الفصل الأول

فيما تُطْلَق عليه المنافع وبيان موادها الأصلية وأنها دالة على التمدن والعمران.

***

المنافع جمع منفعة، وهي في اللغة ضد المَضَرَّة، ومنه قوله:

إذا أنت لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فإنما
يُرجَّى الفتى كَيْمَا يَضُرَّ ويَنْفَعِ

وقد تُطْلَقُ على الدواء؛ كقوله:

هم الناس فالْزَمْ — إنْ عَرَفْتَ — طَرِيقَهُمْ
فَفِيهِمْ لضُرِّ العالمين مَنَافِعُ

وتُطْلَقُ على المنفعة الشرعية، فتكون عبارة عن جميع ما شُرِع من أنواع البر للتعاون عليه؛ كالقرض، والعارية، والهبة، والصدقة، والوقف، وما أشبه ذلك مما يقتضي الأُلْفَة، واتفاق الآراء في تدبير المعاش والمعاد، وتُطْلَقُ في عُرف تدبير المنزل على ما يُفْعَل لمصلحة تَخُصُّ بلدة أو مدينة أو مملكة؛ لراحة أهلها، وتنظيم أحوالهم من كل ما يعود عليهم بفائدة لها وَقَعَ في المملكة، وبها يترقى الوطن، وتشترك في ثمرتها أربابه؛ فلهذا تُقَيَّدُ بالعمومية، فهي بالمعنى العُرْفِي تَخُصُّ السياسة؛ حيث إنه قد لا تقتضي الأوضاع الشرعية المتأدب بها في المملكة عين المنفعة السياسية، إلا بتأويلات للتطبيق على الشريعة، ومع ذلك فمبنى المنفعة في السياسة الشرعية على طريق اكتساب المال مِنْ غَيْر مهانة ولا عَسَف، وإنفاقه في المصارف الحميدة والعاقبة الجميلة الذكر، ومبنى المنفعة أيضًا على صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس، بِقَدْر ما تَسَعُهُ القُدْرَة البشرية من إسعافهم وإعانتهم، وسيأتي في الفصل الأول من الباب الثاني تعريفها في اصطلاح الإدارة الأوروبية، وأنها مَجْمَع الفضائل.

وَقَدْ ذَكَرْنا في المقدمة انقسام أسباب المعايش إلى أربعة أقسام: وهي زراعة، وصناعة، وتجارة، ونتاج الحيوانات، ونقول: إن هذه المنافع إذا وُجِدَتْ في مملكة؛ دامت متى رُوعِيَ فيها العدل والإنصاف، فتكون مقابلة للاستثمار والتمول وتحصيل النقود والمتاع والعقارات وجميع الأملاك الاحتياطية، فبواسطة اكتساب الأهالي هذه المكاسب؛ يَصِحُّ لهم الإنفاق المنزلي مع السعة والثروة، وبفضول أموالهم يؤدون حقوق المملكة القائمة بحفظهم وصيانتهم، مما يُوجِب ثَرْوَتَها واقتدارها، وينفقون في سبيل الله ما شاء أن ينفقوا؛ رحمة بذوي الحاجات، فبهذا يتم النظام المنزلي والنظام المدني، وقِوَام كل من النظامين على الاقتصاد في الإنفاق، وتَرْك الحرص والطمع والإسراف والتبذير؛ عملًا بقوله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ أي: لا تُمْسِك عن الإنفاق بحيث تُضَيِّق على نَفْسك وأهلك في وجوه صلة الرحم، وسبيل الخيرات؛ أي: لا تَجْعَل يَدَكَ في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط، ثم قال: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ أي: ولا تُوَسِّع في الإنفاق تَوَسُّعًا مُفْرِطًا؛ بحيث لا يَبْقَى في يدك شيء، ثم قال تعالى: فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا أي: تَلُومُ نَفْسك، وأصحابُك يلومونك على تضييع المال بالكلية، ومعنى «محسورًا»: مقطوعًا عن الإنفاق؛ يعني: عاجزًا مُتَحَيِّرًا.

وقد ذَكَرَ الحكماء أَنَّ لكل خُلُق طرفين؛ أحدهما: الإفراط، وثانيهما: التفريط، وهما مذمومان، فالبخل مَثَلًا إفراط في الإمساك وهو مذموم، والتبذير تفريط في الإنفاق وهو مذموم أيضًا، والوسط ممدوح وهو العدل في الإنفاق، وهكذا كل فضيلة لها طرفان ووَسَط، والوسط عبارة عن الإنصاف في الفضيلة، وهو الممدوح منها، ولكن ربما يقطع في الوهم فضيلة أحد الطرفين؛ لعدم الوقوف على الحقيقة بترك معاشرة أرباب الفضائل؛ فلهذا ينبغي تعيين محل تَعَلُّم الفضائل حتى لا تَشْتَبِه بأضدادها، وبيان ذلك أن الإنسان من بين جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته، ولا بُدَّ له من معاونة قوم كثيري العدد حتى تتم حياته طيبة، ويجري أمره على السداد؛ ولهذا قال الحكماء: «إن الإنسان مدنيٌّ بالطبع» أي: هو محتاج إلى مدينة فيها خَلْق كثير؛ لتَتِمَّ له السعادة الإنسانية، فكل إنسان بالطبع وبالضرورة محتاج إلى غيره، فهو لذلك مضطر إلى مصافاة الناس، ومعاشرتهم العشرة الجميلة، ويحبهم المحبة الصادقة؛ لأنهم يُكْمِلون ذاته، ويُتِمُّون إنسانيته، وهو أيضًا يَفْعَل بهم مثل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك بالطبع وبالضرورة؛ فكيف يُؤْثِر العاقل العارف بنفسه التَّفَرُّد والتخلي، وتعاطي ما يرى الفضيلة في غيره؟!

فإِذَنْ القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد، وتَرْك مخالطة الناس، وتَفَرَّدوا عنهم إما بملازمة المَغَارات في الجبال، وإما ببناء الصوامع في المفاوز، وإما بالسياحة في البلدان للدروشة؛ لا يَحْصُل لهم شيء من الفضائل الإنسانية المدنية المعهودة التي عَدَدْناها، وذلك أن من لم يُخالِط الناس ويُساكِنْهم في المدن؛ لا تَظْهَر فيه هذه الفضائل من العفة والنجدة والسخاء والعدالة، بل تصير قواهم وملكاتهم التي رُكِّبت فيهم بالنسبة للخيرات المدنية والمنافع العمومية عاطلة؛ لأنها لا تَتَوَجَّه إلى خير ولا إلى شر بالنسبة للعموم، فإذا تَعَطَّلَتْ ولم تَظْهَر أفعالها الخاصة بها؛ صاروا بالنسبة لقصور صفاتهم عليهم، وعدم عودها بالمنفعة على غيرهم بمنزلة الجمادات، أو الموتى من الناس؛ ولذلك يَظُنُّون ويُظَنُّ بهم أنهم أعفاء وليسوا بأعفاء، فهم كما قال الشاعر:

يقول أبو سَعِيدٍ مُذْ رآني
عفيفًا مُنْذُ عامٍ ما شَرِبْتُ
على يدِ أيِّ شَيْخٍ تُبْتَ؟ قُلْ لِي
فقُلْتُ: على يد الإفلاس تُبْتُ

وتقول العامة: من العفة أن لا تجد، وكذلك في سائر الفضائل؛ أعني: أنه إذا لم يَظْهَر منهم أضدادُ هذه التي هي شرور؛ ظَنَّ بهم الناس أنهم أَفَاضلُ، وليست الفضائل إعدامًا، بل هي أفعال وأعمال تَظْهَر عند مشاركة الناس ومساكنتهم، وفي المعاملات، وضروب الاجتماعات، ونحن إنما نَعْلَم ونَتَعَلَّم الفضائل الإنسانية التي نُسَاكِن بها الناس ونخالطهم؛ لِنَصِلَ منها وبها إلى سعادات أُخَرَ إذا صرنا إلى حال أخرى، وتلك الحال غير موجودة لنا الآن، فالسخاء مُفَرَّع عن وجود مال بيد الإنسان استفاد بالمخالطة حُسْن صَرْفِه في الخير، فإذا أَحْسَنَ صَرْفَه بالوجه الأوسط؛ كان حائِزًا لفضيلة السخاء.

وعلى كل حال فمن جوامع الكلم قول بعض الحكماء: «لا خير في السرف كما لا سرف في الخير»، فمن يَطْلُب زيادة المال ويَلْتَمِس الكثرة في أسباب الكسب ليصرف مكاسبه في وجوه الخير، ويَتَقَرَّب بها في جهات البر، ويصنع بها المعروف؛ جدير بالحمد إذا تَوَقَّى مطالب التبعات، ومَكَاسِب الشبهات؛ لأن المال آلة المكارم، وعَوْن على الدين، ومُؤَلِّف للإخوان، ومَنْ فَقَدَهُ من أبناء الدنيا؛ قَلَّت الرغبة فيه وكَثُرَت الرهبة منه، ومن لم يكن منهم بموضع رَغْبة ولا رَهْبة؛ استهان الناس به، وما أَحْسَنَ ما قاله مع التورية الإمام العارف بَقِيَّة السلف الطاهر أبو الفضل ابن وَفِيٍّ:

وخِلٍّ سِمْتُه صَفْعًا بِمَالٍ
فقال تَوَازَعُوه يا صِحابي
إذا الحِمْل الثقيل تَوَازَعَتْهُ
أَكُفُّ القوم هَانَ على الرِّقَابِ

ومثله في التورية ما كَتَبَه ابن أبي حجلة إلى الخواجة شهاب الدين الذهبي، وقد مَطَلَه بحوالة ذهب من قوله:

قد مَنَعْتُم صَرْف الدنانير عني
ولَكُم في الورى هِبات كثيرهْ
وأنا شاعر وفي شَرْع نَظْمِي
صَرْفُها واجب لِأَجْلِ الضرورهْ

قال مجاهد: «الخير في القرآن كله المال» فقوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ يعني: المال، وأَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي يعني: المال، وقوله تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا يعني: مالًا، وقال تعالى، عن شعيب: إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ أي: بمال وغِنًى، وإنما سمى الله المال في القرآن خيرًا إذا كان في الخير مصروفًا؛ لأن ما أَدَّى إلى الخير فهو في نفسه خير، وقد رُوِيَ عن عبد الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه، قال: قال رسول الله : «إن أحساب أهل الدنيا هذا المال»، وقال عبد الرحمن بن عوف: «يا حبذا المال أَصُونُ به عِرْضي وأُرْضِي به ربي»، وقال ابن عباس: «الدراهم والدنانير خواتم الله في الأرض، لا تُؤْكَلُ ولا تُشْرَبُ، وحيث قَصَدْتَ بها قَضَيْتَ حاجتك»، قيل لبعضهم: لِمَ تُحِبُّ الدنانير وهي تُدْنِي من النار؟ قال: هي وإن أَدْنَتْ منها فقد صانت عنها، وقال بعض الحكماء من الملوك: «مَن أُصْلِح مَالُه فَقَدْ صان الأكرمَيْن: الدين، والعِرض»، ومَرَّ رجل من أرباب الأموال ببعض العلماء فتحرَّكَ له وأكْرَمَهُ وأدناه، فقيل له بعد ذلك: أكانت لك إليه حاجة؟ فقال: لا، ولكن رأيتُ ذا المال مَهِيبًا فَهِبْتُه، ويقال: الدراهم مراهم؛ لأنها تُدَاوي كُلَّ جرح، ويَطِيب بها كل صلْح، وقال أُحَيْحَة بن الجلاح:

رُزِقْتُ لُبًّا وَلَمْ أُرْزَقْ مُرُوءَتَهُ
وما المروءة إلا كَثْرَة المالِ
إذا أَرَدْتَ مواساةً تقاعَد بي
عَمَّا يُنَوِّه باسمي رِقَّةُ الحالِ

وقال بعضهم:

ومَنْ يَطْلُبِ المال المُمَنَّعَ بالقَنَا
يَعِشْ ماجدًا أو تَخْتَرِمْه الخوارِمُ

وقال آخر:

كفى حَزَنًا أني أَرُوح وأَغْتَدِي
وما لِيَ من مالٍ أَصُونُ به عِرْضِي
وأَكْثَرُ ما أَلْقَى الصديق بمَرْحَبًا
وذلك لا يكفي الصديقَ ولا يُرْضي

وأما ذَمُّ جمع المال فهو محمول على مَنْ يَقْتَنِي الأموال ليدَّخِرها، ويَكُفَّ عن صَرْفها في وجوه الخيرات، حيث إن ذلك يستدعي سوءَ ظنه بخالقه، مع أن في حُسْنِ الظن بالله راحةُ القلوب، مصداق ذلك: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

ثم إن مشروعية التعاون على المنافع العمومية يدل عليها كثير من الآيات والأحاديث النبوية؛ فمن ذلك: قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وقوله تعالى: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ أي: أَنَّ مَنْ أنفق كان من جملة الأبرار الذين قال تعالى فيهم: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ الآية، والبر أيضًا أكثر أعمال الخير، فهو صفة جامعة، ومعنى الآية عليه: لن تتصفوا بهذه الصفة وهي استجماع أعمال الخير، حتى تنفقوا مما تحبون، فتفوزوا بفضيلة البر، فأفضل طاعات الإنسان إنفاق ما يحبه، فكان السلف إذا أحبوا شيئًا؛ جعلوه لله تعالى.

رُوِيَ: أنه لما نزلت هذه الآية؛ قال أبو طلحة: «يا رسول الله، لي حائط؛ أي: بستان بالمدينة، وهو أحب أموالي إليَّ أن أتصدق به، فقال عليه السلام: بخ بخ، ذاك مال رابح، وإني أرى أن تَجْعَلَهَا في الأقربين، فقال أبو طلحة: أَفْعَل يا رسول الله، فَقَسَمَهَا في أقاربه.» ويُرْوَى: أنه جعلها بين حسان بن ثابت وأُبَيِّ بن كعب رضي الله عنهما، «ورُوِيَ»: أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يُحِبُّه، وجعله في سبيل الله، فحَمَلَ عليه رسول الله أسامة، فوَجَدَ زَيْد في نفسه، فقال عليه السلام: «إن الله قد قَبِلَها»، واشترى ابن عمر جارية أَعْجَبَتْه فأَعْتَقَهَا، فقيل له: أَعْتَقْتَهَا ولم تُصِبْ منها؟! فقال: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ والإنفاق هنا: يشمل الزكاة، وغيرها من كل شيء أنفقه الإنسان من ماله، يبتغي به وجه الله تعالى، حتى التمرة، وقوله: مِمَّا تُحِبُّون فيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا فهذا أَدَب الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله»، وقال الشاعر:

عليك بأوساط الأمور فإنها
نجاة ولا تَرْكَب ذَلُولًا ولا صَعْبَا

ويقال: ثلاثة من حقائق الإيمان: الاقتصاد في الإنفاق، والإنصاف من نفسك، والابتداء بالسلام. وضابط الاقتصاد في الإنفاق أن ما دَبَّرَه العقل وناله الفضل فهو الاقتصاد الجميل الحسن، فالعقل السليم لا يَميل إلى الفَرَط ولا إلى الشَّطَط، بل يَتْبَع الوسط الذي هو خير الأمور.

ومن شواهد فضيلة البر ودلائل الكرم والإنفاق المروءة، التي هي حِلْية النفوس وزينة الهِمَم، وهي مجاراة النفس على أفضل أحوالها، «رُوِي» عن النبي أنه قال: «مَن عامَل الناس فَلَمْ يَظْلِمْهم، وحَدَّثَهم فَلَمْ يَكْذِبْهم، ووعَدَهُم فلم يُخْلِفْهم؛ فهو مِمَّن كَمُلَتْ مروءته، وظَهَرَتْ عدالته، ووَجَبَتْ أُخُوَّته، وحَرُمَتْ غَيْبَتُه»، «وسُئِلَ» بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة، فقال: «العقل يأمرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأرفع، ولا ينقاد للمروءة مع ثِقَل تَكَلُّفها إلا مَنْ سَهُلَتْ عليه المَشَاقُّ؛ رَغْبَة في المَحْمَدَة، وهانَتْ عليه المَلَاذُّ؛ حَذَرًا من المَذَمَّة»؛ ولذلك قيل: سيد القوم أشقاهم؛ أي: أكثرهم مَشَقَّة، قال المتنبي:

لولا المَشَقَّة سَادَ الناس كُلُّهُمُ
الجود يُفْقِرُ والإقدام قَتَّالُ

وقال:

وإذا كانت النفوس كِبَارًا
تَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأجْسَامُ

والداعي إلى استسهال الصعب في التمسك بالمروءة شيئان: عُلُوُّ الهمة، وشَرَف النفس؛ فأما عُلُوُّ الهمة: فإنه باعث على التقدم، وداعٍ إلى التخصص؛ أَنَفَةً من خمول الضعة، واستكبارًا لمهانة النقص، وفي الحديث الشريف: «إن الله تعالى يُحِبُّ مَعَالِيَ الأمور، ويكره سَفْسَافَها»، وأما شَرَف النفس فبه يكون قبول التأديب، وتقويم التهذيب، فإذا شَرُفَت النفس؛ كانت للآداب طالِبةً، وفي الفضائل راغبة، فإذا تَجَرَّد شَرَف النفس عن علو الهمة؛ كان الفضل به عاطلًا، حتى قيل: إن شَرَف النفس مع صِغَر الهمة أَوْلَى من عُلُوِّ الهمة مع دناءة النفس؛ لأن من غَلَبَتْ عليه هِمَّتُه مع دناءة نَفْسه؛ كان مُتَعَدِّيًا إلى طَلَب ما لا يَسْتَحِقُّه، ومُتَخَطِّيًا إلى الْتِماس ما لا يَسْتَوْجِبه، ومن شَرُفَتْ نفسه مع صِغَر هِمَّتِه؛ فهو تارك لما يَسْتَحِقُّه، ومُقَصِّر عما يَجِب له، والفرق بين الأمرين ظاهر وإن كان لكل واحد منهما من الذم نصيب، قال الشاعر:

إن المروءة ليس يُدْرِكُها امرؤ
وَرِثَ المكارم عن أبٍ فَأَضَاعَهَا
أَمَرَتْهُ نَفْس بالدناءة والخَنَا
ونَهَتْهُ عن سُبُل العُلَا فَأَطَاعَهَا
فإذا أصاب من المكارم خَلَّةً
يبني الكريم بها المَكَارِم بَاعَهَا

قال أنوشروان: «الكامل المروءة من حَصَّنَ دينه، ووَصَلَ رَحِمه، وأَكْرَم إخوانه»، وقال بعض الحكماء: «كامل المروءة مَنْ أَحَبَّ المكارم، واجتنَبَ المحارم»، فالبِرُّ الحقيقي المذكور في قوله تعالى: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ حليف للمروءة الكاملة، ويطابق هذه الآية الشريفة قولُهُ : «إذا مات ابن آدم انْقَطَعَ عَمَلُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلْم يُنْتَفَع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه الإمام مسلم رضي الله عنه بلفظ: «إذا مات المسلم» بدل «ابن آدم»، فقدْ حَثَّ الحديث النبوي على ثلاث فضائل جامعة شاملة لأساس الدنيا والدين في حَقِّ صاحب العمل، تُدِيم عَمَله، وتجعله باقيًا؛ كأن صاحب العمل حَيٌّ بِعَمَلِهِ، مأجور دائمًا، فهذه الفضائل مُخَلِّدة للذِّكْر، مُؤَبِّدة للأجر، وبِضِدِّها تتميز الأشياء، فإن مَنْ لا صدقة له في حياته، ولا عِلْم، ولا ذُرِّيَّة؛ فعَمَلُه مقطوع من أَصْله، فهو مَيِّت الأحياء، حيث عُدِم الفضائلَ الثلاثة.

فالفضيلة الأولى الصدقة الجارية: خَصَّهَا بعْضُ العلماء بالوقف، وجَعَلَهَا من أدلة تشريعه، وقال بعدم دخول الوصية في معنى الصدقة، وبعدم دخول صدقة التطوع، والقرينة دالة على العموم، لا سيما إذا كان الحديث في مَعْرِض فضائل الأعمال، فالعبرة بعموم لفظه، فالمدار على أن تكون الصدقة جارية مُسْتَمِرَّة باقية مُخَلَّدَة، لا يَنْقَطِع نَفْعُها، ولا يَمْتَنِعُ من الدَّرِّ ضرعها؛ كحفر الآبار في أي محل من المحالِّ، حيث يَصِير النفع بها، رُصِدَتْ على جهة أم لم تُرْصَدْ، وغَرْس الأشجار التي يُتَظَلَّل بها، وإجراء الأنهار، وتسليك الطرق، وجميع الأفعال الخيرية الدائمة، فالصدقة الجارية بهذا المعنى جامعة لأكثر أركان المنافع العمومية، والأوقاف داخلة فيها، مما يُرْصَد للمساجد والمارستانات، ونحو ذلك مما يبتغي به الواقف وَجْه الله تعالى، حتى يكون من المنافع العمومية، والباقيات الصالحات، والأعمال الحسنات، فإن كثيرًا من أرباب اليسار يحرصون على بناء المساجد والمدارس، ويحبسون عليها الدور والخانات والحوانيت وغيرها، ويكتبون أسماءهم عليها؛ لِيَتَخَلَّدَ ذِكْرُهم، ويُذْكَر في صُحُف أهل الخير، فإذا كان هذا البناء وما يُرْصَد عليه من وَجْهٍ حلال طَيِّب؛ كان من مِصْداق الحديث؛ يَعْني من الصدقات الجارية النفْعِ والثواب، وإلا بأن كان بِوَجْه الاغتصاب، أو كان لمجرد الفخر كان راصِدُه مُجَرَّدًا عن الأجر، مُجَازًى بالعقاب، فلو كان صاحبه رَدَّ المال على أربابه لكان أَوْلَى.

وكذلك مَنْ تَظَاهَرَ بِصَرْف مَالِه على الفقراء؛ كمن يُرْسل إلى نُظَّار الجوامع والمساجد أشياء جسيمة، لا تَصِل إلى أربابها المحتاجين إليها، بل أَخَذَهَا مَن لا يَسْتَحِقُّها، ويَظُن مُرْسِلُها أَنَّ صَدَقَتَه صادَفَتْ مَحِلًّا، فقد تَسَاهَلَ في صَدَقَته، إذْ قَدْ تَعَدَّتْ مصارِفَها الحقيقية، فأَوْلَى من هذه الصدقات الظاهرية صَرْفُ الأموال في منفعة عمومية حقيقية، يكون فيها الغبطة والمنفعة للفقراء والمساكين، بحيث تعود عليهم مُسْتَمِرَّة لا مُنْقَطِعَة.

ومن جملة الصدقات ما يكون للنفس فيه خبيئة، وهي حُبُّ المدح والإعطاء، والرياء والسمعة؛ لِيُقَالَ فلان يُعْطِي، كصدقة المتصدقين في المحافل؛ لِقَصْد الشكر وإفشاء المعروف، ومن الناس من يُكْثِر من الملاهي والأفراح بدون لزوم، ويُنْفِق في ذلك النفقات الجسيمة وهو يَعْلَم كثرة الفقراء في قريته، والجياع من جيرته وأهل بلدته، بل ومن أرحامه، فَلَوْ أَنْفَقَ عليهم ما صَرَفَه في مَحْض اللهو واللعب لَفَازَ، ولو اسْتَفْتَى العقل في ذلك لأفتاه بالنجاز، ولكن قد فاته كمالُ السباق إلى الفضائل في ميدان السابقين، وما درى أنَّ أداء الواجب خصوصًا في إطعام الفقراء المستحقين خير من نوافل النوافل بيقين.

ودون مَنْ لا يَعْرِف وجوه المصارف الحقيقية وأبواب المنافع العمومية مَنْ يَجْمَع المال ويبخل بإخراجه، ولا يتصدق به، ولا يُقْرِضه لمحتاجه، فيُجْهِد النفس في البخل المُهْلِك، ويرى أن الإمساك خير من الإنفاق وأَوْلَى، فلا يَنْتَفِع بثواب الآخرة ولا بمَنْفَعَة الأُولَى، فهذا قابض بيده على أسباب الحرص والأمل، ولا شك أن الحرص من سُبُل المتالف، وآفة من آفات الحرمان، وإطالة الأمل من إساءة العمل، وذلك لما فيه من التسويف، وقيل: الأمل مذموم إلا من العلماء، فلولا أَمَلُهُمْ لما صَنَّفُوا، وأيضًا لا يخلو الْأَمَلُ مِنْ سِرٍّ لطيف؛ لأنه لولا الأمل ما تَهَنَّأ أحدٌ بِعَيْش، ولا طابت نَفْسُه أن يَشْرَع في عَمَل مِنْ أعمال الدنيا، فالمذموم منه الاسترسال فيه، وعليه يُحْمَل حديث أنس رَفَعَه: «أربعة من الشقاوة: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا» أخرجه البزار، قال بعض الحكماء: «الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم» وقال الشاعر:

لا تَحْسُدَنَّ أخَا حِرْص على سَعَة
وانظر إليه بِعَيْن الماقت القالي
إن الحريص لمشغول بشِقْوَتِهِ
عن السرور بما يحوي من المال

وكان المأمون يُعْجِبُه قول أبي العتاهية:

تعالى الله يا سَلمَ بْنَ عَمْرٍو
أَذَلَّ الحِرْص أَعْنَاق الرِّجَالِ

وقَبْلَه:

نَعَى نَفْسِي إليَّ مِنَ الليالي
تَصَرُّفُهُنَّ حالًا بَعْدَ حَالِ
فما لي لَسْتُ مشغولًا بنفسي؟!
وما لي لا أخاف الموتَ ما لي؟!
لقد أيقَنْتُ أني غيْرُ باقٍ
ولكني أراني لا أبالِي

تعالى الله يا سَلمَ بْنَ عَمْرٍو … إلخ.

وبَعْدَه:

هَب الدنيا تُسَاق إليك عَفْوًا
أليس مَصِيرُ ذاك إلى الزوالِ؟
فما ترجو بشيء ليس يَبْقَى
وتنسى ما تُغَيِّرُه الليالِي

قال: فلما بَلَغَ سَلم الخاسر قول أبي العتاهية؛ قال:

ما أَقْبَحَ التزهيدَ مِنْ واعِظٍ
يُزَهِّد الناسَ ولا يَزْهَدُ
لو كان في تزهيده صادقًا
أضحى وأَمْسَى بَيْتَه المَسْجِدُ
إنْ رَفَضَ الدنيا فما بَالُهُ
يُكْثِر المال ويَسْتَرْفِدُ
يخاف أن تَنْفَدَ أرزاقُهُ
والرزق عند الله لا يَنْفَدُ
الرزق مقسوم على مَنْ ترى
يَسْعَى له الأبيض والأسودُ

فقد بَيَّنَ ذلك البيت وهو «تعالى الله يا سَلم بن عَمْرو … إلخ»؛ نتيجةَ الحرص وعاقبة البخل، فشَطْرُه الأول من التهويل المُبْكِت، وشَطْره الأخير من جوامع الكلم المُسْكِت.

وقد تَفَنَّنَ الأدباء وأرباب النوادر في حكاية وقائع للبخلاء؛ إما واقعية أو اختراعية، فَلْنَذْكُرْ جُملةً منها لترويح النفوس، فنقول مما يُحْكَى: أنه قيل لبعض البخلاء: ما الفرج بَعْد الشدة؟ فقال: أن يُحْلَف على الضيف فيَعْتَذِر بالصوم، قيل: إن رجلًا من البخلاء حَضَرَ بخَصْم إلى حاكِم، فقال: يا حاكِم المسلمين، اشْتَرَيْتُ البارحة رأسًا فأَكَلْتُ لَحْمَه، وتَرَكْتُ عَظْمه على بابي لأتجمل به، فجاء جاري هذا فنَقَلَه إلى بابه، وتخاصَما فسَمِعَه الحاكم وهو يقول له: ويحك أنت تَقْعد يومًا على باب داري، ويومًا تَقْعُد في ظل جداري، ويومًا تقول: كيف راح فلان؟ فهل بَلَغَكَ أنني على مطلب، قيل: وكان العماد الحِلِّي يقول: «ليس الشجاع عندي عمرو بن معدي كرب، ولا عنترة العبسي، ولا خالد بن الوليد، إنما الشجاع الذي يرى طعامَه يُؤْكَل بحَضْرَتِه وهو صابر.»

ويقال: إن العماد الحِلِّي المذكور اشْتَرى مملوكًا تركيًّا فحضر إليه يَوْم سَبْت بدمشق المحروسة، فقال له: «أريد أن أَتَفَرَّج مع المماليك فأعطني شيئًا، فأعطاه فلسًا فرماه، فغضب العماد وقال: وَيْحك، ترمي الفلس وهو النقطة التي في وسط الدينار، فقال له المملوك: وكيف ذلك؟ فقال: لا ترى في يدك فلسًا حتى تَصْرِف درهمًا، ولا ترى في يدك درهمًا حتى تَصْرف دينارًا، وهذا الفلس الذي رَمَيْتَ به يقضي حاجة ساعة، وحاجة يوم، وحاجة أسبوع، وحاجة شهر، وحاجة عام، وحاجة الدهر كله، فقال له مملوكه: وكيف ذلك؟ فقال: أما حاجة ساعة فقصعة عقيد أو كوز فقاع، وأما حاجة يوم فباقة بقل أو زيت للسراج، وأما حاجة أسبوع فقطن للقناديل، وأما حاجة شهر فكبريت، وأما حاجة عام فملح، وأما حاجة الدهر فَوَتَد يُدَقُّ في الحائط ليُعَلَّق عليه الثياب.»

قال عبد العظيم بن أبي الإصبع: نَزَلْتُ من قلعة الرها يومًا وصَحِبَنِي اثنان من أصحاب الملك المُظَفَّر شهاب الدين؛ لِقَصْد السلام على العماد الحِلِّي بالمدرسة، وكان وكيل بيت المال بالرها من قِبَل الملك العادل، قال: فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا به طَلَبْنَا الغداء منه، فقال: نحن بصريون نتخارج على جاري عادتنا، ولكن ما أَحِيف عليكم؛ لأني صاحب البيت أنا وحدي، مِنْ عندي ثلاثة أشياء، وأنتم الثلاثة مِنْ عِنْدِكم شيء واحد؛ أنا من عندي الغلام الذي يشتري الحاجة، والبيت للجلوس، والسفرة التي يُؤْكَل عليها، وأنتم الثلاثة من عندكم الفضة التي يُشْتَرَى بها الحاجة، فقُلْتُ له: يا عمادُ ما أَشْبَه هذه المُخارَجة بِمُخَارَجة بعض الخلفاء مع نديم له، اجْتَمَع به في يوم نوروز وعَزَمَا على الشرب، فقال له نديمه: مِنْ عِنْدِك شيء ومِن عِنْدِي شيء، وقد تَمَّ المقام، وقال: اسمع مني شعرًا أَذْكُر فيه ما يكون مِن عِنْدي وما يكون مِنْ عِنْدِك، وأَنْشَدَ:

مني ومنك غدًا يوم نُسَرُّ بِهِ
في صُبْحَة اليوم إن اليوم نوروزُ
البَيْتُ مِنْكَ ومني الكَنْسُ أَكْنُسُهُ
والرَّش مِنِّي ومنك الماء والكوزُ
واللحم مِنْك ومِنِّي النار تَطْبُخُهُ
والأكل مِنِّي ومِنْكَ الخبزُ مخبوزُ
والراح منك وَرَيْحَانٌ وفاكهةٌ
والشُّرْب مني إذا دَارَتْ قَوَاقِيزُ١
هذي مخارجة ما سَنَّ سُنَّتَهَا
في مثل ذا اليوم بهرام وفيروزُ

وأما قوله: «نحن بصريون نتخارج على جَارِي عَادَتِنَا» فإشارة إلى بُخْل أهل البصرة، كما تُفِيدُه واقعة النضر بن شميل النحوي، فإنه لَمَّا ضَاقَتْ معيشته بالبصرة خرج يريد خراسان، فَشَيَّعَه من أهلها نَحْوٌ من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا مُحَدِّث أو نَحْوِيٌّ أو عَرُوضِيٌّ أو إِخْبَارِيٌّ أو لُغَوِيٌّ، فلما صار بالمربد؛ قال: يا أهل البصرة، يَعِزُّ عليَّ فراقُكُم، والله لو وَجَدْتُ كل يوم كيلجة باقلي ما فارقْتُكم، فلم يَكُن فيهم من يَتَكَلَّف له بذلك، وهذه الواقعة تُشْبِه واقعة القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، فإنه لما نَبَتْ به بغداد خرج منها طالبًا مصر، فشَيَّعه من أكابرها وفضلائها جماعة موفورة، فقال لهم لَمَّا وَدَّعَهُم: لو وَجَدْتُ بين ظهرانيكم كل غداة وعَشِيَّة رغيفين ما فارَقْتُ بغداد، ومِنْ شِعْره فيها:

بَغْدَادُ دَارٌ لأهل المال طَيِّبَةٌ
وللمفاليس دار الضَّنْك والضيقِ
أَقَمْتُ فيها مُضَاعًا بين سَاكِنِهَا
كأنني مُصْحَفٌ في بَيْت زِنْدِيقِ

وقيل: حَلَفَ بعض البخلاء على صديق له، فأحضر له خُبْزًا وجُبْنًا، وقال: لا تَسْتَقِلَّ هذا الجُبْن فإن رطْلَه بثلاثة دراهم، فقال ضَيْفُه: أنا أَجْعَل الرطل بدرهم ونصف، قال: وكيف ذلك؟ قال: آكُلُ لُقْمَة بجبن ولُقْمَة بغير جبن، وقيل: شُوِيَ لبعض البخلاء دجاجة وقُدِّمَت إليه، فوَجَد فَخِذَها قد عَدِمَ، فنادى في داره: من ذا الذي تَعَاطَى فَعَقَرَ، والله لا خَبَزْتُ في هذا التنور خُبْزًا مُدَّةَ شَهْر، فقال له غلامه وكان ذكيًّا: يا سيدي، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا؟! فقال: وَيْحَكَ، أما قَرَأْتَ قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، وقيل: سَمِعَ بعضُ البخلاء قارئًا يَقْرَأُ قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ فقال: هَنَّأَهُم الله، قيل: كان أبو دلف سَخِيًّا بالمال، بخيلًا بالطعام، سُئِلَ رَجُلٌ كان يأكل معه: كيف كان طعامه؟ فقال: كان على مائدته رغيفان، قيل: كيف كانت صحانه؟ قال: كأنها خُرِطَتْ من الخردل، قيل: فكم بَيْن اللون واللون؟ قال: فَتْرَة نبي، قيل: فمن كان يأكل معه؟ فقال: الكرام الكاتبون، وأنشد فيه:

أبو دلف يُضَيِّع أَلْفَ ألفٍ
ويَضْرِبُ بالحسام على الرَّغِيفِ
أبو دلف لمطبخه قَتَارٌ
ولكن دُونَه ضَرْبُ السيوفِ

والقتار: رائحة القدر. ومما قيل من الأشعار في البخلاء:

ثَقُلْتُ على الرئيس أبي عَلِيٍّ
وكنْتُ على قَرِينَتِه خَفِيفَا
وما لي عِنْدَه والله ذَنْبٌ
سوى أني كَسَرْتُ له رَغِيفَا

غَيْرُه:

رأيْتُ الشيخ أعرَضَ حين جِئْتُ
وكاد يموتُ لَمَّا أَنْ دَخَلْتُ
فقلْتُ عَلَامَ تَجْزَع مِنْ لقائي؟
لك البشرى فإني قَدْ أَكَلْتُ

غَيْرُه:

ويَعْجِن للضيف في مُسْعَط
دقيق الشعير ولا يَنْخُلُ
ويَسْتَقْبِل الضيفَ مِنْ فَرْسَخٍ
أيا ضَيْفُ قُلْ لي متى تَرْحَلُ؟

وقال آخر:

أَتَيْتُ عَمْرًا سَحَرًا
فقال: إني صائمُ
فقُلْتُ: إني قَاعِدٌ
فقال: إني قَائِمُ
فَقُلْتُ: آتِيكَ غَدًا
فقال: صَوْمِي دَائِمُ

وقال الشيخ شمس الدين المزين:

مُسْلِمَانِي أَضَافَنَا
لبنًا ما له ثَمَنْ
بَيَّضَ الله وَجْهَهُ
كُلَّمَا جَاءَ باللبَنْ

وقال الحمدوني:

رأيْتُ أبا زُرَارة قال يَوْمًا
لِحَاجِبِهِ وقد حَضَرَ الطعامُ
حَلَالُ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ ومَالٍ
عليَّ وكُلُّ ما يجري حَرَامُ
لئن فَارَقْتَ باب الدار شبرًا
وعنْدِي مِنْه عِرْق أو عِظَامُ
لَأَنْتَصِفَنَّ مِنْك بِكُلِّ حَقِّي
وَأَمْلَأُ مِنْكَ سيفي والسلامُ
فقال له الغلام: فإن أتاني
أَبُوكَ وليس لي فيه مرامُ؟
فقال: لَئِنْ أتى في البيت هِرٌّ
على خُبْزِي أُضَارِبُ أو أُضَامُ
إذا حضر الطعام فلا حُقُوقٌ
عليَّ لوالِدَيَّ ولا ذمامُ
فما في الأرض أَقْبَحُ مِنْ خوان
عليه الخبز يَحْضُرُه زِحَامُ

وقال ابن بسام:

أما الرغيف على الخوا
نِ فمن حَمَامَاتِ الحَرَمْ
ما إن يُحَسُّ ولا يُمَسُّ
ولا يُذَاق ولا يُشَمْ

وقال الحمدوني:

أبو نُوحٍ دَخَلْتُ عليه يومًا
فغَدَّاني برائحة الطعامِ
وجاء بِلَحْمِ لا شَيء سَمِين
وَقَدَّمَه على طَبَق الكَلَامِ
فكان كمن سَقَى الظمآنَ آلًا
وكُنْتُ كَمَنْ تَغَدَّى في المنامِ

فالمُمْسك عن الإنفاق حِرْصًا على الدنيا، وَخَشْيَة من الإملاق ضعيف الإيمان، قليل الوثوق بالرزق الذي ضَمِنَه لعباده المَلِك الرزاق؛ حيث قال: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مع أن الرزق يَتَيَسَّر بالصدقات وفعل الخيرات، فهي من جملة أسبابه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «استنزلوا الرزق بالصدقة»، وقال جعفر بن محمد: «إني لأُمْلِقُ فأناجِزُ الله بالصدقة فأَرْبَح»، وقيل لعلي رضي الله عنه: كيف يحاسِبُ الله العباد على كثرتهم؟ قال: «كما قَسَمَ فيهم أَرْزَاقهم»، وقال الإمام مالك: «سَمِعْتُ أهل مكة يقولون: ما مِنْ أهل بيت فيهم اسم مُحَمَّد إلا رُزِقوا، ورُزِق خيرًا»، وقال بعض الحكماء: «ليس كل طالِبٍ للدنيا مَذْمُومًا، بل المذموم من طَلَبَهَا لنفسه، فمن طَلَبَ الدنيا للدنيا كان مذمومًا، ومن طَلَبَ الدنيا لإصلاح معاشه ومعاده كان ممدوحًا.»

وعلى هذا تُحْمَل أحوال الصحابة رضي الله عنهم، فكل ما دخلوا فيه من أسباب الدنيا فهم بذلك إلى الله متقرِّبون، وفي رضاه متسبِّبون، لا يَقْصِدُون بذلك زخرُف الدنيا وزِينَتَها، ولا ذَوْق حلاوتها ولذتها؛ ولذلك وَصَفَهُم الْحَقُّ سبحانه وتعالى بقوله: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وما ظَنُّكَ بقوم اختارهم الله تعالى لصحبة رسوله ، ولمواجهة خطابه في تنزيله، فما أحد من المؤمنين إلى يوم القيامة إلا وللصحابة في عنقه مِنَن لا تُحْصَى، وأَيَادٍ لا تُسْتَقْصَى؛ لأنهم هم الذين حَمَلُوا إلينا عنه الحِكَم والأحكام، وبَيَّنُوا الحلال والحرام، وفَهِمُوا الخاصَّ والعامَّ، وفتحوا الأقاليم والبلاد، وقَهَرُوا أَهْل الشرك والعناد، وقال فيهم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وقد وَصَفَهُم الله تعالى بأوصافٍ إلى أن قال: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا فَدَلَّ ذلك على أنَّ ما ابْتَغَوْهُ من الدنيا لم يَقْصِدوا به إلا وجه الله الكريم.

وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ فَلَمْ يَنْفِ عنهم الأسباب ولا التجارة ولا البيع ولا الشراء، فلا يُخْرِجُهم عن المدحة غِنَاهم إذا قاموا بحقوق مولاهم.

قال عبد الله بن عتبة: كان لعثمان رضي الله عنه يوم قُتِلَ مائة ألف وخمسون دينارًا، وألف ألف درهم، وتَرَكَ ألف فَرَس، وأَلْفَ مملوك، وخَلَّفَ مِنْ ضِيَاعه بِئْرَ أَرِيس وخَيْبَر ووادي القرى ما قيمته مائتا ألف دينار، وبَلَغَ مالُ الزبير بن العوام خمسين ألف دينار، وتَرَكَ أَلْفَ فَرَس، وأَلْفَ مملوك، وغِنَى عَبْد الرحمن بن عوف أَشْهَر مِنْ أن يُذْكَرْ، وكانت الدنيا في أَكُفِّهِم لا في قلوبهم، صَبَرُوا عنها حين فُقِدَتْ، وشَكَرُوا الله تعالى حين وُجِدَتْ، ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالفاقة في أَوَّلِ أَمْرِهِمْ حتى تَكَمَّلَتْ أنوارهم، وتَطَهَّرَتْ أسرارهم، فَبَذَلَهَا لهم حينئذ؛ لأنهم لو أُعْطَوْهَا قبل ذلك فَلَعَلَّهَا كانت تأخذ بمجامع قلوبهم، فلما أُعْطَوْهَا بعد التمكين والرسوخ في اليقين؛ تَصَرَّفُوا فيها تَصَرُّفَ الخازن الأمين، وامتثلوا فيها قول رب العالمين: وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فكانت الدنيا في أيدي الصحابة لا في قلوبهم.

ويكفيك في ذلك خروج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن نِصْف ماله، وخروج أبي بكر عن ماله كله، وخروج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن سبعمائة بعير موقورة الأحمال، وتجهيز عثمان بن عفان رضي الله عنه جَيْشَ العسرة، إلى غير ذلك من أفعالهم، فَتَضَمَّنَت الآية التزكيةَ لظواهرهم وسرائرهم، ولا شَكَّ أن الصحابة الأكرمين والسلف الصالح صاروا قدوة لغيرهم، فبهذا المعنى سَنُّوا سننًا فكان لهم أَجْرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، ولا شك أنها من الصدقات الجارية، وداخلة أيضًا في العلم الذي يُنتفع به، الآتي في الفضيلة الثانية، وأما ما صَنَعَه الخلفاء من الصدقات؛ فهو أكثر مِنْ أن يُحْصَرَ، ولو لم يكن إلا ما فَعَلَتْه أم جعفر زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد من الخيرات؛ لكان كافيًا في الدلالة على هِمَّة الخلفاء في فِعْل المعروف، فقِصَّتُها في حَجِّها وما اعتمدَتْه في طريقها مشهورة، أَوَليس أنها سَقَتْ أهل مكة الماء بعد أن كانت الراوية عندهم بدينار، وأنها أسالت الماء عشرة أميال بحَطِّ الجمال ونَحْت الصخر حتى غَلْغَلَتْهُ من الحِلِّ إلى الحَرَم، وعملت عقبة البستان، فقال لها وكيلها: يَلْزَمُكِ نفقة كثيرة، فقالت: أَعْمَلُهَا ولو كانت ضربة فأس بدينار.

ثم إن فِعْل الصدقة يكون في البلاد المتمدنة للمحتاج إليها من الفقراء العاجزين والمتقاعدين والآرامل وأهل الضرورات من أهل الديار، أو من غريب الأقطار، ومن المعلوم أن دين الإسلام الذي شُرِعَ لسعادة الأمة هو وسيلة التمدن العظمى فأول ما فَتَحَ الله سبحانه وتعالى مِصْرَ في عَهْد أمير المؤمنين سيدنا عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه كان أَوَّل مَنْ رَتَّبَ وَأَرْصَدَ من بيت مال المسلمين على الخيْرات والعلماء والمجاهدين وأولادهم وعيالهم وأهل الضرورات ما لزم من الإرصادات، وما زالت هذه الإرصادات الشرعية مستمرة في جميع الدول والقرون، ولله في شريعته أسرار لا يعقلها إلا العالِمون.

وتَبِعَ أميرَ المؤمنين رَضِي الله عنه — على زيادة هذه الإرصادات وإجراء حقوقها — مَنْ جاء بعده من الخلفاء والسلاطين، فكانت سُنَّةً حَسَنَة مُتَّبَعَة إلى وَقْت تَوْلِيَة السلطان نور الدين الشهيد، فأَحْدَثَ هذا السلطان مُرَتَّبَات وعلوفات، وأنشأ أوقافًا كثيرة من بيت المال على جهات خَيْر من مساجد ومارستانات، أعانت المستحقين على وُصُول حَقِّهِم إليهم من بيت المال بسهولة، فقيل للسلطان نور الدين الشهيد: إن في بيت المال مرتبات كثيرة مصروفة للفقراء والضعفاء والقراء، فلو استعَنْتَ بها في الجهاد ومَنَعْتَهَا عن هؤلاء وصرفتَها للأجناد لكان أَمْثَل، فغضب رحمه الله تعالى، وقال: إني لأرجو النصر بأولئك القوم، قال : «وهل تُنْصَرُون وتُرْزَقُون إلا بضعفائكم؟» كيف أَقْطَع خَيْرات قوم يقاتِلون عني وأنا نائم على فراشي، وأَصْرِفها إلى قوم لا يُقَاتِلون عني إلا إذا رأوني، بسهام قد تُخْطِئ وتصيب، وهؤلاء لهم نصيب في بيت المال، وكيف أَقْطَعُهُ عنهم ولا أَصْرِفه لهم؟

ثم تَبِعَه على ذلك السلطان صلاح الدين يوسف فأرْصَد كثيرًا من بيت المال للمُسْتَحِقِّين والأرامل، وأرباب الأنساب مِن البَكْرِيَّة والعُمَرِيَّة وغيرهم، وتَبِعَه الملك الكامل من بني أيوب، فإنه لَمَّا مَلَكَ مصر؛ أَرْسَل وزيره ليكشف له على أموال مصر وخَرَاجِها، فأرسل الوزير يُخْبِره في رُقْعة: «إن المرتبات من بَيْت المال للعلماء والفقراء في كل سنة مائتان وسبعون ألف دينار، وإنه يَحْصُل بذلك خَلَل في الخزائن السلطانية، ونَقْص من الأموال»، فكتب الملك الكامِل تَحْتَ ذلك بِخَطِّه: الفاقة مُرَّة المذاق، والمال مال الله الرحيم الرزاق، والخلق عيال الله وهو الواحد الخلاق، ما عِنْدَكُم يَنْفَد وما عِنْدَ الله باقٍ، أَجْرُوا الناسَ على عوائدهم في الاستحقاق، فإنا لا نُحِبُّ أن يُنْسَبَ إلينا المنْعُ وإلى غَيْرِنَا الإطلاق. والآثار الحسنة مِنْ مكارم الأخلاق، وإليكم هذا الحديث يُسَاق، وقال : «من تَسَبَّبَ في قَطْع رِزْق أخيه المسلم قَطَعَ الله رِزْقَه.»

فلما تَوَلَّى السلطان الظاهر برقوق الديار المصرية أراد أن يُبْطِل المرتبات والعلوفات التي أَحْدَثَها ملوك الأكراد قَبْلَه من بيت المال، وعَقَدَ لذلك مجلسًا حافلًا، وقال: إن أصول هذه المرتبات قد أُخِذَتْ من بيت المال بالحيلة، وقد اسْتَغْرَقَتْ نصف أموال بيت المال، وأراد إبطال ذلك، فأقنعه علماء عَصْره ومنهم شيخ الشيوخ، أكمل الدين، شارح الهداية مفتي السعادة الحنفية، وعلَّامة عَصْره الشيخ البلقيني شيخ السادة الشافعية، وغيرهما من العلماء، وقالوا: جميع ما أُرْصِد وقُرِّرَ على مُسْتَحِقِّي بيت المال ومصارفه، فلا سبيل لولي الأمر على نَقْضِه، وانقضى المجلس على ذلك.

وقد أفتى بذلك أيضًا سلطان العلماء العز بن عبد السلام وغيره من العلماء الأعلام، ولم تَزَل الملوك العادلون يَقْتَفُون أَثَرَ مَنْ قَبْلَهُم في ذلك، ويسلكون في ترتيب الخيرات وإجراء الصدقات الجارية أَقْوَمَ المسالك، إلى أن تولى الملك المُظَفَّر السلطان سليم خان، ونَظَمَ مصر في سلك دولة بني عثمان، فأبقى جميع ما بمصر من العلوفات والمرتبات على ما كان عليه، ولما وَشَى إليه بَعْض أمرائه بأن تلك العلوفات قد استغرقت كثيرًا من الأموال، وطَلَبَ منه رَفْعَها لاقتضاء الأحوال؛ قابَلَه بالمنع والطرد، وَرَدَّ عليه أَشْنَعَ الرد، وقال: تلك صدقات مَنْ قَبْلَنَا، فلا نُحِبُّ أن يكون قَطْعُها مِنْ قِبَلِنَا، ولما تولى بعده ولدُهُ السلطان سُلَيْمَان خان تغمده الله بالرحمة والرضوان سعى إليه بعض أهل الحدثان، وذكروا له أن هذه المرتبات الآيلة للأولاد والعيال والحريمات لم تُصادف من الشرع محلًّا، وأنها باطلة فرعًا وأصلًا، فأرسل خطًّا شريفًا بإبطال ذلك، فراجعه علماء عَصْره وزمانه وتَرَجَّوْا عظيم عَطْفِه وإحسانه، وذَكَرُوا له أن ما رُتِّبَ وأُرْصِدَ على تلك الخيرات وعلى الأرامل وعيال المقاتِلَة وأولادهم والعلماء لا سبيل إلى نقضه شرعًا؛ لصدوره عن نواب السلطنة مع موافقته المصالح الشرعية، وذكروا له إحسان والده على الأقطار المصرية، فأبقى ما كان على ما كان، وزاد مِنْ لُطْفِه فوق ذلك الإحسان، وأَصْدَرَ فرمانه الشريف وخطه الهمايوني المنيف بإبقاء المرتبات على ما هي عليه؛ اغتنامًا للثواب وإحرازًا للدعوات الصالحات التي ليس دونها حجاب.

ولَمْ تَزَلْ هذه الأرزاق على مستحقيها دارَّة، وبها عيون العواجز والأرامل وأهل العلم والقرآن قارة، إلى أن حَصَلَتْ التقلبات والفتن وتصاريف الدهر بالمحن وتَغَلَّبَ الفرنساوية على الديار المصرية بعد عَسْف وجور دولة المماليك وسوء تدبيرهم في الرعية، ثم أُزِيحَتْ أشكال هذه البلية وأنتج الإنتاج الصحيح نظم مقدمات القضية باستيلاء المرحوم محمد علي على المملكة اليوسفية، فكان من أعظم الأعوان والأنصار لمصر في رفع التكاليف الشاقة ودفع متاعب الآصار، فقصد إعادة فضيلة مصر على سائر الأمصار مما لَمْ يَسْبِقْ لها مِثْلُه في سائر الأعصار، وقد وَجَدَ في أرصاد هذه المُرَتَّبَات شذوذًا في أساليب التراتيب فَرَدَّ ترتيبها إلى نظام جَيِّد عجيب، وزاد في هذه الخيرات أضعافًا مضاعفة، وأجرى ما دَرَجَ عليه ملوك الإسلام من الطرائق الشرعية والمتعارفة وما أُسُسُهُ من صنائع الخير والمبرات، يكاد أن يكون خصوصية جَعَلَهَا الله له من أعظم الكرامات واقتدى به في ذلك خَلَفُه الصالح، فجَدَّدُوا لفعل الخير في مصر صالح المصالح، وفي مشهور الحكم: أَسْعَدُ الملوك مَلِك له وزير إذا نَسِيَ ذَكَّرَه، وإذا ذَكَرَ أعانه، ونسأل الله تعالى أن يُدِيمَ العز والنصر لمن يريد الخير العميم لمصر.

ومما ينبغي إعانة ولي الأمر على مضاعفة المَحَالِّ الخيرية من أرباب جمعيات الأغنياء وأهل الميسرة لتكثير وسائل البر والتقوى، كتكثير المارستانات التي تُرْصَدُ على المرضى والزمنى العاجزين عن المعالجة في بيوتهم، وكترتيب مارستانات تُرْصَدُ على الأطفال الذين يَلْتَقِطُونَهُمْ من الطرق والأيتام، وعلى الشيوخ المتقدمين في السن، والعميان والبله والمجانين وأرباب العاهات العاجزين، وكالمحال الخيرية والشركات السلمية؛ أي: المتعلقة بالبيع والشراء على سبيل السلم؛ لتسهيل الأخذ والعطاء، وقَطْع دابر الربا، ولإغاثة الملهوفين من القرض بربا الفضل، ولإعانة المعسرين والمفلسين من التجار المتعطلين عن الأشغال لحصول حادثة جبرية أَوْجَبَت الكساد وسوء الحال.

وبالجملة فإرصاد التكايا والمدارس والرباطات والشركات المباحة شَرْعًا وكل ما فيه مصلحة، هي مشروعات خيرية، لا يستطيع أن تقوم بها الدولة وَحْدَهَا، أو إنسان مخصوص وحده، ويد الله مع الجماعة، فلا بد في إبراز هذه المصالح الخيرية من جمعية أغنياء، تَرْصُد عليها الإرصادات، وتُرَتِّبُ لها الرواتب اللازمة الدائمة الاستغلال، فهذه صدقات جارية من جهة شركات تعاونية، يقتسمون أَجْرَها، ويحرزون شُكْرَها، فجمعيات فِعْل الخير بالاشتراك قليلة في بلادنا، بخلاف التصدقات الشخصية، والإرصادات الأهلية يَرْصُدها الواحد في الغالب كالسبيل والصهريج والمكتب، فإن هذا يتجدد بمصر كثيرًا، ولا يتأسس له ما به يكون الدوام والاستمرار.

ومن العجيب أنه يَسْهُل على النفوس إحداث الجديد، ويَصْعُب عليها إصلاح القديم المحتاج للإصلاح والتعمير، ومع ذلك فالمُصِرُّ لا يستغني عن الخيرات العمومية التي تقتضيها الأوقات والأحوال؛ كإرصاد مكاتب لتعليم البنات، لا سيما مكتبًا لتعليم فاقدات البصر منهن، ويتمنى أن من يفوز بإرصاد هذه المكاتب للنساء يكون من الخواتين الغنيات اللاتي يُوقِفْنَ في العادة أوقافًا عظيمة دون ما ذُكِرَ في الأهمية، ومن الثابت أن زبيدة زوجة الرشيد فَعَلَتْ كثيرًا من الخيرات، وكان لها مائة جارية يحفظن القرآن، ولكل واحدة وِرْد عُشْر القرآن وكان يُسْمَع في قصرها كدَوِيِّ النحل من قراءة القرآن، مع ما أحدثَتْهُ من الخيرات العديدة، وحَسْبُها العين الجارية بالحجاز المسماة: عيْن زبيدة، فلَيْتَ جميع الخواتين والهوانم يقتدين بها في إحياء المآثر وإسداء المكارم.

وكذلك عظماء الأمراء فإنهم أَوْلَى بالإرصادات العظيمة التي تليق بمقامهم، فيا ليتهم يقتدون في ذلك بحضرة الأمير راتب باشا الشهير ناظر عموم الأوقاف سابقًا، حيث بنى رواقًا واسعًا متصلًا بالجامع الأزهر، مُوقَفًا على طلبة العلم من الحنفية وعلى مُدَرِّسِي هذا المذهب، وأَجْزَلَ فيه من الخيرات الوفية؛ لتكثير أهل المذهب، فرواقه الآن بالأزهر عَلَم منيف وطِرَاز مُذَهَّب، بل عَمَّتْ خيرات الباشا المشار إليه المتواصلة حتى اقتضت إحياء مذهب السادة الحنابلة، فقد رَتَّبَ لرواقهم جرايات للشيخ والطلبة، وحضروا من الشام لإحياء هذا المذهب، وكان المشار إليه للخير العظيم سببه، فهذا هو فعل الخير المبني على الإخلاص في البر والإحسان، من أمير خطير هو خلاصة أشراف معد وعدنان، فما أحسن هذا الصنيع من الأمير صاحب المقام الرفيع، الذي وَضَعَ الندى في مَوْضِعِه وما أَوْضَع الحريص المضيعَ لمَالِهِ لِشَرَهِهِ وطمعه.

ومما يُنْظَم في سلك التعاون على البر والتقوى ومراعاة وجه الله الكريم في التمسك بالسبب الأقوى ما صنعه حضرة خليل أغا باش أغاوات حضرة ذات الدولة والعصمة والدة الجناب الخديوي ولي النعمة؛ حيث أنشأ بجانب المشهد الحسيني مدرسة لعدد كثير من الأيتام المنقطعين، وأوقف عليها ما يقوم بإجراء عوائدها، وتبرع لها بما لَمْ يَسْبِقْه به أحد من المتبرعين، فخَصَّصَ رأس مال جسيم لدوام هذه المدرسة، ونَشَرَ علومَها وأَسَّسَ أصولًا مستحسنة لِحُسْن إدارتها وتنظيمها، وأنشأ أيضًا تكية للأغوات العديمي الاكتساب، ولم يُسْبَقْ في ذلك، وخَصَّهُ الله بإلهام هذا الصواب، وهذا مما يُخَلِّدُ ذِكْرَه ويُضاعف ثوابَه وأَجْرَه، وقد قال : «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يَرُدُّ القدر إلا الدعاء.»

وهذا كله إنفاق ممدوح، وعلامة القبول عليه تلوح، بخلاف إنفاق مَنْ يَحْمِل نَفْسَه ولو في الضيق، فوق ما تطيق، فيعلوه الدَّيْن الذي لا يَعْرِف له جِهَة وفاء، فيدْخِل نَفْسَهُ في ربقة الضيق، ويُعْدَم الحميم والصديق، فتسوء أخلاقه، ولا يَنْفَعُه تَصَدُّقُه وإنفاقه، قال رجل لرسول الله : أرأيت إنْ قُتِلْتُ في سبيل الله مُقْبلًا غير مُدْبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: «نَعَمْ إلا الدَّيْن، بذلك أخبرني جبريل»، وعنه عليه الصلاة والسلام: أنه قال: «صاحب الدَّيْن محبوس عن الجنة بدَيْنِه.»

طَلَبَ رجل حكيم من رجل أن يُدِينَهُ دَيْنًا، فلم يَفْعَل، فقال: الحمد لله، لم يَكُنْ مِنْ مَنْعِكَ إلا أَنَّ وجهي احْمَرَّ من الحياء مرة واحدة، ولو أَعْطَيْتَنِي لَمْ يَصْفَرَّ وجهي من مُطالَبتِكَ مرة بل ألف مرة، قال تعالى: وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعلى لسان العامة: لا همَّ إلا همُّ الدَّيْن، ولا وَجَع إلا وَجَع العَيْن، وهذا كله محمول على الدَّيْن الذي يُنْفَق في غير الرشد، أو يَتَرَتَّب عليه المطل وعدم الوفاء، وإلا لما كان القرض مشروعًا، وقال جعفر بن محمد: «المستدين تاجِر الله في أَرْضِه»، وقال عمر بن عبد العزيز: «الدَّيْن وِقْر طَالَمَا حَمَلَه الكرام»، وقال عمرو بن العاص: «من كَثُرَ صديقه كَثُرَ دَيْنه»، وقال بعضهم: «الدَّيْنُ رِقٌّ فلينظر أَحَدُكُمْ أين يضع رقه»، وكان ابن الزبير رضي الله عنه ينشد:

ألا لَيْتَ النهار يعود ليلًا
فإن الصبح يأتي بالهمومِ
حوائج ما نُطِيقُ لها قَضَاءً
ولا دَفْعًا وروعات الغريمِ

وذلك لأن الدَّين هَمٌّ بالليل وذُلٌّ بالنهار، فالعجب كل العجب ممن يتطوع بالخير، ويَتَصَدَّق بأموال الناس، ويخلط العمل الصالح بالسيئ، ويظن أنه من الفعل الحسن مع أنه بمَعْزِل عن الحزم والاستقامة، مُعْتَمِدًا على قضاء دَيْنه الذي استدانه بدون باعث شرعِيٍّ، ولا مقتضًى سياسيٍّ، ومُعَوِّلًا على سوف وعسى ولعل، فهذا هو المِدْيَانُ الذي يَتَرَاكَمُ عليه الدَّيْنُ ودَيْنُ الدَّيْنِ، لا إلى نهاية ولا إلى أَجَلٍ، بل ربما لا يَنْقَضِي، وإن انقضى الأجل فصدقة مَنْ هو بهذه المثابة قَلَّ أَنْ تَقَعَ مَوْقِعَ الإصابة، فليست موضع الصدقة الجارية المذكورة في حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية» الحديث، وإنما موضوعها أرباب الغنى واليسار، انفرادًا واجتماعًا، انفصالًا واشتراكًا، ومن المعلوم أن مكارم الأخلاق ممدوحة عند جميع الدول والملل؛ لإعانة المحتاجين لا لأهل البطالة والكسل.

ولهذا لَمَّا تَغَلَّبَت الفرنساوية على الديار المصرية؛ لمحوا أن بها كثيرًا من الكسالى القادرين على الأشغال، الذين يُؤْثِرُون السؤال على الأعمال، ويُلِحُّون في الطلب، فحَنِقَ حاكِمُهُم من ذلك، ونَشَرَ قانونًا مشتملًا على خمسة بنود:
  • البند الأول: جميع الناس الذين يَسْأَلون الناس في الطريق، ويطلبون الحسنة منهم يَصِيرُ القبض عليهم وحضورهم أمام ضابط مصر، ثم يتوجهون إلى سجن القلعة ما لم يكونوا من أصحاب العاهات؛ كالعميان والعرجان والعاجزين عن الأشغال.
  • البند الثاني: كل ملة من الإسلام والنصارى من أروام وقِبْط وشوام ومن اليهود أيضًا تعمل من الآن فصاعدًا حانوتًا لقبول كافة العميان والعرجان والشحاذين العاجزين عن الشغل يكون مُعِدًّا لهم.
  • البند الثالث: كل رئيس ملة يلزم بلوازم حانوته، وكافة مصاريف الحانوت؛ من نفقة الأكل والشرب وخلافه، تتقرر على أهالي الملة المذكورة.
  • البند الرابع: في مدة تدبير الحوانيت وترتيبها: يَأْمُر كل كبير ملة بجمع كافة فقراء مِلَّتِه ويرضيهم، ويعطيهم لوازم الأكل والشرب والسكنى إلى حد انتهاء تدبير الحوانيت المذكورة واستكمالها.
  • البند الخامس: يجب على كبير كل ملة أن يَتَبَصَّر في أَمْر تدبير الحانوت لِمِلَّتِه، ويأخذ الأمر اللازم لذلك من شيخ البلد، ويسعى في إتمامه، فهذه التدابير في حَدِّ ذاتها خيرية، ولكن الحكومة المصرية قد كَفَتْ أهل الحاجة والمسكنة مُؤْنَةَ السؤال، ورتَّبَتْ للجميع في جامع طيلون اسبتالية جسيمة، منقسمة إلى بلوكات للفقرات والمساكين وأرباب العاهات من نساء ورجال وكبار وأطفال، يتحقق بها جاري الصدقات الوطنية، حيث نافست قديم المرتبات القلاوونية، فمثل هذه من الصدقات الجارية المذكورة في حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» الحديث.

والفضيلة الثانية تُؤْخَذ من قوله : «أو عِلْم يُنْتَفَعُ به» أي: عِلْم عَلَّمَه الإنسان لغيره فَصَار نافعًا، والعلم النافع مرادف للحِكمة المفسرة به، فهو ما يُوصِل إلى الصفات العَلِيَّة والمناقب السَّنِيَّة، ويُثْمِر الثمرات الدنيوية والأخروية، ويدعو إلى المكرمة، وينهى عن القبح، وهو المراد بقوله تعالى: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا حيث فَسَّر العلماء الحكمة بتفاسير كثيرة تَرْجِع إلى العلم النافع والأفعال الحسنة الصائبة، فالعلم بهذا المعنى يَشْمَل العلوم النظرية والعملية؛ يعني: معرفة الحقائق والإقدام عليها بالعلم، فجميع العلوم النافعة عقلية ونقلية نظرية وعملية داخلة بهذا المعنى تحت قوله : «أو عِلْم يُنْتَفَع به».

ثم إن العلم أَشْرَف ما رَغِبَ فيه الراغب، وأَفْضَل ما طَلَبَه وجَدَّ فيه الطالب، وأَنْفَع ما اكتسبه واقتناه الكاسب:

إذا رُمْتَ تَسْمُو لِنَيْل العلا
وقَدْرُك بالله عَالٍ وغَالِي
فبالعلم فاسْمُ لها مُحْرِزًا
فما مِثْلُه لِطِلَاب المَعَالِي

لأن شَرَفَه يتم على صاحبه، وفَضْله يُنَمَّى عند طالبه، قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فمَنَعَ من المساواة بين العالم والجاهل؛ لِمَا خُصَّ به العالم من فضيلة العلم، وأنشد الرشيد عن المهدي:

يا نَفْس خوضي بحار العلم أو غُوصِي
فالناس ما بين معمومٍ ومَخْصُوصِ
لا شيء في هذه الدنيا يُحَاطُ به
إلا إحاطة مَنْقُوصٍ بِمَنْقُوصِ

وقال عَلِيٌّ كَرَّم الله وَجْهَه: «قيمة كل امرئ ما يُحْسِن»، فقيل في هذا المعنى:

لا يكُون العَلِيُّ مِثْلَ الدَّنِيِّ
لا ولا ذو الذكاء مِثْلَ الغَبِيِّ
قيمة المرء قَدْرُ ما يُحْسِنُ المَرْ
ءُ قضاءً من الإمام عَلِيِّ

واعلم أن كل العلوم شريفة، ولكل عِلْم منها فضيلة، والإحاطة بجميعها أَمْر محال، قيل لبعض الحكماء: مَنْ يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس، وحسبك قوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، قال بعض الحكماء: «المتعمق في العلم كالسابح في البحر، ليس يرى أرضًا، ولا يَعْرف طُولًا ولا عَرْضًا.»

قل للذين قَضَوْا في العلم عُمْرَهُمُ
ثم اطمأنوا وظَنُّوا أنهم فَرَغُوا
العلم أَعْظَمُ مما تَزْعُمُونَ فَكَمْ
قد بالَغَ الناس في هذا وما بَلَغُوا

وإذا لم يَكُن إلى معرفة جميع العلوم سبيل؛ وَجَبَ صَرْف الاهتمام إلى معرفة أهمها، والعناية بأَوْلَاها وأفضلها، فأَوْلَى العلوم وأفضل العلوم الشرعية التي بمعرفتها جميع الناس يرشدون، وبجهلها يضلون ولا يهتدون، فهي كما قال : «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وقال : «خيار أمتى علماؤها، وخَيْر علمائها فقهاؤها»، ورُوِيَ عن أنس، أن النبي قال: «التفقه في الدين حَقٌّ على كل مسلم، ألا فتَعَلَّمُوا وعَلِّمُوا وتَفَقَّهُوا، ولا تموتوا جُهَّالًا» انتهى.

وربما مال بعض المتهاونين بالدين إلى العلوم العقلية، ورأى أنها أَحَقُّ بالفضيلة وأَوْلَى بالتقدمة؛ استثقالًا لما تَضَمَّنَه الدين من التكليف، واستصعابًا لما جاء به الشرع الشريف من التعبد والتوقيف، ولكن قَلَّ أن ترى ذلك فيمن سَلِمَتْ فِطْنَتُهُ وصَحَّتْ رَوِيَّتُهُ؛ لأن العقل يَمْنَع من أن يكون الناس هُمَّلًا أو سُدًى، يعتمدون على آرائهم المختلفة، وينقادون لأهوائهم المتشعبة؛ لما تئول إليه أمورهم من الاختلاف والتنازع، وتُفْضِي إليه أحوالهم من التباين والتقاطع، فلم يَسْتَغْنوا عن شريعة يأتلفون إليها ويتفقون عليها. ونَقَلَ القُطْب الشعراني، عن شيخه سيدي علي الخواص، أنه قال: «أُحِبُّ لإخواننا من طلبة العلم أن لا يتحكموا على عِلْم الله القديم بظاهر أدلتهم وأقاويلهم، وأن لا يُعَطِّلوا أنفسهم من العمل، ويقولون: حتى نفرغ من التعلم ثم نَعْمَل، وأن لا يستغرقوا عُمْرَهم في زوائد العلوم التي لا يُحْتَاج إليها إلا في النادر، وأن لا يتركوا عَمَلَ الحرفة التي يكون بها قَوَام معاشهم؛ خوفًا عليهم أن يأكلوا بدينهم وعِلْمِهِم، أو يتعرضوا لصدقات الناس وأوساخهم، فإن الأكل بذلك يُطْمِس أَفْهَامَهُم بخلاف أكل الحلال، فإن له مدخلًا في فَهْم دقائق العلوم.»

ولذلك فاق النووِيُّ أقرانه مع قِصَر عُمْره، وصار ترجيح المذهب راجعًا إليه؛ لأنه كان لا يأكل إلا من الحلال، وقال بعضهم: «أرزاق الفقهاء من صدقة أموال الظلمة مُكَدِّرَة بشروط الواقفين، مُنَغِّصَة بمنن النظار، من باشرها أَكَلَهَا صدقة، ومن لم يباشرها أَكَلَهَا حرامًا.» وبالجملة: فإن الأكل من صدقات الناس وولائمهم يقسي القلب، ويَسُدُّ الفهم، وهو ضد الورع، فالعلماء للشريعة هم الزمام، وبانتظام أحوالهم يَكْمُل الانتظام، فإذا تَكَسَّبوا من الحلال بصنعة؛ اسْتَغْنَوْا عن الشبهة المتوسطة بين الحرام والحلال، واكتَفَوْا شَرَّ السؤال؛ كما قيل:

إنْ حُزْتَ عِلْمًا فاتَّخِذْ حِرْفَة
تَصُون ماء الوجه لا يُبْذَلُ
ولا تُهِنْهُ أن يُرى سَائِلًا
فشَأْنُ أَهْلِ العلم أن يُسْأَلُوا

ويَتَعَلَّق بالشريعة الغراء عدة علوم، بَيَّنَ الشافعي رضي الله تعالى عنه فضيلة كل علم منها؛ فقال: من تَعَلَّمَ القرآن عَظُمَتْ قِيمَتُه، ومن تَعَلَّمَ الفقه نَبُلَ مِقْدَارُه، ومن كَتَبَ الحديث قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، ومن تَعَلَّمَ الحساب جَزُلَ رَأْيُه، ومن تَعَلَّمَ العربية رَقَّ طَبْعُه. انتهى. فقد جَمَعَ في ذلك العلوم الشرعية النقلية وأدواتها، وهي علوم العربية، والرياضية التي عَبَّر عنها بالحساب، قال بعضهم: وأما العلوم العقلية فتَرْجِع إلى أربعة علوم: فعِلْم له أَصْل وفَرْع، وعِلْم له أَصْل ولا فَرْع له، وعِلْم له فَرْع ولا أَصْل له، وعِلْم لا أَصْل له ولا فَرْع. فأما الذي له أَصْل وفَرْع: فهو الحساب والعلوم الرياضية، ليس بين أحد من الخلق فيها اختلاف.

فالحساب مُسْتَنْبَط من حروف المعجم، وهو في حد ذاته أصل من أصول العلوم النافعة؛ لأنه كما قال ابن حجاج: به يُعْلَم عَدَدُ الصلوات، والزكوات، والصيام، والشهور، والسنين، وتَحْدُث السنون من الشهور، والشهور من الجمعات، والجمعات من الأيام، والأيام من الساعات، والساعات من الدرج، والدرج من الدقائق، والدقائق من الشعائر، والشعائر من الأنفاس، وتنتهي قسمة الأنفاس إلى أجزاء لا يَعْلَمُها إلا الله تعالى، ومنشأ هذه الأزمنة من دوران الفلك، ويُسْتَدَلُّ على ذلك بسير الكواكب والشمس والقمر، فتنشأ بين ذلك كله الأزمنة والأوقات، التي يُسْتَدَلُّ بها على معالم الدِّين؛ من أوقات الصلوات، والصيام، والحج، وحين الزكاة، ومُدَد عِدَد النساء، ومحل الآجال، ويُقَيَّد ذلك كله بالحساب والعدد، حتى لا يَشُذَّ شيء مما يحتاج علمه بالتاريخ المصطلح عليه.

وقد عَدَّد الله تعالى نِعَمَه علينا بذلك في قوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ، وقد أَخَذَتْ العرب حسابهم من أبجد، فوجدوه ينتهي من واحد إلى أَلْف لا زيادة ولا نقصان، أَوَّلُها الأَلِف الذي هو واحد، وآخرها الغين الذي هو ألف، ولكن تعبدت الأمة المحمدية برؤية الهلال عند الصوم وعند الإفطار، لا بالحساب الذي يقوله الحساب والمنجمون من أن الهلال لم يَظْهَر؛ لأنه كان في حجاب الشمس أو في السرار مما لم نَتَعَبَّدْ به، بل أحالنا الشرع على الرؤية التي يستوي فيها الناس، فقال : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له» أي: أكملوا عدة شعبان، فهذه منافع الحساب في العبادات والعادات، ومنافعه في المعاملات والعقليات، وفي كل شيء لا تُحْصَى ولا تُحْصَر، فهو أَصْل له فروع كثيرة.

والعلم الذي له أَصْل ولا فَرْع له: فهو عِلْم النجوم، فالنجوم لها حقيقة وأَثَر ظاهري في العالم؛ كالفصول والأوقات ونحو ذلك، ولا يتفرع عنها شيء.

وأما العلم الذي له فَرْع ولا أَصْل له: فالطب، فإنه مبني على التجارب إلى يوم القيامة؛ يعني: أن أَصْلَه من نفسه، فهو يتجدد بفروعه التجريبية، وهذا لا يَمْنَع من كَوْنه ينقسم إلى عدة أقسام، اتسعت أيضًا فروعها بالتجارب، حتى صارت علومًا، وتعددت موضوعاتها بالنسبة لأجزاء بدن الإنسان على تعددها، فالموضوع الكلي للطب المبحوث عنه فيه هو بدن الإنسان صحة واعتلالًا، ثم تعدد الموضوع كطب العين والأذن والأنف وهكذا وكالتشريح وتشخيص الأمراض، وكل هذا هو عين التجربة التي هي دائمًا آخذة في التجدد إلى ما شاء الله.

وأما العلم الذي لا أَصْل له ولا فَرْع: فهو العلوم السوفسطائية والمغالطات والجدليات، التي هي عبارة عن الفلسفة الفاسدة الهادمة لأصول الأديان، لا الفلسفة الصحيحة المرادفة للحكمة، وأما العلوم الشرعية فهي وآلاتها أَوَّل العلم النافع.

وقد اعتنى العلماء بالتآليف فيها، لا سيما العلوم الثمانية؛ وهي عِلْم التفسير ويَلْحق به عِلْم القراءات والتجويد، ثم عِلْم الحديث دراية ورواية، ثم عِلْم الفقه، ثم عِلْم أصول الدين، ثم عِلْم النحو ومنه الصرف، ثم عِلْم المعاني والبيان، ويَلْحَق بهما البديع والعروض، ثم عِلْم التصوف، وكل هذه علوم نافعة، ثم يليها الفنون والصناعات وهي أيضًا علوم وعمليات من درجات أخرى متفاوتة، لا تَتِمُّ العلوم الشرعية إلا بها، وما لا يَتِمُّ الواجب إلا به فهو واجب، فإن الفنون والصنائع عليها مدار انتظام الممالك وتحسين الحالة المعاشية للأمم والآحاد، فهي من فروض الكفايات، أَوليس أن من الفنون صناعة الخط الذي له فَضْل وشَرَف ومنفعة لا يَجْهَلها مَن عَرَف، وبه تُقَيَّد العلوم، وتُثَبَّت وتُزْرَع في الصدور فتَنْبُت، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المحكم: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وقال عليه الصلاة والسلام: «قيدوا العلم بالكتابة.»

ولَمَّا لم يكن عند أكثر العرب كتابة في الجاهلية، وكانت إذ ذاك أمة أُمِّيَّة؛ جُعِلَ لها الشعر عِوَضًا، فأدركت به مرامًا وغَرَضًا أُقِيمَ عن الكتابة مقامها، فأَبْدَت بمحفوظ الشعر كلامها، وعَرَفَتْ به أنسابها وأيامها، فكان أَوَّل من أدخل في بلاد العرب الكتابة العربية هو سيدنا إسماعيل، فاخْتُصَّ بهذه الفضيلة الأولية، وأول من أدخل الكِتَاب العربي أَرْضَ الحجاز هو حَرْب بن أمية أو سفيان بن أمية، فتشبثوا بالحقيقة وساعدَتْهم على المجاز؛ يعني: فازوا بالصناعتين، واتسعت تجارتهم بالبضاعتين، وقِسْ على منفعة الخط في البلاد المنظمة غَيْرَه من الفنون والصناعات، التي أَكْسَبَتْ جميع البلاد المجد والعظمة، مما يفيد المال الصالح للرجل الصالح، فإنه لا تَصْلُح الفِعَال إلا بالأموال من الحلال، والأموال لا تكون إلا بالكسب من وَجْهٍ مِن وجوه الصنائع المعاشية؛ لتعين على المعادية، فلا أَحْسَنَ ممن يَكْسِب المال مِنْ حِلِّه، ويصرفه في مَحِلِّه، ويَكُف به وجْهَهُ عن الناس.

فالفنون التي هي وسائل ذلك ليس عنها مندوحة، وهي في الشرع ممدوحة، فلا مانع من دخولهما تحت قوله : «أو عِلْم يُنْتَفَع به» أي: نفعًا متصلًا دائم الثواب، فالحديث الشريف في قوله: «أو عِلْم يُنْتَفَع به» شامِلٌ لتعليم المعارف النافعة، سواء كانت علومًا أو فنونًا أو صناعات أو آلات، فإنها لا تَخْلُو عن مَدارِك علمية، وشامِلٌ أيضًا لاجتهاد المجتهدين، ووضْع الواضعين، وتدوين المدَوِّنِين، وللتصنيف والتدريس وغير ذلك، فالعمدة على العمل الذي ينشأ عنه معلومات نافعة لأهل الملة والوطن وللناس أجمعين، ويدل على ذلك ما ورد في رواية أخرى: «إذا مات ابن آدم خُتِمَ على عَمَلِه إلا عَشْرٌ» فذكر هذه الثلاثة، وزاد: «غَرْس النخل، ووراثة المصحف، والرباط في الثغر، وحفْر البئر، وإجراء النهر، وبناء بيت للغريب، وبناء مسجد لله تعالى، وتعليم القرآن»، فهذا يفيد أن الصدقة الجارية يدخل فيها جميع ما ذُكِر كما بَيَّنَّاه أولًا، وتعليم القرآن ووراثة المصحف يدخلان في العلم المنتفع به، وأن الثلاثة المذكورة ليست حاصرة، فلا مانع أن يُقَاسَ على التعليم كتابة الكتب، وطبعها ممن يأمر بذلك، أو يباشره، أو يُعِين عليه، أو مَنْ يَدُلُّ عليه، حيث كان الدالُّ على الخير كفاعله.

فكل مَنْ سَنَّ سنة حسنة دائمةَ النفع فهي داخلة في العلم النافع، يدل على ذلك ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في قوله: «من سن سنة حسنة فَلَهُ أَجْرُها وأَجْر مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة»، فالمؤمن الغارس غرسًا حِسِّيًّا أو معنويًّا يَحْصُد ثَمَرَه ثمرًا حلوًا حسيًّا أو معنويًّا، فغرسه لا يُثْمِر شوكًا ما دام ملازِم الإخلاص، فقاصد النفع العمومي يُثَاب ثَوَاب الخواصِّ، فحصر الإمام السيوطي للمستثنيات من القطاع العمل فيما هو مَذْكُور في النظم الآتي، وهو:

إذا مات ابنُ آدم جاء يَجْرِي
عليه الأجرُ عدَّ ثلاثَ عَشْرِ
علوم بَثَّهَا ودعاء نَجْل
وغَرْس النخل والصدقات تَجْري
وبيت للغريب بناه يَأْوي
إليه أو بِنَاء مَحَلِّ ذِكْرِ
وراثة مُصْحَف ورِبَاط ثَغْرٍ
وحَفْر البئر أو إجراء نَهْرِ
وتعليم لقرآن كريم
شهيد في القتال لِأَجْلِ بِرِّ
كذا مَنْ سَنَّ صالحة لِيَقْضِي
فَخُذْهَا من أحاديثٍ بِشِعْرِ

والكل في الحقيقة ترجع إلى الثلاث، وتزيد بالنظر لفروعها التي لا تَنْحَصِر، فالعدد لا مفهوم له.

وما أحسن قول الزمخشري وقَوْل من خمسة أبياته:

قَطَعَ الجهول زَمَانَه بِتَغَزُّلٍ
إن الجهول عن الكمال بِمَعْزِلٍ
أنا لا أميل إلى كلام العُذَّلِ
سهري لتنقيح العلوم أَلَذُّ لِي
مِنْ وَصْل غانية وطِيبِ عناقِ
إن كُنْتَ جئْتَ لدى العدا بنقيصةٍ
فهي الكمال وذاك عن خِصِّيصَةٍ
طلَبِي لغالية بِبَذْل رَخِيصَةٍ
وتمايُلِي طربًا لِحَلِّ عَوِيصَةٍ
في الذِّهْن أَبْلَغ من مُدَامة سَاقِي
سم الجهالة زال من ترياقها
وهي العلوم بمقتضى إشراقها
حَرَّرْتُهَا بالطرس باستحقاقها
وصرير أقلامي على أوراقها
أشهى من الدوكاء والعشاق
فانهض لتحصيل العلوم وَوَفِّهَا
حقًّا بأشرف حالة وأَعَفِّهَا
إني كَفَفْتُ عن السوى بأَكُفِّهَا
وألذ من نَقْر القِيَانِ لِدُفِّهَا
نقري لِأُلْقِي الرَّمْلَ عن أوراقي
تَعْلُو على أَوْجِ المعالي هِمَّتِي
في نَيْل مقصودي وقُرْب أَحِبَّتِي
وأنا الذي عَزْمِي كسيف مُصْلَتِ
يا من يُبَالِغُ بالأماني رُتْبَتِي
كم بَيْن مُسْتَعْلٍ وآخَرَ رَاقِي
أصبحْتُ موصوف العلا مَنْعُوتَهُ
لا أختشي من جانبٍ تَفْوِيتَهُ
يا قاصرًا فينا يحاول صِيتَهُ
أأبيت سهرانَ الدجى وتَبِيتَهُ
نومًا وتبغي بَعْدَ ذاك لِحَاقِي؟

فمن هذا يَنْتِج أن صاحب العلم أو الفن أو الصناعة ينبغي دائمًا أن يجتهد في تكميل قواعد عِلْمِه أو فَنِّه أو صناعته، أصولًا وفروعًا، اجتهادًا واستنباطًا، ويَرْغَب إلى الله تعالى في العون على ذلك، فإذا تَمَّتْ فضيلته وكَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ؛ فعليه أيضًا أن يَشْتَغِل بالتصنيف والجمع والتأليف؛ ليُطْلِعَ جميع الناس على حقائق الفنون ورقائق العلوم ودقائق الصنائع، وعليه أن يُجِيدَ البيان حسب الإمكان، وكل ما يَعُمُّ نَفْعُه وتكون الحاجة إليه أَوْلَى، يُقَدِّمُه على غيره، ويعتني بما لم يُسْبَقْ إليه.

ويُقَدِّم المبادي على المقاصد؛ لأن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومَدَاخِل تُفْضِي إلى حقائقها، فلا يَطْلُب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قَبْل المَدْخَل؛ لأن البناء على غير أساس لا يَثْبُت، والثمر في غير غَرْس لا يُجْنَى ولا يُنْبِت، فلا تَحْمِل طالبَ المنفعةِ الأسبابُ الفاسدة والدواعي الواهيةُ على أن يَتَّبِعَ أغراض نَفْسِه المُخْتَصَّة بنوع من العلم، فيدعوه الغرض إلى قَصْد ذلك النوع، ويَعْدِل عن مقدماته؛ كرجل يُؤْثِر القضاء أو يَتَصَدَّى للحُكْم فيَقْصِد من عِلْم الفقه أدب القاضي وما يتعلق به من الدعاوي والبينات، أو يُحِبُّ أن يَخْتَصَّ بوظيفة الشهود، فيتعلم كتاب الشهادات؛ لئلا يَصِير موسومًا بجَهْل ما يعاني، فإذا أَدْرَكَ ذلك ظَنَّ أنه قد حَازَ مِن العلم جمهوره، وأدرك منه مَطْوِيَّه ومَنْشُورَه، ولم يَرَ ما بَقِيَ إلا غامضًا طَلَبُه وعويصًا استخراجه، فلو نَصَحَ نَفْسَه لَعَلِمَ أن ما تَرَكَ أَهَمُّ مِمَّا أَدْرَكَ؛ لأن بعض العلوم مرتبط ببعض، ولكل باب منها تَعَلُّق بما قَبْلَه، فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها، وقد يَصِحُّ قيام الأوائل بأنفسها، فيصير طلب الأواخر بترك الأوائل تَرْكًا للأواخر والأوائل جميعًا، ومِثْل ذلك الفنون والصنائع.

وقد يقصد الإنسان بطلب العلم التكسب أو التجميل، فينهض من العلم بتعلم ما يَشْتَهِر به من مسائل الجدل وطريق النظر، ويتعاطى عِلْم ما اخْتُلِفَ فيه دُونَ ما اتُّفِقَ عليه؛ ليُنَاظِر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق، ويجادل الخصوم وهو بِجَهْل مَذْهَبه مخصوم، فكثيرًا ما تَجِدُ مِنْ هذه الطبقة عددًا، وقد تحققوا بالعلم تَحَقُّق المتكلفين، واشتهروا به اشتهار المتَحَزِّبِين، فإذا أخذوا في مناظرة الخصوم ظَهَرَ كلامهم، وإذا سُئِلُوا عن واضح مَذْهَبِهِمْ ضَلَّتْ أَفْهَامُهُم، حتى إنهم لَيَخْبِطُونَ في الجواب خَبْطَ عشواء، فلا يَظْهَرُ لهم صواب، ولا يَتَقَرَّرُ لهم جواب، ثم لا يرون ذلك نَقْصًا حيث نَمَّقُوا في المجالس كلامًا موصوفًا، ولَفَّقُوا في المحافل احتجاجًا مألوفًا، وقد جَهِلُوا من المذهب ما يَعْرِفُه المبتدي، فهذه طرائق من يقول: اعْرِفُونِي وهو غير عروف ولا معروف، وقد قال زهير:

ومهما تَكُنْ عند امرئ من خليقة
وإن خالَها تَخْفَى على الناس تُعْلَم

وبالجملة فالمتواضع من طَلَبَة العلم أَكْثَرُهم عِلْمًا، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء، وينبغي لطالب العلم أن يَخْرُج دائمًا في عباراته من الرمز الخَفِيِّ إلى اللفظ الجلي، فإن الرمز لا يَلِيق بالعلم المعنوي ولا الكلام اللغوي، وإنما يختص غالبًا بأحد شيئين: إما بمذهب شنيع يُخْفِيه مُعْتَقِدُه، ويجعل الرمز به سببًا لِتَطَلُّع النفوس إليه، واحتمال التأويل فيه سببًا لدفع التهمة عنه؛ كالتنجيم والطلاسم، وإما بما يَدَّعِي أربابه أنه عِلْم مُعْوِز، وأن إدراكه بعيد مُعْجِز؛ كالصنعة التي وَضَعَهَا أربابها أسماءً لعلم الكيمياء ورمزًا بأوصافه؛ لِيُوهِمُوا الشح به والأسف عليه؛ خديعة للعقول الواهية والآراء الفاسدة، وقد قال الشاعر:

مَنَعْتُ شيئًا فأكْثَرْتُ الوُلُوعَ به
أحب شيء إلى الإنسان ما مَنَعَا

فالمتشبثون بمثل هذه الأمور لا يُنْتَفَعُ بعلمهم، فلا يَدْخُل في هذه الفضيلة المذكورة في قوله: «أو عِلم ينتفع به».

«الفضيلة الثالثة» المذكورة في قوله : «أو ولد صالح يدعو له» إشارة منه إلى أن الإنسان مخلوق لحكمة إلهية، وهي تعمير الدنيا وتمام انتظامها، وهذه الحكمة إنما تَتِمُّ بتكثير النوع البشري واستمرار نسله، وهذا إنما يكون بالتوالد والتناسل، وأن كل إنسان اجتهد في تحصيل مال أو عِلْم أو جَاهٍ يُحِبُّ — طبعًا — امتيازه به في حياته دون غيره، وأن لا يتوارثه عنه إلا نَسْلُهُ بَعْدَه؛ ليكون حيًّا حياة معنوية دائم النسل باقيَ الذكر، وإلا لكان الإنسان لا يَجْتَهِد إلا بقدر عِيشَتِه الضرورية، فأمل انتقال الوراثة إلى النسل والولد أكَّدَ في النوع البشري تَكْثِير العمل، فقد يكون مدار الأعمال المعاشية والمعادية على الآمال التولدية، فأشار الحديث الشريف إلى معنًى لطيف؛ وهو الحث على التناسل والتوالد وتأهيل النسل، لدرجة الرشد، وبلوغ غرض الوراثة النافعة، وينبغي للوالد أن يَهْتَمَّ بشأن الصبي في شبيبته؛ لِيَعْلَمَ ما ينبغي تَعَلُّمه حفظًا في حال صغره، لينكشف له معناه في حال كِبَرِه، فابتداؤه الحفظ ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق، وذلك مما يَحْصُل في الصبي من غير برهان، فقد مَنَّ الله عز وجل على قلب الإنسان بالحفظ، وشَرَحَ له صَدْرَه في أول نشأة الإيمان من غير حجة وبرهان، وإنما تحصل التقوية والإثبات في الصبي والعامي بعد ذلك حتى يَرْسَخ الإيمان ولا يَتَزَلْزَل.

وليست التقوية والإثبات في الصبي أن يُعَلِّمَه وَلِيُّه صَنْعَة الجدل والكلام، بل يشغله بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه، ويشتغل مع ذلك بوظائف العبادات، فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخًا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه، وبما يَرِد عليه من شواهد الحديث وفوائده، وبما يسطع عليه من أنوار العبادة ووظائفها، وبما يَسْرِي إليه من مشاهدة الصالحين ومُجَالَسَتِهِم وسيماهم وهيئاتهم في الخضوع لله تعالى، وهذه هي التربية الحسنى حتى يَنْمُوَ في الصبي بذر الإيمان، ويَقْوَى فيه شجرة راسخة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فيظهر اعتقاده في الثبات كالطود الشامخ، ثم ينوطه بالصناعة التي تميل إليها نفسه ويستحسنها ظَنُّه وحدثه، ومع ذلك فلا يتأخر مع أداء صنعته عن تلاوة القرآن، قال : «إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل يا رسول الله: وما جلاؤها، قال: قراءة القرآن»، وقال : «من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدًا أُوتِي أفضل مما أُوتِي فقد استصغر ما عَظَّمَ الله.»

وعن مالك بن أنس رضي الله عنه: أنه كان إذا دخل رمضان نَفَرَ من مذاكرة الحديث ومجالسة أهل العلم وأَقْبَلَ على القراءة في المصحف، «وكان» أبو حنيفة، والشعبي يختمان في رمضان ستين ختمة، وقال : «القرآن فيه خَبَر مَن قَبْلكم، ونبأ مَنْ بَعْدكم، وحُكْم ما بَيْنكم»، قال علي رضي الله عنه: «من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو مِمَّن كان يَتَّخِذ آيات الله هزؤًا»، وتقييد الولد بالصالح مع زيادة قوله: «يدعو له»، إشارة منه إلى حق الولد على الوالد، وهي تربيته تربية حسنة وتوصيله إلى درجة الصلاح والاستقامة، وإلى حق الوالد على الولد وهي الدعاء لوالده؛ لأن فَرْض الكلام بقاء الولد بعد موت والده المفهوم من قوله: «إذا مات ابن آدم» إلخ، والمراد بالولد: ما يَعُمُّ الذكر والأنثى، كما أن المراد بالدعاء له عموم أعمال ولده الصالحة، فإن الوالد ينتفع بأعمال ولده الصالحة؛ لأنه السبب في وجوده وصلاحه وإرشاده إلى الهدى، ومن جملة الأعمال التي تصدر عن الولد الصالح ويَنْتَفِع بها والده دعاؤه له، فقد ورد: «إن الإنسان ينعم في الآخرة بنعيم عظيم، فيقول: من أين هذا النعيم، فإني لم أَعْمَل في الدنيا عملًا يُوجب لي ذلك؟ فيقال: هذا من دعاء ولدك الصالح لك»، وبالجملة فالولد الصالح من الباقيات الصالحات؛ لأن أعماله الصالحة يُنْتَفَع بها، والمراد أيضًا بالولد: ما يَعُمُّ ولد الولد ذكورًا وإناثًا أسباطًا وحَفَدَة، فإنهم لأصولهم كالأجنحة وهم أصول، يَصُول بهم الأكبر، ويَدُه بهم تَطُول، وهم العُدَّة عند الشدة.

قيل لمحمد ابن الحنفية: كيف كان علي رضي الله عنه يُقْحِمُكَ في المآرق؛ أي: المتالف، ويولجك في المضائق دون الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه وكنت يديه، فكان يقي بيديه عينيه.

ورأى علي رضي الله عنه الحسن يَتَسَرَّع إلى الحرب، فقال: امْلُكوا عني هذا الغلام لا يَهُدَّنِي، فإني أنفس بهذين على الموت؛ لئلا ينقطع بهما نَسْل رسول الله وقوله: فإني أنفس بهذين؛ أي: بالحسن والحسين؛ أي: أخشى أن ينقطع بموتهما النسل النبوي، «وكان» يُقال لعمر بن الوليد بن عبد الملك فحل بني مروان، وقد كان يَرْكَب معه ستون رجلًا لصُلْبِه. وقد كان لماوية امرأة لؤي بن غالب أولاد منه، فقالت له يومًا: أيُّ بنيك أحب إليك؟ قال: الذي لا يَرُدُّ بَسْطَ يده بُخْل، ولا يلوي لسانه عُجْر بالراء المهملة؛ أي: لَكْنَة، ولا يُلَوِّنُ طبيعته سَفَه، وهو أحد ولَدِكِ بارك الله لي ولك فيه؛ يعني: كَعْب بْن لؤي أحد أجداده .

ودخل عبد الملك بن مروان على معاوية ومعه بنوه، فلما جلسوا على الكراسي وأخذوا مَجَالِسَهُم اغتاظ معاوية، ثم قال: كأنك أَرَدْتَ مُكَاثَرَتِي ببنيك يا ابن مروان، وما وَجَدْتُ مِثْلي ومِثْلك إلا كما قال الشاعر:

تُفَاخِرُني بكثرتها قُرَيظ
وقبلي والد الحجل الصقور

فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين إنما هم وَلَدُك وَيَدُك وعَضُدك، وقد عَلِمْتَ إنما خِفْتُ عليهم من العين وليسوا عائدين، قال بعضهم للمهلب: ما النُّبْل؟ أي: الشرف، قال: أن يَخْرُج الرجل من مَنْزِله وَحْدَه ويعود في جماعة، وكان المهلب كَثِير البنين، ومن الشجاعة والسخاء بمكانة، فقيل له: إنك لَتُلْقِي نفسك في المهالك، قال: إن لم آتِ الموت مسترسلًا أتاني مستعجلًا، ثم أنشد:

تأَخَّرْتُ أستبْقِي الحياة فَلَمْ أَجِدْ
لنفسي حياة مثل أنْ أَتَقَدَّمَا

ومَرَّ بقوم من ربيعة في مجلس لهم، فقال رجل من القوم: هذا سيد الأزد، قيمته خمسمائة درهم، فسمعه المهلب فأرسل إليه بخمسمائة درهم وقال: دُونَكَ يا بن أخي قيمة عَمِّكَ، ولو كُنْتَ زِدْتَ فيها لزِدْتُك، وقال بعضهم في المهلب وبنيه يمدحه:

يراكَ الله حيث يَرَاكَ بحرًا
وفَجَّرَ منك أنهارًا غزارا
بنوك السابقون إلى المعالي
إذا ما أَعْظَمَ الناس الخطارَا

والخطار فِعال من خَاطر؛ يعني: سَابِق وراهِن، وبمعنى الخطر وهو المراد، وهذان البيتان لكعب بن معدان الأشقري الأزدي، يقال: إن الخليفة المنصور حَسَدَ آل المُهَلَّب على المدح بهما، وكذلك بعده للمأمون، قال للشعراء: أَلَا قُلْتُم فيَّ كما قال كَعْب في المهلب وَوَلَدِه، وأنشدهم هذين البيتين السابقين.

وقد يَنْتِجُ من العنصر الطَّيِّب فُرُوع تزيده طِيبًا على طِيبِه، ومن غير الطَّيِّب فروع تَكُون سببًا في ذِكْرِه وتوصيل الثواب له، فكان يُقَال: بنو أمية دَنُّ خَلٍّ، أخرج الله مِنْه زُقَّ عَسَل؛ يعني: عُمَر بن عبد العزيز، فهو الولد الصالح المستوفي للفرد الأكمل النسبي من الحديث، «ويُحكى» أنَّ الخليفة المنصور قال له رجل من الهاشميين: اعْتَلَّ أبي رحمه الله ومات في وقت كذا رَحِمَهُ الله، فقال الربيع وَزِير المنصور: كم تَتَرَحَّم على أبيك بين يدي أمير المؤمنين وكيف ذلك؟ فقال له الهاشمي: لا ألومك، فإنك لم تَعْرِف حلاوة الآباء، فضحك المنصور وخجل الربيع؛ لأنه لم يكن له أب يُعرف على ما قِيلَ، والذي في التواريخ أنه ابن يونس بن أبي فَرْوَة مولى الحرث الحفار مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان حاجبًا للمنصور ثم صار وزيره، وكان يميل إليه ويعتمد عليه، فقال له يومًا: يا ربيع، سَلْ حَاجَتَكَ، فقال: حاجتي أن تُحِبَّ الفضل ابني، فقال له: وَيْحَكَ، إن المحبة تَقَع بأسباب، فقال له: قد أَمْكَنَكَ الله من إيقاع سببها، قال: وما ذاك؟ قال: تَفَضَّل عليه، فإنك إذا فَعَلْتَ ذلك أَحَبَّكَ، وإذا أَحَبَّكَ أَحْبَبْتَه، قال: قد والله حَبَّبْتَه إليَّ قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخْتَرْتَ له المحبة دون كل شيء؟ قال: لأنك إذا أحْبَبْتَه كَبُر عندك صَغِيرُ إحسانه، وصَغُر عندك كَبِيرُ إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجَتُه إليك حاجةَ الشفيع العريان، يشير بذلك إلى قول الفرزدق:

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرًا
مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

فقد سعى الربيع في تقديم ولده الفضل عند الخليفة، وأدى ما يجب للولد على الوالد.

وبالجملة فقد قال : «الولد ريحانة من الجنة»، وقال بعضهم: الولد ريحانة إلى سبع، ووزير إلى سبع أخرى، وبعد ذلك إما صديق حميم، وإما عدو مبين، وبُشر الإمام عمرُ الفاروق رضي الله عنه بولد، فقال: ريحانة أشمها برهة من الزمان، وعما قليل إما ولد بار وإما عدو ضار، وأنشد بعضهم:

هذا الزمان الذي كنا نُحَاذِرُهُ
في قول كَعْب وفي قول ابن مسعود
إن دام هذا ولم يَحْدُث له غَيْر
لم يُبْكَ مَيْت ولم يُفْرَحْ بمولود

وقال الفضيل: ريح الولد من الجنة، ومزايا الأولاد دنيا وأخرى لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، فإنه قد يعود من الولد على رحمه، ولو كان الرحم حاملًا أنواع الرعاية، فقد روى كعب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ، أنه قال: «استوصُوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا» يعني: أن هاجر أمَّ إسماعيل كانت قبطية ومارية أم سيدنا إبراهيم كانت كذلك، وقال : «لو عاش إبراهيم لَوَضَعْتُ الجزية عن كل قبطي»، ولحرمة الولد والوالد وارتباط العلاقة المتينة بينهما بما تقتضيه الحقوق؛ أَقْسَم الله بهما في قوله تعالى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ المراد بالبلد: مكة المشرفة التي جَعَلَهَا الله حرمًا آمنًا، وجعل مَسْجِدَها قِبْلة لأهل المشرق والمغرب، والمراد بالوالد: إبراهيم وإسماعيل، وما ولد: محمد لأن إبراهيم باني مكة، وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سُكَّانُهَا، وقيل: المراد بالوالد في الآية إبراهيم، وما ولد: جميع ولد إبراهيم من العرب والعجم، فإنهم مكان البقاع الفاضلة من أرض الشام وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم؛ لأنهم ولد عيص من إسحاق، فقد عَمَّرَت البقاع الفاضلة من نَسْل إبراهيم عليه السلام، وآخر الأنبياء وهو نبينا محمد من أولاده؛ فلذلك قُرِنَ اسمه باسمه في الصلوات بالصيغة الإبراهيمية التي هي أيضًا عظيمة الفضيلة في جميع الأوقات، وكان يصلي بها فيذكر بها جَدَّه، فقد دخل في ضِمْن حديثه الشريف من قوله: «أو ولد صالح يدعو له».

ثم إن توصيل الولد إلى الرتبة المطلوبة والدرجة المرغوبة تتوقف على حُسْن التربية والتهذيب والتعليم والتأديب، ولا يَخْفى أن الله سبحانه وتعالى شَرَّف الإنسان بمُضْغَتَيْن صغيرتين؛ وهما قَلْبه ولسانه، وخَصَّه بصفتين عظيمتين؛ وهما هِمَّته وإحسانه، وما عدا ذلك من مَحْض المال أو الجمال فإنما هو حظ الأدنياء من النساء والرجال، فلا يَرْتفع المرء حتى يَرْفَعَه أكبراه وأصغراه، فالجنان قَابِل واللسان قائل، والهمة حاملة والإحسان فضيلة عاملة، والجنان عارِف مُسْتَقِرٌّ واللسان مُعْتَرِف مُقِرٌّ، والهمة حركة منتشرة والإحسان بركة مبشرة، فإن الجنان ينشي واللسان يفشي، وكلاهما يساعد الهمة والإحسان والعزم والإتقان؛ ولذلك كان المرء بأَصْغَرِيه.

ومعلوم أن الولد الصغير مُسْتَعد بأصغريه إلى استكمال أكبريه، فيحتاج إلى التربية التي هي صفة المربي الذي يقيمه الوليُّ لتأديب الصبي فيما يُقْصَد منه، فيجب على الولي أن يتأمل في حال الصبي وما هو مُسْتَعِدٌّ له من الأعمال ومُتَهَيِّئ له منها، فيعلم أنه مخلوق له؛ لحديث: «اعملوا فكل مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ له»، فلا يَحْمِلُه على غيره، فإنه إن حمله على غير ما هو مُسْتَعِدٌّ له لم يُفْلِح فيه عادة، فيفوته ما هو متهيئ له، فإذا رآه حَسَنَ الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعيًا؛ فهذا من علامة قَبُولِه للعلوم والفنون وتَهَيُّئِه لها، فليَنْقُشْها في لَوْح قلبه ما دام خاليًا، فإنها تَتَمَكَّن من القلب وتَسْتَقِرُّ فيه وتزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وَجْه؛ عَلِمَ أنه لم يُخْلَق لذلك.

فإن رأى عينه طامحة إلى صنعة من الصنائع مستعدًّا لها قابلًا عليها وهي صناعة مباحة نافعة لأهْل وَطَنِه؛ فليُمَكِّنه منها، وهذا كله بعد تعليمه المعارف الابتدائية التي يشترك فيها كل فرد من أفراد الجمعية التأنسية، وهي الكتابة والقراءة وما يحتاج إليه في دِينِه من العقائد وغيرها، وأصول الحساب، ونحو ذلك من السباحة والعوم والفروسية وأسبابها من ركوب الخيل والرمي واللعب بالرمح والسيف وأشباه ذلك من آلات الحرب؛ ليتمرن على وسائل الدفع عن وطنه والمحاماة عنه، فإن هذه الأشياء من المنافع العمومية التي ينبغي تمرين الأطفال في زمن الشبوبية عليها، هذا بالنسبة للذكور.

وأما بالنسبة للبنات فإن وَلِيَّ البنت يُعَلِّمُها ما يَلِيق بها من القراءة وأمور الدين، وكل ما يليق بالنساء من خياطة وتطريز، وإن اقتضى حال البلاد تعليم النساء الكتابة وبعض مبادئ المعارف النافعة في إدارة المنازل؛ فلا بأس بتعليم الحساب وما أشبهه لهن، ويشترك الصبيان والبنات في تعليم الأخلاق والآداب وحسن السلوك.

فبهذا كله يتيسر للجميع كسب الفوائد الجسيمة المنتجة للاستقامة التامة وغنى النفس، بما اكْتَسَبَه العقل من العلوم والمعارف، ومارَسَتْه الأيدي من الصنائع واللطائف، التي هي أَمْن مِن الفقر الذي استعاذ منه في قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» وفي رواية أخرى: «من الفقر والعيلة»، وقال : «كسب اليد أمان من الفقر.» وقال أيضًا: «إن الله يحب العبد المحترف، ويكره الصحيح الفارغ.»

وفي عوارف المعارف رُوِيَ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: إن الله تعالى لَيُصْلِح بصلاح الرجل وَلَدَه وَوَلَدَ ولده وأَهْلَ دُوَيْرَتِه ودويرات حَوْله، ولا يزالون في حِفْظ الله ما دام فيهم، انتهى، وفي ذلك قيل:

رأيت صلاح المرء يُصْلِح أَهْلَه
ويُعْدِيهم عِنْد الفساد إذا فَسَد
يُعَظَّمُ في الدنيا لِفَضْل صَلَاحِه
ويُحْفَظ بعد الموت في الأهل والولد

فهذا هو الصلاح الموروث المسلسل المقصود من قوله في الحديث أيضًا: «أو ولد صالح يدعو له»، فالرجل إذا عَلَّمَ ولده ما فيه صلاحه واستقامته؛ اجتنى ثواب ثَمَرَة عمله دنيا وأخرى، أما ثواب الآخرة فأمْرُه ظاهِر، وأما ثَمَرَة عمله في الدنيا فهي البر والطاعة، وهما حَقٌّ كبير على الولد لوالده، قال الخليفة المأمون: لم أرَ أحدًا أَبَرَّ من الفضل بن يحيى — وهو في سجن الرشيد — لأبيه، بَلَغَ من بِرِّه أنه كان أبوه لا يتوضأ إلا بماء مسَخَّن فمنعهم السجان من الوقود في ليلة باردة، فَلَمَّا أخذ يحيى مَضْجَعَهُ قام الفضل إلى قمقم فأدناه إلى المصباح فَلَمْ يَزَلْ قائمًا وهو في يده حتى أصبح فشعر السجان بذلك فغيب المصباح، فتأبطه إلى الصباح.

قال علي رضي الله عنه: لو عَلِم الله شيئًا من العقوق أدنى مِنْ أُفٍّ لَحَرَّمَهُ، فليعمل العاق ما شاء أن يَعْمَل فلن يَدْخُل الجنة، وليَعْمَل البَارُّ ما شاء فلن يَدْخُل النار.

ومن البر أن لا ينتمي الولد إلى غير أبيه، قال : «ملعون ملعون من انتمى إلى غير أبيه، أو ادعى غير مواليه»، ومن البر أيضًا أن لا يكون سببًا لِسَبِّ أبيه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: لا تمشين أمام أبيك، ولا تجلس قَبْلَه، ولا تَدْعُه باسمه، ولا تَسْتَسِبَّ له؛ أي: لا تُعَرِّضْه للسب وتجره إليه؛ بأن تَسُبَّ أبا غَيْرِك فَيَسُبَّ أباك مجازاة لك، وقد جاء مُفَسَّرًا في الحديث الآخر: «إن من أكبر الكبائر أن يَسُبَّ الرجل والديه، قيل: وكيف يَسُبُّ والديه؟ قال: يَسُبُّ الرجلَ فيَسُبُّ أباه وأمه»، وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنه: «أتى رجل رسول الله ، فقال: إن والدي يأخذ مالي وأنا كاره، فقال: أما عَلِمْتَ أَنَّكَ ومالك لأبيك»، ومِنْ حَقِّ الأولاد إعظام الأصغر للأكبر، وحُنُو الأكبر على الأصغر، قال : «حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على وَلَدِهِ.»

وقد ذُكر في كتاب الحسبة في الكلام على مؤدبي الأطفال: أنه لا يجوز لهم تعليم الأطفال في المساجد؛ لنهي النبي عن ذلك، وأَمْرِه بتنزيه المساجد عن الصبيان والمجانين؛ لأنهم لا يَتَحَرَّزُون من تسويد حيطان المساجد، بل يتخذون للتعليم حوانيت في الدروب وأطراف الأسواق، قال: وينبغي للمؤدب أن لا يعلم الصبي القصار من سور القرآن إلا بَعْد حَذْقِه بمعرفة الحروف وضبطها بالشكل، وتأليف طبعه إليها، ثم يُؤَلِّف طبعه على القرآن وحِفْظِه، ثم يُعَرِّفْه عقائد الدين، ثم أصول الحساب، وما يَسْتَحْسِنه من المراسلات والأشعار، ثم يأمر الصبيان بتجويد الخط على المثال والمشق، ويكلفهم بالحفظ على ظَهْر الغيب، ومن كان عُمْره سَبْع سنين أَمَرَهُ بالصلاة في الجماعة، وهذا لا ينافي قوله : «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبَيْعَكم، وخصوماتكم، ورَفْعَ أصواتكم، وإقامةَ حدودكم، وسَلَّ سُيُوفكم، واتَّخِذُوا على أبوابها المَطَاهِر، وجَمِّرُوها في الجُمَع»؛ لأن النبي قال: «مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لِعَشْر» فالمنع محمول على ما دون السبع التي هي سن التمييز.

قال صاحب الأخلاق — عند ذِكْر تأديب الأحداث والصبيان خاصة: إن أول قوة تَظْهَر في الإنسان أَوَّلَ ما يكون هي القوة التي يَشْتَاق بها إلى الغذاء، الذي هو سَبَب كَوْنه حيًّا، فيتحرك بالطبع إلى اللبن، ويَلْتَمِسُه من الثدي الذي هو مَعْدنه من غير تعليم ولا توقيف، وتحدث له مع ذلك قوة على التماسه بالصوت الذي هو مادته، ودليله الذي يَدُلُّ به على اللذة والأذى، ثم تتزايد فيه هذه القوة ويتشوق بها أبدًا إلى الازدياد والتصرف بها في أنواع الشهوات، ثم تَحْدُث له قوة على التحرك نَحْوها بالآلات التي تُخْلَق له، ثم يَحْدُث له الشوق إلى الأفعال التي تحْصُل له هذه، ثم تَحْدُث له من الحواس قُوَّة على تَخَيُّل الأمور، ويَرْسم في قُوَّتِه الخيالية مثالات فيَتَشَوَّق إليها، ثم تَظْهَر فيه قوة الغضب التي يَشْتَاق بها إلى دَفْع ما يُؤْذِيه، ومقاومة ما يَمْنَعه من منافعه، فإن أطاق بنفسه أن يَنْتَقِم من مؤذياته انتقم منها، وإلا الْتَمَسَ معونة غيره وانتصر بوالديه بالتصويت والبكاء، ثم يَحْدُث له الشوق إلى تمييز الأفعال الإنسانية خاصة أَوَّلًا أَوَّلًا حتى يصير إلى كماله في هذا التمييز، فيسمى حينئذ عاقلًا، وهذه القوى كثيرة وبعضها ضروري في وجود الأخرى إلى أن ينتهي إلى الغاية الأخيرة، وهي التي لا تراد لعلة أخرى، وهي الخير المُطْلَق الذي يَتَشَوَّقه الإنسان من حيث هو إنسان.

وأول ما يحدث فيه من هذه القوة الحياء، وهو الخوف من ظهور شيء قبيح منه؛ ولذلك قُلْنَا إن أول ما ينبغي أن يُتَفَرَّسَ في الصبي ويُستدل به على عَقْلِه الحياء، فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح، ومع إحساسه به هو يَحْذَره ويَتَجَنَّبُه ويخاف أن يظهر فيه أو منه، فإذا نَظَرْتَ إلى الصبي فَوَجَدْتَه مُسْتَحْيِيًا مطرقًا بطرفه إلى الأرض، غيْر وَقَّاح الوجه، ولا مُحَدِّقًا إليك؛ فهو أَوَّل دَلِيل نَجَابَتِهِ، والشاهد لك على أن نَفْسه قد أَحَسَّت بالجميل والقبيح، وأن حياءه هو انحصار نَفْسه خوفًا من قبيح يظهر منه، وهذا ليس شيء أكْثر من إيثار الجميل، والهرب من القبيح بالتمييز والعقل.

وهذه النفس مُسْتَعِدَّة للتأديب، صالحة للعناية، لا تُحِبُّ أن تُهْمَلَ ولا تُتْرَكَ، ومخالطة الأضداد الذين يفسدون بالمقارَبة والمُداخَلة مَنْ كان بهذه الحال من الاستعداد لقبول الفضيلة، فإن نَفْس الصبي ساذجة، لم تُنْتَقَشْ بَعْد بصورة، ولا لها رَأْي وعزيمة تُمِيلُها من شيء إلى شيء، فإذا نُقِشَ بصورة وقَبِلَهَا نَشَأَ عليها واعتادها، فالأَوْلَى بِمِثْل هذه النفس أن تُنَبَّه أبدًا على حُبِّ الكرامة، ولا سيما ما يُحَصَّل له منها بالدِّينِ دُونَ المال مِنْ سُنَنِه ووظائفه، ثم يُمْدَح الأخيار عنده ويُمْدَح هو في نفسه إذا ظَهَر شيء حَسَن منه، ويُخَوَّف بالمذمة على أدنى قبيح يَظْهَرُ منه، ويُؤَاخَذ بالاستهانة بالمآكل والمشارب والملابس الفاخرة، ويُزَيَّن عنده صلف النفس، والترفع عن الحرص في المطاعم خاصة وفي اللذات عامة، ويُحَبَّبُ إليه إيثار غَيْرِه على نفسه بالغذاء، والاقتصار على الشيء المعتدل والاقتصاد في التماسها، وأن أَوْلى الناس بالمَلابس الملوَّنة النساء اللواتي تتزين للرجال ثم العبيد والخول، وأن الأحسن بأهل النُّبْل والشرف من اللباس البياض وما أشبهه.

حتى إذا تَرَبَّى على ذلك وسَمِعَه قَلَّمَا يقرب منه، ويكرر عليه ذلك، ولا يُتْرَكُ ومخالطة مَنْ يُسْمَع منه ضِدُّ ما ذَكَرْتُهُ، لا سيما من أترابه ومن كان في مِثْل سِنِّه ممن يُعَاشِرُه ويُلَاعِبُه، وذلك أن الصبي في ابتداء نَشْئِهِ كثيرًا ما يكون قَبِيح الأفعال جدًّا، فإنه يكون كذوبًا يُخْبِرُ ويحكي بما لم يَسْمَعْه ولم يَرَهُ، ويكون حَسُودًا سَرُوقًا نَمُومًا لَحُوحًا ذا فُضُول ومِحَك وكِيَاد، أَضَرَّ شيء بنفسه وبكل أَمْر يلابسه، ثم لا يزال به التأديب والسن والتجارب حتى يَنْتَقِل في أحوال بعد أحوال.

فلذلك ينبغي أن يُؤَاخَذ ما دام طفلًا بما ذَكَرْنَاه ونَذْكُره، ثم يُطَالَبُ بحِفْظ محاسن الأخبار والأشعار التي تجري مَجْرَى ما تَعَوَّدَه بالأدب حتى يَتَأَكَّد عنده بروايتها وحِفْظِها والمذاكرة بها جَمِيعُ ما قَدَّمْنَا ذِكْرَه، ويُحَذَّر من النظر في الأشعار السخيفة، وما فيها من ذِكْر العِشْق وأهله وما يُوهِمه أصحابها أنه ضَرْب من الظرف ورِقَّة الطبع، فإن هذا الباب مَفْسَدة للأحداث جدًّا، ثم يُمْدَح بِكُل ما يَظْهَر منه من خُلُق جميل وفِعْل حَسَن، ويُكْرَه عليه، فإن خَالَف في بعض الأوقات ما ذَكَرْتُه فالْأَوْلَى أن لا يُوَبَّخ عليه، ولا يُكَاشَف بأنه أَقْدَمَ عليه، بل يُتَغَافَل عنه تَغَافُل مَنْ لا يَخْطِر بباله أنه قد تَجَاسَر على مِثْلِه ولا هَمَّ به، لا سيما إن سَتَرَه الصبي واجْتَهَدَ في أن يُخْفِيَ ما فَعَلَه على الناس، فإن عَادَ فلْيُوَبَّخ عليه سرًّا، وليُعْظَمْ عنده ما أتاه، ويُحَذَّر من مُعَاوَدَتِه، فإنك إن عَوَّدْتَه التوبيخ والمكاشفة حَمَلْتَهُ على الوقاحة، وحَرَّضْتَهُ على مُعَاوَدة ما كان استقبحه، وهان عليه سماع المَلَامة في ركوب القبائح من اللذات التي تَدْعو إليها نَفْسُه، وهذه اللذات كثيرة جدًّا.

والذي ينبغي أن نبدأ به في تقويمها أدب المطاعم، فيُفَهَّم أولًا أنها إنما تُرَاد للصحة لا للذة، فإن الأغذية كُلَّها إنما خُلِقَتْ وأُعِدَّتْ لنا لِتَصِحَّ بها أَبْدَانُنا وتصير مادةً لِحَيَاتِنَا، فهي تَجْرِي مجرى الأدوية، يُدَاوَى بها الجوعُ والألم الحادث منه، فكما أن الدواء لا يُراد للذة ولا يُسْتَكْثَر منه للشهوة، كذلك الأطعمة، لا ينبغي أن يُتَنَاوَل منها إلا ما يَحْفَظ صحة البدن، ويَدْفَع أَلَم الجوع، ويَمْنَع من المرض، فيُحَقَّر عنده قَدْر الطعام الذي يَسْتَعْظِمُه أَهْلُ الشَّرَه، ويُقَبَّح عنده صُورَةُ مَنْ شَرِهَ إليه، ونال منه فَوْق حاجة بَدَنِه، أو ما لا يوافقه حتى يَقْتَصِرَ على لون واحد، ولا يُرَغَّب في الألوان الكثيرة، وإذا جلس مع غيره لا يُبَادِر إلى الطعام، ولا يَمُدُّ يَدَهُ قَبْل غَيْرِه، ولا يُدِيم النَّظَر إلى ألوانه، ولا يُحَدِّق إليه شديدًا، ويَقْتَصِر على ما يَلِيهِ، ولا يُسْرِع في الأكل، ولا يُوالي بيْنَ اللُّقَم بسرعة، ولا يُعْظِم اللُّقْمَة، ولا يَبْتَلِعُها حتى يُجِيدَ مَضْغَهَا، ولا يَتَتَبَّع نَظَرُه مَوْقِع الأيدي من الطعام.

ويُعَوَّد أنْ يُؤْثِر غَيْرَه بما يَلِيه إن كان أفضل ما عِنْدَه، ثم يَضْبِط شَهْوَتَه حتى يَقْتَصِر على أدنى الطعام وأَدْوَنه، وليأكل الخُبْز القفار الذي لا أدم معه في بعض الأوقات، وهذه الآداب وإن كانت جميلة بالفقراء فهي بالأغنياء أجمل، وينبغي أن يَسْتَوْفِي غِذَاءه بالعشي، فإنه إن استوفاه بالنهار كَسُلَ واحتاج إلى النوم، وتَبَلَّدَ فَهْمُه مع ذلك، وإن مُنِعَ اللحم في أَكْثَر أوقاته كان نافعًا له في الحركة والتيقظ، وقِلَّة البلادة، وبَعْثِه على النشاط والخفة.

فأما الحُلْو أو الفواكه فينبغي أن يُمْنَع منها البتة إن أمكن، وإلا فليتناول أَقَلَّ ما يُمْكِن، فإنها تستحيل في بدنه فيَكْثُر انحلالها، وتُعَوِّدُه أيضًا الشَّرَه ومَحَبَّة الاستكثار من المأكل، ويُعَوَّد أن لا يَشْرَب في خلال طعامه الماء، فأما النبيذ وأصناف الأشربة المسكر فإياه وإياها، فإنها تَضُرُّه في بدنه وفي نفسه، وتَحْمِلُه على سرعة الغضب والتَّهَوُّر، والإقدام على القبائح، وعلى القحة فيها، وسائر الخلال المذمومة، ولا ينبغي أن يحضر مجلس أهل النبيذ بل مجلس الأدباء والفضلاء، فأما مجلس غيرهم فلا؛ لئلا يَسْمَعَ الكلام القبيح والسخافات التي تجري فيه، وينبغي أن لا يأكل حتى يَفْرُغ من وظائف الأدب التي يَتَعَلَّمها، ويَتْعَب تَعَبًا كافيًا، وينبغي أن يُمْنَع من كُلِّ فِعْل يَسْتُره ويُخْفِيه، فإنه ليس يُخْفِي شيئًا إلا وهو يَظُنُّ أو يَعْلَم أنه قبيح.

ويُمْنَع من النوم الكثير، فإنه يُقَبِّحُه ويُغَلِّظُ ذِهْنَه ويُمِيتُ خَوَاطِرَه، وهذا بالليل، فأما النهار فلا ينبغي أن يَتَعَوَّدَه، ويُمْنَع أيضًا من الفراش الوطيء؛ أي: اللين، وجميع أنواع الترفع والرخاوة حتى يَصْلُبَ بَدَنُه ويَتَعَوَّدَ الخشونة، ولا يُعَوَّدُ الملابس الرقيقة، والمداراة في الصيف، ولا الفراء والنيران في الشتاء، ويُعَوَّد المشي والحركة والركوب والرياضة، حتى لا يَتَعَوَّدَ أضدادها، ويُعَوَّد أن لا يَكْشِف أطرافه، ولا يُسْرِع في مَشْيِه، ولا يُرْخِي يديه بل يضمها إلى صدره، ولا يُربي شَعْرَه، ولا يُزَيَّن بملابس النساء، ولا يَلْبَس خاتمًا إلا وقت حاجته إليه، ولا يَفْتَخِر على أقرانه بشيء مما يَمْلِكُه والداه، ولا بشيء من مآكِلِه وملابِسِه وما يجري مجراه، بل يَتَوَاضَع لكل أَحَدٍ، ويُكْرِم كُلَّ مَن يُعَاشِرُه، ولا يَتَوَصَّلُ بِشَرَفٍ — إن كان له أو سلطان من أهله إن اتَّفَقَ — إلى غَضَبِ مَنْ هو دُونَه، أو استهداء مَنْ لا يُمْكِنُه أنْ يَرِدَه مَنْ هَوَاهُ أو تَطَاول عليه، كمن اتَّفَق له إن كان خاله وزيرًا أو عَمُّه سلطانًا، فيَطْرق به إلى هضيمة أقرانه وثَلْم إخوانه واستباحة أموال جيرانه ومَعَارِفِه.

وينبغي أن يُعَوَّد أن لا يَتَبَزَّق في مجلسه، ولا يَتَمَخَّط، ولا يتثاءب بحضرة غَيْره، ولا يضع رجلًا على رجل، ولا يَضْرِب تحت ذَقْنِه بساعده، ولا يعمد رأسه بيده، فإن هذا دَلِيل الكلل، وأنه قد بَلَغَ به التنعم أن لا يَحْمِل رأسه حتى يستعين بيده، ويُعَوَّد أن لا يَكْذِب ولا يَحْلِف ألبتة لا صادقًا ولا كاذبًا، فإن هذا قبيح بالرجال مع الحاجة إليه في بعض الأوقات، فأما الصبي فلا حاجة به إلى اليمين.

ويُعَوَّدُ أيضًا الصَّمْت وقِلَّة الكلام ولا يتكلم إلا جوابًا، فإذا حَضَرَ مَنْ هو أكبر منه اشْتَغَلَ بالاستماع منه والصمت له، ويُمْنَع مِن خبيث الكلام وهَجِينِه، ومن السب واللعن واللغو مِن الكلام، ويُعَوَّد حُسْن الكلام وطرايفه، وجميل اللقاء وكريمه، ولا يُرَخَّص له أن يستمع لأضدادها من غيره، ويُعَوَّد خِدْمَة نفسه ومُعَلِّمِه وكُلِّ مَنْ كان أَكْبَر منه.

وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء والمُتْرَفِين، وينبغي إذا ضَرَبَهُ المعلم أن لا يَصْرُخَ ولا يَسْتَشْفِع بأحد، فإن هذا فِعْل المماليك ومَنْ هو خَوَّار ضعيف، ولا يُعَيِّر أحدًا لا بالقبيح ولا بالسيئ من الأدب، ويُعَوَّد أن لا يُوحش الصبيان، بل يَبَرُّهم ويكافئهم على الجميل بأكثر منه؛ لئلا يتعود الريخ على الصبيان وعلى الصديق، ويُبَغَّض إليه الفضة والذهب، ويُحَذَّر منهما أَكْثَر من تحذير السباع والحيات والعقارب والأفاعي، فإن حُبَّ الفضة والذهب للصبي آفَتُه أَكْثَر من آفة السموم.

وينبغي أن يُؤْذَنَ له في بعض الأوقات أن يلعب لعبًا جميلًا؛ ليستريح إليه مِنْ تَعَب الأدب، ولا يكون في لعبه ألم ولا تعب شديد، ويُعَوَّد طاعةَ والديه ومُعَلِّمِيه ومُؤَدِّبِيه، وأن يَنْظُر إليهم بعين الجلالة والتعظيم ويهابهم.

وهذه الآداب النافعة للصبيان هي للكبار من الناس أيضًا نافعة، ولكنها للأحداث أنفع؛ لأنها تعودهم محبة الفضائل، ويَنْشَئُون عليها فلا يَثْقُل عليهم تَجَنُّب الرزائل، ويسهل عليهم بعد ذلك جميع ما تَرسُمُه الحكمة وتَحُدُّه الشريعة والسنة، ويعتادون ضبط النفس عما تَدْعوهم إليه من اللذات القبيحة، وتكفهم عن الانهماك في شيء منها والفكر الكثير فيها، وتَسُوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية؛ أي: الحكمة النافعة، وتُرَقِّيهم إلى معالي الأمور، من التقرب إلى الله عز وجل ومشابهة الملائكة في التنزه عن الشهوات، مع حسن الحالة في الدنيا، وطيب العيش، وجميل الأحدوثة، وقلة الأعداء، وكثيرة المداح والراغبين في مودته من الفضلاء خاصة، فإذا تجاوز هذه الرتبة وبلغ أيامه إلى أن يَفْهم أغراض الناس وعواقب الأمور؛ فَهِم أن الغرض الأخير من هذه الأشياء التي يقصدها الناس ويحرصون عليها؛ من الثروة واقتناء الضياع والعبيد والخيل والفرش وأشباه ذلك، إنما هو ترقية البدن وحفظ صحته، وأن يبقى على اعتداله مُدَّة ما، وأن لا يقع في الأمراض، وأن لا تفجأه المنية، وأن يَتَهَنَّى بنعمة الله عليه، ويستعد لدار البقاء والحياة السرمدية، وأن اللذات كلها بالحقيقة هي خلاص من آلام النصب وراحات من التعب، فإذا عَرَفَ ذلك وتَحَقَّقَه ثم تَعَوَّده بالسيرة الدائمة عود الرياضات التي تحرك الحرارة الغريزية، وتحفظ الصحة، وتبقي الكسل، وتطرد البلادة، وتبعث النشاط، وتُزَكِّي النفس.

فمن كان مُمَوَّلًا مُتْرَفًا كانت هذه الأشياء التي رسمناها أصعب عليه؛ لكثرة مَنْ تَحْتَف به وتغويه، ولموافقة طبيعة الإنسان في أول ما ينشأ هذه اللذات، وإجماع جمهور الناس على ما أمكنهم منها، وطَلَب ما تَعَذَّر عليهم بغاية جهدهم، فأما الفقراء فالأمر عليهم سَهْل، بل هم قريبون إلى الفضائل، قادرون عليها متمكنون مِنْ نَيْلِها والإصابة منها، وحال المتوسطين من الناس متوسطة بين هاتين الحالتين.

وقد كان ملوك الفرس الفضلاء لا يُرَبُّون أولادهم بين حَشَمِهم وخوَاصِّهم؛ خوفًا عليهم من الأحوال التي ذَكَرْناها، وكانوا يُنْفِذُونهم مع ثقاتهم إلى النواحي البعيدة منهم ومِنْ سماع ما حَذَّرْنا منه، وكان يَتَولى تربيتهم أهل الجفاء وخشونة العيش، ومن لا يعرف التنعم ولا الترفه، وأخبارهم في ذلك مشهورة، وكثير من رؤساء الديلم ينقلون أولادهم عندما يَنْشَئُون إلى غير بلادهم؛ ليتعودوا بها هذه الأخلاق، ويبعدوا عن الترفه وعادات أهل البلدان الرديئة.

وإذْ قد عرفت هذه الطريق المحمودة في تأديب الأحداث فقد عَرَفْتَ أضدادها؛ أعني: أنَّ مَنْ نَشَأَ على خلاف هذا المذهب والتأديب؛ لم يُرْجَ فَلَاحُه، ولا ينبغي أن يُشْتَغَل بصلاحه وتقويمه، فإنه قد صار بمنزلة الوحش الذي لا يُطْمَع في رياضته، فإن نَفْسَه العاقلة تصير خادمة لنفسه البهيمية ولنفسه الغضبية فهي مُنْهَمِكَة في مطالبها من النزوات، وكما أنه لا سبيل إلى رياضة سباع البهائم الوحشية التي لا تَقْبَل التأديب، كذلك لا سَبِيل إلى رياضة من نَشَأ على هذه الطريقة واعتادها وأمعن قليلًا في السنن، اللهم إلا أن يكون في جميع أحواله عالمًا بقبح سيرته، ذامًّا لها، عائبًا على نَفْسه، عازمًا على الإقلاع والإنابة، فإن مِثْل هذا الإنسان مَنْ يُرْجَى له النزوع عن أخلاقه بالتدريج والرجوع إلى الطريقة المثلى بالتوبة، وبمصاحبة الأخيار وأهل الحكمة، وبالإكباب على التفلسف والعلوم النافعة.

وقد كُنْتُ نَظَمْتُ في كتاب تعريب الأمثال في تأديب الأطفال منظومة لطيفة تحسن بمنوال التعريب نَسْجُها، فيَحْسُن هنا بمناسبة المقام إِدْرَاجُها:

الحمد لله وَصَلِّ رَبِّ
على النبي وآلِه والصَّحْبِ
وبعْدُ فالتأديب للأبناءِ
آكَدُ واجبٍ على الآباءِ
مِنْ أَجْلَ ذا نَظَمْتُ للتنبيهِ
خمسًا وأربعين بَيْتًا فيهِ
في نحو ساعتين والمولى على
قصدي أَعَانَ جَلَّ ربي وَعَلَا
في بِرِّ والِدَيْك بَالِغْ تَغْنَمِ
لا سيما في العيد أو في المَوْسِمِ
وإن تَرُمْ سُرور أُمٍّ أو أَبِ
يومًا فكَسْب العلم خَيْر مَكْسَبِ
مَنْ رَامَ عند الناس طرًّا أنْ يُحَبْ
فلْيَلْتَزِم حُسْن السلوك والأدبْ
وأن يكون طَيِّب السريرهْ
مُهَذَّب الأخلاق زاكي السِّيرَهْ
من رام بَيْن العالَم ارْتِفَاعَهْ
فلْيَلْزَمِ العِفَّة والقناعهْ
هل ذَلَّ عند الناس عَبْدٌ يِقْنَعُ
أو عَزَّ سَيِّد لديهم يَطْمَعُ؟
إِنْ رُمْتَ أَنْ تُشَوَّقَ الأولادَا
وأن ترى مِنْ نَجْلِك اجتهادَا
فَعِدْه بالإتحاف يَوْم العيدِ
وَقَدِّم الوَعْدَ على الوعيدِ
يُعَاقَب الجاني بما جَنَاهُ
وذاك في دنياه أو عقباهُ
والظلم لا يَتْرُكه المولى سُدَى
مآل كُلِّ ظَالِم إلى الرَّدَى
من رام أن يَكْتَسِبَ اللطافهْ
عليه طُولَ الدهر بالنظافهْ
فإنها مِنْ شُعَب الإيمانِ
تُطْلَب في الثياب والأبدانِ
وشَرُّ أوصاف الفتى هو الغَضَبْ
يفضي إلى ارْتِكَاب ما لا يُرْتَكَبْ
فيا له من خصلَة ذَميمهْ
في تَرْكِها مَصْلَحة جسيمهْ
وقُوَّة الرأسِ مع العِنَادِ
مِنْ أَقْبَح الخصال في الأولادِ
والامتثال صِفَةٌ جليلهْ
للود ليس مِثْلُها وسيلهْ
مِمَّا يُعَدُّ من صفات الذَّمِّ
كَتْم الصغير عن أبٍ أو أُمِّ
سرًّا حقيرًا أو جليلًا بل يَجِبْ
إبداؤُه وعنهما لا يَحْتَجِبْ
يَطَّلِعُ المولى على ما تَعْمَلُهْ
بِعِلْمِه لكنه قَدْ يُمْهِلُهْ
فَفُزْ بفعل صَالِح الأعمالِ
تَحُزْ صلاح الحال والمآلِ
من يَعْصِ والديه ضَلَّ ونَدِمْ
وساءَ حَالُهُ وللرشد عَدِمْ
وضاع سَعْيُه وخَابَ أَمَلُهْ
ما لَمْ يَتُبْ فلا يَضِيعُ عَمَلُهْ
وعِفَّة الشريف عِنْدَ الفقرِ
وصَبْرُه لعُسْرِه مع شُكْرِ
خيرُ فضيلة عليها يُحْمَدُ
يعْقُبُهَا اليُسْرُ ويَبْقَى السُّؤْدَدُ
والولد الصالح عند الأهْلِ
يُحَبُّ بَلْ يُكْرَم عند الكُلِّ
يَمْتَاز عن أقرانه في المَكْتَبِ
تَشْمَلُه بَرَكَةُ المُؤَدِّبِ
فَضْلُ البنات الشغْلُ والتطريزُ
ومَنْ حَوَتْ عِلْمًا به تَفُوزُ
في سائر الأحوال الاحتشامُ
مِنْ جِنْسِهِنَّ والحيا يُرَامُ
الرفق بالفقير والضعيفِ
مِنْ حُسْنِ أخلاق الفتى الشريفِ
وخَوْفُ رَبِّ العرش والمراقَبهْ
أَمْنٌ مِن الشَّرِ وسوء العاقِبَهْ
مَن رَامَ نَظْمَه بسِلْكِ السُّعَدَا
فَلْيُسْعِد الناس لِيَبْقَى مُسْعَدَا
يُحِبُّ مِثْلَ ما له لِغَيْرِهِ
يعطي أخاه جانبًا مِنْ خَيْرِهِ
يَحْسُنُ حِفْظُ اللوح للصغيرِ
على مِرَارٍ بَلْ وللكبيرِ
يَرْسُخُ في الذهن وليس يُمْحَى
جَرِّبْه بالتقسيم واقْبَل نُصْحَا
الكبر ناشِئٌ عن الحماقهْ
وما لِعَاقِلٍ عليه طاقَهْ
يُبْغِضُ كُلُّ الناس رَبَّ الكِبْرِ
وبالرفيع والوضيع يُزْرِي
تَسْتَحْسِنُ الطباعُ وَصْفَ الأدبِ
وأحْسَنُ الآداب آدَابُ النَّبِي
وما سوى أخلاقه فَبَاطِلُ
ومَنْ تَحَلَّى بسواها عَاطِلُ
ولا يَلِيقُ مِنْ غُلَامِ الطَّاعَهْ
خروجُ رَأْيِهِ عن الجماعَهْ
ففي اجْتِمَاع الكِلْمَة السلامهْ
بها يُتَمِّمُ الفتى مَرَامَهْ
والحمد لله وصَلَّى اللهُ
على النبِي وَكُلِّ مَنْ والاهُ

وينبغي أن يُعَلَّم أنَّ كل إنسان مُعَدٍّ نحو فضيلة ما؛ فهو إليها أقرب، وبالوصول إليها أحرى، ولأجل ذلك يَجِب على مُدَبِّر المدن أن يسوق كل إنسان نحو سعادته التي تَخُصُّه، ثم يُقَسِّم عنايته بالناس ونظره إليهم إلى قسمين: أحدهما في تسديد الناس وتقويمهم بالعلوم الفكرية، والآخر في تسديدهم نحو الصناعات والأعمال الحسية، فكل مِنْ هاتين الفضيلتين عليه مدار العمل وخلاصته، العمل الذي لا يَنْقَطِع ثوابُهُ المشار إليه بحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث …» الحديث.

فتَلَخَّصَ من هذا الحديث النبوي أن الإنسان يُخَلَّد عَمَلُه بعد انقضاء حياته بالعلم النافع للأمة، والصدقة الجارية التي تُؤَبِّد شَرَفَه ونُبْلَه، والولد الصالح الذي يُؤَبِّد نَسْلَه، فإذا كَثُر أفراد هؤلاء الناس الجامعين لهذه الفضائل، المسْتَكْمِلِين للمآثر الجميلة والشمائل؛ انْتَظَمَ بهم التمدن والعمران، وَحَسُنَتْ أحوال الأهالي والبلدان، لا سيما وأن ابن آدم في الحديث هو الإنسان، فهو يَعُمُّ أشخاص الملوك والسوقة، وأكثر الملوك جامع للاتصاف باستجماع هذه المزايا، ثم يليهم الوزراء والأمراء والكبراء والقضاة ووجوه التجار ووجوه أهل الفلاحة والصناعة، فكُلٌّ على قَدْر مَرْتَبَتِهِ، وبحسب مَيْسَرَتِه يُسَارَع في تقويم أَوْد مَمْلَكَتِه، وتقديم منافع بَلْدَتِه؛ لكسب القوة الملية وإحراز الرُّتْبة العَلِيَّة، وهذا كُلُّه إنما يَتِمُّ بتمام السعي بالنفس والمال، وقد قيل في الحِكَم والأمثال: من العجائب عبْد بَطَّال، ويَطْلُب منازل الأبطال، فخَيْر الناس من صَنَعَ الخير وانتفع بمعروفه، قال الشاعر:

لا تَقْطَعَنَّ يَدَ المعروف عَنْ أَحَدٍ
ما دُمْتَ تَقْدِرُ فالأيام تَارَاتُ
واشْكُرْ فضيلة صُنْعِ الله إِذْ جَعَلَتْ
إِلَيْكَ لا لَكَ عِنْد الناس حَاجَاتُ

وقال امرؤ القيس:

ولو أَنَّ ما أَسْعَى لأدنى مَعِيشَةٍ
كفاني وَلَمْ أَطْلُبْ قليلٌ من المال
ولكنما أَسْعَى لِمَجْد مُؤَثَّل
وقد يُدْرِك المجدَ المُؤَثَّل أمثالي

وقال أيضًا:

بكى صاحبي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَه
وأيقن أنَّا لاحقان بِقَيْصَرَا
فَقُلْتُ له لا تَبْكِ عَيْنَاك إنما
نُحَاوِلُ مُلْكا أو نَمُوتُ فنُقْبَرَا

ومن الكلام الهاشمي قَوْل عبد المطلب:

لَنَا نُفُوس لِنَيْل المجد عَاشِقَةٌ
ولو تَسَلَّتْ أَسَلْنَاهَا على الأَسَلِ
لا يَنْزِل المجد إلا في مَنَازِلِنَا
كالنوم ليس له مَأْوًى سِوَى المُقَلِ

وقال آخر:

يَغُوصُ البحر مَنْ طَلَبَ اللآلي
ومَنْ طَلَبَ العلا سَهَرَ الليالي
تَرُومُ العِزَّ ثُمَّ تنام ليلًا
لَقَدْ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ في الوبالِ
وَمَنْ رام العلا مِنْ غير كَدٍّ
أَضَاعَ العُمْرَ في طَلَبِ المُحَالِ

فمدار تأسيس قوة الملة والدولة ونفع الأوطان وعَمَار البلدان على العمل الآتي في الفصل الآتي.

١  قوله: قواقيز — جمع قازوزة — وهي مشربة أو قدح أو الصغير من القوارير. ا.ﻫ. (مؤلفه).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠