الفصل الرابع

في أن الصوريين وهم أهل سواحل بَرِّ الشام قَدَّمُوا في سالف الأزمان التجارة والعلوم البحرية على وجه نافع.

***

أهل سواحل الشام في القديم والحديث هُم أغنى أهل بلاد سورية، وكانوا يُسَمَّوْن في قديم الزمان الفنيكيين، وكانوا في سواحل البحر الأبيض الشامي، وكانت أَعْظَم مُدُنِهم مدينة صور، التي كانت تُسَمَّى في سالف الأزمان ملكة البحار، ويليها مدينة صيدا في شمالِيِّها، ثم مدينة بيروت، ولكون أرض السواحل كانت عقيمة لا يَخْرُج منها ما يكفي لمعيشة سُكَّانها؛ اضْطُرُّوا إلى تعليم الصنائع النافعة؛ لأن الضرورة هي الأصل الأصيل لاستفادة المعارف، فقد استفادوا بإمعان أفكارهم وتكرار تجاريبهم ووقوع أمور اتفاقية بالمصادفة معرفةَ كَثِيرٍ من المنافع، انضمت إلى الصنائع.

وقد عَرَفُوا من الأزمنة الخالية أن رُكُوب البحر يُوصِلُهم إلى التجارات، وأَعَانَهُم على ذلك كَونُهُم سواحلية وبمجاورة جَبَل لبنان الكثير الغابات والأخشاب، فاسْتَسْهَلُوا ركوب البحر المالح مع ما يَعْهَدُون فيه من الأخطار ببلوغ الأوطار، مع أن السفر كما في الحديث النبوي: قطعة من العذاب، إلا أن البركات مع الحركات.

وفي التوراة مكتوب: ابن آدم، أَحْدِثْ سَفَرًا أُحْدِثْ لَكَ رِزْقًا، قال الشاعر:

بلاد الله واسعة الفضاءِ
ورِزْقُ الله في الدنيا فَسِيحُ
فَقُلْ للقاعدين على هَوَانٍ
إذا ضاقَتْ بِكُمْ أَرْضٌ فَسِيحُوا

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:

تَغَرَّبْ عن الأوطان في طَلَبِ العُلَا
وسافِرْ ففي الأَسْفَار خَمْس فَوَائِدِ
تَفَرُّج هَمٍّ واكتسابُ مَعِيشَةٍ
وعِلْمٌ وآدابٌ وصُحْبَةُ مَاجِدِ

ولم يكن لهم دليلٌ في البحر إلا نجمة القطب؛ لأن البُصْلة التي هي بَيْت الإبرة لم تَكُن تُعْرَف عند الأقدمين، وإنما صار اسْتِكْشَافُهَا في الأعصر الجديدة؛ يعني: في آخِرِ القرن السابع من الهجرة اسْتَكْشَفَ صناعتها وخاصِّيَّتَها العرب، فهي من اختراعاتهم المفيدة لعموم الناس، وليست من اختراعات الإفرنج، ولا اطَّلَعَ عليها العرب عِنْد أهل الصين إذ كانت عندهم معلومة من أزمان قديمة، وهي حَقٌّ مشتمل على إبرة مسقية بالمغناطيس، تَتَّجِه دائمًا صوب الشمال، يَهْتَدي بها الملاحون صَوْب مَقْصُودِهِم، كما يهتدون بالنجم الذي أَنْعَمَ الله به على عباده، قال تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ بعد قوله: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ إلى آخره، والاهتداء بالنجم الذي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش عامٌّ في البر والبحر، ولو أنه ذُكِرَ بمَعْرِض البحر، وكما يهتدي المسافر بالنجم في البحر والبر في الأسفار يهتدي به أيضًا في تَحَرِّي القبلة إذا عُمِّيَتْ عليه، وكذلك بيت الإبرة مما تُحَرَّر به القبلة.

فاختراع العرب للبُصْلة من المنافع العمومية المتأخرة التي كان لا يعرفها المتقدمون، ومع ذلك فاهتدوا كغيرهم بالنجم، وَوَصَلُوا إلى الأقطار القاصية كالصوريين الذي نحن بصددهم، وذلك أنه لما ظَهَرَ الإسلام واستولى العرب بالفتوحات على ممالك الدنيا برًّا وبحرًا؛ تأهلوا لقبول التمدن الذي كانت آثاره لم تَزَلْ موجودة في الدنيا عقب انقراض دولة الروم، فتَصَدَّوْا للأسفار البحرية، وأظهروا الحروب وفازوا بظفر الفتوح، وكانوا كالرومانيين في مبدأ أَمْرِهم، فركبوا السفن، وجَنَّدُوا الجنود، وشَنُّوا الغارات، واستداموا في الأزمان والأماكن على تَجَشُّم الأخطار واقتحام البحار؛ للتمتع بالتجارة، واخترعوا بيت الإبرة التي أعانت على الأسفار، فكانت تجارتهم في القرن الثالث في الأقطار المشرقية تنمو وتزيد في البحر المتوسط، وقد لاحت أعلام الخلفاء على بحر الهند، فتَصَدَّى تجار العرب للتجارة في جميع البلاد، فامْتَدَّتْ تجارتهم إلى جبل طارق ومِثْلُهم تجار الفرس، وجسمت معاملتهم التجارية في الهند والصين، وصار لهم مراكز تجارية في تلك الأقاليم، حتى إن من العرب من أقام في جزيرة سيلان وفي المدن الهندية والصينية، وانتشروا في أماكن عديدة، وفي عهد الدولة العباسية تَهَذَّبَتْ العلوم وحَسُن التمدن وأُسِّسَت القصبات الجديدة على نَهْر الدجلة، وانتظم أمر التجارة وصارت المراكب الغربية الخفيفة تَجُول في البلدان وتسير إلى جزائر الهند وبوغاز ملقة، فكانت تجارتهم في كل جهة وكل مكان، وكانت المراكب الكبيرة تتوجه إلى جهة سيراف في بحر العجم، وكَثُرَت السياحات العربية في سائر البلاد البرية، فارْتَفَعَ شأن التجارة عند العرب حتى كانت أَعْظَم شيء يُشْتَغَل به في إصلاح المعاش، وتأسس في أمور التجارة أصول في أيام الخلافة المشرقية والمغربية، وعقدت المعاهدات مع الدول الأجنبية الأوروباوية في شأن الملاحة ببلادهم؛ لحسن استقامة أهل الإسلام في المدن الأجنبية لا سيما مع الممالك التي على البحر، واستمر الأمر على ذلك حتى حَصَلَ حَرْب أهل الصليب فَأَضْعَفَ ذلك، فلما انْتَهَت الحروب الجسيمة بين الإسلام والإفرنج عَادَت التجارة بين الطرفين على حالها، ومن المعلوم أن التجارة في أيام الخلفاء أَعْلَتْ أحوال الصنائع كلها عند العرب، وصار جلب المصنوعات العربية من مصانعها إلى أطراف الدنيا جميعها.

ومن المصنوعات النفيسة التي سَبَقَ بها العرب غَيْرَهم صناعات الساعات؛ كالساعة التي أهداها الرشيد إلى كَرْلُوس الأكبر ملك الإفرنج، فكانت إذ ذاك من نوادر العصر، وأما المصنوعات النفيسة المكملة الصنعة المخترعة للعرب فقد بَقِيَتْ شهرتها إلى الآن؛ كالأقمشة الموصلية والسيوف الدمشقية، وهذا غير اختراع ما لا يُحْصَى من العلوم والفنون، ثم كَبَا بهم جواد الاختراعات، وخَبَا منهم زِناد الابتداعات، وصاروا كما قيل:

رُبَّ قوم رَتَعُوا في نعمة
زمنًا والعيش رَيَّان غَدِقْ
سَكَتَ الدهر زَمَانًا عَنْهُمُ
ثم أَبْكَاهم دَمًا حِينَ نَطَقْ

ومن أمعن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظَهَرَ له أنها لا تَخْلُو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية، حيث بَوَّبُوا للمعاملات الشرعية أبوابًا مستوعبة للأحكام التجارية كالشركة والمضارَبة والقرض والمخابَرة والعارية والصلح وغير ذلك، ولا شك أن قوانين المعاملات الأوروباوية اسْتُنْبِطَتْ منها؛ كالسفتجة التي عليها مبنى معاملات أوروبا، ولَمْ تَزَلْ كُتُب الأحكام الشرعية إلى الآن تُتْلَى وتُطَبَّق على الحوادث والنوازل عِلْمًا لا عَمَلًا كما ينبغي، وإنما مخالطات تُجَّار الغرب ومعاملتهم مع أهل الشرق أَنْعَشَتْ نَوْعًا هِمَمَ هؤلاء المشارقة، وجَدَّدَتْ فيهم وَازِعَ الحركة التجارية، وتَرَتَّبَ على ذلك نَوْعُ انتظام، حيث تُرَتَّب الآن في المدن الإسلامية مجالسُ تجارية مختلطة لفصل الدعاوى والمرافعات بين الأهالي والأجانب بقوانين في الغالب أوروبية، مع أن المعاملات الفقهية لو انْتَظَمَتْ وجرى عليها العمل لما أَخَلَّتْ بالحقوق بتوفيقها على الوقت والحال، مما هو سهل العمل على من وَفَّقَه الله لذلك من ولاة الأمور المستيقظين، ولكل مجتهد نصيب، لا سيما في هذه الأزمان التي تَكَامَلَتْ فيها الأسباب، وتَطَبَّقَتْ على المسببات، فشتان بين هذا العهد وعهد الصوريين الذين زاولوا في التجارة الأخطار وركوب البحار، فاقتحموا المشاقَّ في تلك الأزمان، فاتَّسَعَتْ تجارتهم على وجه عجيب حتى عُمِّرَت بلادهم بالمنافع العمومية، بل خرج منها قبائل عَمَّرَتْ جزيرتي قبرس ورودس وجزيرتي صقلية وسردانيا، ووصلوا أيضًا إلى بلاد الأندلس، بل دخلوا البحر المحيط الغربي، فصارت مدينة قادس مركز تجارتهم، وكانوا يستخرجون من مملكة إسبانيا المكاسب العظيمة والمغانم الجسيمة لكثرة معادنها، فنالوا أغراضهم بمنافع بَحْرَي العرب والعجم حتى انفردوا في تلك الأعصر بفوائد التجارات، وكانوا مختصين بمنافع البحرَيْن المذكورَيْن، يَمْنَعُون مَنْ سواهم من إجراء التجارة فيهما، كما انْفَرَدَ أهل الهند زمنًا طويلًا بالانتفاع بهما، وبجلب منافع الهند النفيسة إلى سواحل بلاد العرب، ولما كَثُرَت عند الصوريين الفضة واستثقلوا حَمْلَها في بعض الأسفار اتخذوا منها هلوبًا لِسُفُنِهم بدلًا عن الرصاص؛ ليكون حَمْلُها في السفن لمنفعتين.

وبالجملة: فبكثرة الأسفار والتجارات انتفعوا بمنافع غَيْرِهم ونفائسهم، وكانوا يبالغون في كتم أسفارهم البحرية وعَدَم تعريف الطرق والمسالك؛ مخافة أن يُزَاحِمَهُم غيرهم في اكتساب هذه المنافع، فكانوا دائمًا يَجْتَهِدُون في أن وَطَنَهم يُخْتَصُّ بالتجارة والملاحة، ويجعلون ذلك من الحقوق الخصوصية والمزايا الاحتكارية التي لا رخصة فيها للأغراب، وليس هذا التحكير كان خاصًّا بدولة الصوريين، بل كان أصلًا لجميع الدول السالفة كلٌّ فيما يَخُصُّه، ويَظُنُّ أن له الحق في أولوية الانتفاع به، وإنما دولة الصوريين كانت في تلك الأزمان ملكة البحار خبيرة بالمسالك والممالك، فكانت مستحوِذة بالفعل على التجارات، وكان غَيْرُها من الأمم إذ ذاك مَعْرِفَتُهُمْ بمسالك البحر قليلة جدًّا، فكانوا يحرصون على أن لا يُدِلُّوا أحدًا عليها.

فقد حكى بعض المؤرخين: أن الصوريين كانوا يسافرون إلى جزائر بَحْر الإنكليز المسماة جزائر القزدير؛ لاستخراج معادن القزدير والرصاص منها، وأن أحد الصوريين ذَهَبَ في سفرة إلى تلك الجزائر القزديرية التي لم تَكُنْ معلومة إلا للصوريين دون غَيْرِهم، فَلَمَحَ أن وراء سَفِينَتِهِ سفينة أخرى رومانية ترود هذه السكة وتَتَعَرَّفُها، فاختار الصوري أن يَقْذِف سَفِينَتَه على رصيف هناك لتغرق ويهلك أهلها وتغرق السفينة الأخرى بجانبها، فَفَعَلَ ذلك حتى لا تَقْفُو السفينة الأجنبية أَثَرَهُ، فأَتْلَفَ سفينة نَفْسِه وغيره، واجتهد في أن يَنْجُو بنفسه فَنَجَا وذَهَبَ إلى أهل صور في نحو قطيرة، فكافئوه على ذلك مكافأة عظيمة، وجَبَرُوا خَسَارَتَهُ، وأَغْدَقُوا عليه بالأنعام، وأَكْرَمُوه غاية الإكرام جزاءً لما صَنَعَهُ لمصلحة الوطن الصوري، فَبَعْدَ أن كان لِسَان حاله يُنْشِدُ بحسرة:

إذا نحن أُبْنَا سَالِمِينَ بِأَنْفُسٍ
كِرَامٍ رَجَتْ أمرًا فَخَابَ رَجَاؤُهَا
فأنفسنا خَيْرُ الغنائم أَنَّهَا
تَئُوب وفيها ماؤها وحياؤها

عاد يُنْشِدُ بِمَسَرَّة:

كم فُرْجةٍ مَطْوِيَّةٍ
لَكَ بَيْنَ أبناء النوائبْ
ومَسَرَّةٍ قد أَقْبَلَتْ
مِنْ حَيْثُ تُنْتَظَرُ الْمَصَائِبْ

فكان أهالي السواحل الشامية لهم في الوطن مَحَبَّة مستولية على الطباع، مستدعية لشدة الحرص على ثروته وشفاء الأطماع.

ومن أخبار حُبِّ الوطن وأنبائه من أهل الشام لا سيما للأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أن يوسف عليه السلام وصَّى بأن يُحْمَل تابوته إلى مقابر آبائه، ومما يُؤْثَر عن الصوريين ما ذَكَرَه المؤرخون: أن الملك نخوس بن أبسميتكوس أمَر جماعة من الصوريين البحريين أن يكشفوا له حدود أفريقيا بأسرها، فساروا من بحر القلزم ثلاث سنين حتى طافوا حول أفريقيا واستكشفوا أطرافها وعادوا في آخر السنة الثالثة من البحر الأبيض الشامي، ودخلوا مصر من مَصَبِّ النيل، وكان ذلك قبل ميلاد عيسى بنحو ثمانية قرون، وهو من أعجب ما وقع من الصوريين حيث استكشفوا سواحل أفريقيا، ولا بد أنهم مَرُّوا برأس عشم الخير خصوصًا في زمان كان سير السفن فيه في وسط تلك البحار يكاد أن يكون مستحيلًا، مع أنه لم يَسْتَكْشِفْه البورتغاليون إلا في آخر القرن التاسع من الهجرة، وسَمَّوْه رأس عشم الخير تفاؤلًا، وإلا فهو رأس التلاقيح، ومع استكشافهم له فلم يَمُرُّوا عليه في سياحاتهم البحرية إلا بعد خمس عشرة سنة.

ولما أَرْسَل البرتغاليون أناسًا من أهاليهم في هذا الإقليم للإقامة به، ولإدخاله في أملاكهم الخارجية؛ أَخَذَهُ منهم الإنكليز واسْتَوْلَوْا عليه، فمن ذلك الوقت صار هذا الإقليم نافعًا للإنكليز في سلوك طريق الهند ذهابًا وإيابًا، وأَهْلُه ما بَيْن سُود وبِيض على التناصف في قَبْضَة الإنكليز، فقد أَسَّسُوا على هذا الرأس مدينة إنكليزية تُسَمَّى مدينة الكاب، وهي أبعد مدينة إفريقية جهة الجنوب، ترسي عليها جميع السفن الذاهبة إلى الهند والحاضرة منه.

ومن سياحة الصوريين في أفريقيا بِأَمْر ملك مصر يُسْتَنْتَج نتيجتان عظيمتان، يُسْتَدَلُّ منهما على تَقَدُّم دولتين عظيمتين، وهما دولة مصر الآمرة بهذه السياحة العظيمة، وهي مشروع جسيم في الإعانة على المنافع العمومية، لا يَخْطر إلا بخاطر دولة متمدنة محبة للتقدم العجيب، ودولة مأمورة ذات ملاحة وسياحة بحرية، ذات سفن عظيمة، تقتحم أخطار البحار، وتبحث عن المنافع العامة في شاسع الأقطار، وكلٌّ يدل على أن هاتين الدولتين كان عندهما في تقديم المنافع إعمال الأفكار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.

ثم إن الصوريين هم أَوَّل من اسْتَكْشَف الصباغة باللون الأحمر الأرجواني، الذي كانت تَتَّخِذُ الأمراء من مصنوعاته الحُلَل والثياب والمضارب والقباب، وكان استخراجهم لهذا اللون المجهول عندهم من الصدفة والاتفاق، وذلك أن بعض رُعَاتهم رأى كلبًا جائعًا كَسَرَ محارة من صدف البحر فَأَكَلَها فَتَلَوَّن حنكه باللون الأحمر الأرجواني، فأعجبهم ذلك اللون البهيج، فاستخرجوا من المحار هذه الصبغة وصبغوا بها الأقمشة حتى أَتْقَنُوا صبغتها، فصار هذا اللون بعد مدةٍ زينةً للملوك في ذلك العهد لا سيما لملوك مصر، وكثيرًا ما تكون الاتفاقيات سببًا في اختراع الصنائع وتكثير المنافع، ومن جملة ما اخترعه الصوريون مما أَوْرَثَهُم الشهرة فَنَّ الكتابة؛ حيث اخترعوا حروف الهجاء المستخرَج منها الحروف الإفرنكية.

وأول مَنْ نَقَلَ حروف الهجاء من الصوريين اليونانُ، ومن كتابة اليونان القديمة اسْتَخْرَج اللاطينيون حروفهم الهجائية، ومنهم استخرج جميع أهالي أوروبا حروفهم، فهذه الحروف القليلة وَصَّلَتْ الأمم إلى معرفة العلوم، فكانت آلات لجميعها، فهي في الحقيقة تُعَدُّ من مآثر الصوريين، وهذا إما إلهام رَبَّانِيٌّ لبعض أنبيائهم على أن الواضع هو الله سبحانه وتعالى، فإن كانت هذه الحروف الصورية من وضع البشر فالأفعال كلها لله، وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، وعلى كل حال فهي آثار نافعة:

تِلْكَ آثارنا تَدُلُّ عَلَيْنَا
فانْظُروا بَعْدَنَا إلى الآثارِ

وقال آخر:

ليس الفتى بفتًى لا يُسْتَضَاء بِهِ
ولا يكون له في الأرض آثَارُ

وهذا القول ينبغي أن يكون بالنسبة لحروف الهجاء التي تَأَسَّسَ عليها خط أمم أوروبا، وإلا فالكتابة قديمة بدليل صُحُف شيث ونَحْوِها، بل هي داخلة في تعليم آدم الأسماء، ومما يَدُلُّ على ذلك الحروف الأبجدية التي لها خواصُّ وأسرارٌ إلهية، فلا شك في قِدَمِهَا وأنها ليست من مَحْض وَضْع البشر، فإن هذا لا يُسَلِّمُه العقل السليم، وعلى كل حال فإن كانت الكتابة المخصوصة من اختراع الصوريين، وأنهم أول مَنْ كَتَبَ بالقلم في بلادهم وبين أممهم، وانتقل منهم إلى اليونان فَلَهُمْ فَضْل لا يُنْكَر، فإن الكتابة في حَدِّ ذاتها من الفضائل الأولية، وفَضْل الكُتَّاب دائمًا متداول على ألسنة ذوي الألباب، قالوا: الكُتَّاب سياسة الملك وعِمَاده، وأركان السلطان وأطواده، بأقلامهم تُبْسَط الأرزاق، وتُبَيَّض الآمال، وبها تُصَان المَعَاقل إذا عَجَزَتْ عن صَوْنِها الرجال، وقالوا: الكاتب مَالِك المُلْك، يَصْرِفُه بِقَلَمِ الإنشاء كيف يشاء، وقالوا: لو أن في الصناعات صنعة مربوبة لكانت الكتابة رَبًّا لكل صناعة، وقالوا: الكُتَّاب قُطْب الأدب، وفَلَك الحكمة، ولسان ناطق بالفضل، وميزان يَدُلُّ على رجاحة العقل، وبالكتابة والكُتَّاب قامت الرياسة والسياسة، وإليهم ألقي تدبير الأعنة والأزمة، وعليهم يعتمدون في حصر الأموال، وانتظام شتات الأحوال، وما مُدِحُوا بأَحْسَنَ مِن قَوْل القائل.

قومٌ إذا أخذوا الأقلام مِن قصبٍ
ثم استمدُّوا بها ماء المنيَّاتِ
نالوا بها مِنْ أَعَادِيهم وإنْ بَعُدُوا
ما لا يُنَالُ بِحَدِّ المشرفيَّاتِ

ومن قول الآخر:

قومٌ إذا خافوا عداوةَ بينهم
سَفَكُوا الدِّمَا بأسنَّة الأقلامِ
ولَضَرْبَة من كاتبٍ بِلِسَانه
أَمْضَى وأَنْفَذ من رقيق حُسامِ

(مفرد في المعنى)

له يَرَاعٌ سعيدٌ في تقلُّبه
إن خطَّ خطًّا أطاعَتْهُ المقاديرُ

وقال ابن المقفع: «الملوك أحوج إلى الكُتَّاب من الكُتَّاب إلى الملوك، ومن فَضْل الكتابة أن صاحب السيف يُزَاحم الكاتب في قَلَمِه، ولا يزاحِمُه الكاتب في سَيْفه.» ورسالة المفاخرة بين السيف والقلم مشهورة، منها لابن الرومي في تَفْضِيل القلم على السيف:

إن يَخْدِم القلمُ السَّيف الذي خَضَعَتْ
له الرِّقابُ ودانت خَوْفَه الأُمَمُ
فالموت، والموتُ لا شيءَ يُعَادِلُه
ما زال يَتْبَع ما يَجْري به القَلَمُ

ومن مُوجَز البلاغات في المكاتَبات، ما كتبه يزيد بن عبد الملك إلى مروان بن محمد، وقد بَلَغَه تَلَكُّؤُه عليه في بيعته: «أما بعد، فإني أراك تُقَدِّم رِجلًا وتؤخِّر أخرى، فما تدري أيهما أحرى، فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيهما شِئْتَ.»

ويَقْرُب منه ما كَتَبَهُ بعض الملوك إلى قرا أرسلان — وقد بغى عليه: «الذي تعلم به قرا أرسلان أنَّا نحن نزلنا بغداد صباحًا فساء صباح المنذرين، فأَمَرْنَا أَهْلَها بالدخول تَحْت طاعتنا والخروج عن معصيتنا فأَبَوْا، فحَقَّ عليها القول فدمَّرْناها تدميرًا، فإن كُنْتَ ممن يَدْخُل تحت طاعتِنا ويخرج عن معصيتنا، فروح وريحان وجنة نعيم، وإن كُنْتَ إلا كالحافر لقتله بظلفه، والجادع لمارن أنفه بِكَفِّه، فسوف نُلْحِقُكَ بالأخسرين أعمالًا، الذين ضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا»، فرجع لوقته.

ومع كثرة معارف الصوريين، واتساع تجارتهم برًّا وبحرًا، فكانوا عَبَدَة أوثان، وأهل بدع وأوهام، فمن بِدَعِهم الفاسدة أنهم كانوا يُقَرِّبون الآدميين قربانًا لآلهتهم، وهذه العادة، وإن كانت بَشِعَة في حد ذاتها، وواقعة في كثير من أقاليم الأرض عند الأمم المتبربرة، إلا أنها أَقْبَح عند الصوريين لتمدنهم.

ويقال: إن مملكة صيدا كانت ملك الفنيكيين، يعني أهل السواحل الشامية، ثم نَشَأَت مدينة صور المذكورة، وصارت عامرة جدًّا، وهي التي كانت مَنْبَعًا للمنافع العمومية، وقد ذَهَبَ منها جماعة إلى بلاد المغرب، فأسَّسوا مدينة قرطاجنة، وعَمَرُوها، وجَعَلُوها مملكة عظيمة، قبل الميلاد بثمانمائة وتسعين سنة.

وسبب مهاجرة الصوريين إلى بلاد المغرب، أنه كان في سواحل الشام على بلاد الصوريين مَلِك ظَلُوم غَشُوم، يُسَمَّى «بغماليون»، كان من الجبارين، وكان له أخت تُسَمَّى «ديدون»، متزوجة بأمير يُقَال له «سيشة»، فقَتَلَه ذلك الملك لقَصْد سَلْب أمواله، فجمعت «ديدون» ما عند زوجها من الأموال، وجميع ما في خزائنه، وفَرَّت إلى أفريقية بالمغرب، وأَسَّسَتْ هناك مدينة قرطاجنة، فعَمَرَتْ هذه المدينة حتى فاقت في الغنى والثروة والبطش والقوة مملكة الصوريين، وصارت فيما بعد مُقَارِنَة لرومية دار سلطنة الرومانيين، وفيما بعد اشتدت العداوة بين المملكتين، كما تَقَدَّم ذِكْره في الفصل الثاني من الباب الثاني من هذا الكتاب.

ثم انتهى أَمْر الصوريين بعد العز والطنطنة، أن صاروا رعايا للعجم واليونان والرومانيين، إلى أن صار فتح العرب بلادهم بالإسلام بفتوح الشام، وقد أسلفنا في أثناء الكلام على الصوريين بعض شيء في حق تَقَدُّم العرب بما ناسب المقام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠