا بنا نعثر على هذا البيت البسيط الصادق حيث نعلم أن القلب المحبَّ:

ما زال يصبو إلى ربعٍ أقام بهِ
قلبٌ له ساقه شوقٌ يشيِّعهُ

ليس هذا البيت من أجمل أبيات وردة اليازجي، ولكنه من أصدقها. وهي وإن أخطرتنا في العنوان أن الأبيات قيلت في «صديقة» فنحن ندرك أن منها ما هو موجَّه إلى «صديق». وإنما أخفيت وراء برقع التأنيث في العنوان مجاراةً لحُكم المجتمع الذي كان يقضي على المرأة بكتمان عواطفها، حتى في الشعر. أيمكن أن يكون هذا الخطاب «لصديقة»:

رحل الحبيب، وحُسن صبري قد رحلْ
فمتى يعودُ إلى منازلِه الأُوَلْ
وتضيء أرضٌ أظلمت من بعدهِ
وتقرُّ عيني باللقا قبل الأجلْ

•••

يا غائبًا والقلب سار بأثرهِ
شوقي مقيمٌ في فؤادي كالجبلْ
إن كنت غبت عن العيون مهاجرًا
فجميل شخصك في فؤادي لم يزلْ

أما كيفية سير القلب في إثر «الغائب» وإقامة الشوق في ذلك القلب باسم «الفؤاد» «كالجبل»؛ أي كيف يذهب القلب ويبقى في آنٍ واحدٍ وفي بيتٍ واحدٍ، فمن الأمور التي لا يعرِفُ أسرارَها إلا الشعراءُ والعاشقون.

وفي رسالة فراق أخرى:

مني السلام على ديار أحبتي
كالمسك تحمله الصبا إذ هبَّتِ
قسمًا بذاك الرَّبع، قبلي ما صبا
إلَّا لربعٍ في رباه جنتي
يا حبذا تلك الديار وإن تكن
ذابت عليها بالصبابة مُهجتي!

ومثلها:

مني السلام على الذي هجر الحِمَى
… … … …

•••

الشوق زاد من البعاد تحسُّرًا
والنوم صار على العيون محرَّما
والصبر عِيلَ لهجرهِ ولبعدهِ
والبدر غاب وقُطرنا قد أظلما
يا راحلًا أضحى فؤادي عندهُ
وبقيت من وجدي أراعي الأنجما

•••

فمتى أفوز من الحبيب بنظرةٍ
وتقرُّ عيني بعد ما قطرت دما
طال البعاد على الكئيب المرتجي
أن يجعل الله اللقاء مقدَّما

وأخرى:

جزْ يا نسيم على وادي النقا سحَرا
وسل عن الصحب هل تلقى لهم خبرا
وحيِّهم عن محبٍّ لا يزال على
عهد المودَّة، طال البعد أم قصُرا

•••

يا جيرة الحيِّ، هل عَودٌ نؤملهُ
ويا ليالي الهنا، هل ترجعين، تُرى؟
أحبابنا، ما أمرَّ العيش بعدكمُ
وهل يطيب لقلب بات منفطرا؟

وإليكنَّ نشيد الابتهاج بالعودة بعد البعاد:

زار الحبيب فزار أجفاني الكرى
ودنا سرورٌ كان عن قلبي سرى

•••

أهلًا بمن أخذ القلوب وديعةً
وأعادها معه تخوض الأبحرا
إني ظننت لقاه وهمًا كاذبًا
إذ كان في عيني يظلُّ مصوَّرا

•••

أهديته درَّ الكلام منظَّما
يبدو لدى دُرر الدموع منشَّرا
لا ردَّ أيام السُّرى بعد اللقا
من ردَّ أيام اللقا بعد السُّرى

وجميع هذه المعاني على سذاجتها هي أول ما يخطر للمحبِّ شاعرًا كان أم فيلسوفًا أم فلاحًا أمِّيًّا يعمل في الغيطان؛ لأن عاطفة الحبِّ التي تنشر آفاقًا فيحاء لامعة تترقرق فيها عجائب الوجود، تحوِّل في الوقت نفسهِ الحياة إلى أبسطها بتحويلها مجموع الإنسانية وحصرها في شخص واحد، وعاطفة واحدة، وأملٍ واحد.

ولكن مرَّ على «وردة العرب» طور الصِّبا والكهولة، واستقرَّت العواطف بحكم الأيام وبحكم الأحزان. وسكنت الإسكندرية على مقربة من ولدها فإذا بتذكارات الشباب تعاودها منغِّمة في قلبها أنغام الإيقاع والموسيقى الشعرية، فقالت في التذكار والشوق إلى لبنان:

يا رُبى لبنان، حيَّاكِ الحيا
وسقى تربك هتَّان الغمامْ
يا ربوع الأنس، يا دار الصفا،
يا جنان الخلد، يا أهنا مقامْ
حبَّذا لبنان مع غاباتهِ
حبذا تلك الصحاري والأكامْ

•••

وخرير الماء في تلك الرُّبا
كحنينٍ من محبٍّ مستهامْ
حبذا منه ربيع قد حكَى
معرض الأزهار يزهو بابتسامْ

•••

أنت لي يا خير أرضٍ جنَّةٌ
جمعت كل سرور وسلامْ
حبذا أيام أُنسٍ فيك يا
وطني المحبوب زالت كالمنامْ
طالما هيَّج لي تذكارها
شجنًا يُشعلُ في قلبي ضرامْ

(ﺟ) ورود الغَم والحزن

هنا ننتقل إلى الورود القاتمة، ورود الموت والتأبين المنثورة على القبور. قصائد الرثاء هي النصف الأكبر من هذا الديوان. وجرت الشاعرة في هذه القصائد على عادة عصرها في تأبين العظماء والعلماء والأصدقاء، وفي وضع تواريخ للوفيات وللأضرحة. فتبدأ هذه المراثي عادةً بالحِكَم الشائعة في فلسفة الموت والعجز عن مصارعتهِ، وفي أنه لا يرحم أحدًا. كقولها في رثاء مارون النقاش:

الموت للناس كالجزَّار للغنم
فليس يترك من طفلٍ ولا هرمِ

وفي رثاء الأمير أمين رسلان اللبناني:

كأس المنية دائرٌ بين الورى
يسقي الكبير ولا يفوت الأصغرا
ما هذه الدنيا بدار إقامة
إلا كطيف الحلم في سِنة الكَرَى
كلٌّ إلى هذا الطريق مسافرٌ
لا بد منه مقدَّمًا ومؤخرًا
الموت لا يُبقي صحيحًا سالمًا
إلَّا أتاه بعلةٍ فتكسرا
هذا أمير المجد بات موسَّدًا
بضريحهِ المبرور محلول العُرَى
هذا هو السيف الصقيل أصابه
سيف من القدر الذي قد قدَّرا

•••

يا من تيتَّمت البلاد لفقدهِ
وتوشحت ثوب البلاد الأغبرا
كانت بإمداد الأمين أمينةً
والدهر لم يمدد إليها خنصرا

وفي رثاء السيدة كاتبة بسترس:

داعي المنيَّة في البرية قد دعا
لينبِّه الغرقان في سِنة الكرى
سكر الجميع بحبِّ ذي الدنيا فما
فاق امرؤٌ منهم ولا أحدٌ صحا
في كل يوم قام ميْتٌ منذرٌ
يدعو، وما من سامع ذاك الدُّعا

وهذا البيت الجميل في بساطته ومتانته:

يشقى ويبني المرء طول حياته
والموت يأتي هادمًا ما قد بنَى

والغريب أنها تجد سبيلًا إلى تفسير الموت على ذلك النحو من «الحكمة» عند وفاة طفل لها تقول إنه كان في غاية الذكاء:

زوِّد النفس قبل شدِّ الرحالِ
إنَّ هذي الحياة طيف خيالِ
واصحبنَّ التُّقى أمامك مصبا
حًا لتجلو ظلام تلك الليالي

وبعد عشرة أسطر بهذه اللهجة تخاطب الطفل قائلة:

يا هلالًا قد احتوى نور بدر
كيف لو تمَّ نورُك المتلالِي

وليس هذا الطفل بالعزيز الوحيد الذي خلَّف لها الحسرة، بل تُعَدُّ وردة اليازجي بحقّ شاعرة الرثاءِ والتأبين فهي رَثَتْ إخوتها الستة وأختًا، ورَثت والدها وزوجها وولدين لها وبنتًا. فتقول في رثاءِ أخيها حبيب الذي يظهر أنه كان شاعرًا أيضًا:

يا عين وردة، في الأسحار والأُصُلِ
أبكي لفقد حبيبٍ عنك مرتحل
ويا فؤادي تفتَّت بعد مصرعه
فإن سيف المنايا سابق العَذَلِ
ويا سلوُّ ابتعد عن مهجتي أبدًا
ويا دموع انزلي كالعارض الهطلِ
ويا حمائم نوحي واندبيه معي
وغرِّدي بالأسى والحسن، لا الجذلِ

•••

يا فارس اليوم أبشر قد أتاك على
قرب حبيب، فلا تشكو من المللِ
بدرانِ أظلمت الآفاق بعدهما
في مقلتيَّ، وضاقت بالأسى سُبلي

أما فارس الذي تذكره فهو أخٌ لها توفي قبل حبيب.

وفي رثاء أخيها نصَّار وقد توفي بمدينة زحلة:

يا ويح قلبي كم سهمٍ أصيب بهِ
فلم يزل بدماه الجفن يختضبُ
مصائبٌ لستُ أدري من تكاثرها
فيه على أيِّها أبكي وأنتحبُ
يا أرض زحلة، لي في حبها شغف
إذ في حماها شقيق الروح محتجبُ
أرضٌ لروحي في أكنافها سكن
لذاك قلبي له في حبها أربُ

•••

يا قلب صبرًا على ما قد أُصبت بهِ
ولا ترُعْك البلايا وهي تعتقبُ
قد عوَّدتك الليالي الحزنَ من صِغر
حتى غدوت إلى الأحزان تنتسبُ

وهذا المعنى الأخير كررته في مرثاة أختها راحيل:

قد اعتاد قلبي الحزن من صغر سِنِّهِ
فلم يدرِ ما طعم المسرَّة في العمرِ
فيا ليت كُلِّي ألسنٌ تنظم الرِّثا
لتعربَ عن أحزان قلب بلا صبرِ
أرى الموت أحلى من حياةٍ حزينةٍ
تمرُّ لياليها أمرَّ من الصبرِ
لئن جفَّ دمع العين مني هنيهةً
ففي القلب دمعٌ سائلٌ أبدًا يجري

•••

فيا أغصن البانِ اندُبنَّ معي على
غُصين تلقَّته يد البين بالكسرِ!
ويا زهرٌ فلتذبل، ويا زُهر فاغربي
على مَن كروض الزهر كانت وكالزهرِ

وفي رثاء والدها:

تكاثرت الأحزان في كبدي الحرَّى
وزادت دموع البين في عيني الشَّكرى
وجارت على ضعفي الليالي وأوقدتْ
بطيِّ فؤادي من نوائبها جمرا

•••

فقدت أبي ما لي وللعيش بعده
فموتي من عيشي غدَا به أحرى
حياة الحزين القلب موتٌ، وموتهُ
حياةٌ يلاقي عندها الراحة الكُبرى

•••

أيا عَلَم الشرق المبجَّل، والذي
أقرَّت له بالفضل كلُّ الورى طُرَّا

•••

ويا من بمسراه تيتَّمت العُلى
كما يتَّم التأليفَ والنظمَ والنثرا
لقد ملتَ يا ركن العلوم فأوشكت
لفرط الأسى أوراقه تُذهب الحِبرا
وقد غصت من خمر المنون بسكرة
فها أنا لم أبرح بخمر الأسى سَكْرَى

وفي رثاء أخيها خليل الشاعر:

ألا أيها القلب الحزين، إلى متى
تقاسي خطوب الدهر منقضَّةً تترَى
تراكمت الأرزاءُ من كل جانبٍ
عليك، فلا يومٌ يمرُّ بلا ذكرى
فهلَّا براك الله من جنب صخرةٍ
تمرُّ عليك الحادثاتُ فلا تفرَى

•••

سلام على وجه الخليل، ونارهُ
بطيِّ الحشا قد أفنت القلب والصدرا
على وجههِ الضاحِي الوسيم الذي لهُ
بقلبي رسمٌ لا يفارقه العُمرا

وهكذا نراها تهتدي شيئًا فشيئًا إلى التعبير البليغ المجرَّد من التعمُّل؛ لأن الشعور بالحزن لا يترك مجالًا للتطويل، فتقول في رثاء زوجها:

كُلما كاد يُضمد الجرح ترميني
بجرحٍ مفتت الأكبادِ
نكبة عند نكبة عند أخرى
كاتصال الأسباب بالأوتادِ
وأبى الدهر أن يمنَّ بنظم
غير نظم الرثاءِ والتعدادِ
سلبتني المنون إنسان عيني
ورفيقي وعُمدتي وعمادي
يا أليفي في شدتي ورخائي
ونصيري في النائبات الشدادِ
كيف غادرتَني بقلبٍ جريحٍ
يتلظَّى في مثل جمر القتادِ؟
كيف أغمضت طرفك اليوم عني
وغدا القلب منك مثل الجمادِ؟

كلُّ هذا كلامٌ صادق مملوء بالعبرات؛ عبرات مَن رثت كثيرًا من رجالها، وما زال القدر العنيف يرغمها على رثاء البقية الباقية. على أن أجمل مراثيها وأمتنها نظمًا وأشبعها عاطفة — ولو أن المعاني منها غير جديدة لنا — قيلت في ولدها أمين شمعون، وفي أخيها الشيخ إبراهيم.

تتجرَّد في مرثاة ولدها أمين شمعون من الخواطر التي ليست هي حزنها مباشرة. فلا تأمُّل هناك، ولا فلسفة، ولا دروس في حكمة الموت. بل تساؤل كيف تحتمل الحياة وقلبها مع ولدها دفين:

بأيِّ فؤادٍ بعدك أبتغي السلوى
وأنت فؤادي في التراب له مأوى

•••

أرى نار قلبي كلَّ يوم وليلةٍ
تزيد لهيبًا كلما زدتُ في الشكوى
لفقد أميني بل حبيبي ومهجتي
وريحان روحي مَن غدوتُ بهِ نشوى

ويمضي قلب الأمِّ في تصوُّر أوصاف الولد التي تجعله في عينها فريدًا بين الورى:

لقد كان في عينيَّ أبهى من الدُّمَى
وأعذبَ في قلبي من المنِّ والسلوى
أديبٌ جميلُ الخلق والخلق طاهرٌ!
شمائل صافٍ قلبه طيِّب النجوى
كصدر القنا، كالنصل، كالغصن في النقا
كزهر الرُّبا، كالبدر، كالرشأ الأحوى
أحِنُّ لمرأى تُربهِ كل ساعةٍ
وأهفو لمثواه وما تحته يُحوَى
أيا قبره هذا العزيز، فلا تدع
هوام البِلَى تهوي عليهِ كما تهوى
وحافظْ على تلك العظام فإنها
لكنزٌ ثمينٌ ليت قلبي لها مثْوى

•••

ويا فلذة القلب الجريح الذي مضى
به خاطف الأقدار يستعجل الخطْوَ
برغم فؤادي أن أخطَّ لك الرِّثا
وأندب ذاك الوجه والمبسم الحلوَ
يفتِّتُ قلبي كلُّ شطر أخطُّهُ
فإن يمحُه دمعي السخين فلا غرْوَ

أيتها السيدات والأوانس!

أراكنَّ تبكين، وعزيزٌ عليَّ أن أكون سببًا في حملكنَّ على البكاء؛ لذلك سأقصر عن تلاوة شيء من مرثاتها لأخيها الأخير.

الآنسة ميليا بدر وكيلة مدرسة الأمريكان للبنات تقف وتقول: هو الإلقاء الذي يبكينا. ولكن لا تحذفي من المحاضرة شيئًا!

– رغم البكاء، ورغم هذه المناديل المنشورة في أيدي أخواتنا؟

– نعم رغم البكاء!

أصوات: لا بأس من قليل من الحزن والبكاء.

– حسنٌ يا سيداتي، وقد صدقتنَّ. لا بأس من البكاء على آلام الغير. ولابد في الشعر من الحزن والدموع؛ فقد قال إدجر آلن بو بعد كثيرين غيره: «إن العبقرية الشعرية حزينة في جوهرها، وإن الطبائع التي تدرك ذلك وتحبه تقرب من تلك العبقرية عند التعاطف في الشجو والكآبة.»

قلتُ إذن: إن شقيقها الشيخ إبراهيم كان آخر الباقين من إخوتها، فرثته من قلب متقطع لم يبقَ فيه صبر ومقدرة على الاحتمال، قلب يعرف أنه فقد أخًا تجددت بفقدهِ اللوعةُ على جميع الذين سبقوهُ، ويعرف كذلك أن الذي فقده صاحب شهرة ذائعة فلا تنسَ الأخت في الحزن سبب افتخارها:

لم يبقَ للحزنِ لي صبرٌ ولا جلَدُ
ولا دموعٌ تفي لي حقَّ من فُقدوا
وضاق صدري مما قد تراكم من
حزني ولم يبقَ لي للاحتمال يدُ

•••

فارقتَني يا شقيق الروح مبتعدًا
فما حياتي وأنت عني مبتعدُ؟
يا قائل القول ما زلَّت بهِ كلمٌ
وصاحب الرأي حقًّا ليس يُنتقدُ
تسير في إثرهِ الأفهام قاصدةً
مواقع الحق حيث الصدق والرَّشدُ

•••

فضلٌ سيبقى بقاءَ الدهر متصلًا
عليك لا ينقضي أو ينقضي الأبدُ
أضحى بهِ لا ينال الموت رفعته
حيًّا أكاد أراه حيث أفتقدُ

ثم تنسى هذا إذ تتجسَّم أحزانها في شهيق واحد:

يا صخر، بنتُ الشريد اليوم منتشرٌ
لها عليك قوافٍ في الهوى شُردُ
هيهات ما فقدتْ صخري، ولا نظمتْ
دمعي، ولا وجدت خنساءُ ما أجدُ
بكت وحيدًا، وأبكي ستةً ذهبوا
لكلِّ محمدةٍ بين الورى وُجدوا

تُوفِّيَ الشيخ إبراهيم في مصر، ثم نُقلت رفاته إلى بيروت سنة ١٩١٣م، فرافقتها الشاعرة الحزينة. وهناك على ضريح العائلة تُليت منها أبيات، هذه بعضها:

يا قبر اهنأ بما أوتيتَ من ظفر
فقد حويتَ كرام البدوِ والحضرِ
حويتَ مَن هزَّ ركن العلم مصرعُهم
من بعد ما ألبسوه أفخر الحبَرِ

•••

يا قبر قد عاد إبراهيم، وا أسفي
يضوي إلى أسرة من أتعس الأسرِ

•••

من لي بخطِّ يراعٍ منه مبتكَرٍ
كيما أخط رثاءً فيكَ مبتكر!

وفي حفلةٍ أقيمت لتأبينهِ في بيروت قالت في قصيدة شكر للمؤبِّنين:

اليوم ردَّت مصرُ ما أخذت ويا
أسفي، فقد ردَّته في الأكفانِ
لم ينسَ عهدكم القديم وقد أتى
كي لا يزال مجاور الأوطانِ

واشترك السوريون في البرازيل في إقامة تمثال للشيخ إبراهيم؛ فأرسلت قصيدة إلى شكري أفندي الخوري صاحب جريدة «أبي الهول» وصاحب الاقتراح. ومن تلك القصيدة:

أكرِمْ بما جئته يا سيدًا عملًا
يزيِّن اسمك بين العرب والعجمِ
دعوت قومي إلى ما ترتئيهِ لهم
صنعًا جميلًا وبرهانًا لودِّهمِ

•••

يا سادةً جمعتهم نسبة الوطن اﻟمحـ
ـﺒﻮب جمع الثُّرَيَّا غير منفصمِ
جدَّدتمُ شخص من نهفو لرؤيتهِ
كأنَّما هبَّ مبعوثًا من الرممِ

•••

وما مديحي لكم حبرٌ على ورقٍ
بل خُطَّ في لوح صدري شكركم بدمي

لا تصدُق على هذه الشاعرة تهمة ألحقوها بالنساء؛ وهي أن الرجال يكتبون لهنَّ، بل كانت هي صاحبة أشعارها؛ وأكبر شاهد على ذلك — كما قال لي دولتلو سليمان أفندي البستاني — أنهم كانوا بديًّا يزعمون أن والدها وأخويها حبيب وخليل ينظمون لها. فماتوا فرثتهم. فقال الناس: ولكن الشيخ إبراهيم حيٌّ، فهو ناظم المراثي باسمها. فتوفي الشيخ إبراهيم فرثتهُ بأبياتٍ هي من خير شعرها في الصدق والأمانة.

وعلى ذكر الشيخ إبراهيم أقول: إنهم سيحتفون قريبًا بنصب تمثالهِ في إحدى ساحات بيروت العمومية. على أن شاعرة آل اليازجي لن تحضر ذلك الاحتفال، ولن ترسل فيه دمعة وزفرة … إن جسدها يرقد تحت ثرى مدينة الإسكندر حيث تثوي على هدير البحر الذي ما فتئ مهمهمًا في مسامع الأحياءِ والأموات …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠