الفصل الرابع

فيما ترتب على فتوح إسكندر الرومي للديار المصرية من اتساع دائرة المنافع العمومية الناتجة عن مقدمات الحزم والكياسة وشرطيات أشكال العدل في التدبير والسياسة.

***

من المقرر عند أرباب العقول أن أقوى شيء في حِفْظ البلاد، وراحة العباد، وتوسيع دائرة المنافع العمومية، وتأسيس قواعد تَمَدُّن الوطنية؛ إنما هو مراعاة عوائد الأهالي، وإباحة تمسكهم بعقائدهم، وعدم مَنْعِهم حَسْب الإمكان بما لا يستطيعون مفارقته من مألوفاتهم المأذونة، والمحافظة على إرضاء خواطرهم ولو للفاتح المتغلب والمُغِير المُغْتَصِب.

فإن إسكندر الرومي بحُسْن سياسته وكمال كياسته تَغَلَّبَ على بلاد العجم التي أَسَّسَهَا كيروش وسَلَفُه بعد ثلاثة حروب عظيمة، ففتح هذه البلاد الواسعة الأطراف والأكناف باستقامة تدبيره، وحُسْن سلوكه مع أهاليها، وتطييب خواطرهم، وحِفْظ عوائدهم وشرائعهم حتى صار فتوحه للبلاد المشرقية زمنًا تُؤَرَّخ به الوقائع والحوادث، فلم يكن فُتُوحُه كفتوح سَلَفِه من اليونان ولا غيرهم من أهل العراق والكردستان، ولا كفتوح العجم؛ إذ كانوا جميعًا يُدَمِّرُون البلاد، ويهلكون الأمم، وأما إسكندر فكان كلما فَتَحَ مَمْلَكة أَسَّسَ فيها وجَدَّدَ وبنى وشَيَّدَ ووطأ، ومَهَّدَ ومَدَّنَ المدائن، وأكثر الأموال في الخزائن، وأوْجَد وسائل العمران، وأحيا قلوب أهالي البلدان.

وكان مَنْ تَقَدَّمَهُ من أصحاب الخروج والفتوحات إذا فَتَحَ مدينة أو مملكة عَرَّضَ أهلها المخالفين له في الأحكام والعقائد للمَهْلَكَة، فأغضب جميع الأهالي بسوء سلوكه، فسَلَكَ إسكندر مَسْلكًا غير ما سَلَكَه الفاتحون قَبْلَه من سلاطين ذلك العصر وملوكه، فكان يُرَخِّص في كل إقليم فَتَحَه إبقاء الأهالي على عوائدهم القديمة، وربما وافقهم على التمسك باتباعها في عَمَل خَاصَّةِ نَفْسِه ولو لم تَكُن بحسب رأيه مستقيمة، وذلك لمجرد إيناس نفوسهم وتوطينهم على حُبِّ حكومته وتأنيسهم.

فكان مشايخ قُوَّادِه وأمرائه يشيرون عليه بنَسْخِ دين ما يَفْتَحه من البلاد وعدم إبقائه، فلا يَسْمَع مَقَالَهُم حتى إنَّ تَمَادِيه على ذلك أَغْضَبَ أَبْطَالَهُم، فلَمْ يُبْطِل شيئًا فيما فَتَحَه من البلدان من أحكام الشرائع والأديان، وقَصَدَ بذلك تنجيز أغراضه الصلحية، وإيجاد الوحدة لِسَلْطَنَتِهِ الفتوحية، فجعل أجناس الأمم في جميع الأقطار المفتوحة مُمْتَزِجَة كأمة واحدة أو كجسد واحد، وجعل حُرِّيَّة التمسك بالشرائع رُوحَهُ، وصمم على أن تكون أُمَمُ سلْطَنَتِه كعشيرة واحدة، ودائرة مُلْكِه وطنًا مركزيًّا، وجميع الأهالي خطوطًا شعاعية مُنْبَعِثَة من المركز إلى المحيط، ولم تُسَاعِدْه المقادير حيث الأمل طويل والعمر قصير.

ولنَذْكُر نبذة موجزة من تاريخه، فنقول: هو إسكندر بن فليبش المقدوني، تولى أبوه على مقدونيا جهة إقليم روح إيلي، فرَتَّبَ المملكة ونظَّمَهَا، ثم عَزَمَ على تحصيل مقاصد مهمة من أعظمها ترتيب العساكر والقوانين، واخترع كيفية في صف العساكر، يقال لها: الكردوس، على هيئة المثلث، فكانت مرهبة في ذلك الوقت كإرهاب شكل القلعة المربع الذي عليه العمل في الحروب في هذا العهد، وجعل الكردوس نحو سبعة آلاف نفر، وقسمها إلى ستة عشر صفًّا بعضها وراء بعض، وأسلحهم بحراب طوال جدًّا حتى إن حراب الصف الأخير كانت تصل إلى الصف الأول، فصاروا بهذه الهيئة مَهِيبِين لا يستطيع العدو أن يَظْفَرَ بهم.

وكان يُعَامِل العساكر بالرفق واللين، ويدعوهم بالأصحاب، ويُعَلِّمُهم قواعد الحرب والقتال، وكان حُسْن سياسته بقَدْر كمال شجاعته وقوة ذكائه وفطنته، فتوصل بذلك كله للاستيلاء على جميع اليونان، فأحبه الجميع وأطاعوه، فأَدَّاه طَمَعُه في الفخار وحُبِّ الاشتهار إلى أمر عظيم لا يمكن لغيره الإقدام عليه، وهو أنه قَصَدَ محاربة العجم؛ ظنًّا منه أنه يَظْفَرَ بمملكتهم، وطَلَبَ من جميع أمم اليونان أن يكونوا معه في ذلك، فَتَلَقَّوْا ذلك بالقبول وحَمِدُوه على هذا المَقْصِد الحسن، وقَلَّدَ نَفْسَه رياسة الجيوش الحربية، وكان قد استشار الكهنة في ذلك على حَسْب عادة اليونان، فأجابوه بكلام مُتَشَابِه وأقوال مبهمة مُحْتَمِلَة لِمَعَانٍ متعددة؛ حيث قالوا: لَبِسَ الثَّوْرُ التاج والإكليل، ودَنَا أَجَلُهُ فهو ذبيح عما قليل، فحَمَلَ ذلك على مَلِكِ العجم، فبينما هو يَصْنَع عرسًا لزواج بِنْتِه إذ قَتَلَه بعض الأمراء فمات لِوَقْتِه، وكان قد رُزِقَ ابْنَه إسكندر الذي شَبَّ في حياته، وأَيْنَعَ نَضِيرُ غُصْنِه في حدائق العز وروضاته، فعَزَمَ على أن يُعَلِّمَه العلوم والمعارف، فرأى أنه لا يُنْجِب إلا إذا أعطاه لأعظم حكماء زمانه، فلم يَجِدْ أفضل من أرسطاطاليس، فكَتَبَ له جوابًا مَضْمُونه: «قد رَزَقَني الله بولد فحَمِدْتُه وأَثْنَيْتُ عليه، لا سيما أنه أعطاني إياه في زَمَنِكَ، فالمرجو أن تَجْتَهِدَ في تعليمه وحُسْن تربيته؛ ليكون أهلًا لأن يَخْلُفَنِي على مقدونيا» فامتثل الحكيم أَمْرَه فَهَذَّبَ أخلاق إسكندر، وجَعَلَهُ أهلًا للإمرة، فكان إسكندر في أيام شبوبيته تَلُوح على وجهه بشائر الخير العميم، مع ما تَعَلَّمَهُ من أبيه ومن أستاذه من أنواع التعليم، فقد أَخَذَ عن مُعَلِّمِه ما له دَخْل في رياضة ذِهْنِه، وتنوير عَقْله بأنوار معرفة الأخلاق والآداب ومآثر التواريخ، التي هي مرآة أفعال الملوك الماضين، يَنْظُر فيها المتأخر حَسَنَات أو سيئات السابقين.

قال بعض المؤرخين: لو فَرَضْنَا أن التاريخ غيرُ نافع للآحاد؛ فلا يستغني عنه أَحَدٌ من ملوك الدنيا الذين وَلَّاهُم الله رِقَاب العباد، فإنهم يطلعون فيه على ما تَنَاوَلَتْهُ الأنفس والشهوات، واقتضته المنافع بحسب الأحوال والأوقات، ويَنْظُرون فيه وقائع الأزمنة والأمكنة، والأحوال الظنية والمتيَقَّنة، والآراء الصائبة والأهواء الكاذبة، وهل التاريخ إلا أفعالهم السياسية وأشغالهم الرياسية، فمرجع أمورهم إليه ومدار عَمَلِهِم عليه، فإنه مُشْتَمِل على التجاريب، وهي لازمة لهم في حَزْمِهِم وإجراء أَحْكَامِهِمْ على وَجْه مُصِيب، فإذا رَأَوْا في التاريخ ما يُمْدَحُ تبعوه، أو ما يُذَمُّ هَجَرُوهُ واجْتَنَبُوهُ، فبذلك أضافوا إليه تجاريبهم المستفادة، وانتفعوا بالأصل والزيادة، فينبغي لهم أن يَتَشَبَّثُوا بذلك، ويَتْرُكُوا ما اعتادوا عليه من سُلُوك أَقْرَب المسالك من الاقتصاد على الأمور الوقتية التي تُسْتَنْتَجُ من أحوال الرعية، أو تَسْتَدْعِيها مفاخرهم الذاتية الهوائية، فيَقَعُون في الحيرة لعدم استنارة البصيرة، فإذا استعانوا بالتاريخ أصْلَحُوا عقولهم بالتجاريب، ولم يَقَعُوا في مَضَارِّ الحوادث الماضية، ولم يأخذوا منها بنصيب، وإذا طلعوا في الوقائع التاريخية على ما وَقَعَ لغيرهم من العيوب الخفية، التي يُمْدَح الملوك في حال حياتهم من أهل النفاق، وتبقى ملوِّثة لصحفهم التاريخية، التي تَسِير بها الركبان في جميع الآفاق اتَّعَظوا بذلك واعتبروا كل الاعتبار، فإذا تَمَلَّق إليهم المتملقون، وتَذَكَّرُوا ما اغْتَرَّ به في مثل ذلك السابقون؛ خجلوا من فَرَحِهم بباطل المديح، ورجعوا في العمل للرأي الرجيح، وأيقنوا أن الفخر الحقيقي لا تَسْتَحِقُّه الملوك إلا بالفضائل المأثورة للخلف، وأن عاقبة الفعل السيئ الندم والأسف، فقد تَنَزَّهَتْ نفس إسكندر عن ذلك، وقد كان مولعًا بمطالعة تاريخ نُصْرة تروادة اليونانية، التي جَمَعَ حربها جميع أمراء الممالك، فكان جل رغبته وميله للمفاخر العسكرية؛ لما شَاهَدَهُ من هذا التاريخ من الثناء على فحول الرجال من الأمة اليونانية، وطالما شُوهِدَ تَنَفُّسَه الصُّعَدَاء غير مرة حين أُخْبِرَ أن أباه فليبش انتصر في الوقائع، قائلًا لبعض أخصائه: ها هو أبي قد تَغَلَّبَ على جميع البلدان بسيفه، وما أبقى لسيفي شيئًا ما، وبينما كان يَتَحَدَّثُ ذات يوم مع سفراء مَلِك العجم، فما سألهم عن زينة بلادهم ولا زخارفها وتنعماتها، بل سألهم عن المسافات بين البلاد وقوة الدولة، وكيفية سياستها وتدبيرها، وسلوك مَلِكِها، فتعجبوا غاية العجب، وقال بعضهم لبعض: إن هذا الأمير لعظيم، وأما مَلِكُنَا فهو أمير غني فقط، وكان يُتَراءى في طبيعة إسكندر في حال صِغَرِه الشجاعة، وحُبُّ الرياسة والتدبير، وشدة الميل للتلذذ بذوق اقتحام العظائم، حتى إنه امْتَازَ واشتهر غير مرة في الحرب تَحْت لواء أبيه في حداثة سِنِّهِ.

ولما مات أبوه كان ابن عشرين سنة فخَلَفَه على المملكة، وكان جديرًا بإلقائه الرعب والهيبة في قلوب الأمم، وكان يَظُنُّ بَعْضَ ممالك اليونان الذين كانوا تَحْتَ طاعة أبيه أنهم يغتنمون الفرصة بالخروج على إسكندر، فأشهروا السلاح فانتصر عليهم جميعًا في غزواته التي كان رئيسها بِنَفْسِه، فلما رجع إلى مقدونيا اسْتَعَدَّ لفتح بلاد آسيا، وأبى أن يَتَزَوَّج خوفًا من ضياع الزمن في وليمة العرس ومن ضياع الأموال في الأفراح، بل أَغْدَقَ بما عنده من الأموال على كبار عَسْكَرِه برسم الأنعام، فقال له بعض الأمراء: ما أَعْدَدْتَ للإنفاق على نَفْسِك وعسكرك؟ قال: أَعْدَدْتُ لذلك كله قوة الرجاء، فأبقى في مملكته ثلاثة عشر ألف رجل للمحافظة، واستصحب معه خمسة وثلاثين أَلْف مقاتل، لكنهم أبطال تحت طاعة شيوخ مُجَرِّبِين، ثم تَوَجَّه إلى آسيا وليس معه من المال إلا نحو سبعين مثقالًا من الذهب، ومن الذخيرة أهبة شهر واحد؛ وثوقًا بقوته، وطَالِعِ سَعْدِه، وضَعْفِ أعدائه، وطَالِع نَحْسِهم، وكانت بلاد آسيا تَحْت طاعة العجم يَحْكُمون على جميع ممالكها، وكانت قد أَشْرَفَت على الخراب؛ لاتِّسَاع سلطنتها، وسوء تدبيرها، واستعبادها للأمم، وظُلْم ملوكها، حتى إن أولات أقاليمها كادوا يكونون مُلوكًا مستقلين لِبُعْدِهم عن مركز السلطنة، الذي كان إذ ذاك منبعًا للفتن والاختلال، وكان دارا هو مَلِك الملوك يحكم بلاد آسيا الشرقية، ويحكم من بلاد أفريقيا مملكة مصر، فَفَتَحَ إسكندر البلاد التي كانت تحت ملوك العجم جميعها حتى وَصَلَ إلى الشام وفَتَحَهَا، وعقب فتوح بلاد الشام انْطَلَقَ إلى مصر، وكانت دولة العجم مبغوضة للمصريين؛ لازدراء العجم بدين أهل مصر، وتشديدهم عليهم في تَرْكِه، فتلقى المصريون إسكندر بالترحيب ورغبوا في حكومته؛ لينقذهم من أعداء دينهم، ثم قَصَدَ استمالة قلوبهم إليه، واستعطافهم لمحبته، وإقبالهم بالقلب والقالب عليه، فاغْتَفَرَ لهم أن يتمسكوا بشرائعهم وعوائدهم، وأَسَّسَ بمصر مدينة إسكندرية، التي صارت من أعمر مدائن الدنيا وأزهاها، وأيْنَعِها بالعلوم النافعة والتجارات الساطعة؛ لأن الأبنية الجسيمة من المنافع العمومية العظيمة، التي تَمْنَح بانيها من العز والفخار بقَدْر ما تُكْسِبه الغزوات المخربة من الكراهة والنفار.

ثم كانت وفاة إسكندر بعد فعاله العجيبة بمدينة بابل قبل الميلاد بثلاثمائة وثلاث وعشرين سنة، وعمره ثلاث وثلاثون سنة، ولم يَرْضَ أن يُعَيِّن وارثًا بعده، بل قال: قد أَبْقَيْتُ وراثة السلطنة للأحق بها، وأَخْبَرَ أنه سَيُسْفَك الدم في جنازته، فكانت الحروب الداخلية وانفصال الممالك عن اتصالها عاقبة فتوحاته بعد انقضاء حياته، فكل واحد من أمراء جيوشه أَخَذَ مملكة جسيمة، فلما تَقَاسَم أمراؤه سَلْطَنَتَهُ سُمُّوا بملوك الطوائف، ولم تُعَدَّ فتوحاته من النوافل، بل تَرَتَّبَ عليها مزايا جسيمة للتمدن والمنافع العمومية، حيث بَقِيَت الاجتماعات والعلاقات السياسية مُدَّة عشرة قرون بين أهالي المشرق والمغرب؛ وذلك لأن قطعة آسيا قَبْل فتوح إسكندر كانت مغلوقة الأبواب عن قطعة أوروبا لما بينهما من العداوة.

فمن عَهْد هذا الفاتح فُتِحَتْ أبوابها للتجارات، فبواسطة ذلك انْتَشَرَت العلوم والمعارف في المدن؛ لاستفادة بعضها من بعض، وكذلك تَرَتَّبَ على فتوحاته تَجَدُّد عائلات الملوكية في البلاد اليونانية، شُيِّدَت ممالكها في البلاد، فكانت من الدول القوية، وحسْب إسكندر أنه خَلَفَه على مصر الملوك البطالسة، فهم الذين أَعْلَوا درجتها وأعادوا بَهْجَتَها، حتى صارت مصر في عَهْدِهم على هيئة جليلة، وصورة استعداد جميلة، وعاد إليها فَخْرُها القديم في تلك الحال الراهنة، وكان قد أَنْعَم باستيلاء الأعجام وتغلبهم على ملك الفراعنة، فتحَقَّقَتْ ثمرة فتوح إسكندر، وبدا صلاحها في مصر ومضافاتها، وظَهَرَتْ نتائج عَقْل ذلك الفاتح المقدواني في عهد البطالسة بالأصالة وبعدهم بالتبعية، وكان أولهم بطليموس اللاغوسي، وكان يَعْرِف أهمية مصر ورفعة قَدْرها وامتيازها بين الممالك، فأول ما تَقَلَّد مُلْكَها أحسن التدبير والسياسة، واهتم بالمدافعة عنها ممن يريد الهجوم عليها، فكان لا يَغْلِبه غالب، وسبب ذلك مَنَعَة ميناتها التي يَصْعُبُ الدنو منها، وميل المصريين إليه لِعَدْله وتحبُّبِه إليهم؛ لأن مَيْل الرعايا لملوكهم هو الحرز الحريز، والحصن الحقيقي لحفظ الملوك والممالك.

وقد تَفَرَّغَ هذا الملك بعد النصرة على أعدائه في الخارج إلى تنظيم المملكة، فشَرَعَ في تتميم مباني إسكندرية؛ لتصير من أعظم مدائن الدنيا، فبنى ضريح إسكندر الأكبر، وكان قد أَحْضَر معه جُثَّتَه من بابل إلى الإسكندرية، فبنى له هيكلًا عظيمًا، ويَغْلِب على ظن أرباب المعارف أن قبر إسكندر بقُرْب المحل المسمى بنبي الله دانيال أو هو هو، وكذلك أنشأ منارة الإسكندرية الشهيرة بجوار المينا البحرية لمنافع التجارات، والأسفار البحرية، وفوائد المعاملات الأهلية والأجنبية، التي هي إحدى عجائب الدنيا، كما قال فيها بعض الشعراء:

وساميةِ الأرجاء تُهْدِي أخا السرى
ضياءً إذا ما حَنْدَسُ الليل أَظْلَمَا
لَبِسْتُ بها بُرْدًا من الأنس صافيًا
فكان بِتَذْكَار الأحبة مُعْلَمَا
وقد ظَلَّلَتْنِي من ذراها بَقِيَّةٌ
أُلَاحِظُ فيها من صِحَابي أَنْجُمَا
فخيل أنَّ البحر تَحْتِي غَمَامَةٌ
وأنيَ قَدْ خَيَّمْتُ في كَبِدِ السَّمَا

ومن أنفع ما أنشأه بطليموس في الإسكندرية المدرسة العظيمة المتصلة بقصره، فقد جَمَعَ فيها جميع العلوم المألوفة في ذلك الزمان؛ من فلسفة، ورياضيات، وطبيعيات، وإلهيات، وعلوم طبية، وجَلَبَ إليها علماء لليونان وغيرهم، فصارت إسكندرية في قليل من الزمان مَرْكَزًا للمعارف جميعها، وأنشأ في هذه المدرسة الوسعية كتبخانة ملوكية، جمع فيها نفائس الكتب القديمة، وجَلَبَ إليها النساخين والمصححين والمجلدين والمذهبين.

وكان يستعير الكتب الجليلة من محالها، فينسخها ويرسل المنسوخ لأربابه، ويبقى الأصل في خزائنه، فكَثُرَت الكتب النافعة من جميع الفنون والعلوم في هذه الكتبخانة، وكان له العناية الكاملة بالفنون البحرية وبناء السفن؛ لتكثير الأسفار والترغيب في ركوب البحار، فكأنه أراد محاكاة الصوريين، حيث صَارُوا أصحاب تجارة الدنيا بأجمعها بحُسْن مَوْقِع مدينتهم للتجارة، وبابتداع سُفُنِهِم البحرية، حيث أطاعَتْهُم الأمواج، وخَضَع لسفنهم البحرية العجاج، ولم يكترثوا بالعواصف والقواصف، وجَرَّبوا البحار وأعماقها، وجَسَّسوا قرارها، وعَرَفوا مخاضها وأغراقها، ورصدوا النجوم بالبعد عن البر وفي بحبوحة البحر، وجمعوا الأمم الأجنبية التي فَصَلَتْ بينهم البرور والبحور، ونَظَمُوهم في سلك نضيد كأنهم عقود في نحور، فكانوا في الصنائع والفنون عطاردية، وأرباب صَبْر وتَجَلُّد على الحركات العملية، وحازوا النظافة في المَسْكَن والمَلْبَس والمَطْعَم، وكانوا مع ذلك أرباب قناعة واقتصاد فيما خَوَّلَهُم به المولى المُنْعِم، وكانت حكومتهم ذات ضبط وربط وتدقيق وحُسْن الملاحظة وتفتيش وتحقيق، لا يُدْخِلون بين الأهالي الشحناء والشقاق، ولا يَحِيدون عن سبيل الوفاق، بل هم دائمًا إخوان صفاء ورفاق، وهم أشد الأمم تَمَسُّكًا بهذه الخصال، كما أنهم أهل صداقة وأمانة وكمال، عندهم الراحة للأمم الأجنبية، بل يعتبرونهم كأهالي الوطنية، فبهذا أَيْنَعَتْ عندهم أزهار التجارة النافعة، والمعاملة مع سائر أمم البرية، وقد تَنَزَّهُوا عن العداوة والحسد، وتَمَسَّكوا بالاقتصار والكد، وأكرموا أرباب الفنون، وحافظوا على الأمانة في سِرِّ التجارة المصون، ولم يَحْتَكِروا التجارة ولا الصناعة، ولا تَرَكُوا البشاشة والترحيب لأرباب البراعة؛ فلهذا كانت شوكتهم قوية، ومملكتهم مُثْرية غنية، فيسير ملك مصر السالف الذكر على سُنَن الصوريين، عاد فن الملاحة على مصر بالثروة لكثرة المعاملات التجارية مع البلاد الذاتية والقاصية والأمم الأجنبية؛ كأهل بَلْخ وهمدان والهند والسودان والحبشة والقيروان، وبثروة الأهالي أَثْرَت الحكومة المصرية، وقَوِيَتْ شَوْكَتُها، وعَظُمَ سُلْطَانُها، وارتفع شأنها، وانْتَشَرَت الأعلام الملوكية على هذه السفن، فَكَانَتْ محترمة الناموس عند جميع المِلَل والدول، وعَظُمَتْ قوة مصر البرية والبحرية، فكانت في أيامه يمكنها الاستحضار على مائتي ألف من العساكر المشاة، وأربعين ألفًا من الفرسان، وعلى ثلاثمائة من الأفيال الحربية، وعلى ألفي عربة مُسَلَّحَة بالمناشير والمناجل، وكان في خزينة المهمات المصرية ثلاثمائة ألف طقم مجهز من الزرد، وكان بالترسانات نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سفينة ما بين كبيرة وصغيرة، وكان ما يبقى من الخزينة مُوَفِّرًا في كل سنة من الإيراد بعد الصرف الوافي نحو مائة ألف كيس، فكان الوفر يَتَرَاكَم على مر السنين وتداول الأيام، فكانت المملكة غنية، وعلى حالة في ثروة تلك الأزمان مرضية، وكانت التجارة الأهلية، والقادمة إلى الإسكندرية تحت حماية السفن الملوكية، فصارت الإسكندرية بذلك عامرة بالسكان المحبين لملكهم، بترخيصه لهم في التجارة والأرباح، وحُسْن معاملته مع الأجانب، فكانت التجارة تَكْتَسِب كل يوم النمو والزيادة.

وكان هذا الملك يَجْلِب دائمًا الأهالي من أوطانهم؛ للاستيطان في الإسكندرية حتى إنه رَغَّبَ طوائف اليهود بالدخول إليها حتى تكاثروا فيها، وعَمَرُوا فيها خطة كبيرة تُسَمَّى حارة اليهود، ومع ذلك لم يهجروا مدينة مَنْف، بل جعلها دار المملكة الرسمية، فلما تَوَلَّى بعده بطليموس الثاني محب أخيه قبل الهجرة بسبع وتسعمائة كانت مُدَّتُه أيضًا خيرًا من مدة أبيه فصرف هِمَّتَه في تقديم العلوم والمعارف والتجارات، فكانت مصر في أيامه أَعْمَر بلاد الدنيا؛ لأن أباه كان قد أضاف إلى مصر بلادًا كثيرة؛ كمملكة القيروان، وسواحل الشام، وبلاد العرب المجاورة لمصر، وجزيرة قُبْرُص، وجزائر بَحْر الروم، وأغلب مينات أناطلي الجنوبية، ومينات سواحل رُوم إيلي، فقَنَعَ الملك بهذا الميراث العظيم، والْتَفَتَ إلى العمليات الجسيمة التي تعود على مصر وعلى ممالك الدنيا بالمنافع العظيمة، فاعتنى باستكشاف طرق البحار بالأسفار لمعرفة المسالك والممالك، فاستكشف بلاد أفريقيا وثغور بَحْر عُمَان وفارس، وأرسل من يستكشف مَنْبَع النيل، فوصل قبطانه إلى جزيرة مروة بقرب شِنْدِي، وهي جزيرة أتبرة، وأرسل قائدًا آخر إلى تلك الجهات، فَوَصَل فوق ما هنالك، وانعطف إلى جهة المغرب، فبِهَاتَيْن السياحتين اتَّسَعَتْ دائرة المعاملات التجارية، وكَثُرَت المخالطة بين الديار المصرية والسودانية، وتَقَدَّمَت المعارف الجغرافية، وعُلِمَتْ في مصر أحوال البلاد والعباد، واجتهد هذا الملك في تأييد المعاملات التجارية بين مصر والممالك الهندية والشرقية، وأرسل سُفُنَه أيضًا لاستكشاف سواحل الحبشة، وأَمَرَ رؤساءها أن تُبْقِي فيما تَسْتَكْشِفه محطات عسكرية ومراكز تجارية، وكان مَسِيرها من مينا القصير، فكان بَنْدَر القصير موردًا ومصدرًا للتجارات السودانية والعربية والعجمية والهندية، وكانت إسكندرية مَرْكَز العموم، ومَحَطَّ رحال التُّجَّار كما هو معلوم، ولم تَنْتَقِل عنها فضيلتها الأولية في أيام حكومة البطالسة، فكانت قُطْب دائرة الدنيا، بدون أن يسوغ لمدينة أخرى أن تكون لها منافسة.

ثم بتداول الأزمان ضاقت دائرة تجارتها ومحيط صناعتها في الأعصر الأخيرة، ومع ذلك فلم تزل منابعَ للمنافع النسبية غزيرة، لا سيما بعد فُتُوح الإسلام، فقد عَوَّضَ الله تعالى مصر دون غَيْرِها في صدر الإسلام وبَعْدَه تجارة لن تَبُور، واكْتَسَبَتْ تَمَدُّنًا آخر أعلى من الأول، وبقي القرون العديدة، وأَخَذَتْ منه مُدُن الدنيا بِحَظٍّ موفور، وناهيك بتقدم التمدن أيام خلفاء بغداد، ونَقْل الخلافة بمصر في أيام الفاطميين، فإنه انْسَحَبَ أَثَرُه على جميع البلاد، فإن يكن التمدن قد قَصُرَ في مصر، وانحط عن قَدْره الأصيل؛ فإنما كان ذلك في أيام المماليك الذين أساءوا في تدبيرها، وسَعَوْا في خرابها وتدميرها؛ بما جُبِلُوا عليه من العسف والتعدي، وعَدْلِهم عن الجادة بسلوك ما ليس يُجْدِي، حتى أَنْقَذَهُمْ منها شوكةُ آل عثمان، وغارَتْ دولة الغوري بمصر، واطمأنَّتْ قلوب أهلها بسلامة السلطان سليم خان، وقَتْلِه للسلطان طومان، ومع ذلك فصارت مصر مترددة متحيرة لتداول أيدي الولاة العثمانيين المختلفين في درجات العدل المعتبرة، مع بقاء نفوذ أو جافات الشراكسة أهل الحمية والعصبية، ولم يكن لأكثرهم أدنى حظ في قصد التمدنية، فاستبدلوا الربح بالخسران، وآثروا التدمير على العمران، وحل الخوف في أيامهم محل الأمان، فانْحَلَّ نظامهم، واختلت أحكامهم، فطَمِعَتْ دولة الفرنساوية في أن تَجْعَل حكومة مصر مُلْحَقَةً مضافة إلى ملكتهم بالجر على وَجْه الإضافة، وتَغَلَّبَتْ عليها، وأرادت بها ما أرادت، وأراد الله خِلَافَه، فأُعِيدَتْ كما كانت إلى دار الخلافة، ولكن كان لحكم المماليك قُوَّة نفوذ غالبة، وأظفار أسود ناشبة تفتك بالرعية، ولا ترعى حقوق الدولة العلية، ولا واجب الإنسانية، حتى آن الأوان وسَخَّرَ الله سبحانه وتعالى لخلاصها من أيديهم بفتكهم أول أمير عجيب، خرج من قوله وثاني فحول أمراء مقدونيا محمد الاسم علي الشأن، كما أشار لذلك بعض شعراء الفرنساوية بما معناه:

فِعْلُك الخير بَعْدَه حُسْنُ ذِكْرِ
مُسْتَمِرٌّ على مَدَى كُلِّ دَهْرِ
فاغْتَنِمْ حَوْزَ مُشْتَهَى نِيلِ مِصْرِ
فَلَقَدْ شَابَهُ دَمًا سَيْفُ نَصْرِ
وَغَدَا في حِمَاكَ يُنْفِقُ رِفْدًا
فائقًا عَمَّ نَفْعُهُ كُلَّ قُطْرِ

فإنه بقريحته العجيبة أَوْصَلَ مصر إلى درجة مهيبة، ثم لما آلت المملكة المصرية إلى الحكومة الإسماعيلية بَعْد فترة تَضَعْضَعَ فيها الأساس؛ اجْتَهَدَ في أن يَكْسُوَهَا من المجد والفخار أعظم لباس، وأن يَصُونَها داخلًا وخارجًا من الشدة والبأس، حتى تَكُونَ هي الْمِصْر وناسها هم الناس، ولا يَتِمُّ مثل هذا التقديم بدون انجذاب قلوب الأهالي صَوْب مَرْكز التمدن والتنظيم، وتَوَجُّه نفوسهم بالطوع والاختيار إلى الوفاء بحقوق هذا الوطن العظيم؛ بمعنى: أنه إذا تَشَبَّثَت الحكومة المصرية بكليات المصالح الوطنية؛ ساعدها الأهالي كلٌّ على قَدْر حاله بإيجاد المصالح الخيرية الجزئية، بِحَسْب ما يَقْتَضِيه الوقت والحال، فبهذه الوسائل تُتَحَصَّل على المنافع العمومية في أطراف مصر وأكنافها بجميع المحالِّ، فالقوة الوطنية والنخوة الأهلية مما يُنْتِج إظهار شعائر الإسلام، ويَبْتَهِجُ به دين خير الأنام، والفضل في ذلك للمؤسِّس الأول الجليل، ولمن يَقْفُو أَثَرَهُ من كل وارِثٍ نبيل، وسيأتي أن ما فعله المؤسِّس الأول هو ما بُنِي عليه من بعده، لا سيما ما حصل من التجديدات في هذه الأيام، مما يكاد أن يعجز عنه البشر، فالأعمال الأخيرة شواهد، وها هي نُصْب عين كل مُنَاظِرٍ ومُشَاهِدٍ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠