الفصل الأول

في ولاة الأمور

وظيفة وُلَاة الأمور من أعظم واجبات الدين، وأهم أمور المتوطنين، فهم قوام الدين والدنيا، وعليهم في حركة الأعمال مدار البركة العليا، وبدونهم يَخْتَلُّ نظام العالم لوجود المفسدين من بني آدم، فلولا وَلِيُّ الأمر لَمَا قَدَرَ العالِم على نَشْرِ عِلْمِه، ولا الحاكم الشرعي والسياسي على تنفيذ حُكْمِه، ولا العابد على عبادته، ولا الصانع على صناعته، ولا التاجر على تجارته، ولولاهم لانقطَعَت السبل، وتمَطَّلَت الثغور، وكَثُرَت الفتن والشرور، ولولا رَدْع الملوك لتغالبَت الناس وتهَارَجَتْ، وطَمِعَ بعضهم في بعض، واستولى الأقوياء على الضعفاء، وتَمَكَّنَ الأشرار من الأخيار، فيُضْطَرُّونَ إلى التشرد والتفرد، وفي ذلك خراب البلاد وفناء العباد، فالمَلِك كالرو ح والرعية كالجَسَد، ولا قوام للجسد إلا بِرُوحه، ولكن مِنْ لُطْف الله تعالى بعباده أنه أجرى عادته في كل زمان أن يُنَصَّب في الأرض من يَنْصِف المظلوم من الظالم، ويَرْدَع أهل الفساد عن المظالم، ويَصْنَع للرعية جميع المصالح، ويُقَابِل كل أحد بما يَسْتَحِقُّه من صالح وطالح.

فقد اسْتَبَان من هذا احتياج الانتظام العمراني إلى قوتين عظيمتين: إحداهما: القوة الحاكمة، الجالبة للمصالح الدارئة للمفاسد، وثانيهما: القوة المحكومة، وهي القوة الأهلية المُحْرِزَة لكمال الحرية، المتمتعة بالمنافع العمومية فيما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ووجود كَسْبِه وتحصيل سعادته دنيا وأُخْرَى، فالقوة الحاكمة العمومية وما يَتَفَرَّع عليها تُسَمَّى أيضًا: بالحكومة وبالمَلَكِيَّة، هي أَمْر مركزي تَنْبَعِث منه ثلاثة أشعة قوية، تُسَمَّى: أركان الحكومة وقُوَاها، فالقوة الأولى قوة تقنين القوانين وتنظيمها، وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية، الثانية قوة القضاء وفَصْل الحُكْم، الثالثة قوة التنفيذ للأحكام بعد حُكْم القضاة بها، فهذه القوى الثلاثة ترجع إلى قوة واحدة، وهي القوة الملوكية المشروطة بالقوانين؛ لأن القوة القضائية إنما هي في نفس الأمر راجعة للمَلِك؛ لأن القضاة نُوَّاب وَلِيِّ الأمر على المحاكم ومأذونون منه، فهو الذي يُقَلِّد القضاة بالولايات القضائية وحُكَّام المجالس؛ أي: قضاتهم بالأحكام الشرعية أو السياسية الشرعية، ويَنْتَخِب لكل ولاية قضائية أو مجلس مَنْ يَرَى فيه الأهلية لذلك على مُوجِب أصول المملكة المرعية.

فالقضاء في الحقيقة من حقوق ولاة الأمور، والقضاة خلفاؤهم في مباشرته؛ ولذلك كانت أحكام القضاة التي على طِبْق الشرع لا تُنْقَض؛ لاعتبار إِذْن ولي الأمر بها ضِمْنًا من حيث فَصْل الحكم، فرَجَعَتْ هذه القوة إلى الملك، وكذلك قوة تنفيذ الأحكام بعد قَطْع الحكم فيها، فإنها حَقٌّ خاص بولي الأمر من أَوَّل وهلة، لا يُشارِكُه فيه غَيْره، كما أنه هو الذي يُنْسَب إليه تقنين القوانين حيث يَتَوَقَّفُ على أوامره تَنْظِيمُها وترتيبها وإجراءُ العمل بموجبها، فقد انْحَصَرَتْ فيه القوى الثلاثة التي هي أركان القوة الحاكمة.

ثم إن الأصول والأحكام التي بها إدارة المملكة تُسَمَّى: فن السياسة المَلَكِيَّة، وتُسَمَّى: فن الإدارة، وتُسَمَّى أيضًا: عِلْم تدبير المملكة ونحو ذلك، والبحث في هذا العلم، ودوران الألسن فيه والتحدث به، والمنادَمة عليه في المَجَالِس والمَحَافِل والخوض فيه في الغازيتات، كل ذلك يُسَمَّى: بوليتيقة؛ أي: سياسة، ويُنْسَب إليه فيُقال: بوليتيقي؛ أي: سياسي، فالبوليتيقة هي كل ما يتعلق بالدولة وأحكامها وعلائقها وروابطها، فَقَد جَرَت العَادة في البلاد المتمدنة بتعليم الصبيان القرآن الشريف في البلاد الإسلامية، وكتب الأديان في غيرها قَبْل تعليم الصنائع، وهذا لا بأس به في حَدِّ ذاته، ومع ذلك فمبادئ العلوم المَلَكِيَّة السياسية التي هي قوة حاكمة عمومية وفروعها مُهْمَلَة في الممالك والقرى بالنسبة لأبناء الأهالي، مع أن تعليمها أيضًا لهم مما يُنَاسِب المَصلحة العمومية، فما المانع من أن يكون في كل دائرة بلدية مُعَلِّم يقرأ للصبيان بعد تمام تعليم القرآن الشريف والعقائد ومبادئ العربية مبادئ الأمور السياسية والإدارية، ويوقفهم على نتائجها، وهو فَهْم أسرار المنافع العمومية التي تعود على الجمعية، وعلى سائر الرعية؛ من حسن الإدارة والسياسة والرعاية في مقابلة ما تعطيه الرعية من الأموال والرجال للحكومة، ويفيدهم أسباب إيجاب الحكومة على الأهالي أن تَخْدُم وَطَنَها بنفسها خدمة شخصية في العسكرية، وأسباب إلزام الأهالي بدفع حصة مُخَصَّصة من أموالهم بوصف خراج أو ويركو أو عوائد أو نحو ذلك من جبايات الحكومة القائمة في الدول الإسلامية مقام الزكاة المُعَطَّلة، وكذلك لِيَعْرِف الأهالي أسباب إيجاب الحكومة عليهم أن يتنازلوا عن شيء من أملاكهم وعقاراتهم عند الاقتضاء واحتياج الحكومة لذلك للمَصْلَحة العمومية؛ كتوسيع الطرق، وما أشبه ذلك من العمليات التنظيمية، فإذا ارْتَكَزَ في أذهان الصبيان مِنْ زمن شبوبيتهم أصول هذه السياسات الشرعية وفروعها، وفَهِمُوا الأسباب والمُسَبِّبَات؛ سَهُلَ عليهم عند بلوغ الرشد والوصول إلى كمال الرجولية إجراء مفعولها، وهل هذا التعليم إلا إيقاف أهل الوطن على مَعْرِفة حقوقهم وواجباتهم بالنسبة لأملاكهم وأموالهم ومنافعهم، وما لهم وما عليهم؛ محافَظةً على حقوقهم، ودَفْعًا للتعدي عليها، فاللائق أن يكون بكل ناحية مُعَلِّم لمبادئ الإدارة ومَنَافِع الجمعية العمومية في مقابلة ما تَدْفَعُه الجمعية للحكومة، فإن هذا التعليم — مع تقديمه للشخص المتعلم — له تأثير مَعْنَوِيٌّ في تهذيب الأخلاق، ومنه تَفْهَمُ الأهالي أنَّ مَصَالِحَهُم الخصوصية الشخصية لا تَتِمُّ ولا تَتَنَجَّزُ إلا بتحقيق المصلحة العمومية التي هي مصلحة الحكومة، وهي مصلحة الوطن، فتُذْعِنُ نفوسهم بأن الفوائد الخصوصية ليست في حد ذاتها مضمونةَ الحصول إلا في ضِمْن الفوائد العمومية المذكورة، وأيضًا مما يَقْتَضِي لياقة تعليم مبادي الإدارة بالنواحي: كَوْن قانون الحكومة لا يَمْنَع من جواز استخدام أَحَد من الأهالي، فاستخدامه في المَلَكِيَّة لا سيما مَنْصِب المشيخة البلدية كما سيأتي ذِكْرُه يَسْتَدْعِي سَبْق مَعْرفة بأصولها، وإلا تَرَتَّب على استخدام الجاهل بها من السقامة ما لا يَخْفى، وإنما العلم بالتعلم لا سيما أيضًا مع تجديد جمعيات الانتخاب ومجالس النواب.

وكان المانع لتَعَلُّم البوليتيقة والسياسة في الأزمان السابقة ما تَشَبَّثَ به رؤساء الحكومات مِنْ قولهم: إن السياسة من أسرار الحكومة المَلَكِيَّة، لا ينبغي عِلْمُها إلا لرؤساء الدولة ونُظَّار الدواوين، مع كَوْن لَفْظ البوليتيقة كان معروفًا أَيْضًا بمعنًى آخَرَ، وهو الحيلة والخداع والتدبير، مما لا يليق إلا بالمملكة الجائرة، وفي هذه الأيام جميع الأحكام المَلَكِيَّة مُؤَسَّسَة على العدل والأمانة وخلوص النية المُتَقَوِّم منها الحق — وهو أَبْيض أَبْلج — لا يَنْبَنِي إلا على الإخلاص في القول والعمل وحُسْن العلاقات بين الراعي والرعية، مما يَغْرِس المحبة والمودة في قَلْب المَلِك ورعاياه؛ بسبب اتباعه الأصول المربوطة، وسَيْره على السَّنَن القويم حسب أحكام المملكة المشروطة، وهي غير مكتومة، ومن المعلوم أن المَلِك الذي يُحِبُّ رعاياه يُحِبُّ تَقَدُّمَهم في المناصب المَلَكِيَّة؛ للاستعانة بآرائهم التي هي في حَقِّه ضرورية، فهو أَحَقُّ باصطفاء رجاله منه باصطفاء أمواله؛ لأنه مع استبداده بالنهي والأمر وسُمُوِّ المقام وجلالة القدر لا يكتفي بالوحدة، ولا يَسْتَغْنِي عن الكثرة، فمَثَلُه كمَثَل المسافر في الطريق البعيد يجب أن تكون عنايته بِفَرَسِه المجنوب كعنايته بفَرَسِه المركوب، ومَنْ أَحَبَّ المقاصد والنتائج سَهَّل الوسائل والمقدمات.

وأيضًا من البديهي أن للإنسان حقوقًا وعليه واجبات، فطَلَبُه لحقوقه وتأديته لواجباته على الوجه الأكمل يقتضيان مَعْرِفَة الحقوق والواجبات، ومَعْرِفَتُهما متوقفة على فَهْمِهما، وفَهْمُهما عبارة عن معرفة قوانين الحكومة التي هي السياسة، فالذي لا يريد خدامة الحكومة هو أيضًا مثل المستخدم فيها لمعرفة قوانينها.

وقد تَجَدَّدَ في مديريات مصر في هذا العهد الأخير مبادئ ما أشرنا إليه، وهو صدور الأوامر الخديوية بِجَلْب مَنْ يَرْغَب من أبناء العمد ووجوه الناس إلى دواوين المديريات؛ ليتَمَرَّنوا على تعليم الأحكام والإدارة؛ لتوظيفهم فيما بَعْد في الوظائف الإدارية، ونَفْعِهم كمال النفع للحكومة، قال الشاعر:

وكاذب الصبح يَبْدُو قَبْلَ صادِقِه
وَأَوَّل الغيث قَطْر ثم يَنْهَمِلُ

وقال آخر:

رُبَّ قَلِيلٍ غَدَا كَثِيرًا
كَمْ مَطَرٍ بَدْؤُه مَطِيرُ

ثم إن الحكومة التي عَبَّرْنا عنها فيما سَبَق بالقوة الحاكمة هي من مقولة النسب، والإضافات تقتضي حاكمًا ومحكومًا؛ يعني: مَلِكًا ورعية، فلا يُفْهَم المَلِك إلا بالرعية، ولا تُفْهَم الرعية إلا بالمَلِك، كالأبُوَّة والبُنُوَّة؛ فلهذا وَجَبَ أن نُبَيِّن كُلًّا مِنْهُما مع ما يَتَعَلَّق به، ونبتدئ بولاة الأمور، فنقول: وَلِيُّ الأمر هو رئيس أُمَّتِه، وصاحب النفوذ الأول في دَوْلَتِه، وحاكِم مُتَصَرِّف بالأصول المرعية في مَمْلَكته، ولا توجد رَعِيَّة في مَمْلكة مُنْتَظِمة بدون راعٍ وإلا ضَعُفَتْ واخْتَلَّتْ، وشَقِيَ أَهْلُها لِعَدَم مَنْ يَسْعَى في إسعادهم بتحسين شئونهم.

وقد تَأَسَّسَت الممالك لِحِفْظ حقوق الرعايا بالتسوية في الأحكام والحرية، وصيانة النفس والمال والعِرض على مُوجَب أحكام شرعية، وأصول مَضْبُوطة مَرْعِيَّة، فالمَلِك يَتَقَلَّد الحكومة لسياسة رعاياه على مُوجَب القوانين.

ولمَّا كانت السياسة جسيمة لا يَقُوم بها واحد اخْتُصَّ الملك بمعالي الأحكام وكُلِّيَّاتِها، وخَلَعَ بَعْض نفوذه في جزئيات الأحكام على المَحاكم والمَجالس، وجَعَلَ لهم لوائح وقوانين خصوصية، تُرَشِّد أَفْعَالَهُم ولا يَتَعَدَّوْنَها، قال بَعْضُهم: ليست في الدنيا جمعية مُنْتَظِمة، ولا مَمْلَكة معتدلة الأحكام إلا وتكون القوة فيها بالأصول العدلية، فالأصول العادلة تَصُون ناموس الدولة عن الملامة؛ ولهذا كان جميع ما أمضاه المَلِك السالف من الأحكام، وأجرى مقتضاه بالفعل والتنجيز؛ لا يسوغ لمن جاء بَعْده أن يَخْدِشه ويُبْطِل أحكامه التي جَرَى مُقْتَضاها.

وهذه القاعدة جارية في سائر الممالك، فحُرْمة الأصول المَلَكِيَّة بصونها عن نَقْص مُجْرَيَاتِهَا راجعة في الحقيقة لِحِفْظ حُرْمَة المَلِك، فإنَّ بَتَّ الحُكْم في عَهْد المَلِك أَثَر نتائج أَفْكَاره أو ثَمَرة أوامره ونواهيه وتصديقه عليه؛ فهو منسوب إلى المنصب الملوكي، فلا يسوغ نَقْضُه، وقد كان المنصب الملوكي في أَوَّلِ الأمر في أكثر الممالك انتخابيًّا بالسواد الأعظم وإجماع الأمة، ولكن لَمَّا تَرَتَّبَ على أَصْل الانتخاب ما لا يُحْصَى من المَفَاسِد والفِتَن والحروب والاختلافات؛ اقْتَضَتْ قاعدةُ كَوْن دَرْء المَفاسد مُقَدَّمًا على جَلْب المصالح اختيارَ التوارُث في الأبناء وولاية العهد على حسب أصول كل مَمْلَكَة بما تَقَرَّر عندها، فكان العمل بهذه الرسوم الملوكية ضامنًا لِحُسْن انتظام المَمَالِك.

ثم إن للملوك في ممالكهم حقوقًا تُسَمَّى بالمزايا، وعليهم واجبات في حَقِّ الرعايا، فمِنْ مزايا المَلِك أنه خليفة الله في أَرْضه، وأن حِسَابَه على رَبِّه، فليس عليه في فِعْلِه مسئولية لِأَحَدٍ من رعاياه، وإنما يُذَكَّرُ — للحُكْم والحكمة من طرف أرباب الشرعيات أو السياسات — برِفْق ولين؛ لإخطاره بما عسى أن يكون قد غَفَلَ عنه، مع حُسْن الظن به؛ لقوله : «الدين النصيحة، فقلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وأيضًا للإنسان في نَفْسه مَحْكمة تُجْري الأحكام على صاحبها، وهي الذمة التي هي النفس اللوامة أو المطمئنة، فهي قاضٍ لا يَقْبَل الرشوة، فإذا فَعَلَ المَلِك كغيره ما لا يُوافَق لِأُمَّتِه عاقَبَتْه نَفْسه؛ لأن نُور الحق يَسْطع في القلب، وإذا فَعَلَ المَلِك ما لا ينبغي فِعْلُه لا تَطْمَئِن نَفْسُه إلى ذلك، ولا يَرْكَن قَلْبُه إليه، ولا يَفْرَح به، وأما فِعْل الخير فتَطْمَئِن إليه النفس، ويَرْكَن إليه القلب، ويَنْشَرِحُ له الصدر.

وبيان ذلك أن القلب مبدأ الحركات البدنية والإرادات النفسانية، فإن صَدَرَتْ عنه إرادة صالحة تَحَرَّك البدن حركة صالحة، وإن صَدَرَتْ عنه إرادة فاسدة تَحَرَّك البدن حركة فاسدة، فالقلب كالمَلِك والأعضاء كالرعية؛ ولذلك قال أهل السنة والجماعة: إن العقل في القلب، وله شعاع مُتَّصِل بالدماغ، فالقلب يَطْمَئِن للعمل الصالح طمأنينة تُبَشِّرُه بأمن العاقبة، فصاحِب هذا العمل قَضَى له قاضي الذمة بأنه مُحِقٌّ في عَمَلِه، بخلاف العمل السيئ فإنه يُورِثُ القلب تَنَدُّمًا وحسرة، ويُكْسِبُه ملامة تُنْذِرُه بسوء العاقبة، فصاحب هذا العمل السيئ قَضَى عليه قاضي الذمة بأنه آثِم مُبْطِل في عَمَلِه؛ ولذلك قال لوابصة بن مَعْبَد — لما أتاه في وَفْد: «جِئْتَ تَسْأَل عن البِرِّ، البِرُّ ما اطْمَأَنَّتْ إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاكَ في النفس، وتَرَدَّدَ في الصدر، فاسْتَفْتِ نَفْسَك، وإن أفتوك الناس وأفتوك.»

وسَبَبُ ذلك أيضًا أن الله سبحانه وتعالى فَطَرَ عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقَبُولِه، ورَكَزَ في الطباع مَحَبَّته، ومن ثَمَّ وَرَدَ حديث: «كل مولود يُولَد على أَصْل الفطرة»، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وهذا يؤيد قَوْلَ بَعْضِهم: إن عَمَلَ القلب إن كان خَيْرًا أو شرًّا كصدى الصوت في الجبل، يَعُودُ على القلب بِرَنَّة الخيْر أو الشر، وهو معنى قولهم: كاد المرتاب أن يقول: خُذْنِي.

فذمة الملوك كذمة غيرهم، تتأثر بالانبساط من الخير، والانقباض من الشر، فالذمة حَكَم عَدْل، تنفر غالبًا من الظُّلْم والجور، فهي عنوان الخوف من الله تعالى في كَوْنِها تَحْمِل الملوك على العدل، ومما يَحْمِلُهم على العدل أيضًا ويحاسِبُهُم محَاسَبَة معنوية الرأيُ العمومي؛ أي: رأي عُمُوم أهل مَمَالِكِهِمْ أو مَمَالِك غيرهم ممن جَاوَرَهُمْ من الممالك، فإن الملوك يَسْتَحْيُون من اللوم العمومي، فالرأي العمومي سلطان قَاهِر على قلوب الملوك والأكابر، لا يُتَسَاهَل في حُكْمِه، ولا يُهْزَل في قضائه، فويل لمَنْ نَفَرَتْ منه القلوب، واشْتَهَرَ بين العموم بما يَفْضَحُه من العيوب.

ومما يُحَاسِب الملوك أيضًا على العدل والإحسان التاريخ؛ أي: حكاية وقائعهم لِمَنْ بَعْدَهم مِنْ ذراريهم وخَلَفِهِم من الأجيال الآتية، فإن المؤرخ يَذْكُر للأمة أخبار مُلُوكِها، فيَنْتَقِل مِن العين إلى الأثر، ومن البيان إلى الخبر، فيَبُثُّ مَحَاسِن الملوك ومَثالبهم لأعقابهم لِيَعْتَبِرُوا، فدَأْب الملك العاقل أن يَتَبَصَّر في العواقب، وأن يَسْتَحْضِر في دائم أوقاته وفي حركاته وسكناته أن الله سبحانه وتعالى اختاره لرعاية الرعية، وجَعَلَه مَلِكًا عليهم لا مَالِكًا لهم، وراعيًا لهم؛ يعني: ضامنًا لِحُسْن غِذَائِهِم حِسًّا ومَعْنًى لا آكلًا لهم، وأنه تعالى خَصَّه بمزايا جليلة؛ أَوَّلها أنه خليفة الله في أَرْضِه على عباده، وقد أَمَرَ الجميع بالعدل والإحسان وما بَعْدَه، حيث قال جَلَّ مِنْ قائل: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ الآية، فمأمورية العدل أَوَّلُ واجبات ولاة الأمور، وهو وَضْع الأشياء في مواضعها، وإعطاء كُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، والمساواة في الإنصاف بميزان القوانين، وأفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل، قال تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وقال : «إن الله يحب العدل»، وقال بَعْض الحُكَماء: إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة فهو بُشْرَى لها بالعز، وعلى السعادة أمارة، فتدبير الملوك أَمْرَ العباد والبلاد بالعدل أَرْفَعُ لِذِكْرِهِم، وأَعْلَى لِقَدْرِهِم، «وسأل» الإسكندر حكماءَ أَهْل بابل: هل الشجاعة عِنْدَكُم أَبْلَغُ أو العدل؟ فقالوا: إذا اسْتَعْمَلْنَا العدل اسْتَغْنَيْنَا عن الشجاعة، فإلى العدل انْتَهَت الرياسة الكاملة والمملكة الفاضلة، ومن مزايا ولاة الأمور أيضًا أن النفوذ الملوكي بِيَدِهِم خاصة لا يشاركهم فيه مشارك، وهذه المزية العظمى تَعُود على الرعية بالفوائد الجسيمة، حيث إن إجراء المصالح العمومية بهذه المثابة ينتهي بالسرعة؛ لكونه مَنُوطًا بإرادة واحدة بخلاف ما إذا نِيطَ بإرادات مُتَعَدِّدة بِيَد كثيرين، فإنه يكون بطيئًا، وهذا النفوذ الملوكي القضائي غير النفوذ الإجرائي الذي هو مُبَاشَرَة العَمَل، وهو مِنْ خصائص الوزراء ونُظَّار الدواوين وغيرهم، فالنفوذ المُلُوكي هو الترتيب والأمر بالنفوذ الإجرائي لمن يُجْرِيه، فهو حُقٌّ مُحْتَرَم لا مسئولية فيه على المَلِك ولا يكون لغيره، فكيف وهو رئيس المملكة، وأمير الجيوش البرية والبحرية، وقائدهم الأول، وعليه مَدَار الأمور المَلَكِيَّة والعسكرية الداخلية والخارجية، وهو الذي يُقَلِّد المناصب العمومية لمن يَسْتَحِقُّ بإصدار أوامره فيها، ويُرَتِّب الوظائف، ويُنَظِّم اللوائح المُبَيِّنة لطُرُق إجراء الأصول والقوانين، ويأمر بتنفيذ الأحكام الصادرة من ديوانه ومَحَاكِمِه ومَجَالِسِه، وله الرياسة على أُمَنَاء دين مملكته، وله الْحَقُّ في أن يَمْنَحَ المناصب والألقاب العالية، وأن يُعْطِيَ عُنْوَان الشرف ونِيشَانَه؟

وإذا أَمَرَ المَجَالِس بتنظيم لوائح فإنها لا يَجْرِي مفعولها ولا يُعْتَدُّ بها، إلا إذا صَدَّقَ على نَفْس اللوائح وعلى ترتيب الجزاء على مَنْ خَالَفَهَا، وترتيب الجزاء على مُخَالَفَة القوانين هو ما يُسَمَّى تقرير القوانين وترسيخها، فإنها بدون ترتيب الجزاء لَيْسَ على مُخَالِفِهَا لَوْم.

وأما وظائف المجالس الخصوصية ومجالس النواب فليس من خصائصهما إلا المذاكرات، والمداولات، وعمل القرارات على ما تَسْتَقِرُّ عليه الآراء الأغلبية، وتقديم ذلك لِوَلِيِّ الأمر، وكذلك من خصوصيات وَلِيِّ الأمر نَشْر القوانين، وإجراء مفعولها من يوم نَشْرها، ومن المزايا الملوكية ما يُسَمَّى حَقَّ الصَّفْح عن الجَانِينَ، وهو أَجَلُّ المزايا اللائقة بالمنصب الملوكي، وهو أن له الْحَقُّ في الصفح عن العقوبة المترتبة على الجاني الذي جنايته من قبيل: وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا أو تخفيف جزاء هذه الجناية، فإن العظيم يَعْفُو عن الذنب العظيم، وكذلك له أن يُسَامِح من جزاء المذنب بالصغائر، وأن يَقْبَل توبة من يَتُوب.

وهذه المزية الجليلة لائقة بما ينبغي أن يكون عليه الملك من الرأفة والرحمة والحِلْم، فإن الحِلْم يجب أن يكون من الأوصاف الذاتية للملوك، وليس لهذا الحِلْم المطلوب حَدٌّ محدود ولا قَيْد مخصوص، بل على إطلاقه وعمومه في حَقِّهِ، ومُفَوَّض فيه أَمْرُه إليه، وإنما ضابطه أن يكون لرعيته بمنزلة الوالد في الشفقة على أولاده، وإن حَدَثَ في الرعية حادث فليتداركه بِلُطْفِه وتدبيره؛ لئلا يَتَّسِعَ الخرق على الراقع، فإن أصابَهُمْ خَلَل في أَمْر المعيشة من الطعام والشراب والكسوة والدواب، أو في الذهب والفضة؛ فإنه يُوَسِّعُ عليهم، ويَلُمُّ الشعث الحادث بهم؛ كما فَعَلَ السلطان الغازي محمود بن سبكتكين سلطان غزنة، فإنه لَمَّا أَجْدَبَتْ رَعِيَّتُه وكان له طَعَامٌ، فقال بعض وزرائه: ينبغي أن يُعْطَى لهم بِثَمَنٍ عَدْل، فقال: لا، بل نُوَسِّعُ لهم ونَتَصَدَّق به عليهم، فإنهم رَعِيَّتُنا لا ينبغي أنْ نَأْخُذَ منهم شيئًا، ولا يُسْتَحْسَنُ منا أن نكون في الرخاء ورَعِيَّتُنَا في الشدة والغلاء، ثم أَمَرَ حتى أُفِيضَ عليهم، فإن ضَاقَت البلدة بالرعية وشَقَّ عليهم المُقام في ازدحامهم فلْيُزِدْ في البلد، فإن لم يَكُنْ فليَنْقُل من البلد جانبًا من الأهالي إلى بَلَدٍ آخر، فهذا هو الملك الحليم العادل.

ويجوز له أن يَبْذُل حِلْمَه إلى ما لا نهاية، فلا يَلِيق الاستفسار منه عن الأسباب الحاملة له على الصفح عن الجاني في حالة ما إذا صَفَحَ عنه، ولا عن عَدَم الصفح في حالة ما إذا لَمْ يَصْفَح، وإنما اللائق في حَقِّه في حالَتَي العفو والعقاب أن لا يُتَجَاوَزَ في ذلك الحد؛ حِفْظًا لناموس الشريعة، وَصَوْنًا لحدود الله من التعطيل، ومُحَافَظَةً على إبقاء قُوَّة السياسة الشرعية الضامنة للأمن العام، ومَنْعًا للتَّجَرِّي وتَعَدِّي الناس بعضهم على بعض؛ ولهذا لما صَدَرَ مِنْ بعض الملوك الصفح عن بعض الجانين، وحَضَرَ الجاني أمام القاضي لِيُصْدِرَ له الأمر بالصفح عنه حَكَّمَ أَمْرَ المَلِك؛ قال له القاضي: لقد صَدَرَ أَمْر المَلِك بالعفو عن ذَنْبِك، فاذهب سريعًا فقَد ارْتَفَع عنك العقاب، وبقي عليك الوزر، «وقال» قاضٍ آخَرَ لإنسان آخَرَ قَتَلَ شَخْصًا بالسم، وحَكَمَتْ عليه المَحْكَمة بعُقُوبَة القتل، فخَفَّفَهَا المَلِك باستبدال القتل بالليمان: اذْهَبْ إلى الليمان لتُزْعِجَ أهْلَه، فقد قَدِمَ عليهم مُعْتَدٍ أثيم قبيح الفعال لِيُصَاحِبَهُم، فلا شَكَّ أنهم يَنْفُرُونَ مِنْكَ كُلَّ النفور.

وفي الممالك المُدَقِّقَة في الأحكام العدلية لا يَصْفَحُ المَلِكُ عن الجاني في الغالب إلا في ذَنْب الخوض في الناموس الملوكي، أو في الصغائر الخاصة بالسياسة الملوكية، ولا يَتَجَاوَزُ المَلِك عن المُتَعَدِّي في شيء بالنسبة لحقوق العباد المبنية على المشاحة، فلا يَمْنَع حدود الله، ولا يَصْفَح عن القاتل لشخص له ورثة أبدًا؛ لأن الدية أو القَوَد حَقُّهُم، ومع صَفْحِ المَلِك عن الجاني فلا يَبْطُل تحقيق الدعوى المقامة في شأن الجناية، فإن حقوق المَلِك إنما هي تخفيف عقاب المذنب نظرًا للنفوذ الملوكي والناموس السلطاني المبني على الشفقة والرحمة، فليس من المَصْلَحة عَفْوُه عن الذنب قَبْل ظُهُورِه، ولا إظهار ذلك للمَحَاكِم قَبْل التحقيق؛ لأن ذلك يُفْضِي إلى سَتْر الحق، وله في حقوق الحكومة — إذا حَصَلَتْ فتنة عمومية، وخَمَدَتْ نارها، وظَهَرَ رؤساء الفتنة وبانَ المفسدون — أَنْ يُخْبِر المَجالس المَحْكَمِيَّة المُقامة فيها قضاياهم بأنه قد عَفَا عن الجنح السياسية، وكذلك إذا حَصَلَ اتهام للمُسْتَخْدَمِينَ في الأموال الميرية باختلاس أو إهمال، وكان عليهم تحقيق أو مُحَاسَبة؛ أن يُسَامِحَهُم مما اتُّهِمُوا به، ويُخْلِي سبيلهم.

وبالجملة: فَحَقُّ العَفْو من الملوك الذين هم خلفاء الله في أَرْضِه على عباده مَبْنِيٌّ على وجوب التخلق بأخلاق الرحمن؛ أي: الاتصاف بصفاته؛ كالرأفة والرحمة والحِلْم، وفي الحديث الشريف: «الراحمون يَرْحَمُهُم الرحمن، ارحموا من في الأرض يَرْحَمْكم من في السماء»، وفي بعض الكتب المنزلة: يقول الله تعالى: «إن كنتم تريدون رَحْمَتي فارحموا عبادي» وقيل في هذا المعنى:

إن كُنْتَ لا تَرْحَمُ المسكين إِنْ عَدِمَا
ولا الفقيرَ إذا يَشْكُو لَكَ الْعَدَمَا
فكيف تَرْجُو مِنَ الرحمن رَحْمَتَهُ؟
وإنما يَرْحَمُ الرحمن مَنْ رَحِمَا

وقال آخر:

ابْغِ للناسِ مِنَ الْخَيـ
ـر كما تَبْغِي لِنَفْسِكْ
وارحَم الناسَ جَمِيعًا
إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ جِنْسِكْ

وأما الرعية فهم طبقات متكاثرة، فينبغي للمَلِك أن يُحْسِنَ تربية رَعِيَّتِهِ على اختلافهم، ويُهَذِّب أَخْلَاقَهُمْ بالآداب الحسنة، وأنْ يَحْمِل أرباب الزراعة والتجارة والعمارة على تأدية حِرَفِهِم جميعَ حقوقها، وينهاهم عن استنفاد الذهب والفضة فيما لا يَحِلُّ؛ كالأواني، والأطواق، واللجم، والمناطق؛ لئلا يَضِيق عليهم أَمْرُ المعاش؛ بمعنى: أنهم لا يَسْتَعْمِلُون النقدين في الأشياء المستغنية عنهما، فإن الملوك المتقدمين كانوا لا يفعلون ذلك هُمْ ولا رعاياهم، فكَثُرَتْ في أيامهم النقود والخيرات، وينبغي أن يُشَوَّق المحترفة بالعطايا والمكافآت، وشمول النظر والمسامحات، حتى يتسابقون إلى تكثير مصنوعاتهم، وهكذا كل طبقة.

وبَسْطُ الكلام على عموم الرعية أن يُقَال: إن لهم حقوقًا في المملكة، تُسَمَّى: بالحقوق المدنية؛ يعني: حقوق أهالي المملكة الواحدة بعضهم على بعض، وتُسَمَّى: بالحقوق الخصوصية الشخصية في مُقَابَلة الحقوق العمومية، وهي عبارة عن الأحكام التي تَدُور عليها المعاملات في الحكومة، وهذه الحقوق في كُتُب الفقه عبارة عن المعاملات، والأنكحة، والفرائض، والوصايا، والحدود، والجنايات، والدعاوى، والبينات، والأقضية، فالحقوق المدنية المذكورة هي حقوق أَهْل العمران بعضهم على بعض؛ لِحِفْظ أملاكهم وأموالهم ومَنَافِعِهِمْ ونفوسهم وأعراضهم وما لهم وما عليهم مُحَافَظَةً ومُدَافَعَةً.

ويَتَفَرَّع من حقوق المملكة العمومية؛ أي: السياسة والإدارة الملكية، ومن الحقوق المدنية الشخصية فَرْع آخَرُ من الحقوق، يُسَمَّى: بحقوق الدوائر البلدية؛ يعني: حقوق النواحي والمشيخة البلدية، فهذه الحقوق تتعلق بالامتيازات الخصوصية لكل ناحية.

ثم إن الدائرة البلدية والناحية والمشيخة ألفاظ مُتَرَادِفة في عُرْف الإدارة على مَعْنًى واحد، فحقوق الدوائر البلدية الامتيازية هي استقلال النواحي بالتصرفات الرشدية؛ يعني: استقلال كل ناحية بتحسين نظامها من حيث خصائصها البلدية وحال أهاليها، واستبدادها بحفظ مصلحتها الخاصة بها تحت ظِلِّ الحكومة، وهي مجموع قرية أو حَارَة أو أَكْثَر، صارت ناحية لما فيها من الروابط والعلاقات الخصوصية التي اسْتَدْعَتْهَا المنافع العمومية، فهي جزء من المملكة الكلية، امتازت من أجزاء مَمْلكتها بالمزايات الخصوصية البلدية؛ كاختصاصها بأسواق دورية ومواسم سنوية وعوائد محلية وعمائر خيرية.

ثم إنَّ تَكَوُّن النواحي سابِقُ الوجود على تَكَوُّنِ الحكومات، وأَقْدَم منها في التجمعات التأنسية؛ فالنواحي أَصْل الممالك، فقد كَانَت النواحي مشيخات صغيرة مُسْتَقِلَّة مُنْفَرِد بعضها عن بعض على قرية أو أكثر أو على بندر أو مدينة بوصف دائرة بلدية، وكان الحامل لأهلها على الاجتماع والاتحاد اقتضاء الحاجة الإنسانية للتأنُّس والتعيش والتحفظ، حيث أَحَسُّوا باحتياجاتهم إلى إدارة داخلية لدائرتهم، فاحتاجت تلك الإدارة إلى عَمَل ومحافَظة وحُسْن تدبير ومُلَاحَظة، فاستدعى الحال إلى أن يَقُوم بإدارة تلك الدائرة، ويَسُوس أَمْرَها، ويُقَوِّم أَوَدَها، فاختار أَهْل هذه الدائرة لهذه الوظيفة أَعْقَل العشيرة وأَنْوَرهم بصيرة، وكانوا في مبدأ الأمر يَخْتَارُون بالرغبة والطوع لمثل ذلك شَيْخًا من شيوخ الأهالي الطاعِنِينَ في السن، ممن أَفَادَتْهُم كَثْرَة التجاريب المعلومات القوية والهيبة والوقار، ويجعلونه كَبِيرَ الناحية، ومن المعلوم أن مَنْ طَعَنَ في السن يُطْلَق عليه اسْم الشَّيْخ؛ فلذلك قيل لهذا الشيخ: «شَيْخ البلد، أو شيخ الناحية، أو شيخ الحارة»، وقيل للبلد وللناحية وللحارة: «مَشْيَخَة»، فاسْتَمَرَّ الحال على هذه التسمية حتى انْتَظَمَت النواحي في الحكومات، وانْخَرَطَتْ في سِلْك الممالك، وصَارَتْ أجزاء لكل أو جزئيات لكليات، وبَقِيَ اسم الشيخ دالًّا على كَبِير القوم أيًّا ما كان عُمْرُهُ.

ثم بِتَدَاوُل الأزمان وترتيب البلدان وانضمام عدة أقاليم أو مدن تحت رياسة واحدة، تَنَظَّمَتْ النواحي تنظيمًا رسميًّا تابعًا لانقسام البلاد إلى ممالك والممالك إلى إيالات، والإيالات إلى كور أو مديريات، والمديريات إلى أقسام، والأقسام إلى أخطاط، والأخطاط إلى نواحي ودوائر بلدية أو إلى مدن، والمدن إلى أجزاء، وسُمِّيَ شيخ المملكة سلطانًا أو مَلِكًا أو رئيس جمهورية، وسُمِّيَ حاكِم الإيالة واليًا أو أميرًا، وحاكِم المدينة مُحَافِظًا أو مأمورًا، وحاكِم المديرية مديرًا، وهكذا، وحاكِم البلد شيخ البلد أو عُمْدَة، وهكذا على حسب عُرْف كل بلاد، واختلفت الأسماء باختلاف عُرْف الأقاليم والنواحي والمُسَمَّيَات مُتَّحِدَة.

فقد تَأَسَّسَتْ كلية الحكومة على عُمَد نواحيها ومعاونيهم، فهم أعضاء لجسد الحكومة، وجميع الخدامات المحلية مُحَالة على عُهْدَتِهم واعتماديتهم، حتى إن القوانين قد تَرَتَّبَتْ في الحكومة بحسب دوائرها البلدية، واقتضاء مواقعها المحلية من المزايا الخصوصية.

وفي الأزمان السالفة قَبلَ تَقَدُّم الجمعية في البلاد الأروبية، وقَبْلَ أَخْذِهَا من التمدن بالحظ الأوفر؛ كان أَكْثَر أهالي حكوماتها — مُلْتَزِمِين وأمراء كبار — مُسْتَقِلِّينَ بتَمَلُّك الدوائر البلدية والأراضي الزراعية، يَمْلِك الواحد منهم القسم بتمامه، ويَسْتَبِدُّ فيه برأيه وتنفيذ أحكامه، ويَدْفَع خراجًا مُقَرَّرًا لرئيس الحكومة الكبيرة، فكان هؤلاء الملتزمون والأمراء مُسْتَبِدِّينَ بما تَحْتَ أيديهم من المدن والقرى والبلاد، ومسْتَعْبِدِينَ لما فيها من الفلاحين والأهالي والعباد، وفي مقابَلة ذلك يَدْفَعُون الخراج المقَرَّر المعلوم لولاة الأمور بشرط اتباع القوانين المعلومة والأصول والرسوم، فكانت النواحي تابعة لهؤلاء الأساتيذ الملتزمين التابعين تَبَعِيَّة ضعيفة لمُلُوكِهِم، مع مُبَارَزَتِهِمْ لهم بالمشاحنات في كل وَقْت مثل ما كان جاريًا بالديار المصرية في عَهْد المماليك.

فلما دَعَت الحروب الصليبية والغزوات الإفرنجية في البلاد المشرقية الإسلامية إلى سَفَر رؤساء الجيوش بأنفسهم إلى هذه الحروب، وكانوا هم أرباب الالتزام، واقتضى الحال أن يأخذوا من التزاماتهم ما قَدَرُوا عليه من الأموال والنفوس لحرب الإسلام، وكانوا أرباب حَمِيَّة قوية وغيرة دينية، وطَالَتْ أزمنة الغزو والقتال للتغلب على القُدْس الشريف العزيز المَنال، مع كَثْرة الإنفاق لطول الشقاق، وتَبَصُّرِهِم في إدخال محاسن التمدن المشرقية في بلادهم المغربية، وتَعَلُّمِهِمْ من الإسلام ما حَسَّن بلادهم، وإنفاقهم النفقات الجسيمة في الحصول على ذلك كله مُدَدًا مديدة، فتَضَعْضَعَ بهذا من جهة المعايش حَالُهُمْ، وضاعت في الأزمان المختلفة أموالهم ورجالهم، وعَمَّتْهُمْ لضرورة الحروب الفاقةُ، وعجزوا عن الإطاقة، واضْطُرُّوا إلى بَيْع الأراضي والرجال، فاشترى منهم أهل النواحي أَمْلَاكَهُمْ وأنفسهم بالأموال، ومنهم مَن اشترى الامتياز بِحَقِّ تَنْصِيب شيخ من الناحية للمحاماة عن الحقوق الأهلية، فَتَمَتَّعُوا من ذلك الوقت بالمزايا الأهلية والحقوق المدنية، وتَمَلَّكُوا الأملاك، وخرجوا من ربقة التبعية، وصاروا على تداول الأيام يزدادون في القوة بِقَدْر ضعف الملتزمين وفَقْدِهم للنخوة، فتواجدت عند الجميع الحرية، وصارت ممالك أوروبا بالتمدن حقيقة وحَرِيَّة.

وقد تَرَتَّبَ على إعتاق الدوائر البلدية، وتحرير رقاب النواحي في البلاد الأروباوية، كما في غيرها من البلاد المتمدنة، فائدتان مهمتان؛ «إحداهما»: تَمَتُّع أهالي النواحي بثمرات الاكتساب، وتحصيل المنافع، وتحسين أحوال أهاليها بالثروة والغنى، والأخذ في التمدن، والتقدم في العمران، «وثانيتهما»: قوة الحكومة، وتمكين الدولة حيث صارت جميع النواحي بالمملكة تابعة لها مباشرة بدون تَوَسُّط الملتزمين والأمراء والأساتيذ والكبراء؛ لأن النظام العمومي في الدولة إنما يَتِمُّ بوحدة الحكومة، واستبدادها بالتصرفات المَلَكِيَّة، ورَفْض مَذْهب السيادة الأرضية، وطَرْح مشعب الالتزامات البلدية ظِهْرِيًّا، ونَبْذ طُرُق تَعَدُّد الأحكام المختلفة مكانًا قَصِيًّا، فالمملكة المتوحدة يَضُرُّها كَثْرة الحكام المتعددة.

ثم لم تَزَل النواحي تَأْخُذ في التمكن من التصرفات الرَّشَدِيَّة، والتقدم في محافظات حقوق الدوائر البلدية بعناية الحكومة الكلية، حتى صارت قوية مَتِينَة مُحَرَّرَة مَصُونَة؛ لأن قوة الأجزاء مُسْتَلْزِمَة لقوة الكل، فتَمَتَّعَ جميع الأهالي إذ ذاك بثمرات مهارتهم الصناعية وآثار براعتهم الزراعية.

ومن المعلوم أن الشريعة الشريفة مِنْ صَدْر الإسلام ناطقة بما هو أقوى من ذلك وأَقْوَم، والسيرة العمرية صادقة فيما هو أَتَمُّ من ذلك كُلَّه وأَنْظَم، والإسلام سَوَّى بين الجميع في العدل والإنصاف، وقد عَمَّ به التمدن في سائر الأقطار والأطراف، واعْتَرَفَ له بذلك جميع أمم الدنيا كمال الاعتراف، فلا يُضِيرُه ولا يَضُرُّه سَفَاهَة بَعْض حُكَّام سَلَفُوا، حيث خَالَفُوا أحكامه المَرْضية في أيامهم، فلا يُقَاسُ على تِلْكَ الأيام؛ وذلك لحكومة المماليك في مصر وتَحْمِيلهم لأهلها ثَقِيل الإصر، فهذه قضية شخصية لا تَنْقُضُ العموم بدليل زَوَالِها في أَجَلٍ مُسَمًى ووَقْت معلوم.

فَقَدْ وَفَّقَ المولى تبارك وتعالى المرحوم محمد علي صَاحِب المساعي المشكورة، وكذلك مَنْ بَعْدَهُ من وُرَثَائِه على قَدْرِ حَالِه وإمكانه، لا سيما حفيده خديو مصر العادل، فقد شَرَعَ في تأسيس الدوائر البلدية المحررة، وبنى ذلك على قواعد ثابتة مُقَرَّرَة، فالآن بعناية هذا العزيز الجليل وحُسْن رعايته الظاهرة كالشمس فلا يُقَام عليها دليل؛ تفوز مصر بِنُجْح الآمال، وتَرْقَى إلى درجة الكمال.

ثم إن ترتيب عُمَد الدوائر البلدية التي هي النواحي وترتيب معاونيهم ومأمورِيهم ومُعَاوِني الضبطية، إنما هو بحسب جَسَامة كل ناحية واتساع دائرتها وثَرْوَة أهلها، حتى إن الناحية الجسيمة يَتَرَتَّب فيها أيضًا مشورات بلدية رَشَدِيَّة؛ للاتحاد مع العمدة، ومساعدته في الأمور المهمة، فالمدار في إدارة الناحية وضبطتها على العمدة، وهو كثير الوظائف ومَنُوط بأمور جَمَّة؛ منها تنظيم جرائد الأنساب، وهو تسجيل المولودين والمتزوجين والمفقودين على الرسوم المربوطة، وهو مِنْ أَهَمِّ أمور المملكة في حِفْظ الأموال والنفوس والقرابات، يَنْبَنِي عليه أبواب كثيرة من الفقه والسياسة، فالعمدة من ذوي الإدارة البلدية والضبطية الحاكمية، إلا أن الإدارة البلدية التي هي أَصْل وظيفته الأصلية تحت رياسة المديرية، ولَمَّا تَفَرَّعَتْ وظائفه وتشعبت خصائصه؛ كان شيخ الناحية بالنسبة لها كمدير صغير، ووَلِيَ على دائرتها، فهي كاليتيم وهو كالكفيل النصير، فمن خصائصه مُبَاشَرَة أملاك دائرة الناحية، وعقاراتها، وإيراداتها، وتَقْنِين مصاريفها بما تَقْتَضِيه المَصْلَحة والغبطة، وتسديد ما عليها مِنْ أموال الميري، ومِن الديون.

ومن خصائصه أيضًا ترتيب الأشغال العمومية، وإجراء العملية اللزومية على طرف الدائرة البلدية إذا كانت هي الملزومة بالمصاريف، ومن خصائصه أيضًا مباشرة إدارة عمائر المحال الخيرية التابعة للناحية إذا كان مصاريفها على دائرة الناحية، أو كانت المصاريف على الحكومة، وكانت المحال الخيرية مُعَدَّة لمنافع الدائرة البلدية؛ كالاسبتاليات والمكاتب، ومن خصائصه أيضًا التشبث بكافة الوسائل التي تَجْلِب الراحة والأَمْنِيَّة وحُسْن الانتظام لأهالي البلدة، وكذلك الاعتناء بتهذيب الأخلاق والتأديب والتربية للأهالي، وتعويلهم على الاستقامة، وعَدَم ارتكاب ما فيه سقامة، ومن مأمورياته أيضًا توزيع ما يَخُصُّ دائرة الناحية في ضِمْن عموم المديرية من الأموال والعوائد، وتوزيعها على أشخاص الناحية بِحَسْب مَيْسَرَة كُلٍّ منهم بالاتحاد مع شورى الناحية لعدم المغدورية، وكذلك يَجِبُ تحصيل الأموال والعوائد بحسب التوزيع، وتوريدها إلى خزينة القسم أو إلى خزينة المديرية حسب الأصول المُقَرَّرَة، وعليه أيضًا الملاحظة للأشغال العمومية والعمليات، والمحافظة على أملاك الحكومة، والبحث عن إصلاح المساجد والمَعابد والمَشاهد والقرافات والأضرحة والمَكَاتِب والمدارس والآثار القديمة، وكل ما هو في الناحية من أمثال ذلك.

وبالجملة: فعمدة البلد أو الناحية مُرَخَّص له بدون استئذان من ديوان القسم أو المديرية، أن يُجْرِي من بَادِئِ رَأْيِه جَمِيعَ ما هو من خصائصه ووظائفه وحدوده، ما عدا بعض أشياء جسيمة يحتاج فيها للاستئذان من الرئيس الذي هو أعلى منه، وهو المدير بالنسبة للإدارة البلدية، ونائب الملك في المحاكم بالنسبة للضبطية الحاكمية، فمما يَحْتَاج فيه العمدة للاستئذان شراء عقارات أو أراضي للناحية، أو بَيْع مِثْل ذلك من الناحية، أو ضَرْب عوائد على الأهالي غير المُقَنَّن فوق العادة لمصروف الناحية لاحتياجاتها، وكاقتراض أموال على طرف الناحية للوازمها، وكتجديد أشغال ومنافع وعمارات وسكك، وكالتجارة في أموال الناحية المتوفرة في صندوقها بعد المصرف، وكالتداعي في قضايا تَخُصُّ الناحية بشيء، فكل هذا على العمدة أَنْ يَسْتَأْذِنَ فيه من محل الاقتضاء، وما عدا ذلك من حقوق الناحية هو من دائرة تَصَرُّفه وحدوده، فيجب على العمدة بحسب الإمكان أن يُبَاشِرَهَا بنفسه، فهو المحامي عن الناحية محاماة الولي لليتيم والكفيل للمكفول، وللحكومة العليا تَوْلِية مَنْ يُفَتِّش أحوال الدائرة البلدية كالناظر الحسبي.

فيجب على كل عمدة أن يكون له إلمام بالأحكام الشرعية والقوانين الوضعية، وممارسته للأحكام الملكية، فإن جَهْلَه لهذه الأحكام يَحُطُّ بمقامه، ويُزْرِي به بَيْن أقرانه وأقوامه؛ ولهذا اعْتَنَى المؤلفون في سائر الدول والملل في تأليف كُتُب السياسة على سائر الفنون، وجَعَلُوها في طاقة الحكام، وإذا كان هذا وَصْف شيخ البلد، وأنه يُزْرَى به جَهْل شريعة البلد وأحكامها السياسية والشرعية، فما بَالُك بمن هو أَعْلَى منه من الموظفين؛ كوكلاء المملكة ووزرائها ونُوَّابِها وحُجَّابِها؟ فالمِلِك العاقل المُدَبِّر لا يَنْتَخِب للوظائف المهمة إلا من يكون جامعًا لخصال الخير؛ حَسَن الخَلق والخُلق، يَجْمَع بين البشاشة، والوقار، والحِلم، والهيبة، والعفة، والنزاهة، وعزة النفس، وسداد الرأي، وحُسْن التدبير، وسرعة الفهم، والعلم بالأمور السياسية والقوانين المَلَكِيَّة والأحوال الديوانية، والوقوف على أحوال المسالك والممالك وما بينهما من العلاقات والروابط والعهود والضوابط، وأن يكون معروفًا بالصدق والوفاء، مُتَبَحِّرًا في أنواع العلوم السياسية، له خبرة بكتابة الإنشاء والمحاسبات، ذكي الفطنة، سريع الجواب، كثير الصواب، متيقظًا في تدبير الدولة العادلة، مُعْمِرًا للجهات والنواحي والأعمال، مُثْمِرًا لأصناف الأموال وتحصيل الغلال، مُقْتَصِدًا في وجوه صَرْفها ونفقاتها، «قالت» الحكماء: «يجب أن يكون الوزير مِثْل المرآة التي لها وجهان، يَنْظُر بِوَجْهٍ منها إلى الله تعالى، وبالآخر إلى الرعية.» انتهى.

ومِثْل الوزير في ذلك سائر رؤساء المملكة، فإنهم جميعًا كالراعي الذي اسْتُؤْجِرَ لِحِفْظ الأغنام، فإذا حَفِظُوها اسْتَحَقُّوا الأجرة، وإن ضَيَّعُوها أُخِذُوا بالغرامة، وحُبِسُوا في سجن الملامة، وخَسِرُوا الدنيا والآخرة، ويُقَال لهم: يا رعاة السوء، أَكَلْتُم السمين، وضَيَّعْتُم الهزيل، فحَقَّ مِنْكُم الانتقام، بخلاف الوزراء الذين يَعْلَمُون أن الشريعة معيار المملكة، والسياسة ميزان السلطنة، فيزنون الرعايا كأنفسهم بميزان الشريعة والسياسة، فهؤلاء يفوزون بسلامة الدنيا والآخرة لِمَا حَفِظُوه من الوزن بقسطاس العدل في صيانة النفس والمال والعرض، فبالعدل قامت السموات والأرض.

وبالجملة: فعلى وَلِيِّ الأمر أن يَجْتَهِدَ حتى يَرْضَى عنه جميع رَعِيَّتِه، وأن يُنْزِل نَفْسَه مَنْزِلَتَهُم، وكل ما يُحِبُّه لنفسه يُحِبُّه لهم، وعليهم الطاعة الكاملة له؛ لقوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فقد قَرَنَ تعالى طاعة ولاة الأمر بطاعة نَفْسه ورسوله، فهذه عَظَمَة جميلة لولاة الأمر، ومَنْزِلة جليلة تَبْلُغ النهاية في رِفْعَة القَدْر، فإذا ظَهَر لوَلِيِّ الأمر عَدُوٌّ لَزِمَهُمْ مُعَاوَنَة المَلِكِ عليه، فإذا اسْتَقْرَضَهُمْ أَقْرَضُوهُ، وإذا اسْتَعَانَ بِهِمْ أعانوه، وإنْ عَدَلَ فيهم مَدَحُوه، وإنْ ثَقُلَ عليهم شيء من أحكامه صَبَرُوا إلى أن يَفْتَحَ الله لهم باب هدايته للخير وإرشاد دولته للعدل وزوال الضير، ويسألون الله تعالى أن يَرْزُقَه بِطَانَةً أَهْلَ حِكْمة وشجاعة وعِفَّة وعدالة.

فالمَلِك المرزوق بموظفين مُتَّصِفِين بهذه الخصال المحمودة هو مسعود الرعية، فهو الذي يَتَجَمَّل به الزمان، ويرضى عنه الرحمن، واهتمام الملك وموظفيه بمصالح الرعية لا يمنع من سعيهم أيضًا في إصلاح أنفسهم بِقَدْر الإمكان؛ لأن مَنْ لَمْ يُصْلِح نَفْسَه عَسُرَ عليه إصلاح غَيْرِه، وكيف يَعْرِف رُشْدَ غَيْره من لا يَعْرِف رُشْد نَفْسه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠