النسل

ومهما يكن رأي أبي العلاء في الزواج فإنه يرى الأمر الأحزم عدم النسل، فيقول: أظعن عن الدنيا وما أترك فيها عِرسًا تأيَّم ولا ولدًا ييتَّم وذلك الأمر الأحزم، إما يترك الإنسان ولده للشقاء إما ضعيفًا يظلم وإما قويًّا اهتضم وكلا الرجلين لا يسلم (فصول ٢٧١).

وهو يذكر هذا الحزم في شعره إذ يتسمَّح في الزواج لمن خاف المأثم فينصح له بألا ينسل:

نصحتك لا تنكح فإن خفت مأثمًا
فأعرِسْ ولا تنسل فذلك أحزم
٢: ٢٢٠
كلٌّ على مكروهه مبسَلُ
وحازمُ الأقوامِ لا يُنسِلُ
٢: ١٦٤

وليست تلك نصيحته للإنسان فحسب بل إن هُدِيَت الورقاء لا تبني وكرًا لفراخها كالإنس:

إن كنتِ يا ورقاءُ مهديَّةً
فلا تُبني الوكر للأفراخ
١: ١٩٠

والطيور كلُّها لو علمت علمنا وشعرت بما هو كائن لما اتخذت لأفراخها أوكارًا:

هل تعلم الطير الغوادي علمنا؟
أم لا يصحُّ لمثلها أفكار؟
لو أنها شعرت بما هو كائن
لم تتخذ لفراخها الأوكار
١: ٢٧٥

وهو يأمر الطير بألا تفعل:

يا طائر اظعَنْ من الدنيا ولا تَكِر
للفرخ واعتَشِ للأرزاق وابتكرِ
١: ٣١٥

فالإنسان بذلك أولى ولذا أمره بترك النسل:

دع النسل إن النسل عقباه ميتةٌ
ويهجر طيب الراح خوفًا من السكر
١: ٣٠٥

وقد عدَّ أبو العلاء النسل ذنبًا لا إقالة له فيقول:

أرى النسل ذنبًا للفتى لا يقاله
فلا تنكحن الدهر غير عقيم
٢: ٢٥٦

وعدَّه جناية على الأولاد مهما يكن مركزهم في الحياة:

على الولد يجني والد ولو انهم
ولاة على أمصارهم خطباء
وزادك بُعْدًا من بنيك وزادهم
عليك حقودًا أنهم نجباء
يرون أبًا ألقاهمو في مؤرب
من العقد ضلت حلَّه الأرباء
١: ٣١

ومن هنا كانت خير النساء العقيم:

إذا شئت يومًا وصلة بقرينة
فخير نساء العالمين عقيمها
٢: ٢٢٧

والعقم خير للمرأة نفسها لو رشدت:

قد ساءها العقم لا ضمت ولا ولدت
وذاك خير لها لو أعطيت رشدا
ما يأخذ الموت من نفس لمنفرد
شيئًا سواها إذا ما اغتال واحتشدا
١: ٢١٥

وسبب ذلك عنده — على ما كرره — أن النسل فرش لهموم الفتى:

والنسل فرش لهموم الفتى
والعقل مسلوب من الفارش١
٢: ٥٣

والنسل أذًى للأم:

أحاضنةَ الغلام ذممتِ منه
أذاكِ فأرضعي حنشًا وضُمِّي
فلو وُقِّفت لم تسقي جنينًا
ولم تضعي الوليد ولم تهمِّي
لهانَ على أقاربك الأداني
قيامُكِ عن خديجٍ غير تمِّ
٢: ٢٦٥

وهو مع ذلك شقاء للوليد حتى لو أن الابن عق أباه لكافأه على جرمه ضده:

جنَى أبٌ دفع ابنًا للردى غرضًا
إن عقَّ فهو على جُرْمٍ يكافيه
٢: ٣٥٦

ويقول أبو العلاء: إنه لو كان كلبًا لما هان عليه أن يلقى جروه ما يلقى الناس في الحياة:

لو انِّيَ كلبٌ لاعترتني حميَّةٌ
لجرويَ أن يلقى كما لقيَ الإنسُ
٢: ١٣

وما دامت النهاية الموت والنسل عبثًا وتربية الأولاد لريب المنون غلط فاشتغل بما عساه ينفع لا بالنسل:

فدونك شغلًا ليس هذا لعله
يعود بنفع لا كشغلك بالنسل
أبوك جنى شرًّا عليك وإنما
هو الضب إذ يسدي العقوق إلى الحسل
٢: ١٨٤

وتفنن في بيان هذه المعاني فتمنى عقم حواء ولم يهج تفكيره إلا لوم آدم، وما إلى ذلك من بيان شر النسل وخطأ الناسلين.

١  الزرع ذو ثلاث ورقات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠