الفصل الثالث

فيما دَبَّرَه المرحوم محمد علي من أصول المنافع العمومية الجسيمة والوصول بها إلى الحصول على التقدمات العميمة في زمن يسير مما لو أَنْجَزَهُ من الملوك جَمٌّ غفير لَعُدَّ من العمل الكثير وحُسْن التدبير.

***

الغرض التكلم على ري الأراضي وسَقْيها بما يَخُصُّ العادة والأمور الهندسية، التي هي أيضًا من تدبير الحكمة الإلهية، وإلا فلو نَظَرْنَا لمحض الحكمة الإلهية لَقُلْنَا كما قال الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين: «إن الرغيف لا يستدير ويوضع بين يدي الآكل حتى يَعْمَلَ فيه ثلاثمائة وستون صانعًا؛ أَوَّلُهُمْ: ميكائيل عليه السلام، وهو الذي يَكِيل الماء من خزائن الرحمة، ثم الملائكة التي تَزْجُر السحاب والشمس والقمر والأفلاك ودواب الأرض، وآخر ذلك الخباز.» انتهى، ويقاس على ذلك كل فرع من فروع المعاش، فالعمل هو الذي عليه المدار، وهو القوة الأولية في إبراز المنافع الأهلية كما سَبَقَ في الفصل الثاني من الباب الأول، فإن ما يأتي في العمليات النيلية لخصب أرض مصر يؤيد ما ذُكِرَ في ذلك الفصل، ومن المعلوم أن مصلحة الري التي هي عبارة عن عَمَل الترع والجسور والقناطر من أهم مصالح الحكومة؛ لأن هذه المصلحة النيلية لها مَدْخَل عظيم في غِنَى الأهالي وسعادتهم، كما أنَّ لها تأثيرًا عظيمًا في تكثير إيراد المملكة المصرية؛ لأن النيل هو رأس مال البلاد والأقاليم، كما قال بعضهم:

لِمِصْرِنَا من نِيلِهَا ثَرْوَةٌ
فالرزق مِنْ أصبعه يَجْرِي
يقول مَنْ أَبْصَرَهُ أَحْمَرَا
قُومُوا انْظُروا للذهب المِصْرِي

فإذَا كان النيل في يَدِ مُدَبِّر نَشِط أَحْسَن التصرف فيه، فإنه يَرْبَح ربحًا عظيمًا بخلاف ما إذا كان في يد إنسان مُهْمِل أو جبان أو فاتر هِمَّةٍ أو جاهل لا يُدْرِك العواقب، فإنه يُتْلِفُه بسوء تَصَرُّفه، فيَكْسَد رأس مَالِه الذي هو النيل، وتذوق مصر عذاب القحط الوبيل؛ لأنها بدون الري ليست إلا بَلَاقع، فعماريتها بِقَدْر حُسْن التصرف في مياهها النيلية، فالنيل بالنسبة إليها كالدم لجسم الإنسان، فقوة البدن بِقَدْر ما فيه من الدماء، كما قال بعضهم:

إن الدماءَ قَوَامٌ
لكل جِسْمٍ صَحِيحِ
وحُمْرَة النيل فيها
قَوَام جِسْمٍ ورُوحِ

فمصلحة الري العمومي هي عملية الاقتصاد في النيل وتدبير مياهه، فقد كانت مصر في أيام الفراعنة ذات قناطر وجسور حسنة التدبير والتقدير، حتى إن الماء كان يجري تَحْت منازلها بمقدار منافعها، فيحبسونه حيث شاءوا ويرسلونه حيث شاءوا، وذلك معنى قوله تعالى فيما حكى عن فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ولم يَكُن يومئذ مُلْك أَعْظَم مِنْ مُلْك مصر.

فإذا انْتَظَمَت العمليات بأصول واسعة فإن أرض مصر الزراعية تزيد وتَمْتَدُّ، وتَكْثُر وسائل ثروتها وتَمَدُّنها، وتَعْظُم شوكتها وقُوَّتها المملكية، وأما إذا بَقِيَتْ قليلة الترع والجسور عديمة الانتظام والتطهر والإصلاح والترميم؛ فإنه يَنْحَطُّ قَدْرُها، ويَظْهر الفقر والمسكنة على أهلها، ويَضْعُف تَمَدُّنها، فلا بد من صورة تنظيمية وأصول اجتماعية مستوفية للمذاهب المائية وقوة إجرائية، ومِثْل هذا لا يكون من وظيفة الآحاد والأفراد، ولا من مَحْض وظيفة القرى والبنادر والبلاد، سواء كان بالاجتماع أو الانفراد، بل هذه وظيفة لقوة الحاكمة العمومية، التي هي من المولى تبارك وتعالى كالوصي على مصر وعلى جميع الرعية، فنفوذ الحكومة هو الذي يَتَعَهَّد إصلاح هذه الدرة اليتيمة، وليس في ممالك الدنيا مملكة لصاحبها النفوذ الحقيقي على الزراعة والفلاحة إلا صاحب مصر، فإنه لا يجد في إهمالها فلاحة، وبِقَدْر نفوذه على إدارة الزراعة يكون له النفوذ على الأهالي، وأما غير مصر من البلاد التي رَيُّها بالمطر فليس للحكومة عليها ولا على قلوب أهلها كبير تَسَلُّط.

ولما كان رَيُّ مصر دائمًا صناعيًّا مُدَبَّرًا كان لا بد فيه من حُسْن الإدارة المائية، والضبط والربط في تطهير الترع، وبناء الجسور والقناطر، فإن كانت الحكومة المتولية على مصر سيئة التدبير أو قليلة العدل أو ضعيفة القوة فإنها تقتصر على تدبير بعض الأقاليم دون بعض، أو بعض الأملاك الخصوصية على قَدْر منفعتها، وتَجْحف بالمصلحة العمومية، فلا تخلو الأقاليم في داخلها من المشاجرات بين الأهالي، وإذا فَتَحَت الحكومة ترعة عظيمة خصوصية، أو أَهْمَلَتْ ترعة في الترع، وجَعَلَتْهَا عُرْضة للتلف؛ تَرَتَّبَ على ذلك أن الري لا يكون إلا في أماكن قليلة، فتتناقص كمية الأراضي الزراعية عن أصولها الاتساعية، وهذا الخلل إنما يترتب على عَدَم الحكومة المركزية، فإن حكومة المماليك الاختلالية لَمَّا تَجَرَّدَت عن القوة المركزية ووحدة الحكومة تَجَرَّدَت بالضرورة عن صورة الري العمومية المصرية.

فقد كانت حكومة المماليك مؤلفة من عدة سناجق، تَتَوَزَّع بينهم أقاليم مصر، وكل سنجق يقطع لكشافه القرى والنواحي، وكان كل سنجق منفصلًا عن غيره بإدارته وسياسته، لا يَتَّبِع إلا هوى نفسه، ولا يُطِيع إلا ما يُسَوِّله له عَقْله من وسائل التخريب وإن كان مستقيمًا للصدفة والاتفاق، فالغالب عليه التكاسل وعدم النشاط، فكان من أيامهم لكل قسم وكل قرية ترع وجسور خصوصية، لا يَنْتَفِع من السقي منها إلا أهاليها، ولم يكن بينهم روابط عمومية، فكان أصحاب الأراضي والمزارعون لها المجاورون شطوط الماء يحتكرون الري والسقي، ويختلسون من المياه ما هو قريب منهم، ويمنعون الأراضي البعيدة من ذلك، مع كونها لها حَقٌّ في مشاركتهم في المياه عند الفيضان، فكان ينشأ من هذا ما لا مَزِيد عليه من عداوة قرية لأخرى، وربما تَرَتَّب على ذلك القتال وسَفْك الدماء؛ فلهذه الحوادث الجارية في أيام حُكْمِهم تَقَهْقَرَتْ العمليات الهندسية الموروثة عن الفراعنة والرومانيين، ومَنْ بَعْدَهم من الخلفاء والسلاطين ممن كانت دولة مصر في أيامهم منظومة كأيام أحمد بن طولون، فإنه لما تَوَلَّى الأمير أحمد على مصر تَسَلَّمَها من أحمد المدبر، وقد تلاشى أَمْرُها وانْحَطَّ خراجها، فاهتم ابن طولون في عمارة جسورها، وبناء قناطرها، وحَفْر خلجانها، وسَدِّ ترعها، فاستقامت أحوال الديار المصرية في أيامه، ووَصَلَ خراج مصر مع وجود الرخاء أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار؛ يعني: أربعة ملايين دينار وثلث مليون تقريبًا، وهذا غير ما يُتَحَصَّل من المكوس، وكان مَلِكًا شجاعًا، صاحب جيوش وسخاء، كثير الأموال والخزائن، مستقلًّا بمملكة مصر، يَسْتَوفي خراجها، وكانت مصر في أيامه عامرة آهلة كثيرة المحصول؛ لِرِفْقِهِ برعيته، وتكثير ثروتهم وقوتهم، وعَدَم ظُلْمِه وجوره عليهم، وما كان تحصيل الأموال الكثيرة جدًّا منها إلا بسبب عمارتها، فكانت كالروض البهي في زهرتها ونضارتها.

فقد بنى مدينةً شَرْقِيَّ مدينة الفسطاط، وسماها: القطائع، وكانت مدينة جليلة بُنِيَتْ قبل القاهرة، وكانت مِيلًا في مِيل، أَوَّلُها من كوم الجارح إلى الصليبة، وعَرْضُها من قناطر السباع إلى جبل المقطم، فَلَمَّا فَرَغَ من بنائها أَسْكَنَ بها جُنْدَه، وكان قريبًا من المائة ألف، ثم ابتدأ بناء جامعه الذي بَلَغَتْ النفقة عليه مبلغًا جسيمًا، ورأى أحمد بن طولون الصُّنَّاع يبنون في الجامع، ويتأخرون إلى دخول الليل وكان في شهر رمضان، فقال: متى يشتري هؤلاء الضعفاء إفطارًا لعيالهم وأولادهم؟ اصرفوهم بعد العصر، فصارت سُنَّة غالبة إلى اليوم بمصر، قيل: لم يكن بمصر بُقْعَة أعظم من البقعة التي بَنَى فيها هذا الجامع، وكانت تُسَمَّى: جبل يشكر، وهو مشهور بإجابة الدعاء فيه، وبنى أيضًا بجوار هذا الجامع مارستانًا وصَرَفَ عليه ستين ألف دينار، والظاهر أنه أول مارستان بمصر، وجَعَلَ به خزينة الشراب والأدوية، وكان يَجْلِس على بابه كل يوم جمعة طبيبان برسم مناظرة الضعفاء، وأرصد عليه الأوقاف الكثيرة الدارة، وقد أَصْلَح أيضًا مِقْيَاس مصر وصَرَف عليه أَلْف دينار، فأين حُسْن عَدْله وتدبيره مِنْ ظُلْم المماليك الكيلمان في الأعصر الأخيرة وتدميرهم للبلاد، فمدار العَمَار على العدل، وبضدها تَتَمَيَّز الأشياء كما قيل:

عليك بالعدل إن أُولِيتَ مَمْلَكَةً
واحْذَرْ من الظلم فيها غَايَةَ الحَذَرِ
فالمُلْكُ يبقى مع الكفر الذميم ولا
يبقى مع الجُورِ في بَدْوٍ ولا حَضَرِ

فلذلك في مدة أحكامهم صَارَتْ مصر تفقد كل يوم عناصر حياتها على التدريج بانحلال الانتظام، فكانت مصر محتاجة إلى نَظْمِها في وحدة حكومة مركزية، فأدركت مرامها بنادرة العصور، وهي الذات المحمدية العلية، ولولا أن رُزِقَتْ بالمرحوم محمد علي باشا لدَرَسَتْ رسومُها بالكلية، فقد أسعدهم الله سبحانه بسيادته، وكان إنقاذه لهم مِنْ قَبْضَة الظلمة سَبَبًا لسعادتهم وسعادته، فإنه اهتم بإصلاح الترع القديمة بالترميم، وجَدَّدَ ما اقتضته الضرورة من الترع والجسور والقناطر، ما عاد على الزراعة بالتحسين والتقديم.

وقد أَسْلَفْنا الكلام على ترعة المحمودية وعلى منفعتها العمومية، ولا يَسَعُنا هنا سَرْد جميع العمليات المائية التي صارت في أيام حكومته العدلية، وإنما نَذْكر بعضًا منها، فنقول: إن مِنْ جملة أعماله عَمَل الجسر الأعظم الممتد بطول النِّيل على الساحلَيْن، مَبْدَؤُه من جَبَل السلسلة في الصعيد، وانتهاؤه إلى بَحْر إسكندرية، وهو محيط بالوجه البحري، فهذا الجسر سَدٌّ عظيم يَحْفَظ بقاء مياه النيل في فرشه ومجراه، فإذا ارتفع الماء عند الفيضان حَفِظَتْه الجسور من انتشاره وتغريقه للبلاد، كما أن هذه الجسور تَحْفَظ أيضًا مياه النيل في زمن الري مدة طويلة على الأرض حتى يَرْسب طينها النافع وتحصل فائدة الطمي، وقد صار عمل هذا الجسر الأعظم الحافظ للمياه في ظَرْف سنة واحدة بدون إتعاب للأهالي؛ إذ كُلُّ بَلَدٍ أعانت في عمله بِقَدْر ما يَخُصُّ بَلَدَهَا مِنْه، وهذا كله غير القناطر والجسور الخصوصية المنشأة في الأقاليم البحرية والقبلية، لا سيما بالجهات البحرية، فإنها أخصبت جدًّا، وتكاثرت فيها زراعة الأصناف وعلى الخصوص زراعة الأقطان؛ إذ صارت ضامنة الري أيًّا مَا كانت زيادة النيل بخلاف الصعيد، فإنه لم يَصِل إلى هذه الدرجة القصوى؛ إذ لَمْ تَغْفُل عنه عَيْن المرحوم طرفة عين، وإن لم يجتهد في إصلاح الصعيد بمثل ذلك الاجتهاد، مع أن أَغْلَب ملوك مصر في الأزمان القديمة كانت هِمَّتُهم في تحسين الصعيد وتمدينه، حتى قيل: إن الأقاليم القبلية كانت سابقة التمدن قبل الأقاليم البحرية، قيل: ولعل سبب تراخي اعتنائه به كمال الاعتناء أن الصعيد لا يصلح لزراعة الأصناف كالوجه البحري، لا سيما زراعة القطن، وإن كان الصعيد ينجح فيه زراعة الكتان والأفيون وغير ذلك، بل والقطن على قِلَّة، حتى إن زراعته في بلاد النوبة التابعة لمصر ناجحة، وإنما تحتاج لعزيمة الحكومة، فكمال الاهتمام في المصالح النيلية مبقية لعناية حكومة الذرية المتولية العزازة.

ومن أحوال الصعيد الآن أن السنين التي فيها زيادة النيل متوسطة، لا بد أن يبقي فيها منه جزء بدون ري، وإنما أكثر مزارع مديريتي أسيوط وجرجا ضامنة في هذه الحالة للري، والظاهر أن هذا الوصف في تلك الجهة حاصل من قديم الزمان.

فَقَدْ ذَكَرَ بعض المؤرخين أن الدنيا كلها لَمَّا صُوِّرَت للرشيد لم يَسْتَحْسِن منها إلا كرة أسيوط؛ لأن من مساحتها ثلاثين ألف فدان في استواء الأرض، لو وقع فيها قليل الماء لانتشر في جميعها لا يشرق منها شيء، يزرع بها الكتان والقمح والقرطم وسائر أنواع الغلال، فلا يكون على وجه الأرض بساط أعجب منه، وبها مناسج الأرمني والدبيقي والمثلث وسائر أنواع الملبوس الذي لا يخلو منه ملك إسلامي ولا جاهلي، وبها الخس والسفرجل الذي يزيد على كل بلد في كثرته وبهائه، والليمون الذي يُحْمَل إلى سائر الآفاق، وبمدينة أخميم من عمل الأسيوطية الطراز الصوف الشفاف والمطارف والمآزر والمعلم الأبيض والملوكي، ويُحْمَل منه إلى أقصى البلاد وإلى سائر الآفاق، يَبْلُغ الثوب منه عشرين دينارًا والمطرز مثله، فهذا يدل على حسن الزراعة والصناعة بتلك الجهات، انتهى.

فلننظر ما حكاه المؤرخون في شأن أسيوط وأخميم فإنه يتراءى استبعاده، مع أن الواقع أن قُطْرَهُما إلى الآن قابِلٌ لمثل ذلك، ولعله يعود الأمر كما كان وفي قريب من الزمان.

وقد كان تصميم جنتمكان على أن يعمله ترعة عظمى محاذية للنيل على استقامة الصحراء، وتكون فوهتهم من عند جبل السلسلة، فلم يَتِمَّ مرامه إلا أنه صار عمل بعض تُرَع فوق البلينة أصلحت كثيرًا من المحال بتلك الجهة، حتى صارت حيضان تلك الجهات تروي من بعضها في أيام أَخْذ النيل في النقص، ومع صَرْف المرحوم المشار إليه هِمَّته العالية في مصلحة الري في الأقاليم البحرية فلم يأخذ الرَّيُّ فيها حده الأكمل؛ بسبب تَعَذُّر تطهير الترع في مواعيدها كل سنة، مع اتساع الدوائر الزراعية اتساعًا وافرًا في الأقاليم البحرية، ولا تكمل مصلحة الري إلا بإيجاد القناطر الخيرية على فَرْعَي النيل، المفترقين من شلقان الذين أحدهما شرقي وهو فرع دمياط، والثاني غربي وهو فرع رشيد، وذلك أن هذين الفرعين يتكون منهما مُثَلَّث، وهو الجزيرة المسماة أيضًا الدلتة، ومنهما تُرْوَى عدة مدريات وهي مديرية القليوبية والشرقية والدقهلية والمنوفية والغربية، إلا أن انتفاع هذه المديريات منهما لا تكون تامة إلا في زمن فيضان النيل، وأما في أيام التحاريق فإن مياهَهُما تَنْصَبُّ في البحر المالح، ولا تعود منها على الزراعة أدنى مَنْفَعة، فانصبابها في البحر المالح مَحْض خسارة على الزراعة، فاستصْوَب المرحوم قنطرتهما من أمام شلقان إلى بر المناشي بقنطرتين؛ إحداهما على البحر الشرقي، والثانية على البحر الغربي بعيون كثيرة، وأن تكون القنطرتان على استقامة واحدة من البَرَّيْن؛ يعني: من بَرِّ شلقان إلى بر المناشي، وأن يُبْنَى على رَأْس الجزيرة رصيف، يكون ابتداؤه من الشط الغربي من فرع دمياط، وانتهاؤه إلى الشط الشرقي من فرع رشيد، وفائدة هذا الرصيف مَنْع المياه من أن تَقْطَع رأس الجزيرة فتغرق المنوفية والغربية، وأن يكون هذا الرصيف عاليًا جدًّا بحيث لا يَرْتَفِع إليه الماء عند الفيضان، وأن يعمل لعيون هذه القناطر الخيرية بوابات مُحْكَمة تُقْفَل وتُفْتَح بحسب الاقتضاء لحبس المياه وإرسالها، وأن يُعْمَل أيضًا لمساعدة القناطر الخيرية ثلاث تُرَع رياحات، تكون فُوَّهَاتُها من فوق القناطر الخيرية، إحدى هذه الترع يكون مُعَدًّا لِرَيِّ القليوبية والشرقية والدقهلية بالراحة، وفوهتها من الشط الشرقي قبل شلقان، والترعة الثانية تكون فُوَّهَتُها من وَسَط رأس الجزيرة؛ يعني: من منتصف الرصيف، وتكون مُعَدَّة لري المنوفية والغربية، والترعة الثالثة تكون فُوَّهَاتُها من فوق القناطر الخيرية ببر المناشي، وتكون مُعَدَّة لري مديرية البحيرة، وأن يُعْمَل لهذه الترع الثلاثة التي هي عبارة عن فروع خارجة من بحر دمياط ورشيد قناطر وعيون على حسب ميزانية الأرض، وأن يُعْمَلَ لها بوابات تُقْفَل وتُفْتَح على حسب الاقتضاء.

فإذا تَمَّتْ على هذا الوجه تَرَتَّبَ عليها أنه في وقت فيضان النيل تُفْتَح القناطر الخيرية وقناطر الثلاث ترع، المسماة: بالرياحات؛ لتصريف ما زاد من مياه النيل عن لزوم الري في البحر المالح، وحَبْسه بقَدْر اللزوم بقَفْلِها بقصد السَّقْي، ويجعل سفر المراكب ممكنًا، وفي أيام التحاريق تُقْفَل بوابات القناطر الخيرية قفلًا محكمًا بحيث تَرْتَفع المياه أمام القناطر المذكورة بِقَدْر عدة أمتار، فتَنْصَبُّ بالضرورة في الرياحات الثلاثة المستمدة الماء منها في هذه المدة، وكذلك تُقْفَل أبواب قناطر الرياحات الثلاثة المستمدة الماء، بحيث تفيض مياهها على الأراضي التي أمامها، ولا يُتْرَك منها إلا القدر الزائد ليتوزع على الأراضي والحيضان من حَوْض إلى آخر.

وبهذا القفل في القناطر الخيرية وفي الرياحات يُمْكِن السفر في السفن في هذه الجهة في النيل وقت التحاريق، فالقناطر الخيرية والرصيف والرياحات هي المقصد الذي به تَتِمُّ مصلحة الري في المديريات الستة السالفة الذكر، وقد تَمَّ منها في أيام المرحوم جنتمكان القناطر والرصيف ولم يَتِمَّ عمل الرياحات، بل الذي صار إعماله جزء من رياح القليوبية، وجزء من رياح المنوفية، وجزء من رياح البحيرة، فجزء رياح القليوبية تَلِفَ الآن بالكلية، وجزء رياح المنوفية يُسْتَعْمَل الآن استعمالًا غير المقصود منه، فإن مصلحة ري المنوفية أَحْوَجَتْ إلى استعماله بتوصيله المياه إلى الترع القديمة، وأما جزء رياح البحيرة فلم يَزَلْ إلى الآن باقيًا لكن بدون ثمرة، بل بوابات القناطر الخيرية التي بها منفعة القناطر لم يَتِمَّ منها إلى الآن إلا بعضها لا جميعها، والبعض الذي صار عمله لم يكن مُحْكَم القفل والفتح بالسهولة، فلا يكون الانتفاع منه إلا بالصعوبة، فلو تَمَّ عَمَل البوابات كالغرض المطلوب منها في الفتح والقفل بغاية السهولة، وتَمَّت الرياحات الثلاثة المذكورة وقناطرها الثلاثة حكم المرغوب؛ لحصلت الثمرات العظيمة للمديريات المذكورة، وتوفرت المياه التي تَسْقِي بالراحة، وتوفرت أيضًا جميع السواقي والتوابيت، واكتسبت الأهالي المكاسب العظيمة من الزراعات مع قلة المصاريف، حيث إنها لا تَخْسَر مياه النيل التي لا يَنْصَبُّ منها في المالح إلا القدر الزائد عن اللزوم، فلا شك أنها إذا تَمَّتْ القناطر الخيرية على الوجه الأكمل بموجب تصميمات الحكومة في الحالة الراهنة، فإنها تكون من أعظم ما يُوجِبُ كمال الافتخار للجد والحفيد، والموجود منها الآن فهو من آثار جوهري العقل الفريد؛ إذ أنوار عقله السواطع هي أشعة المنافع:

قَدْ بَلَغَ النيل كُلَّ نَفْع
من فَيْض تلك اليَدِ الكَرِيمَهْ
وصار ذا غَلَّة ورِزْقٍ
فهَذِهِ نِعْمَة جَسِيمَه

وقد ذَكَرْنَا عناية جنتمكان بعلاج مَصَبِّ النيل، وقد اعتنى أيضًا رحمه الله بالبحث عن استكشاف منبعه؛ اقتداء بمشاهير قدماء ملوك مصر وملوك العجم وإسكندر والبطالسة وقياصرة الروم وعقلاء خلفاء مصر ونبلاء سلاطينها وملوكها بعد الفتح، فأرسل في ظَرْف أربع سنوات ثلاث إرساليات متوالية وكانت في سنة ١٢٥٧، الإرسالية الثانية تحت رياسة سليم بك قبودان ودرنو بك مهندس، وهي أنفع الإرساليات، فسارت هذه الإرسالية من الخرطوم في النيل المُسَمَّى هناك بالبحر الأبيض، مسافة خمسمائة فرسخ حتى وَصَلَتْ إلى جزيرة جانكير بمشرع كندكرو، وعندها رمال وصخور متكاثرة كالشلالات تَمْنَع السير على النيل مَنْعًا كليًّا، فاقتصر القبودان المذكور على أَخْذ الاستعلامات اللازمة مما يُعْلم من أهالي تلك الجهة.

فاستبان من ذلك أن منبع النيل بقرب دائرة الاستواء على ثلاثين مرحلة فوق جزيرة جانكير المذكورة، فتكون المسافة بين جانكير ومنبع النيل نحو مائة وخمسين فرسخًا تقريبًا، وبهذا الاستكشاف سَهُل لِسُيَّاحي الإنكليز تَمَام استكشافهم بيُمْن إرسالية جنتمكان، الذي كان ولم يزل طَرْفُه للبحث عن إحراز المكارم يَقْظَان:

مَلِكٌ أَسْهَرَ عَيْنًا لَمْ تَزَلْ
هَمُّهَا تشريد هم الرَّاقِدِينْ
ما رَوَى الرَّاوُونَ بَلْ ما سَطَّرُوا
مِثْلَ ما خَطَّتْ له أيدي السنينْ

«غيره»:

أَصْبَحْتَ دونَ ملوك الأرض مُنْفَرِدًا
بلا شَبِيهٍ إذ الأملاك أَشْبَاهُ
مُشَمِّرًا وبَنُو الإسلام في شُغُلٍ
عن بَدْءِ غَرْسٍ لهم أثمار عُقْبَاهُ

فقدْ أَنْفَقَ على مصلحة النيل النفقات الخارجة عن حد العادة، كما قيل:

لو أن فَيْضَ النيل فَائِضُ نِيلِهِ
لم تَفْتَقِر مصر إلى مِقْيَاسِ

فقد اشترى وسائل التمدن ومقاصد المآثر العالية ومقدمات التقدم بالأثمان الغالية.

ومَنْ يَصْطَبِر للعلم يَظْفَرْ بِنَيْلِهِ
ومَنْ يَخْطُبِ الحسناء يَصْبِر على البَذْلِ
ومَنْ لَمْ يُذِلَّ النفْس في طَلَبِ العُلَا
يسيرًا يَعِشْ دهرًا طويلًا أَخَا ذُلِّ

فلله اليد الطولى التي نَقَلَتْ صورة الأهالي من صورة إلى أخرى، ومن هيولي إلى هيولي، فقد أَوْجَدَ عزم محمد علي بالتوفيقات الصمدانية من الأمة المصرية أطباء أَلِبَّاء، وأرباب هندسة عالية، وترجمة سامية، وأرباب إدارة مَلَكِيَّة، وضباط عسكرية، وأرباب صنائع وتجارات، وكان هذا للمدارس والمكاتب من أفضل النتائج وأجمل الثمرات.

فقد أنشأ من أول الأمر مدرستي قصر العيني والدرسخانة، فكانت أولاهما كالتجهيزية والمبتديان، وكانت الثانية كالخصوصية يُخَرَّجُ منها المستَخْدَمون بأي ديوان، ثم جَدَّدَ مدرسة الطب والمهندسخانة بعد تجديد عساكر النظام، فكان يُخَرَّج منهما الأطباء والمهندسون للمصالح المَلَكِيَّة والعسكرية من المهرة العظام، ثم جَدَّدَ مدارس الجهادية من بيادة وسواري وطوبجية؛ ليُخَرَّج منها الضُّبَّاط الفخام، وكذلك جَدَّدَ مدرسة العمليات؛ لتعود بالنفع على الفنون والصنائع من سائر أنواع المنافع، ومدرسة الألسن الأهلية والأجنبية؛ لمعرفة اللغات واستفادة ترجمة الكتب الأجنبية، ونَتَجَ عنها تكثير المعلومات، وأحْرَزَتْ ديار مصر منها الفوائد الجمة والمعارف المهمة، وجَدَّدَ مدارس ومكاتب عديدة للمبتديان والتجهيزية على صورة جديدة، واجتنى ثمرات الجميع على وَجْه مُنْتَظِم رفيع.

فقد أرشد الملة القاصرة إلى المنافع المفيد حتى صارت الملة المصرية رشيدة، فتَعَلَّمَتْ المبادئ والمقاصد، وتَمَكَّنَتْ من مَعْرِفَة فوائد الأنحاء المراصد، ولم يَكْتَفِ بتوسيع دائرة التعليم في بلاده، بل أرسل إلى فرنسا عدة إرساليات لتعليم العلوم والصنائع واستخراج الفنون من معادنها لتفي بمراده، فتكفل باسخراج المنافع من معادنها، وباستنباط عيون المعارف من مواطنها، ومع ذلك فقد أنشأ — كما سَبَقَ — مدرسة للألسن في الأكثر؛ لقصد ترجمة الكتب الغريبة، فكانت للوفاء بِجُلِّ مقصده مجيبة، وترجم فيها كثيرًا من العلوم المتنوعة، ودَخَلَ رجالها في الخدامات الميرية، وعادت منهم على البلاد المنفعة، وقد نَتَجَ عن إنشاء مدرسة الطب مشورة صحية، تدير عموم الصحة الأهلية، كما نَتَجَ عنها عدة إسبتاليات نَفْعُها عميم، حيث تَرَتَّبَتْ في جميع الأقاليم، ومدرسة الولادة تُعَدُّ مِنْ أعظم المآثر، كما أن مصلحة تلقيح الجدري وَقَت النفوس من الأخطار، وتَرَتَّبَ عليها الصون من التشويه وتنمية الأهالي وتكثير العمار، وأما تجديده لترتيب العساكر الجهادية برية وبحرية على صورة جميلة وهيئة جليلة، فقد عَجَزَ عنها على هذا الوجه قَبْلَه ملوك الإسلام، وانصاغَتْ هذه التنظيمات لهذا الهُمَام المقدام، واقتدى به بعد ذلك سواه، ولكن لم يصلوا في زمنه إلى درجة ما أَحْسَنَ ترتيبه وسَوَّاه، لا سيما سفنه البحرية، فكانت بحسن النظام حَرِيَّة، فقد رَتَّبَهَا قبل حرب مورة، حيث استدعَتْها الضرورة، وذلك لأنه لَمَّا طلب منه ديوان القسطنطينية الإعانة بالقوة في غزوة مورة التي هي أعجب غزوة مشهورة؛ لم يَبْعَثْ هذا الديوان سُفُنَه الحربية ولا عمارته العثمانية لنقل العساكر المصرية والذخيرة إلى جزيرة مورة، ولم يكن إذ ذاك عند المرحوم محمد علي بمصر إلا سفينتان كل سفينة منهما ذات ثلاثين مدفعًا لم يَكْمُل شغلهما، فجَهَّزَ ثلاثة وثلاثين سفينة حربية كاملة الآلة والعدة في أقرب مدة، ومائة سفينة من سفن العادة لنقل المهمات.

وقد تَكَامَلَ هذا العدد في واقعة أناوارين، وتَلِفَ أكثره بإحراق المتعصبين، فشرع في عمارة سفن أخرى أعظم منها بشرائها من البلاد الأجنبية الأوروباوية، ثم شَرَعَ في عمل ترسانة الإسكندرية سنة ألف ومائتين وسبعة وثلاثين التي لم تَكُنْ دون ترسانة طولون ببلاد الفرنساوية.

فقد رَتَّبَ بهذه الترسانة مصانع ومعامل متنوعة ومخازن مهمات ومفاتل أحبال، وأنشأ بهذه الترسانة أيضًا كثيرًا من السفن الحربية التي كل سفينة منها من ذوات المائة مدفع، وغير ذلك من السفن حتى صارت دوننما عظيمة، واستخدم فيها الأهالي، وكذلك كان الشغالون وأرباب الصنائع فيها من الأهالي المصرية، وكان جميع المستخدمين بالدوننما والترسانة على الطراز العسكري، فكان أهلها يُرَقَّوْن إلى الرتب العسكرية على حسب معارفهم.

فتَعَلَّمَ أبناء الأوطان جودة صناعة السفن، فبهذه الطريقة صارت أثمان هينة جدًّا على الحكومة، وبطل شراؤها من الأجانب، وكانت هِمَّة جنتمكان في هذه المادة السفينة الحربية كهمة سلطان الموسقو بطرس الأكبر في الاجتهاد والاعتناء بهذه المادة؛ إذ كان دائمًا مواظبًا على مناظرة الأشغال بالترسانة، والإقامة فيها الساعات العديدة من النهار، ولو أن ملك الموسقو كان قد تَعَلَّمَ عمارة السفن بِنَفْسِه إلا أن محمد علي رَخَّصَ لمهندس السفن سيريزي بك الرخصة التامة في حُسْنِ إدارتها، فكان مهندسها يُنَفِّذُ أغراض سيده كما يُحِبُّ ويختار كأنه هو، فلا يعيب الأصيل ما رآه الوكيل حسنًا، ولا يَنْقُض عليه ما أَبْرَمه، فكان تَنَازُل المرحوم لهذا الحد في التفويض يوازي تَنَازُل بطرس الأكبر في كَوْنه تَعَلَّم صنعة السفن بنفسه، وعَلَّمَهَا لأهل وطنه، ولم يَتَكَبَّر في ذلك، وكان ابنه جنتمكان إبراهيم باشا يبادر بتشهيل التشغيل مبادرة زائدة، ويُقَوِّي عزيمة المهندس والشغالين، ويترقب إتمام السفن الحربية في أقرب وقت، ويُكْرِم المهندس الإكرام الكلي، ويمضي النهار بتمامه في الترسانة بجانب الأشغال، وكان جنتمكان محمد علي يديم النظر في السفن عند صناعتها، ويتصور الغرض منها، وكلما شاَرَفَت الإتمام ازداد فرحًا وسرورًا، وإذا نَزَلَتْ سفينة في البحر لم يَتَمَالَكْ نَفْسَه، مع ما كان عليه من كمال الهيبة، وحِفْظ ناموس الوقار أن يُظْهِرَ أَمَارَة السرور؛ فلهذا كَمُلَتْ عنده دوننما ملوكية على طِبْق مرامه، وطَقَّمَها بالمدافع والعساكر، ونَظَمَها على نسق نظام العساكر البرية، وأنشأ مدرسة بَحْرية بثغر إسكندرية؛ ليخرج منها من الضباط ما تَحْتَاج إليه هذه الدوننما، وترجم العلوم البحرية، وصار لها كُتُب كافية كسائر العلوم الأخرى، كما قيل:

إذا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّك راغمًا
وتَقْتُلَهُ همًّا وتَحْرِقَهُ غَمَّا
فَسَامِ العلى وازدد من الفَضْلِ إنه
من ازداد علمًا زاد حاسِدَه هَمَّا

وأيضًا كان من جملة الإرسالية الأولى عَدَّة من الأفندية المبعوثين إلى باريس، تعلموا العلوم البحرية، وسافروا إلى أفريقيا والهند وغير ذلك من البلاد، وتمكنوا من العلوم البحرية، فلما حَضَرُوا قَلَّدَهُم بوظيفة قبودانية السفن، وكان لهذه الدننما قبودان من الباشاوات، وكان معه بوسون بك الفرنساوي بوظيفة رياسة رجال البحرية، فكان بمنزلة رئيس الرجال سليمان باشا في الجهادية البرية.

ثم إن المرحوم إبراهيم باشا لما غزا مورة وحَضَرَ منها جَدَّدَ آليات السواري، وبيان ذلك أن جنتكمان محمد علي كان قبل غزوة مورة يعتقد أن فرسان المماليك أعظم فرسان الدنيا، حيث شاهد ذلك منهم في الحروب المتكررة معه، وأن تعليم فروسيتهم على أجود ما يكون، وكان يظن أن حركات الخيالة الأوروباوية كَلَا شيء بالنسبة لحركة المماليك، فكانت فرسانه جارين على طريقة الكوليمان، وكذلك المرحوم إبراهيم باشا كان يَعْتَقِد ذلك، فقد ظَهَرَ للمرحوم إبراهيم باشا في حرب مورة أن تعليم السواري على طرز أوروبا أَكْمَل وأَلْزَم؛ لِمَا شَاهَدَهُ من سواري الفرنساوية هناك، فَرَتَّبَ آليات السواري بجميع أنواعها على طراز فرنسا من شرخجية ودراغون وغير ذلك، فبهذا صار أنشأ مدرسة السواري في الجيزة؛ ليُتَعَلَّم بها الفروسية النظامية والمُسَايَفة والرسم وغير ذلك؛ ليُخَرَّج منها الضباط العظام، وكان عدد تلامذتها ثلاثمائة وستين نفرًا، وكان عَدَد تلامذة مدرسة الطوبجية بطرة أربعمائة تلميذ، وعدد تلامذة مكتب الرجال في الخانقاه نحو مائتي تلميذ، وكان لا يُقْبَل في مَكْتَب الرجال أي أركان حربية إلا الترك والمماليك، ثم انْضَمَّ إليهم أبناء العرب، وكانوا لا يحرزون عند الامتحان رُتَب الضباط، فالمرحوم إبراهيم باشا أَبْطَل هذه الطريقة في حَقِّ أولاد العرب، وفي حق أبناء السودان وسواهم بغيرهم.

وبالجملة: فكان المرحوم محمد علي لا تَكِلُّ هِمَّتُه، ولا تَفْتُرُ عزيمته، ولا يرتاح بَدَنُه وعَقْلُه، بل دائمًا مشغول بما يَخُصُّ التَّمَدُّن والتفكر في التجديدات وحميد المشروعات، ولا يبالي بالمصارف والتكاليف؛ للحرص على تقديم وَطَنِه المنيف، وإخراج الرعايا من ورطة التخشن العنيف:

المال مِلْءُ يَدٍ والقوم مِلْكُ يَدٍ
ولا أُطِيلُ وهذا جُمْلَة الخَبَرِ

إذ لولاه لما وَصَلَتْ مصر إلى هذه الدرجة من التقدم والرفاهية بعد أن مَكَثَتْ عدة قرون في الذل والمسكنة، وكانت حبال منافعها واهنة.

فقد تَجَدَّدَ في أيامه من الأمور المقربة للتمدن إشارة الأخبار، ووابورات البخار والدواليب البخارية، وقد عَمِلَ تجربة في كفر مجر لسكة الحديد، وكان صمم فيها على الإنشاء والتجديد، فنُجِزَ بَعْضُها على وَجْهٍ هَيِّن، ثم تَكَامَلَت الآن بالأصل والفرع على وَجْهٍ في درجة الكمال بَيِّن:

زيادة النِّيل نَقْص عند فَيْضِهِما
فما لنا نَتَقَاضَى مِنَّة الديمِ

فلو لم يكن للمرحوم محمد علي من المحاسن إلا تجديد المخالطات المصرية مع الدول الأجنبية بعْد أن ضَعُفَت الأمة المصرية، بانقطاعها المدد المديدة والسنين العديدة؛ لكفاه ذلك، فقد أَذْهَبَ عنها داء الوحشة والانفراد، وآنسها بوصال أبناء الممالك الأخرى والبلاد؛ لِنَشْر المنافع العمومية، واكتساب السبق في ميدان التقدمية، فما أَحَسَّت بنتيجة الدواء الشافي والعلاج المعافي إلا في هذه الأيام الأخيرة التي ضاعفت الأدوية الحسية والمعنوية النظرية والعملية، بطرق من النجامة جلية، وأَضْعَفَتْ داء الجهالة المعدية، فكُلٌّ لصنيعها مُتَشَكِّر، ومُقِرٌّ بإحسانها غير مُنْكِر.

ولدينا تضاعَفَتْ نِعَمُ اللهِ
وجَلَّتْ عن كُلِّ عَدٍّ وحَصْرِ
عَرَفَ الحَقَّ أَهْلُ مِصْرَ وكانوا
قَبْلَهُ بَيْنَ مُنْكِرٍ ومُقِرِّ
وحَصَلْنَا بالحمدِ والأجرِ والنَّصـ
ـرِ وطيبِ الثَّنَا وحُسْنِ الذِّكْرِ
قَدْ بَلَغْنَا بِالصَّبْرِ كُلَّ مُرَادٍ
وبُلُوغُ المُرَاد عُقْبَى الصَّبْرِ
لَيْس مُثْرِي الرجال مَنْ مَلَكَ المَا
لَ ولَكِنَّمَا أَخُو اللب مُثْرِي

وما أحسن هذا البيت الأخير الذي هو من الحِكَم اللطيفة، ومن جوامع الكلم المنيفة.

وقد كان المرحوم محمد علي مِنْ وَقْت حيازته واستيلائه على السودان التي استولى عليها بسيفه سنة ثمان وثلاثين ومائتين وأَلْف مَشْغُولَ البال باستكشاف مَعَادِنِها واستخراجها؛ فلذلك سَافَر إليها بِنَفْسِه ليمتحن معادنها، ويلطف أَهْلَهَا ويُشَوِّقْهم إلى اكتساب التمدن والتقدم، كما فَعَلَ بمصر، وتفصيل ذلك في الفصل الرابع من هذا الباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠