تقابل آراء أبي العلاء

١

ذلكم جانب آخر من صورة أبي العلاء، أو صورة ثانية غير مألوفة لشخصه ولآرائه في أمور إنسانية بعيدة عن المسألة الدينية، وعن خفيات الفلسفة، وله هو فيها سلوك خاص. قيل: إنه التزمه وأخذ نفسه به.

عرضنا هذا الجانب الثاني من آراء الرجل لنستطيع على هديه الإجابة عن السؤال الذي سبق أن وجَّهناه، بعدما رأينا موقف أبي العلاء في مسألة المعرفة، وتنقله بين الآراء المختلفة فيها جميعًا. وهذا السؤال هو: هل لأبي العلاء آراء ثابتة؟ ولعلنا بعد هذا العرض نسمع إجابة أبي العلاء نفسه عن هذا السؤال بقوله:

فقارب وباعِد واحبُ واعلُ ولا تقل
وقولنْ وجاهر بالمراد وكاتمِ
٢: ٢٥٤

فليس لأبي العلاء فيما عرضنا له من الموضوعات رأيٌ ثابت مع أنها أولى ما يثبت له فيه رأي. وليس لأبي العلاء — فيما يثبت الاستقراء المطمئن — رأيٌ ثابت، لا فرق في ذلك بين دين ودنيا، وفنٍّ وحكمة وأدب وعلم، وكل الفرق أنه في الشيء الواحد قد يتعادل إثباته ونفيه في كثرة ما يرد منهما، وقد يكون الإيجاب كثيرًا والنفي قليلًا أو العكس، وليس لهذه القلة في جانب، والكثرة في آخر قيمة في تقدير آراء أديب متفنن؛ لأنه فيما رأينا يُطلق القول مثبتًا، ثم يطلقه نافيًا، فيهدم نفيُه المطلق إثباتَه المطلق، سواء أنفى خمسين مرة وأثبت مرة، أم أثبت مائة مرة ونفى خمسين، فنحن لا نُحصي عدد النافين والمثبتين من أشخاص يقترعون، بل نرصد النفي والإثبات من شخص واحد يظن أنه فيلسوف انتهى به بحثه إلى شيء، وأجرى حياته على وفقه، وهو شأن الفيلسوف — على ما سنعرض له بعد — كما أنَّا لا نُحاسبه على أخطاء ارتكبها لنعاقبه، أو نعفوَ عنه، فتكون القلة أو الكثرة عاملًا في تقدير هذه الأخطاء. وإنما نحصي آراء توافقت وتخالفت، على أنَّك بعد ذلك كلِّه قد قرأت فيما عرضناه من آرائه في المسائل الإنسانية موافقة كثيرة تخالها الأصل، ثم قرأت مخالفة كثيرة تخالها الأصل، فما تدري بأيهما قال، وبأيهما معه تقول؟! وهكذا يستطيع المستقرئ لأقوال أبي العلاء أن ينضدَ منها ثبتًا وجريدة متقابلة، جانب منها للإثبات وجانب للنفي.

•••

ولشدَّ ما يعنيني أن أوجِّه النظر هنا إلى أني إنما عرضتُ ما عرضت من آراء أبي العلاء في أمسِّ الأشياء به؛ لأبيِّن أنَّ التناقض ظاهرة عامة شاملة في آراء أبي العلاء جميعًا، وإنما يعنيني هذا لأن القدماء ثم المحدثين معهم عند النظر إلى تناقضه، والبحث في تعليله، إنما وقفوا عند تناقضه في المسألة الدينية فقط، أو لم يذكروا غيره، فلم يعللوا غيره. ثم لم يتصدوا في التعليل إلا لاعتبارات دينية لا غير!

فقد أثبت تناقضه داعي الدعاة في مناظرته له حول تحريم الحيوان، فقال: إن نظم أبي العلاء في هذا المعنى يناقض نثره، ونثره يناقض نظمه، فكيف الحيلة؟١
وذكر الباخرزي في الدمية (ص٥٠) اضطرابه بين التدين والإلحاد، وساق الذهبي ذلك وزاد عليه أشياء أخرى كلها ديني.٢وذكر الصفدي تناقضه عندما تحدَّث عن المعاد واختلاف أقواله فيه.٣ كما أن من عرض لتناقضه من المحدثين نظر إليه في الأفق الديني، ورجع في تعليله إلى اعتبار ديني لا غير، فلاحظ أنه كثيرًا ما يثبت البعث وكثيرًا ما ينفيه، وكثيرًا ما يثبت الجبر، ولا يكره أن يثبت الاختيار، وكثيرًا ما يهزأ بالدين، ثم لا يكره أن يحثَّ عليه، ويعلل ذلك بأنه كان تناقضًا مقصودًا من غير شك قد ذهب به مذهب اللبس والتعمية قصدًا إلى التقية، وهي مذهب معروف.٤

ولكنا قد رأينا تناقضه في حب الدنيا وكراهيتها، ولو أحبَّها أبدًا وكان من أنشط طلابها — كما كان كذلك حينًا ما — ما أنكر عليه ذلك أحد، ولو كرهها أبدًا ما كفره أحد. وقد تناقض في المرأة فعدَّها شرًّا وضرًّا، وعدَّها نعمة وجنَّة، ولو أخذ بأحد هذين الرأيين أبدًا ما قاتله أحد. وتناقض حتى في اختيار الميتة التي يموتها؛ فقد عدَّ موت الوغى بضربة السيف سعادة، ثم عدَّ أحسن ميتة الرجل ما كان على فراشه تشتد به العلة … إلخ. وليس لمثل هذا الرأي يغضب الناس ويحاكمون أحدًا حتى يلجأ إلى التقية!

لقد تناقض في كلِّ شيء مما للناس فيه اعتقاد وقول يحترمونه، أو ليس لهم فيه رأي يلتزمونه، فكيف تكون التقية تعليلًا لتناقض أبي العلاء فيما لا موضع فيه لتقيَّة أبدًا؟ بل إني لأرى التقية لا تصلح أبدًا علة لاختلاف أقوال أبي العلاء حتى في الأمور الدينية؛ لأن التقية — كما يصفها المعللون بها — إنما هي اختلاف ظاهر وباطن، طاعة ظاهرة وقلب مخالف، وتوافق ظاهر، وإضمار خلاف، وهذا من التقية مفهوم؛ لأنَّه إخفاء ما يكره الناس ويغضبون من أجله، أما حين يقول الرجل قولين متخالفَين ويعلنهما على السواء، ويجهر بهما معًا فإن الناس سيأخذونه بالقول السوء ولا بد، ولن يشفع له عندهم أنه قال قولًا حسنًا، وبخاصة إذا كانت المسألة مسألة العامة والجماهير، أو مسألة المتعصبين من الفقهاء المرتزقين بفقههم، وهل ترى الناسك الزاهد المعتقد المتبرك به حين يظهر منه الكفر الصراح، ويجهر به سيغفر له الناس هذا ويعتذرون له بخيره الأول؟ كلَّا. ولعلنا نذكر أنه في محاكمات الزنادقة قد كانت توجَّه أقوالهم غير الصريحة، وتفسَّر إشاراتهم غير الواضحة تفسيرًا مُتهمًا يؤخذون به ويقضي عليهم، فكيف يكون صنيع أبي العلاء من التقية، وقد ظهر منه القول الصريح الكافر الهازئ؟!

وفي كل حال، فسواء أكانت التقيَّة لا تُعلل مطلقًا تقابل آراء أبي العلاء الدينية أم كانت تصلح لأن تعلل التقابل في الدينيات فحسب، فستظل وراء ذلك تناقضات أخرى وتقابلات كثيرة تحتاج إلى التعليل. وهذا موضع الرأي الذي رُمناه في أبي العلاء.

وإنِّي لأحسب أن أبا العلاء نفسه قد شعر بهذا التناقض حين قال:

جهلٌ مراميَ أن تكون مُوافقي
وشكوكُ نفسي بينهن تعادي
١: ٢٣٧

وكأنَّما أراد الاعتذار لهذا التناقض منه أكثر من مرة؛ كقوله:

تناقضٌ في بني الدنيا كدهرهِمو
يمضي المقيظ وتأتي بعده القررُ
١: ٢٥٤

أو قوله:

وعالم فيه أضداد مقابلة
غنى وفقر ومكروب ومقرور٥
١: ٢٥٩

أو قوله:

والملك لله والدنيا بها غير
خير وشر وإعدام وإيجاد
١: ٢٠٤

أو قوله:

وإن أخا دنياك أعمى يرى السُّها
عليلٌ معافًى ظالم يتظلَّم
٢: ٢٢١

فالرجل يحس تناقض الدهر في فصوله المختلفة، وتضاد العالم، وتقابل الأضداد فيه، واختلاف أحوال بني الدنيا، ويشتد عليه الاشتباه فيشكو تضاد الأشياء في الحس قائلًا:

ولكل ما أصبحتَ تُدرك حسه
ضدٌّ وكبرة من ترى كصغار
١: ٣٤٣

وكأنَّه حينما يؤثر هذا التضاد في العقل أثره يقول:

ويعتري النفس إنكار ومعرفة
وكل معنى له نفي وإيجاب
١: ٦٨

وسواء أكان هذا دليلًا على أن أبا العلاء قد شعر بهذا التقابل في آرائه، فقصد الاعتذار بمثل هذه الأبيات من قوله، أم لم يكن قد أراد الاعتذار عن شيء منه، فإنَّ التقابل في آراء أبي العلاء — دينية وغير دينية على السواء — ظاهرة واضحة لا تعللها التقية ولا القصد إلى الاستخفاء، ظاهرة واضحة تحتاج إلى تعليل مُتسق، ولكنا لا نعرض لهذا التعليل إلا بعد أن ننتهيَ إلى رأي بشأن …

١  معجم الأدباء، لياقوت، الطبعة الأولى، ١: ٢١٢.
٢  ترجمة الذهبي لأبي العلاء ضمن رسائله، طبعة أكسفورد، ص١٣٣، ١٣٤.
٣  نكت الهميان في نكت العميان ١٠٦.
٤  ذكرى أبي العلاء، ص٣٤٦، ٣٤٧.
٥  المقرور: المسرور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠