الفصل الثالث

في تقسيم الأعمال إلى مُنْتِجَة للأموال وغير مُنْتِجَة لها؛ أي استقلالية وغير استقلالية.

***

من المعلوم أن العمل والشغل مترادفان على معنًى واحد عند أهل الصناعة، والعامل والشغال كذلك، فما يقال في العمل والشغل يَتَّصِف به العامل والشغال، ومن المحقَّق أن الأفعال كلها لله سبحانه وتعالى، وإنما أَحْوَج عِبَاده إلى تحصيل أسباب الحاجة المتكاثرة؛ لِيُظْهِرَ للخلق أنه أراد استجلابها بِوَجْه حلال، وجَعَلَ الإنسان أَكْثَر أصناف الحيوانات احتياجًا، وجعل دُونَه في الاحتياج سائر أصناف الحيوانات؛ حيث اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون غَنِية بأصوافها وأوبارها وأشعارها عن اللباس والدثار، وغَنِية بالأرض والأوكار عن أن تَتَّخِذ بنيانًا، وأشرك الجميع في مادة الاحتياج إلى الغذاء؛ لئلا يشتركوا مع الألوهية.

فإذا ادعى بعضهم الربوبية لنفسه كفرعون أو لغيره؛ كان احتياجه إلى تكرار الغذاء شاهدًا على كَذِبِه؛ كما قال الله تعالى: مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي: مَضَوْا، فهو يَمْضِي مثلهم وليس بإله كما زعموا وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ أي: كغيرهما من الحيوانات المشترِكة معهما في ذلك، ومن كان كذلك لا يكون إلهًا؛ لاحتياجه إلى الطعام، وإلى خروج ما نشأ عنه من الفضلات.

فالفعل والتدبير إنما هو لله سبحانه وتعالى في تحصيل ما يحتاج إليه الآدمي وغيره من الغذاء والأدم والفواكه والأشربة، كما قال الله تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا أي: بالنبات فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا أي: كالحنطة والشعير وَعِنَبًا وَقَضْبًا أي: تِبْنًا للعلف وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ أي: بساتين غُلْبًا أي: عظامًا لكثرة أشجارها وَفَاكِهَةً أي: ثمارًا طيبة غَيْر ما تَقَدَّمَ وَأَبًّا أي: مرعًى للدواب أو يابس الفواكه مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ أي: الإبل والبقر والغنم، فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف.

وابتدأ تعالى بالمَنِّ بإنبات الحَبِّ؛ لأنه أَنْفَع المَنْبَت، ولأن الإنسان إذا تَأَمَّلَ في إنبات الحبة الصغيرة استدل بذلك على عظيم قدرة الله تعالى؛ لأن الحبة ولو صغيرة جدًّا إذا دُفِنَتْ في الأرض وحَصَلَ لها نداوة انتفخت، ثم لا تنشق مع عموم الانتفاخ لها إلا من أعلاها وأسفلها، فيخرج من الأعلى الجزء الصاعد الممتد وهو الساق، ثم يتشعب منها أغصان كثيرة إلى الجانبين، ثم يطلع الزهر غالبًا، ثم منه تَصْلُح الثمرة وهي مشتملة على أجزاء غليظة كالقشر، ولطيفة كاللب وفيه الدهن، وأما الجزء الغائص من أسفل الحبة فيتفرع منه عروق تغوص في الأرض الشديدة الصلابة مع غاية لطفها، ويوصل الله بها الأغذية من الطين إلى الجزء الصاعد والأغصان، ويوزعها الله في كل جزء من أجزاء الأغصان، فإذا تفكر الإنسان في هذا وأمثاله ذَهَبَتْ غَفْلَتُهُ، وحَدَثَ للقلب خَشْيَة كما يُحْدِث الله عند الماء النماء للزرع، وعَلِمَ أن الفعل لله حقيقة ولغيره مجازًا.

وقد قَسَّمَ أربابُ الإدارات والتدابير العمل إلى قسمين لا ثالث لهما: مُنْتِج للمال، وغير مُنْتِج له؛ لأن العمل لا يخلو إما أن تزيد قيمة مَوْرِدِه بالربح فهو المُنْتِج، وإما أن لا تنشأ عنه ثَمَرَة تَرْبِيح مَالِيٍّ تُنْسَب إليه فهو غير المُنْتِج، وهذا يرجع إلى الاستغلال وعَدَمِهِ بالعمل، وكما يقال للعمل مُنْتِج أو غير مُنْتِج يُقال للعامل كذلك، فالعُمَّال صنفان: مُكْتَسِبَة، ومُرْتَزِقَة، ويقال للعمل أيضًا خدمة، سواء كان جليلًا أو حقيرًا، فبهذا المعنى يُقال لمطلق العمل خدمة.

وإنما العرف يخص الخادم بالمعنى المشهور المتعارف، والقرينة بحسب المحال تدل على المعنى المراد، ثم إن العامل في أُوسِيَّة أو دائرة العامل صناعية أو زراعية تَزِيد بِعَمَلِه قيمة البضائع المصنوعة التي هي مَوْرِد عمله، فله مَدْخَل عظيم في تربيح صاحب المِلْك، فهذا العامل مُنْتِج للكسب والاستغلال بخلاف عمل الخادم عند السيد، فإنه ليس فيه في حد ذاته للسيد ربح ولا مكسب مالي.

ومن المعلوم أن كلا من العامل والخادم يَتَعَيَّش من مَحَلِّ العمل أو مَحَلِّ الخدمة؛ لأنا إذا نظرنا للحقيقة ونفس الأمر نجد أن العامل المستأجَر يأخذ من صاحب المصنع أجرة مُقَدَّمة على العمل، ومع ذلك لا يَتَكَلَّف على صاحب المصنع شيئًا، فإن أُجْرَتَه في الغالب تَنُضُّ من الربح الزائد المتسبب عن عَمَلِهِ، فهو يَأْخُذ مِنْ ثَمَرَة كَدِّه وعَرَق جَبِينِه، بخلاف ما يأخذه الخادم من سيده من الجامكية في مُقَابَلَة خِدْمَتِه، فليس مأخوذًا من مَوْرِد مالِيٍّ صادِر عن عَمَل الخادم، والدليل على ذلك أن آحاد الناس من أرباب الفلاحة أو الصناعة قد يَرْبَح من عَمَلِ عُمَّاله وآثار مهارتهم شيئًا يَصِير به رئيسَ جماعة فِلَاحية أو عريف فِرْقَة صناعية، فبِتَشْغِيلِه كثيرًا من العملة والشغالين في دائرة شغله يَنْمُو مالُه ويَزِيد غِنَاه وتَكْمُل سعادته، وكلما كَثُرَتْ أتباعه في هذا الخصوص كَثُرَتْ ثَرْوَتُهُ، وأن السيد قد يُكْثِر من الخدم والحشم فيكون ذلك سببًا لِتَنَاقُصِ ماله وانحطاط قَدْرِه.

وما ذاك إلا أن الأول جميع من عنده من العمال يعملون عملًا مُنْتِجًا مُرْبِحًا، بخلاف الثاني؛ فإن عَمَلَ خَدَمِه وحَشَمِه غير مُنْتِج للمال، ومع ذلك فسيد الخُدَّام يَحْكُمُهُم بِقَدْر استحقاقهم ونشاط خدمتهم وتأدية ما هو مطلوب منهم، فهم آخذون لا مُعْطُون، بخلاف عمال الأشغال الصناعية، فأجْرَتُهم تُقَدَّر على قَدْر مَوْرِد العمل والمتحصِّل منه من الأرباح والفوائد، هذا إذا كان بالمُيَاوَمَة.

وإذا كان بالمقاوَلة والالتزام والتعهد، فإن رئيس الصناعة يُعْطِي المهمات الجسيمة المتراكمة الأجزاء والمواد بقَدْرٍ معلوم للعمال في نظير الأجرة، فإذا تَخَصَّصَتْ على الزمن ربما تَفَرَّق عن المياومة بكثير، فيربح المالك رِبْحًا عظيمًا ويَخْسَر العامل؛ لأنه مُعْطٍ نوعًا للكثير وآخذ للقليل، وجميع هذه المصنوعات والمشغولات تُوضَعُ في مخازنها إلى وَقْت رَوَاجِها، فتُباع ويُتَحَصَّل منها مقادير جسيمة بحيث تكفي لتشغيل مشغولات قَدْر التشغيلات الأولية التي بِيعَت مشغولاتها عند رواجها؛ يعني: أن صاحب المال رَبِحَ جودةَ وسائل التشغيل وأدواته، فقد تَوَفَّرَ رأس مَالِهِ وما اكْتَسَبَهُ مِنْ عَمَل العمال، وهَلُمَّ جرًّا إلى غير نهاية بخلاف خدمة الخادم لسيده فلا تُثْمِر له ثمرة باقية، وليس لها مَوْرِد ولا مَحْصُول ولا بِضَاعة تُبَاع ولا تُشْرَى، بل خِدَامَات الخادم أَعْرَاض تَنْقَضِي بالفراغ من عَمَلِها بدون بقاء أثر ولا قيمة، فلا تعطي بعد انقضائها رِبْحًا يكفي صَرْفُه لمدة أخرى بِقَدْرها عند العَوْد لمثلها ولو كانت لزومية، وعليها مدار العمل في الجمعية؛ يعني: في المملكة المتمدنة.

فخدمة المقلدين للمناصب العالية والوظائف السامية في أي دولة من الدول، وكذلك خدمة الخدم المعتادين لسادتهم في أي بلد كان؛ لا تُنْتِج ربحًا ماليًّا ولا قيمة مُثْرِية للمخدوم محسوسة؛ يعني: لا تُنْتِج بنفسها استغلال الأموال لِمَنْ هي منسوبة له، وهذا لا يَقْدَح في حقها شيئًا؛ لأن خدمة أرباب المناصب في المَمَالك عليها مَدَار العمل والإرشاد بالتدبير والسعي في الإصلاح، فإنتاجها الحقيقي إنتاج بالواسطة فهو إنتاج الإنتاج، لا إنتاج بالفعل والمباشَرة، وكلامنا في إنتاج رءوس الأموالِ والسِّرْمَايَات دون الإنتاج الإرشادي، وإلا إذا نظرنا إلى إنتاج الإدارة ومعونة الحكومات وَجَدْنَا ما سَلَفَ نَقْلُه عن الخليفة المأمون من قوله: «إن أسباب المكاسب أربعة.» وعَدَّ منها الإمارة، وقال: «إن ما عدا ذلك فهو كَلٌّ علينا.» والكَلُّ بفتح الكاف: الحِمْل.

وقد قُلْنَا: إن مَرْجع استحصال الأموال لا يكون إلا من الزراعة والصناعة والتجارة، فهي محل الأرباح والإيراد، وأما غَيْرها فهو مَحِلٌّ للمصارف؛ لأننا بَيَّنَّا أن غَيْر المُنْتِج من الأعمال هو ما لا يَبْقَى بعد انقضائه شيء من ثمرات العمل يُرَوِّج ويَكْفِي لعمل آخر، فوظائف جميع الحكام المَلَكِيَّة وضباط العسكرية البرية والبحرية وجميع الجنود كذلك، وإن كان عليها مدار حركة الإنتاج، بل هي القوة الباعثة له في الوقائع ونفس الأمر، إلا أنها لا تُسَمَّى في عُرْف المنافع العمومية بالمُنْتِجة للأموال بنفسها وبعملها، وإن كانت لهم مرتبات سنوية جسيمة في نظير مأمورياتهم، فهذه المرتبات عائدة إليهم من أموال غيرهم، ولو أن خدمتهم للحكومات في غاية الشرف والمنفعة، ومن أشد اللزوم للأهالي فلا تُنْتِج ربحًا يُرَوَّج منه مقدار للمستقبل، يساوي الصرف على خِدمَتِهِم سَنَة؛ يعني: لا تُرْبِح خِدْمَتُهُم للحكومة مالًا ناضًّا يُعْطَى لهم في السنة المقبلة، فبهذا المعنى يقال إنهم غير مُنْتِجِين؛ يعني: هم جهة مَصْرِف لا جهة إيراد؛ أي: ليسوا جهة أرباح.

ويلحق بالمناصب الميرية المناصب القضائية والدينية والعمومية؛ كعمال الأوقاف ونَحْوها، فإن الموظفين بهذه المناصب المفخمة غير مُنْتِجِين بالمعنى السابق؛ يعني: مناصبهم لا تَجْلِب أرباحًا ولا مَكَاسِب، ومثل هؤلاء أهل الآداب؛ كالشعراء والمنشئين، ومن ذلك أرباب فنون الطرب والملاهي والمصارعين؛ كأهل الموسيقى والمُغَنِّينَ والمنشِدِينَ وما أشبه ذلك، فجميع هذه الأعمال ليس لها قيمة مالية وكَسْب وتربيح كالأشغال المنتجة لذلك، إذ لا تُنْتِج شيئًا يُباع ويُتَحَصَّل منه لسنة أخرى مصاريف العمل الذي يُعْطِي ربحًا وَهَلُمَّ جرًّا، فإن أشغالهم جميعًا وأعمالهم تَنْتَهِي عقب فراغها لراغبها، فلَعِب اللاعب، وإنشاد المنشد، وأنغام المُغَنِّي، وتوقيع الموسيقي ضُرُوبه على حسب المقامات كلها أعراض تَنْتَهي بانتهاء عَمَلِها لِطُلَّابها وليست مُرْبِحَة، وأما عَمَلُ آلاتها وكُتُبِها وتأليفها فهو مُنْتِج أموالًا، وأما هي في حد ذاتها فمُلْحَقة بغير المُنْتِج.

فجميع أرباب الأعمال غير المنتجة وأرباب البطالة الذين لا عَمَلَ لهم كُلُّهُم على حد سُوَى في كَوْن مصارفهم صادرة عن محصولات الأرض السنوية، وعن عمليات الأهالي الصناعية، فنَفَقَتُهم على غيرهم مع شرف البعض؛ كشرف الولاة والقضاه وأمناء الأديان، والانتفاع بخدمة البعض الآخر؛ كأرباب الطرب والملاهي وما أشبههم، ثم إن المحصول الزراعي أو الصناعي ولو بَلَغَ ما بَلَغَ في العظم والكثرة فهو محدود ومتناهٍ ومُقَدَّر بالحساب، فإذا أَخَذْنا حساب السَّنَة الماضية، وعَرَفْنَا منه مقدار المنصَرِف في استحقاقاتِ ومُرَتَّباتِ غَيْر المنْتِجِين من الأشخاص، قَلَّ عَدَدُهُم أو كَثُرَ، وكذلك مرتبهم، وجعلنا الباقي على ذمة مصارف الأشخاص المُنْتِجِين، فهذا القَدْر الباقي قليلًا كان أو كثيرًا يكون هو محصول السنة المقبلة؛ لأنه هو الذي يُباع ويَصِير دخوله في التشغيل للتربيح.

ومن هذا يتبين أن المُتَحَصِّل من المَزارع في السنة هو نتيجة العمل المُنْتَج، يعني إيراد المَزارع في السنة بعد استنزال أُجْرة الأرض؛ أي: ما عليها من المال، وما يَتْبَع ذلك من التقاوي وعَلَف المواشي وأُجْرة المهمات الآلية وغير ذلك، فالصافي بعد هذا هو الربح، وهو الذي يَحْصُل منه تشغيل السنة المقبلة، ومنه تُدْفَع أجرة الأجير المُنْتِج، ويقاس على ذلك دائرة الصناعة كالفبريقة، فإن أغلب مَحْصُولها في العادة هو في مقابلة رأس المال، والباقي يُعَدُّ أرباحًا بعد تنزيل المصارف، فمن هذه الأرباح التي هي ثمرة العمل المنْتَج تُدْفَع أجرة ذلك العمل.

وهذه الأرباح أيضًا مُعَدَّة لتكوين الإيراد الذي يَخْرُج منه أرزاق الأشخاص المُنْتِجِين؛ يعني: جميع أهالي البلدة مُكْتَسِبَة ومُرْتَزِقَة، فمدار مؤنة الأهالي جميعهم على الأعمال المُنْتِجَة؛ يعني: موارد الأموال، فكل إنسان أَخْرَج من ماله شيئًا، وَجَعَلَهُ رَأْسَ مَالٍ في زراعة أو تجارة فلا يكون غَرَضُه منه إلا تربيح هذا المال، فلا يَصْرِف منه إلا للعمال المُنْتِجِين، الذين يَنُضُّ هذا المال بِعَمَلِهِمْ، فإذا صَرَفَ رأس المال على العمل أَنْتَجَ مما صَرَفَه جُزْءًا بوصف الربح يَعُود على العمال في نظير أُجْرَتهم، فربح الشغالة إنما هو ناتج من عَيْن عَمَلِهم، لا مِنْ رَأْس مَال المَالِك، فإذا أراد المالك أن يَسْتَخْدِم خدمًا لِعَمَلٍ غَيْر مُنْتِج، وجعل لهم مُرَتَّبًا؛ فصَرْف هذا المرتب خَارِج مِن أَصْل ماله، فيدخل في الحساب ضِمْن المال المتبقي لِنَفَقَتِهِ، فليس ما يُنْفَق على الخدم من رِبْح عملهم كأرباب العمل المُنْتِجين، فأرباب الأعمال غير المُنْتِجة وأرباب البطالة يَتَعَيَّشُون جميعًا من إيراد واحد، له موردان؛ الأول: محصول الربح السنوي الوارد لصاحبه في مُقَابَلَة مال أرضه أو ربح ماله، والثاني: المال الذي يَخُصُّ العامل في نظير عَمَلِهِ بقصد التعيش به، الذي هو عبارة عن رأس مال العمل.

فإذا وصل هذا القدر من رئيس الدائرة الصناعية أو الزراعية إلى العامل فإنه يتعيش منه لنفسه، فإذا زاد عن مؤنته فلا مانع أن يتعيش منه ناس أُخَر مُنْتِجُون أو غير مُنْتِجِين، كما إذا كان العمال أرباب أهمية في العمل ولهم أهمية وشَرف ورياسة في صنائعهم؛ فإن مرتباتهم من دوائر العمل تكون جسيمة، فبمقتضى الأحوال المُسْعِدة لهم يَسْتَخْدِمُون من الخدم والحشم مَن يَلِيق بهم؛ تقليدًا لكبار أرباب الأملاك وأغنياء التجار، فيَتَعَيَّش في جانبهم أناس كما تَعَيَّشوا في جانب غيرهم، فقد عادت منهم المنفعة على غيرهم كما عَادَت عليهم من مَنْفَعة أعمالهم في خدمة غيرهم.

وهؤلاء الأشخاص أصحاب النعمة الجديدة قد تَعُود المنافع منهم على أناس أُخَرَ كأرباب حِرَف الأفراح والأتراح والمستحقين للإعانات، فيتعيش منهم طوائف كثيرة من أرباب الأعمال غير المنتجة، وكذلك هؤلاء العملة المنتجون تَنْتَفِع منهم الحكومة بدفع العوائد التي هي في الغالب يُتَحَصَّل منها جزء عظيم، يساعِد على احتياجات الحكومة لصيانة البلاد والعباد، ومع أن أرباب الدولة مُتَقَلِّدُون بأشرف الأعمال المَلَكِيَّة، وهم أصحاب الأمر والنهي والنفوذ؛ فعمليتهم — كما قلنا — ولو أنها مُهِمَّة وأولية غير مالية لا يُباع منفوعها ولا يُشرى، وإنما هو قُطْب رحَى عموم الإنتاج.

وقد أسلفنا أن العمال المنتجين يأخذون عملهم من جزء الأرباح المعتَبَرِ رأسَ مالٍ لِتَعَيُّشِهِمْ، وأن العمال غير المنتجين يأخذون مرتباتهم من الأرباح الزائدة عن العمليات التشغيلية، ونقول هنا: إن هذه الأرباح التي يَتَعَيَّش منها صاحب المال والعمال غير المنتجين لا يَمَسُّها أحد منهم إلا بعد جعلها في حركة التدبيرات التامة لإنتاجها وتربيحها؛ يعني: أنها لا بد من ترويجها وتشغيلها على الطريقة السابقة في السنين السابقة لتكون مضمونة، فبهذا ينبغي أن تكون أجرة العامل مستحصلًا عليها بالتمام في مقابلة عَمَلِهِ، وأن يكون استحقاقها بجميعها بعد العمل، ولا يَتَصَرَّف في أدنى شيء منها بعمل غير مُنْتِج حتى لا تضيع هباء منثورًا، فإذا صَرَفَ حينئذ منها شيئًا لا يكون إلا يسيرًا لمقتضيات الأحوال الضرورية، بل ينبغي أن لا يَصْرِف إلا مما دَبَّرَه وَوَفَّرَه من أزمنة سابقة، لا سيما إن كان ما دَبَّرَه له إيراد وتربيح، فإنه يكفيه لمصارفه، وطريقة الوفر عند أرباب الأعمال والصناعات المنتجة سهلة جدًّا؛ لمواظبتهم غالبًا على ذلك، ولذلك تَجِدُ في تعاديل فِرْدة الرءوس والعوائد أن عوائد كل واحد منهم بِقَدْر مَيْسَرَتِه، وعلى حسب كَمِّيَّات وَفْرِهِ واقتصاده.

ومن هذا كله يُفْهَم أن محصولات الأراضي وأرباح رءوس الأموال مَوْرِدان أصليان، يَتَعَيَّش منهما أرباب الأعمال غير المنتجة، وأن الوَفْر والتدبير يَلِيق ويَتَأَتَّى كل منهما لأهل الفلاحة والتجارة، وأن طائفة الزارعين والتجار يُمْكِنهم على حد سواء تَعْيِيش العمال المنْتِجِين وغير المُنْتِجِين، بل تَعْيِيش غير المُنْتِجين مِنْ رِبْح أهل الزراعة والصناعة أكثر؛ لجسامة ما يَعُود على الحكومة منهم، وهو أيضًا أحق وأَوْلَى لعموم منفعته، وتَنَقُّلِه من أيادي أهل الحكومة إلى حاجة أناس كثيرين، فإن مرتبات الأمير مثلًا يتعيش منها غالبًا أناس كثيرون من العلماء والصلحاء والفقراء والخدم والحشم؛ وفاقًا لقوله : «ما عَظُمَتْ نعمة الله على عبد إلا عَظُمَت مؤنة الناس عليه، فمن لم يَتَحَمَّل تلك المؤنة فقد عَرَّضَ تلك النعمة للزوال»، وقال : «إن لله أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يُقِرُّهم فيها ما بذلوها، فإذا مَنَعُوها نَزَعَها منهم، وحَوَّلَها إلى غَيْرهم.»

ومن الأمراء جَمٌّ غفير يتعلق الناس بأذيالهم، ويتعيش من فضول أموالهم كثير من أرباب البطالة والفراغ أكثر ممن يَتَعَيَّش من أرباب الفلاحة؛ لأن أرباب الفلاحة لا يَتَعَيَّش منهم غالبًا إلا العمال أرباب الصناعة المنتجة، ومع أن العادة تقضي بأن أغنياء التجار يستعملون رءوس أموالهم ليَعِيش منها أناس كثيرون من أرباب الأعمال الشاقة كالأسفار ونحوها؛ فهم في ذلك كأرباب الزراعة يبحثون عن الربح والفائدة، إلا أن أرباحهم يتعيش منها عادة كثير من الخدم والحشم وأرباب الحرف غير المُنْتِجة، فهم من هذا الوجه كالأمراء يعيش في جانبهم خَلْق كثير بدون تربيح للمُنْصَرِف من أرباحهم، فقد حازوا فَضِيلَتَي الفلاحين والأمراء.

وهذا كله إذا اعتبرنا أن الأمراء وأصحاب المناصب المَلَكِيَّة وغيرها لا يتشبثون بالزراعة والتجارة، وإلا فأكثرهم في البلاد الزراعية أو التجارية بأسوة كبار الأهالي، فلهم الدوائر العظيمة الرابحة والأملاك الاستغلالية، فهم بهذا المعنى داخلون في عصابة أهل الفلاحة والتجارة، ومُتَعَيِّش في دوائرهم كثير من الناس؛ يعني: من العمال المنتِجِين وغير المُنْتِجِين، وأيضًا ما يَرِد لهؤلاء من المرتبات المنصرفة من طَرَف الأعمال المنْتِجة يصرفون أكثر منه على الوظائف غير المُنْتِجة في نظير عوائد أملاكهم، فيرد إليهم من الخزائن الملوكية مقادير مالية على قَدْر استعدادهم وأهمية مناصبهم، ويصدر منهم أيضًا إلى تلك الخزائن مبالغ كثيرة أو قليلة على قَدْر أراضيهم وما عليها من العوائد.

وبالجملة: فالكلام على الإنتاج وعدمه ومصادر الأموال ومواردها إنما هو بالنظر للحيثيات، فقد يجتمع في الأمير مثلًا أن يكون أيضًا له زيادة عن مزية إمارته مزية الزراعة والتجارة لرأس مال إيراده، فيكون جامعًا للمنافع العمومية، ويكون مُنْتِجًا من جهة وغير مُنْتِج من أخرى وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

ثم إن الأعمال بنوعيها مُنْتِجة وغير مُنْتِجة ممدوحة مطلقًا؛ لما فيها من السعي، كما أن البطالة مذمومة عند جميع الأمم شرعًا وعقلًا، فلنذكر ما قيل في مَدْح العمل وذَمِّ البطالة في الفصل الرابع من هذا الباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠