الفصل الثاني

في العمل الذي هو القوة الأولية في إبراز المنافع الأهلية وفي تطبيقه على الأرض الزراعية.

***

قد سَبَقَ أن منابع الثروة تَرْجِع إلى أربعة أشياء: وهي الزراعة، والصناعة، والتجارة، وتنمية الحيوانات، وأما الإمارة فهي القوة المُدَبِّرة لهذه المنابع، ويمكن إدخال تنمية الحيوانات في الزراعة، فتكون أصول المكاسب ثلاثة، وأفضل هذه الأشياء الزراعة؛ لأنها أطيب الجميع حيث هي إلى التوكل أَقْرَب، والله يحب المتوكلين، قال النووي: «إنما كانت الزراعة أفضلَ مِنْ غَيْرها؛ لأن نَفْعَها يتعدى إلى غير الزراع من الطيور والبهائم وكثير من الحيوانات، وما كان متعديًا فهو أفضل من اللازم في غالب الأوقات.» وقد قال : «لا يغرس مسلم غَرْسًا، ولا يَزْرَع زرعًا فيأكل منه إنسان أو دابة أو طير إلا كانت صدقة يوم القيامة.»

فمن فضائل الزرع أن الله سبحانه وتعالى كَرَّر في كثير من الآيات ما أنعم به في إخراج الزرع والنبات، وَوَصَفَ نَفْسه بأنه هو الذي أَخْرَجَه للحاجات، فقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أي: بالماء نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ يعني: من الماء خَضِرًا يعني: أخضر نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا يعني: سنابل البر والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب، يُرَكَّبُ بعضه بعضًا.

وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وهو ما انْبَسَطَ على الأرض وانتشر؛ كالعنب والقرع وهو شجرة الدباء والبطيخ وغيرها، وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ما قام على ساق وبَسَق؛ كالنخل والزرع وسائر الأشجار، ثم قال: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ أي: ثَمَرُهُ وطَعْمُه الحامض والمر والحلو متدانيات، يَقْرُب بعضها من بعض في الجوار، تَخْتَلِف بالتفاضل وَجَنَّاتٌ أي: بساتين مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ الآية، والصنوان: النخلات، يَجْمَعُهُنَّ أَصْل واحد، ويَتَشَعَّب منه الرءوس فيكون نخلًا.

وقال سبحانه: يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ وهي التي لا نبات فيها فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا الآية، وقال عز وجل: وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا الآية، وقال تعالى: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ إلى قوله: وَالْحَبُّ يعني: جميع الحبوب من حنطة وشعير وغيرها ذُو الْعَصْفِ يعني: البذر أول ما يَبْدو.

وقال تعالى: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ الآية، فقوله تعالى: وَمَثَلُهُمْ يعني: محمدًا وأصحابه رضي الله عنهم، وقوله: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: فراخه، يقال: أشطأ الزرع إذا أفرخ، فآزره أي: قَوَّاه من المؤازَرة؛ بمعنى: المعاوَنة، أو من الإيزار وهي الإعانة فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ فاستقام على قَصَبِهِ، جمع ساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ بكثافته وَقُوَّتِه وغِلَظِهِ وحُسْن مَنْظَرِهِ، وهو مَثَل ضَرَبَه الله للصحابة، قَلُّوا في بدء الإسلام ثم كَثُرُوا، واستحكموا فَتَرَقَّى أَمْرُهم بحيث أعجب الناس.

وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ فحَسْب أرباب الزراعة فخرًا أن الله تعالى وَصَفَ نَفْسه بهذا الوصف في قوله: أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ وهو مِثْل قوله تعالى خطابًا للنبي : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَىٰ ومعنى الزارعون: المُنْبِتُون، وسيأتي بعض الكلام على هذه الآية.

فالأفعال في الحقيقة كلها لله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فقد امْتَنَّ الله سبحانه وتعالى على عباده ببناء السماء؛ أي: خَلْقِها، وبتمهيد الأرض، وخلقة زوجين من كل شيء؛ لأن السماء يأتي من جهتها المطر النازل من السحاب، ولأن فيها تقدير الأرزاق كلها، ولولاه لَمَا حَصَلَ في الأرض حَبَّة قوت، وجمع بين السماء والأرض في الامتنان؛ لأن السماء مَسْكن الأرواح، والأرض موضع الأعمال، والمراد بالأيد: القوة، ولِكَوْن المخلوقات المُتَعَيِّشة بالأرض هي التي تَعْمُرها، قال: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ والمراد بالزوجين: ما يَشْمَل الزوجَيْن الحقيقيَّيْن والمتشاكِلَيْن والضدَّيْن ونحو ذلك.

وقوله تعالى في جانب السماء: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي: أوسعناها، بحيث صارت الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء وسِعَتِهَا؛ كحلقة في فلاة، والبناء الواسع الفضاء العجيب، فإن القبة الواسعة لا يَقْدِر عليها البناءون؛ لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يَصِح بها استدارتها، ويَثْبُت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضُها إلى بعض، فقوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يرجع إلى تمام القدرة بالنسبة إليه تعالى، ومنه: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أي: ما تَقْدِر عليه.

وقوله تعالى: فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ يعني: الفارشون لها بعد خلق السماء، ومع ذكر الامتنان على عباده ففيه إفادة الوحدانية في الذات والصفات والأفعال الحقيقية، وفيه تعليم لعباده أن يَتَشَبَّثُوا باستثمار ما خُلِق لِأَجْلِهم، واكتساب فوائده كما أَرْشَد موسى عليه السلام حين استسقى لقومه بقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ فبضربه عليه السلام الحجر بعصاه؛ اسْتَخْرَج الماء الذي به حياة النفوس من الصخرة الصماء، فالرزق إنما يكون عَادَة بالعمل في الأرض لكن بفعل الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ فأشار بذلك إلى خَلْق الرزق الذي به بَقَاء المخلوقات.

ثم ذَكَر الماء الذي به الإنبات ومنه المشروب، ثم ذَكَر ما به إصلاح المأكول وهو النار، فقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أي: تَقْدَحُونَها أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ فامْتَنَّ سبحانه وتعالى بثلاثة أمور؛ وهي المأكول، والمشروب، والمُصْلِح للمأكول، فَذَكَر مِن المأكول الحَبَّ؛ لأنه الأصل، ومن المشروب الماء؛ لأنه الأصل، ومن المصلِحات النار؛ لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها، ودَخَلَ في كل واحد منها ما هو دونه.

ثم إن الحرث هو أوائل الزرع ومقدماته؛ من برش الأرض وَرَدِّها، وتخديدها، وخِدْمَتِها، وإلقاء البذر فيها، وسَقْي المبذور، وأما الزرع فهو آخر الحرث؛ من خروج النبات، واستغلاظه، واستوائه على الساق، فهو بهذا المعنى ليس فِعْلًا للحارث الذي لا يُنْسَب إليه إلا المبادي، فإن إيجاد الحب في السنبلة ليس بفعل الناس، وإنما فِعْلُهم هو إلقاء البذر والسقي، ولكن لما كان الحرث مُتَّصلًا بالزرع، وكان الحرث أوائل الزرع، والزرع أواخر الحرث؛ جاز إطلاق أحدهما على الآخر؛ ولهذا قال تعالى: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي: الزُّرَّاع نَبَاتُهُ أي: الحراث، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ بمعنى: المُنْبِتُون، وقوله : «الزرع للزراع» بمعنى آخر، وفيه فائدة أخرى وهي أن الزرع لا يكون إلا لِمَن أتى بالأمر المتأخر، وهو إلقاء البذر؛ أي: مَنْ له البذر على مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فقوله: للزراع أظهر؛ لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يُجْعَل الزرع للمُلْقِي، سواء كان مالكًا أو غاصبًا، وهذا يُفِيدُه لفظ الزراع؛ لأنه لو قال: الزَّرْعُ للحارث؛ لأفاد أنه لا بد من الابتداء بعامل الزرع، وتقليب الأرض وتسويتها، وإلقاء البذر فيها، مع أن المقصود الأخير؛ أي: من له البذر.

فعُلِمَ من هذا أن الله سبحانه وتعالى قد مَنَّ على عباده بالأرض الزراعية والسقي، وخَلْقِ بقية العناصر النافعة لإنباتها، وإنما يحتاجون إلى الأعمال الحراثية وغيرها، فجَعَلَ سبحانه وتعالى فيهم القدرة على ذلك، وخَلَقَ أفعالهم المستعدة لذلك، فأَعَدَّهُم للأشغال وبَعَثَ هِمَّتَهُم صَوْب الأفعال، فللأمور المُعَايَشَة في الظاهر جهتان؛ جهة فاعلية، وجهة انفعالية؛ أي: محلية، والأول هو الانشغال، والثاني هو الأراضي الزراعية.

ثم اخْتُلِفَ هل مَنْبَع الغِنَى والثروة وأساس الخير والرزق هو الأرض، وإنما الشغل مجرد آلة وواسطة لا قِيمة له إلا بتطبيقه على الفلاحة، أو أن الشغل هو أساس الغنى والسعادة ومنبع الأموال المستفادة، وأنه هو الأصل الأَوَّلِيُّ للعِلَّة والأُمَّة؛ يعني: أن الناس يكتسبون سعادتهم باستخراج ما يحتاجون إليه لمَنْفَعَتِهم من الأرض، أو لراحة المعيشة، فالفضل للعمل، وأما فَضْل الأرض فهو ثَانَوِيٌّ تَبَعِيٌّ.

وهذا هو الذي يَعْتَمِده أهل الفلاحة، ويسْتَدِلُّون على ذلك بأنه لا يُمْكِن إيجاد الخصب من الأرض إلا بدوام الشغل واستمرار العمل، وإلا لَبَقِيَتْ مُجْدِبَةً إذا انْقَطَعَ الشغل عنها، فإن الشغل يُعْطِي قِيمَةً لجميع الأشياء التي ليست مُتَقَوِّمَةً بدونه، كالأشياء المباحة التي لا تُبَاع ولا تُشْرَى مما لو خُلِّيَت ونفسها لا تساوي شيئًا؛ مثلًا الماء والهواء أصلان لمنافع حياة الإنسان، ولا يدخلان في الثروة والسعادة ولا في المِلْكِيَّة المُسْعِدة؛ لأن هذين العنصرين اقْتَضَت الحكمة الإلهية الإكثار منهما في جميع المحال، وأُبِيحَ لكل إنسان التمتعُ بهما، فهما في حد ذاتهما على العموم ليسا من الأملاك المتقومة وإن عَظُمَتْ فائدتها، ولا يزيد في منفعتهما النسبية إلا العمل والشغل؛ يعني: أَنَّ جَلْبَهُمَا إذا احتاج للعمل كان له قيمة بِقَدْر العمل فقط؛ لأن الظمآن إذا احتاج إلى مَنْ يَجْلِب له الماء في إناء؛ كان الماء المجلوب لِسَدِّ خلة العطش مُقَوَّمًا عند جلبه إليه دون قِيمَته في النهر، فإن كوز الماء قد يُعْطَى لمن يَطْلُبه مجانًا بدون مقابل، وقد يُعْطَى بثمن على قَدْر العمل، وقد يَبْلُغ عند الضرورة والاحتياج ثَمَنًا جسيمًا كما وَقَعَ في غزوة الفرنساوية بمصر: أن أَحَدَ رؤساء العسكر الفرنساوية دَفَعَ في كوز الماء مائة فرنك؛ يعني: أربعمائة قرش.

وإذا كان الإنسان في بيته واحتاج إلى استنشاق الهواء فالعمل الذي يكون به فتح المنافذ كالأبواب والطاقات والشبابيك؛ تَجْعَل له قيمة لم تَكُن له قَبْل ذلك وكذلك عند الضرورة؛ كالهواء للمسجون، فإنه يتغالى في تحصيله بدفعه للسجان قدرًا جسيمًا، فما يصرفه الإنسان لتحصيل المباح من الماء والهواء إنما هو قيمة العمل وأجرة الخدمة، وفي مقابلة الأمر والنهي والسلب والإيجاب بحسب منافع هذه الأشياء ومضارها، فهذا هو الذي يُعَدُّ مِلْكًا للإنسان وثَرْوة له باستحوازه على الماء والهواء، وفيه ترويج للعقارات المشتملة على منافع هذين العنصرين، ومثلهما النار والكلأ المباح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والكلأ، والنار» فلا يجوز لأحد تَحَجُّرُهَا، ولا للإمام إقطاعُها.

فالمدار على العمل في الرواج؛ إذ به يستحوذ الإنسان على منافع الحيوانات وصناعتها الإلهامية فيؤلفها لهذه المنافع؛ لينتفع بها أهْل وَطَنِه، ويؤنس المتوحش منها لذلك، فيتملك الإنسان صناعة النحل، وصناعة دود القز بتربيتها، وبجودة العمل يتوصل الإنسان إلى اغتنام العون بحركة الهواء والماء، وبصلابة الأجسام ولِينِها، وبتصعب الأبخرة وبالسيارات، وبكل ما فيه قوة معنوية، وأسرار منتشرة في أجزائه الكونية، وخواص تجريبية، أليست من دائرة تصرف القوه البشرية؟ وإنما حَدَثَتْ للإنسان من جودة الصناعة، وتَقَدُّم المهارة والبراعة، ومعرفة الانتفاع بتلك القوى الطبيعية التي بَثَّتْهَا في الكون الحكمة الإلهية، فالمولى سبحانه وتعالى خَلَقَ لنا هذه الأسرار والخواصَّ، وخَلَقَ فينا العقل لِنَقْدِرَ على الاستعانة بها؛ لتكميل ضَعْفِنَا والاستفادة منها فيما نحتاج إليه، فإن الآلات والدواليب البخارية مثلًا والسفن المنشورة الشراع في البحار العظيمة نستفيد منها الفوائد الجمة لقوة العمل، الذي يَعْسُر أن يكون مِثْلُه بالأيدي مُنْتِجًا مقدار إنتاجه بالآلات.

وفي الحقيقة جميع هذه الأعمال لا يَتَمَكَّن الإنسان من الانتفاع بها حق الانتفاع إلا بوجود الأرض المخصبة، أو القابلة للخصوبة بالصناعة التي هي محل العمل.

ولن تصادف مرعًى مُمْرِعًا أبدًا
إلا وَجَدْتَ به آثارَ مُنْتَجِعِ

فالأرض المخصبة فَضْلُهَا إنما هو وجود خاصية الخصب الذي هو قبول الإنتاج والإثمار، وهذه الخاصية بالنسبة لذات الأرض غير محسوسة، بل هي عبارة عن الاستعداد والقبول لاستخراج المحصولات منها بالعمل، فهي في أول أَمْرِها وقبل إصلاحها تحتاج كغيرها من الأشياء الطبيعية إلى قوة إرادة واختيار، صادرة عن عقل وتمييز ممن يريد أن يتعاهدها بالعمل ويُصْلِحها.

فالمملكة المتسعة الأراضي القابلة للزراعة اتساعًا بليغًا يَزِيد عن حاجتها ليس فيها حَقُّ المِلْكِيَّة مشروعًا ولا مُنْتَظِمًا، وليس لها إيراد ولا محصول يَنْتِج من القدر الزائد عن حاجة أهاليها لِقِلَّتِهِم، فالقدر الزائد من الأراضي ضائع بالنسبة إلى المملكة هباء منثورًا، ولكون طَرِيقِها وعرًا بقي إقليمها قفرًا.

كم مِنْ رياض لا أَنِيسَ بها
تُرِكَتْ لأن طَرِيقَها وَعِرُ

ومع ذلك لو اسْتَيْقَظَ أهلها من الغفلة؛ لَأَدَّوْا لِوَطَنِهِمْ مَفْرُوض العمران ونَفْلَه:

لا تَكُونَنَّ للأمور هَيُوبًا
فإلى خَيْبَةٍ يَصِير الهَيُوبُ

فَلْنَفْرِضْ أن إقليمًا مشتملًا على قوم يَعْمُرُونَه كبلاد الشلوك والدنكة من الأقطار السودانية التابعة لهذه الحكومة المصرية، به أرض زراعية؛ يعني: قابلة للزراعة لخصوبتها، وأن مقدار أهله مليون من الْأَنْفُس، وأن أراضيه الواسعة المُخْصِبَة تكفي لتُعَيِّش عشرة ملايين من الأهالي، ففي هذه الحالة كل واحد من سُكَّانِه يَشْتَغِل بحراثة مِقْدَار من الأرض بِقَدْر غِذَائه لا غير، وليس له من الأشغال غير ذلك، فآحاد الأهالي بهذا الإقليم مُقْتَصرون على مَنَافِعِهِمْ الشخصية الغذائية، فلا يَتَفَكَّر بعضهم وهو القوة الحاكِمِيَّة أن يَطْلُب من البعض الآخر وهو القوة المحكومية شيئًا في مقابلة المحصولات الغذائية بوصف الخراج، ولا يرضى أحد منهم على فَرْض أن يَطْلُب منه ذلك أن يَدْفَعَ شيئًا بهذا الرسم ولا بِرَسْم آخر؛ كاستعاضات تجارية أو تبرعات ثوابية، وإذا دَفَعَ شيئًا لآخر فإنما يكون في مقابلة الأعمال فقط إذا كان الحارث يَشْتَغِل على ذمة آخر بأجرة عَمَلِهِ، فلم يكن الحارث مُكَلَّفًا إلا بالشغل على ذِمَّة الزارع الذي وَفَّرَ مِنْ زراعة عِدَّة سنوات ماضية شَيْئًا من المحصولات، يُعْطِيه للحارث بِقَدْر تَقَاوِي أَرْضِهِ وقَدْر ما يتعيش به إلى أَوَان المحصول الجديد.

فميسرة الزارع؛ أي: صاحب الزرع، واقتداره على البَزْر والأجرة ثَرْوة له، فهي مَنْبَع الإيراد بعد الشغل، والشغل وهو العمل مَنْبَع الإيراد قبل تحصيل البذر وأجرة الحارث، وهذا يُنْتِج أن مَنْبَع السعادة الأولى هو العمل والكد ومزاولة الخدمة، ومع أن كَدَّ العمل مَصْدَر السعادة الأصلي فهو أيضًا يُعِين صاحب الميسرة على تَكْثِير مَيْسَرَتِه بقوة العمل، ومضاعفة الهمة حسب الطاقة أَزْيَد مما تساعد خصوبة الأرض عليه؛ يعني: لو زَرَعْنا أرضًا خصبة وميزْنَا ما يُمْكِن أن يُنْسَب من إيرادها للعمل، وما يُنْسَب للخصوبة منه، وفَرَزْنَا كلًّا على حِدَتِهِ؛ وَجَدْنَا محصول العمل أقوى من محصول الخصوبة.

ودليل ذلك أن الأمة المتقدمة في ممارسة الأعمال والحركات الكدية ذات الكمالات العملية، المستكملة للأدوات الكاملة والآلات الفاضلة والحركة الدائمة؛ قد ارْتَفَعَتْ إلى أعلى درجات السعادة والغنى بحركات أعمالها، بخلاف غيرها من الأمم ذات الأراضي الخصبة الواسعة الفاترة الحركة، فإن أهاليها لم يَخْرُجوا من دائرة الفاقة والاحتياج، فإذا قَابَلْتَ بين أغلب أقاليم أوروبا وأفريقيا ظَهَرَ لك حقيقة ذلك.

فمن هذا يَظْهَر أن أساس الغنى مَبْنِيٌّ على كثرة الأشغال والأعمال، فهي مصادر وموارد للأموال، ومنابع لأسعد الإقبال، ومع ذلك فليس تعويد النفس على النشاط سهلًا، فإن الإنسان من أَصْل الفطرة مَرْكُوز في طَبْعِه كراهة التكليف بالعمل، والتباعد منه حَسْب الإمكان مع احتياجه إليه؛ لِحِفْظ نفسه وبقاء جِنْسه بالتناسل الذي من لوازمه كثرة العمل، وذلك إنما يكون بالتشويق للزواج الذي به يَنْمُو النوع البشري في البلاد الخصبة، فتَبْعَث الوجدانيات صاحب العَيْلة على أن يَسْتَعْمِل حركة قُوَاه لحاجته وتحصيل لوازمه، فيَغْلُب التطبع على الطبع، ويُحْمَل الإنسان على الشغل رَغْمًا عن أَنْفِه، فهذا التَّطَبُّع الذي هو طَبْعٌ ثَانٍ للإنسان طارئٌ وعارِضٌ عليه، يَزُول بانتهاء قضاء الأوطار، فيعود للإنسان طَبْعُه الأول مِنْ حُبِّ الدعة والراحة والانهماك على البطالة، ولا يخرج من ذلك إلا إذا تَوَلَّدَ عنده احتياج جديد فيَعْمَل بِقَدْر قضاء الوطر، ثم يعود إلى الدعة والبطالة وَهَلُمَّ جرًّا، وهذه الحالة في البلاد الخشنية هي حالة طبيعية، قريبة من الحالة الفطرية التي هي حالة النوع البشري في أول أمره.

فالإنسان في هذه الحالة من حيث إنه فَرْد من أفراد الهيئة الاجتماعية لم يَكُن قَوِيَّ المَيْل لِتَمَدُّن الهيئة الاجتماعية؛ يعني: أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ من أفرادها يكون بهذه المثابة لا انتفاع للجمعية بِعَمَلِهِ، فجميع أَعْضَاء الجمعية الخشنية تَلْتَذُّ نُفُوسُهُم بالراحة والدعة، لا سيما أَهْل الأقاليم التي لا تَسْتَدْعِي احتياجاتهم بها كَبِيرَ عمل ولا عَظِيم شغل، فبطالة أعضائها كأنها رأس مالهم، وراحتهم يَعُدُّونَها مِن أَعْظَم أحوالهم، وكذلك بعض أهالي المدن الغنية المُثْرِية ذات الإيراد، المُتَلَذِّذَة بحسن المطعم والمسكن والزينة والرفاهية، فإنهم يَصْرِفُون النظر عن التلذذ بالشغل، ويميلون للراحة والتلذذ بالبطالة والاستراحة، ويهربون بالسرعة من التمتع بالرفاهية إذا اضْطُرُّوا أن يَشْتَغِلوا بأنفسهم لا بِخَدَمِهِمْ، فلا يَعْمَلُون الأعمال الشاقة في أراضيهم التي لا تقوم بهم إلا بكثرة العمل، فيتركون مَلَاذَّهُم إذا اقتضى الحال أن يكدوا أنفسهم بعَمَل هَيِّن، ولو كان جزءًا من أَلْف جزء من المتاعب التي يَتْعَبُها العملة، فيفوتون هذه اللذات الجسيمة إيثارًا للدعة والراحة عليها؛ لما قُلْنَاه من أن مَحَبَّة الراحة فطرية، مألوفة للنفوس على الإطلاق، متمدنة أو غير متمدنة؛ يعني: أن أهل الممالك المتمدنة لو كُلِّفَ مُتْرَفُوهم وأهالي رفاهيتهم العمَلَ اليسير، وكان لَوْلَاه لفاتَهُم التمتع بها؛ فإنهم يؤثرون الراحة على الشغل، ولذلك تقول العامة: الراحة والكَسَل أَحْلَى مَذَاقًا من العَسَل، وقد نَظَمَ هذا المعنى بَعْضُ الشعراء، فقال:

إن البطالة والكَسَلْ
أَحْلَى مَذَاقًا مِنْ عَسَلْ
إِنْ لَمْ تُجَرِّبْهَا فَسَلْ
مَنْ كان قَبْلِي في الكَسَلْ

فمن هنا يَنْتِجُ أن كل أمة مجموع شُغُلِها المُنْجَز يُسَاوي مَجْمُوع احتياجتها البشرية، فإذا فَرَضْنَا في القضية المتقدمة أن إقليم الشلوك والدنكة بالسودان إقليم فلاحة، وأن مقدار أهله مليون، ومساحة أرضه عَشَرَة ملايين من الفدادين، وأن الشخص الواحد يكفيه في غذائه فَدَّان واحد؛ فتكون أرض هذا الإقليم كافيه لغذاء عشرة ملايين من الأنفس، فهي زائدة تسعة ملايين عن حاجة أهلها الموجودين بها، فكل إنسان من الأهالي يشتغل بقدر ما يَلْزَم لحاجته، فالعمل الزراعي لا يكون من الجميع إلا بقدر المؤنة اللازمة للجميع دون الزيادة عليها، وفي هذه الحالة يكون عمل كل إنسان أَقَلَّ من طاقته وجُهْدِه ودون قواه الطبيعية، بحيث يكون له من البطالة نَصِيب عظيم، وأيضًا لا يَزْرَعون في هذه الحالة من إقليمهم إلا المزارع الخصبة التي تكون سَهْلة الحراثة قريبةَ السَّقْيِ، بدون أن يكون فيها كبيرُ مشقة على الحارث، فتلك الأمة التي فرضنا اتصافها بتلك الصفات تَقْنَع بالفلاحة اليسيرة، وتَكْتَفِي بقدر القوت الضروري؛ لملازمة الكسل وحُبِّ الراحة للطبع البشري، فكل فَرْد من أفراد هذا الإقليم مُسْتَعِد لأن يَصْرِف ثلاثة أرباع زَمَنِه في التمتع بلذة البطالة والراحة، بدون أن يَعُود عليه ضَرَر في احتياجاته الأولية وأقواته المعاشية، فلا يَضُرُّه ضياع الأوقات.

والغالب أيضًا أن الأهالي الذين هم بهذه المثابة لا يكادون يَخْرُجون عن هذه الحالة ما لم تَغْلِب على طباعهم وأحوالهم حالة أخرى، تُعَادِل قُوَّة الاحتياجات الأولية؛ كالتناسل والتوالد، أو تُشَوِّقُهُم الحكومة إلى ذلك، أو تُجْبِرُهم عليه، فإن الكثرة تَسْتَجْلِب الحاجة؛ فبهذا يَزِيد عَدَدُهم ويَنْمُو في قليل من السنين ويَصِير ضِعْفَيْن، فيتضاعف مِقْدَار زراعتهم بذلك، فيكون للمليونين من الأنفس مليونان من الفدادين، وفي مدة مُسَاوِية لِمَا ذُكِرَ يكون عدد الأهالي أربعة ملايين.

وهكذا إلى أن يَبْلُغ مقدار الأهالي عَشَرة ملايين بِقَدْر ما تَكْفِيه من الغذاء، فتحس الأمة إحساسات قوية بصعوبة تحصيل غذائها لكثرة أهاليها، فلا تَكَاد تَتَحَصَّل منه على الكفاية، فكل شخص من الأهالي نَقَصَ له شيء من غذائه اضْطُرَّ على أن يَصْرِفَ جميع زَمَنِهِ وجميعَ قُوَاه في تحصيل الغذاء والمؤنة، ففي هذه الحالة يتجدد لأهالي هذا الإقليم صفة نشاط أخرى، فيكون مقدار الشغل عندهم والعمل الكافي لهم صَرْف ما يستطيعونه من الكد والاجتهاد والقوة والنشاط، ولا تزال تتزايد عِنْدهم القوة النشاطية والانتفاع بالأراضي الزراعية أيًّا ما كانت خصوبتها.

تَرِقُّ إلى صغيرِ الأمْرِ حتى
يُرَقِّيَكَ الصغيرُ إلى الكبيرِ

وهذه الحالة حالة تقدم للهيئة الاجتماعية، مُحْتاج إليها جميع أعضاء الجمعية، ففي أثناء تقدم الأهالي بهذه المثابة يتجدد عندهم حَقٌّ من الحقوق المدنية وهو مبدأ حَقِّ التملك للأراضي وحَوْزِها بِوَضْع اليد عليها بإحياء مَوَاتها، فمن هذا الوقت يَصِير للأرض قِيمَة في حَدِّ ذاتها زائدة عن قيمة العمل، فالشاغل لأرض يختص بها بدون أن يَسْتَوْلِيَ عليها بالعمل بالتملك، وفي هذه الحالة تَضْطَر الأهالي إلى الاستيلاء على جميع الأراضي القليلة المحصول التي كانت قبل ذلك عَدِيمَةَ الرغبة فيها، فيصير صَرْف الهمة في إصلاحها بالحراثة، ثم لا تَكْتَفِي الأهالي بذلك، بل رُبَّما تَدْعو الضروراتُ إلى إصلاح الأراضي العقيمة المُجْدِبة، وتقويم أَودها بالحرث والخدمة وإحياء مواتها، بل كل مَن اسْتَوْلَى على أرض بهذه الحالة أَجْهَدَ نَفْسه في إصلاحها لاسْتِحْصَاله منها على البذر والتقاوي وأُجْرَة العمل والتسوية مُدَّة إحيائها، وجَبْر الخسارة التي خَسِرَها مُحْيِيها.

فحينئذ كُلُّ فَرْد من أفراد الجمعية مُحْتَرف بحرفة الفلاحة والعمل فيها مُضْطَرٌّ لأن يؤجر نَفْسَه للحرث والغرس؛ ليَتَعَيَّش بِحِرْفَتِه، ويدخل عند مالِك الأرض بوَصْف أجيرٍ عامل، ويُكَلِّف نَفْسه أن يَصْرف جميع أوقاته في خدمة الأرض بدون راحة إلا بِقَدْر المسافات الضرورية لأكله وشُرْبه ونَوْمه وعبادته ونَحْو ذلك، فبهذا تَزْداد نتائج الزراعة وتَنْمو يومًا فيومًا بكثرة العمل، فالعامل الذي كان يَعْمَل في الزمن الأول مِقدارًا يسيرًا ويقضي أوقاته في البطالة يُضْطَرُّ إلى أن يَعْمَل في الزمن بِعَيْنِه مقادير جسيمة، ويستحصل على كثير من المحصولات بقدر زيادة القوة البشرية؛ وذلك أن كلًّا من العملة وأصحاب الأملاك يجتهد في البحث عن الوسائل والوسايط المُقَرِّبَة للعمل، المسهِّلَة له، المقلِّلَة لأوقاته.

فَكُنْ باحثًا عَمَّا عَنَاكَ فإنما
دُعِيتَ أَخَا عَقْلٍ لِتَبْحَثَ بِالْعَقْلِ

ويصير الاجتهاد في ذلك بحيث ما يَعْمَلُه العامل في يوم يمكنه أن يَعْمَل أضعافه في اليوم الواحد ثَلَاث مَرَّات أو أربعًا؛ لأن العامل قد تَجَرَّد في هذه الحالة عن البطالة، وتَفَرَّغَ للعمل وتَمَرَّن عليه بالمداوَمة، فكُلَّمَا مَارَسَه تَجَدَّدَتْ عنده معرفة تامة يُجِيد بها عَمَلَه، وبتزايُد الدرجات في الكمال تَحْسُن الزراعة وتَتَكَامَل البراعة فيها، فيُحْسِنُ العامِلُ العَمَلَ ويَتَفَنَّنُ فيه، ويُقَسِّمُه إلى أقسام، ويَعْرِف الأوقات والفصول والساعات، وما يَخُصُّ أنواع الزراعة، وما يُقَوِّيها من المُصْلِحَات، فتعلو قِيمة العامل بالتجربة والجودة، وكذلك يَقِفُ على معرفة خصائص ما يَسْتَعِين به من الآلات العنصرية المسهلة لصنعته؛ كالهواء والماء والبخار، فتكون هذه الأشياء المُسَهِّلَة عنده أدوات عمل كأنها عوامل بدون أجرة، وإنما يُحْسِن استعمالَها أربابُ المهارة والصناعة، فإذا تَوَفَّرَتْ عند المزارعين هذه الوسائط المتكاملة النافعة حَسُنَتْ بها نتائج الأعمال اليومية، وعَظُمَتْ بها ثمرات الأشغال.

فبهذه الطرق والوسائل ينطبع في مرآة عقول الأمة المُتَعَيِّشة من الفلاحة صورةُ حركات الأشغال التقدمية، ويتَعَوَّدون على المبادَرة بنشاط الأعمال الفلاحية، فلا تزال تَتَجَدَّد المنافع العمومية بالتدريج، وتأخذ في الزيادة بدون نهاية، وبهذه المنافع الأهلية تَكْثُر أموال الرعية وسعادتها التَّعَيُّشِيَّة.

ثم إن المُقْتَطِف لثمار هذه التحسينات الزراعية، المجتني لفوائد هذه الإصلاحات الفِلاحية، الناتجة في الغالب عن العمل واستعمال القوى الآلية، والمُحْتَكِر لمحصولاتها الإيرادية؛ إنما هو طائفة المُلَّاك، فهم — مِنْ دون أهْل الحِرْفة الزراعية — مُتَمَتِّعُون بأعظم مَزِيَّة، فأرباب الأراضي والمزارع هم المُغْتَنِمُون لنتائجها العمومية، والمُتَحَصِّلون على فوائدها، حتى لا يكاد يكون لغيرهم شيء من محصولاتها له وقع، فلا يُعْطُون للأهالي إلا بِقَدْر الخدمة والعمل، وعلى حسب ما تَسْمَح به نفوسهم في مقابَلة المشقة؛ يعني: أن المُلَّاك في العادة تتمتع بالمتحصل من العمل، ولا تَدْفَع في نظير العمل الجسيم إلا المقدار اليسير الذي لا يُكَافِئ العمل.

فما يَصِل إلى العمال في نظير عَمَلِهم في المزارع، أو إلى أصحاب الآلات في نظير اصطناعهم لها هو شيء قليل بالنسبة للمقدار الجسيم العائد إلى المُلَّاك، فإن المالك يَسْتَوْفِي لنفسه أَكْثَر محصول الأرض، فإنه بَعْد تَصْفِية حساب مصاريف الزراعة وجميع كُلَفِها يأخذ محصولها بتمامه بوصف إيراد للأرض، وعلف للمواشي، وأجرة للآلات، ولا يعطي لأرباب الأعمال والأشغال منها إلا قَدْرًا يسيرًا، ولا يَنْظُر إلى كَوْن بعض هؤلاء العمال هو الذي حَسَّنَ الزراعة بشغله، واخْتَرَعَ لها طرائق مُنْتِجَة، واستكشافات عظيمة بتنمية الزراعة وتكثير أشغالها، فإن حَقَّ التمليك وَوَضْع اليد على المزارع سَوَّغ للمُلَّاك، ولواضعي الأيدي أن يتصرفوا في عمليات أملاكهم التصرف التام، وأن يُعْطُوا للعمال بقَدْر ما يظنون أنه من لياقتهم.

ويَعْتَقِد المالكون أنهم أرباب استحقاق عظيم بسبب التملك، وأنهم هم الأَوْلَى بالسعادة والغِنَى مما يتحصل من عمليات الزراعة، وأن مَنْ عَدَاهُمْ من أهل المملكة لا يَسْتَحِقُّ من محصول الأرض شيئًا، إلا في مقابلة خِدْمَتِه ومَنْفَعَتِه المأمور بإجرائها في حَقِّ أرضهم، فيَتَرَتَّب على هذا أنَّ كُلَّ مَنْ يريد من الأهالي أن يَتَعَيَّشَ من الخدمة — التي هي العمل — يصير مُضْطَرًّا لأن يخدم بالقدر الذي يَتَيَسَّر له أَخْذُه من الملاك بحسب رضائهم، ولو كان هذا القدر يسيرًا جدًّا لا يساوي العمل، لا سيما إذا وجد بالجهة كثير من الشغالين، فإنهم يتناقصون في الأجرة، ويتنافسون في ذلك لمصلحة صاحب الأرض، مع أن الأرض إنما تَتَحَسَّن محصولاتها بالعمل، فلا يمكن أن يكون ذلك التحسن والزيادة والخصب إلا بالعمليات الفلاحية الصادرة من هؤلاء الأجرية الذين تَنَاقَصَتْ أُجْرَتُهُمْ، وكما أن أرباب الأملاك يحتكرون جميع الأعمال الزراعية من طائفة الفلاحة، كذلك يحتكرون ثمرات الصنائع؛ لأن الصنائع كلها تسعى وتنهض في الأشغال والعمليات التي تستدعيها حاجة الفلاحة، كالحدادة والنجارة وجميع صنائع أهل الحرف المتعلقة بأمور الفلاحة.

فيَنْتُج من هذا كله أن زيدًا من الناس إذا لَمْ تُسَاعِدْه المقادير على أن يصير مَالِكًا لقطعة أرض، لا يزال يُقَاسِم مالِك الأرض فيما يَتَحَصَّل من الثروة الزراعية، ولكن تَمَتُّعه ناقص جدًّا، فإنه لا يأخذ من المحصول الزراعي إلا القَدْر الذي يَسْمَح به المالك في مُقَابَلَة خِدْمَتِه وفَنِّه وصناعته وثَمَنِ الأدوات والآلات والدواليب المهندمة للزراعة، فإذا كان مالك الأرض سخيًّا كريمًا مبسوط اليد كافأ المكافأة التامة، وَوَسَّعَ على من يَنْتَفِع بفَنِّه، فقد جَرَت العادة أن الفلاح لا يُكَافَأُ على قَدْر خِدْمَته وحِرَاثَتِه لقاعدة مشهورة: أنَّ من يَزْرع يَحْصُد؛ يعني: أن المحصود للمالك، وقد قال : «الزرع للزارع» مع أن المعنى فيه: أن الزرع لمن بَزَرَ والثمرة له، وعليه أُجْرَة مثل الأرض، لا أن العامل يأخذ أُجْرَةً قليلة على عَمَلِه، ففي خَبَر الصحيحين: أنه عَامَلَ أَهْلَ خيبر بِشَطْر ما يخرج منها من ثَمَر أو زَرْع؛ أي: أعطاهم النصف في نظير عملهم، وفي رواية: دَفَعَ إلى يهود خيبر نَخْلَها وأرضها؛ والمراد بِعَمَلِهِمْ — مُسَاقَاتِهِمْ ومُزَارَعَتِهِمْ — فالواقع منه مزارعة تابعة للمساقاة، والزرع المذكور في الحديث كان شعيرًا كما اسْتَظْهَرَهُ بعضهم.

ومِثْل الزرع المذكور غيره كملوخية وبامية وخوخ ومشمش، فتصح المزارعة على ذلك تَبَعًا للمساقاة والبذر فيها من المالك، بخلاف ما إذا كان البذر من العامل فهي مخابرة، وهي المسماة أيضًا بالمشاطرة التي تَقَعُ في مثل العنب والخوخ، فيَدْفَع المالك الأرض للعامل ويَزْرَعُها العامل بِبَذْرٍ مِنْ عِنْدِه وكذا القمح، بل وقوع المخابرة الآن مع أنها غير جائزة موجودة بمصر أكثر من المزارعة، فحديث: «الزرع للزارع» لا يدل على شيء من جواز استحواذ المالك على المحصولات، وعدم مكافأة العامل، ولا يُسْتَنَد في غبن الأجير إلى أن المالك دَفَعَ رأس ماله في مصرف الزراعة، والتزم الإنفاق عليها فهو الأحق بالاستحواذ على المحصولات الجسيمة، وأنه الْأَوْلَى بربح أمواله العظيمة فهو الأصل في التربيح، وأن عملية الفَلَّاح إنما هي فرعية أَنْتَجَها وحَسَّنَها رأس المال، فإن هذه التعليلات مَحْض مغالَطة؛ إذ فَرْض الكلام في العامل جرٌّ لعمل مُنْتَجٍ لولاه لما رَبِحَت الأرض رِبْحًا عظيمًا.

فمواكسة المالك له في تقليل أُجْرَتِه مَحْضُ إِجْحَاف به، ووَصْف استملاك الأراضي والصرف على الزراعة من رأس مال المالك لا يقتضي كَوْنَه يستوعب جُلَّ المحصولات، ويُجْحِف بالأجير نظرًا إلى ازدحام أهل الفلاحة، وتنقيصهم للأجر، وسومهم على بَعْضهم بالمزايدات التنقيصية، وهذا لا يُثْمِر مَحَبَّة الأجير للمالك «من يَزْرَع الشوك لا يَحْصُد به عنبًا»، فإن هذا فيه إيذاء بعضهم لبعض وهو ممنوع شرعًا، كما يدل عليه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه فقد قال: قال رسول الله : «لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بعضكم على بَيْع بَعْضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمه ولا يَخْذُلُه ولا يَكْذِبُه ولا يَحْقِده، التقوى ها هنا، ويشير إلى صَدْره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يَحْقِر أخاه، المسلم، كُلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دَمُه ومالُه وعِرْضُه.» رواه مسلم، وفي رواية: «ولا يَسِم على سَوْمه، ولا يَخْطُب على خِطْبَته.»

وحيث كان هذا الحديث كثيرَ الفوائد عظيم العوائد، مشيرًا إلى حَلِّ المبادي والمقاصد، حاويًا لكثير من الأحكام والآداب إشارة وصراحة، لا سيما أنه ينطبق انطباقًا كليًّا على أعمال الفلاحة بَيَّنَّا معناه بطريق الاختصار، فقوله : «لا تحاسدوا» أي: لا يَحْسُد بعضكم بعضًا؛ أي: لا يَتَمَنَّى زوال نعمة غيره؛ لأن الحسد حرام لِقُبْحِه عند المُشَرِّعِين وغيرهم، قال الشاعر:

وأظْلَمُ أَهْلِ الأرض مَنْ كان حاسدًا
لِمَنْ بَاتَ في نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ

وليس من الحسد تمني الإنسان مِثْلَ ما للغير لِنَفْسِه، فإن هذا هو الغبطة الممدوحة، وقوله : «ولا تناجشوا» أي: لا يَنْجش بعضكم على بعض؛ بأن يزيد في المبيع لِيَخْدَعَ غَيْرَه، وهو أيضًا مُحَرَّم إجماعًا؛ لأنه غِشٌّ وخداع وهما مُحَرَّمَان؛ لحديث: «مَنْ غَشَّنَا فليس مِنَّا»، وفي رواية: «مَنْ بَخَشَ فليس مِنَّا» ومعناه: لا يُعَامِل أحَدُكم صاحبه بالغش والمكر والخديعة، فيدخل في قوله: «ولا تناجشوا» جميعُ أنواع المعاملات بالغش ونحوه؛ كتدليس العيوب وكَتْمِها وخَلْط الجيد بالرديء، قال الشاعر:

لَيْسَ دُنْيَا إلا بِدِين وليس الدِّ
ينُ إلا مَكَارِمَ الأخلاقِ
إنما المَكْرُ والخديعة في النَّا
سِ هُمَا مِنْ خِصَال أَهْلِ النِّفَاقِ

ومن المعلوم أن الحَسَدَ والغِشَّ يَتَوَلَّد عنهما التباغض؛ إذ يكونان من أسبابه؛ فلذلك قال : «ولا تباغضوا» أي: لا يبغض بعضكم بعضًا؛ أي: لا يتعاطى أسبابَ البُغْض أيًّا ما كانت كالمواكسة السابقة المذكورة، بَلْ يَنْبَغِي للناس أن يَسْعَوْا بما فيه ائتلاف القلوب بتعاطي أسبابه، فقد امْتَنَّ الله سبحانه وتعالى على عباده إذ أَلَّفَ بين قلوبهم، فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وقال تعالى: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ.

فالإنسان مُكَلَّف بتعاطي أسباب الأُلْفة والمحبة واجتناب أسباب العداوة والبغضة، ثم قال : «ولا تدابروا» أي: لا يُدْبِر بعضكم عن بعض؛ أي: لا يُعْرِض بعضكم عما يَجِب للبعض الآخر عليه من الحقوق؛ كالإعانة والنصر والتخاطب والتآلف وعَدَم الهجر في الكلام إلا لِعُذْر شرعي كنحو تُهْمة وقصد تأديب، ثم قال : «ولا يَبِع بعضكم على بيع بعض» بأن يقول بائع لمشتري سِلْعَةٍ في زَمَن الخيار: افْسَخْ هذا البيع وأنا أبيعك مِثْلَها بأرخص مِنْ ثَمَنِها، أو يقول: أنا أبيعك أَجْوَد منها بِثَمَنِها، ومثله الشراء على الشراء بأن يقول مريد الشراء للبائع في زمن الخيار: افْسَخْه وأنا أشتريه منك بأغلى، فإن هذا كُلَّه من باب الضرر، ومثله السَّوْم على السَّوْم، والخِطبة في الزواج على خِطبة الغير، ومثل ذلك كل ما كان في معناه مما يُنَفِّر القلوب ويورث البغضاء.

وأَغْلَب أهل الفلاحة والصناعة والتجارة لا يَتَحَرَّزُون عن ذلك، لا سيما بعد استقرار البيع والإيجار والتراضي عليه، ويتعللون في جواز القدوم على ذلك بالغبن، وبعض العلماء لا يُجَوِّز القدوم عليه ولو كان مغبونًا، وبالجملة لا تجوز الزيادة في ثَمَن البيع والسوم، ولا على الإيجار بعد الاستقرار، بل تَحْرُم، وتجوز الزيادة قبل الاستقرار.

ثم حَثَّ صلى الله عليه على حُسْن المعاشرة والملاطفة والتعاون في الخير بقوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا» يعني: يا عباد الله، كُلُّكُم خَلْق الله، قد أخرجكم من العدم لحكمة انتظام العالَم وتكثير مَنَافِعِه، فاكتَسِبوا ما تصيرون به إخوانًا في المودة، وقد أَمَرَكُمْ بما تقدم ذِكْرُه وأنتم عبيده، فحَقُّكُم أن تطيعوه وتتعاطَوْا أسباب ما تصيرون به إخوانًا؛ للتعاضد على إقامة دينه وإظهار شعائره وانتظام مُلْكه، وهذا إنما يكون بائتلاف القلوب وتواطئ الكلمة، كما يفيده قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ الآية.

ثم إن أُخُوَّة العبودية التي هي التساوي في الإنسانية عامَّة في حقوق أهل المَمْلكة بعضهم على بعض، التي هي حقوق العباد، وهناك حقوق العبودية الخاصة التي هي الأخوة الإسلامية، وهي اكتساب ما يصير به المسلمون إخوانًا على الإطلاق؛ من أداء حقوق بعضهم على بعض كَرَدِّ السلام وابتدائه وتعليم الأحكام الشرعية ونحو ذلك من شُعَبِ الإيمان، فهذه هي التي أشار لها بقوله: «المسلم أخو المسلم» يعني: أُخُوَّة دينية؛ لأنهما يجمعهما دين واحد، وهي أعظم من الأخوة الحقيقية، وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وفي الصحيحين: «مثل المؤمنين في تَوَادِّهم وتَعَاطُفِهم وتَرَاحُمِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.»

وروى أبو داود: «المؤمن أخو المؤمن، يَكُفُّ عنه ضيقَتَه، ويحوطه من ورائه»، ورواية الترمذي: «إن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذًى فَلْيُمِطْه عنه» أي: يُبْعِده عنه، ولا مانع أن يُعَمَّم في مكارم الأخلاق، فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن منها يَجِب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض؛ لما بينهم من الأخوة الوطنية، فضلًا عن الأخوة الدينية، فيجب أدبًا لمن يَجْمَعُهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن، وتكميل نظامه فيما يَخُصُّ شَرَفَ الوطن وإعظامَه وغناءَه وثروتَه؛ لأن الغنى إنما يتحصل من انتظام المعاملات وتحصيل المنافع العمومية، وهي تكون بين أهل الوطن على السوية لانتفاعهم جميعًا بمزية النخوة الوطنية.

فمتى ارتفع من بين الجميع التظالم والتخاذل وكَذِبُ بعضهم على بعض والاحتقار؛ ثَبَتَتْ لهم المكارم والمآثر، ودَخَلَتْ فيما بينهم السعادة بكسب شعائرها ومآثرها؛ فلذلك بَيَّنَ عليه الصلاة والسلام قوله: «المسلم أخو المسلم» بقوله: «لا يظلمه» أي: لا يُدْخِل عليه ضررًا في نحو نَفْسه أو دينه أو عِرْضه أو ماله؛ لأن ذلك قطيعة مُحَرَّمة تُنَافِي الأُخُوَّة.

قال الإمام ابن حجر في شرحه على الأربعين النووية: «بل الظلم حرام حتى للذِّمِّيِّ، فللمسلم أَوْلَى» انتهى، وهذا يُؤَيِّد ما قُلْنَاه من أن أُخُوَّة الوطن لها حقوق، لا سيما وأنها يمكن أن تُؤْخَذ من حقوق الجوار مما للجار على جاره خصوصًا من يقول بأن أهل الحلة الواحدة كلهم جيران، وقوله : «ولا يخذله» أي: لا يَتْرُك نُصْرَتَه المشروعة، لا سيما مع الاحتياج والاضطرار إليها، وقوله: «ولا يَكْذِبه» أي: لا يُخْبِره بأمر على خلاف الواقع؛ لأنه غِشٌّ وخيانة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وقد أَجْمَع جميع الملل على قُبْحِه وتحريمه إلا لمصلحة قوية ضرورية، «ولا يحقره» أي: لا يَسْتَصْغر شأنه، ويَضَع قَدْره، ولا يَغْدِر عَهْده، ولا يَتَنَقَّص أمانته باستخانته.

وبالجملة فيعامِل أخاه بمضمون حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يحب لنفسه»، فالاحتقار ناشئ عن الكبر وهو مذموم؛ لأن المتكبر يَنْظُر لنفسه بعين الكمال، ولغيره بعين النقص فيَحْتَقِره، ولا يراه أهلًا لأن يقوم بحقوقه، قال ابن حجر: «وتخصيص ذلك بالمسلم لمزيد حرمته لا للاختصاص به من كل وجه؛ لأن الذمِّيَّ يشاركه في حُرْمة ظُلْمِه وخذلانه بدفع نحو عَدُوِّه عنه، والكذب عليه، واحتقاره إلا من حيث مغايرة الدين.» ثم قال : «التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات؛ يعني: أن التقوى هي اجتناب عذاب الله تعالى بفعل المأمورات وترك المحظورات في القلب الذي في الصدر، قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، وفي هذا إشارة إلى أن العبرة بالقلوب كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسد كله، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسد كله، ألا وهي القلب» فهو العارف بالشرائع والطرائق والحقائق.

وإذا استقام القلب استقامت الجوارح، لا سيما اللسان فإنه يَنْكَفُّ أذاه عن كل إنسان، وهنالك يستقيم الإيمان، فعلى الإنسان أن يتمسك بالتقوى التي هي السبب الأقوى، ويقف عند حد كلام النبوة ليتصف بالمروءة والفتوة، فلا يظلم أحدًا ولا يَحْقِرُه ولا يَكْذِبه ولا يَخْذُله، فقد قال : «أنزلوا الناس منازلهم»، وقال: «ليس منا مَنْ لم يَرْحَم صغيرنا، ويَعْرِف شَرَف كبيرنا»، ثم قال : «بحسب امرئ من الشر أن يَحْقِر أخاه المسلم» يعني: يكفي الإنسان في أن تكون أخلاقه موصوفة بالشر، وأن يكون سيئ المعاش والمعاد احتقار أخيه المسلم، واحتقار من له حرمة من الناس؛ لأن الله عز وجل لم يَحْقِر الإنسان؛ إذ أَحْسَن تقويم خَلْقِه، وسَخَّرَ ما في السموات والأرض كله لأجله، فاحتقاره احتقار لِمَا عَظَّمَه الله عز وجل وكَرَّمَه، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ فازدراؤه من أعظم الذنوب والجرائم.

ثم قال : «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه» وأدلة تحريم هذه الثلاثة شهيرة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهي أصول قوام صورة الإنسان؛ لأن الدم به حياة الإنسان، ومادة الحياة هي المال، وبالعرض الذي هو الحسب قوام الصورة المعنوية، وما سوى هذه الأصول الثلاثة مُتَفَرِّع عنها وراجع إليها، فهذا الحديث يَحُثُّ جميع الناس على مكارم الأخلاق وعلى التعاون في التعيش والمعاملة، وأكثر الناس معاملة هم أهل الزراعة، فإن أرباب الأملاك والأراضي يحتاجون إلى التعاون في زراعة أَرْضِهم بأكثر الصنائع، وقد قال : «استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها» وكذلك أهالي الصناعات محتاجون لأرباب الأملاك الأرضية؛ للتعيش من محصول أراضيهم، فيجب عليهم جميعًا المناصحة لبعضهم وتقوى الله في صنعتهم، ثم إن العمل الذي عليه مدار الفلاحة — كما أن الفلاحة عليها مدار غيرها من الصنائع — ينقسم إلى قسمين: مُنْتِج وغير مُنْتِج، وهذا هو موضوع الفصل الثالث من هذا الباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠