المقابلة السامية

قمتُ بجولة في العِمارة الجديدة الخالية، هي جديدةٌ بكل معنى الكلمة، فوَّاحة برائحة الطلاء ما زالت، تحتل مربعًا صقعًا، وعما قليل تعلق في أعلى مدخلها لافتة كبيرة تحمل اسم مصلحتنا العتيدة، وكنت وراء الملابسات السعيدة التي أدَّت إلى اختيارها وتأجيرها للمصلحة. كنت كاتبًا منسيًّا بالأرشيف، ولكني اخترت كاتبًا للجنة التي شُكِّلت للبحث عن مقامٍ جديدٍ للمصلحة، يضمُّ أشتاتها المتناثرة في أحياءٍ مُتباعدةٍ بالمدينة الكبيرة، وكنت أعبر الطريق كل صباح أمام موقعها في مسيرتي اليومية إلى المصلحة القديمة، فدعوتُ اللجنة لمشاهدتها، وسرعان ما اتخذت الإجراءات الإدارية ثم توقع العقد مع مالكها.

قمتُ بجولة في العمارة الجديدة الخالية، لم تكن إجراءات النَّقل قد بدأت بعد، وكنت مارًّا كالعادة في الصباح، فأغراني الزَّهو وشعور وهميٌّ بالملكية، بالقيام بجولة بيروقراطية، وكان البوَّاب قد عرفني في الزِّيارات الرسمية السابقة فاستقبلني باحترام جاهلًا — لطيبة قلبه — مدى البؤس الذي أُعانيه كموظفٍ منسيٍّ حقير، ذلك البؤس الذي أكَّده كوني رب أُسرةٍ مُكتظة لا تذوق اللحوم إلا في المواسم.

وفي فناء العمارة صادفت رجلًا لا أدري من أين جاء، غاظني منه بصفة خاصَّة أنه كان يسير بأقدام ثابتة شديدة الرُّسوخ والثقة. ظننتُه جاء يبحث عن شقةٍ يستأجرها، فتوقعت منه تحية متودِّدة، ولكنه تجاهلني بادئ الأمر تمامًا، ومضى يلقي على ما حوله نظراتٍ مُتعاليةً خليقة بأن تُثير حنق موظف — مهما قيل عن تعاسته — فهو مكتشف العمارة، فضلًا عن أنه ممثل السلطة التي ستحتلها بعد أيامٍ قلائل، وتحفزت للتحرُّش به ولكن في حدود المعقول إذ كان ربعةً متين البنيان مهيب الطلعة، وإذا به يُبادرني — بلا تحية — قائلًا: أنت من طرف أصحاب العمارة؟

فقلت باعتزاز: أنا عضو لجنة المصلحة التي استأجرت العمارة.

فقال بهدوء: عظيم، أُريد أن ألقي نظرة عامة على الداخل.

– ولكن مَن حضرتك؟

فقال بتلقائيةٍ وبساطة: أنا مدير المصلحة!

صعقني قوله فتشنجت أطرافي، وسرعان ما انحنيت بطريقةٍ آلية كردِّ فعلٍ سريعٍ للشحنة الكهربائية التي بعثها شخصه في كياني المُتهالك، وقلت بخشوع: لا مؤاخذة يا صاحب السعادة.

فقال بعدم اكتراث: تقدَّمني.

اعتبرت أن السماء فتحت أبوابها في وجهي وأغدقت عليَّ بركة ورحمة باختياري مُرشدًا لسعادته، وتقدَّمتُه في رشاقة، من مكانٍ لمكان، واصفًا الموقع، مُعدِّدًا المزايا، مُستجديًا نظراته الكريمة إلى الحجرات والأبهاء والردهات، مشيرًا بمنتهى الذوق واللباقة إلى المرافق، وتطوَّعت قائلًا: أعتقد يا صاحب السعادة أنَّ الدور الثالث هو أليق الأدوار بمقامكم؛ فهو مرتفعٌ لدرجة لا بأس بها تعتبر مانعًا حاسمًا لضوضاء الطريق، وفي الوقت نفسه لا تُعد مشكلة في الصعود أو النزول في حال تعطُّل المصعد.

وفي فرصة تالية قلت: الرُّكن البحري ذو مزايا جغرافيَّة لا يُستهان بها فالطريق يحدُّه من جهتَين، أمَّا الجهة الثالثة فتقع بها محطة بنزين مُنخفضة، فهو ممرٌّ دائم للهواء وضوء الشمس.

وفي فرصةٍ ثالثة قلتُ مشيرًا إلى أضخم حجرة: هذه حجرتكم، وممكن وَصْلها بالحجرة التالية، بهدم الجدار لتتَّسع للاجتماعات، وشق بابٍ في الجدار القبلي ليُفتح على السكرتارية الخصوصية.

وقرأت أثر ذلك كله في وجهه السمح رضًا وارتياحًا، ورجعنا إلى الفناء بعد جَوْلة سعيدة موفقة، وأنا ثمل بإلهام سماوي من عنف الفرح.

وتفضل سعادته فسألني: وأنت في أي إدارة؟

فقلتُ مُتلقيًا طاقة النجاة ببراعة: كاتب بالأرشيف يا صاحب السعادة، كاتبٌ منسي، ولي شكوى قديمة …

ولكنه قاطعني قائلًا: فيما بعد … فيما بعد.

فاعتذرت عن تسرعي قائلًا: لا مؤاخذة يا صاحب السعادة، سأرفع مظلمتي فيما بعد!

ومضى إلى الخارج وأنا أهرول في أثره فصادفه بَيَّاع جرائد، فأخذ مجلةً وكتابًا بلغ ثمنهما خمسة وعشرين قرشًا، وتبيَّن لي أنَّ المُدير لا يجد نقودًا صغيرة تفي بالثمن وأنَّ البياع لا يملك فكة لورقة كبيرة، حتى هَمَّ المدير بإرجاع المجلة والكتاب، ولكنني بادرت — مدفوعًا بأريحية مُلهمة — بدفع المبلغ المطلوب، وتردَّد المدير قليلًا ثم سَلَّم بالواقع قائلًا: تعالَ من فورك إلى مكتبي لأخذ نقودك.

وذهب يتمتم: شكرًا.

تركني في دَوَّامة من انفعالات السعادة والأشواق إلى المجهول، بحيث كان من أيسر الأمور أن تصدمني سيارة، وأنا غارق في بحر الوجد والأمل، وثبت في يقيني أنَّ صفحةً جديدةً من الإشراق تُفتح في تاريخي المليء بالمَتَاعب والمِحَن؛ فقد تعرفت بالمدير العام، وعَمِلت له مُرشدًا، وأطلعته على سوء حالي، ووعد بالنَّظر في مظلمتي، وفي لحظةٍ مباركةٍ محفوفةٍ بأنفاس الملائكة أصبحت له دائنًا بخمسة وعشرين قرشًا. ومعاذ الله أن أُطالبه بالدين أو أن أذكِّر أحدًا به؛ فهو القربان الذي يهبني عطفه ويفتح لي عند الضرورة بابه. أجل إنه مبلغٌ جسيمٌ يقتضي اتخاذ إجراءات تقشُّف جديدة حتى يتحقَّق نوعٌ من التوازن يكفل لي أدنى مراتب الحياة حتى ينقضي الشهر، ولكن كل شيءٍ يهون إلا أن أقطع بيدي أسباب القربى التي تشدني إلى رحمته.

وتم النقل إلى العمارة الجديدة، وكالعادة استقر بنا المقام — نحن موظفي الأرشيف — في البدروم، ولم أكفَّ عن التفكير في العلاقة الخفية السعيدة التي تربطني بصاحب السعادة، ولم أذهب إلى مكتبه للمُطالبة بالمبلغ كما أمر ولم يرسله إليَّ مع أحد موظفي مكتبه والحمد لله. ومرَّت الأيام تباعًا حتى ساورني خوفٌ أن يكون قد نسيني في غمار شواغله الكثيرة اللامحدودة، وأن تفلت من يدي فرصة العمر. واستخرت الله، وتحوطت عليه ثم قرَّرت أن أطلب مقابلة المدير العام، وقصدت حجرة السكرتير الخاص ولكن الساعي اعترض سبيلي، وأفهمني أنَّ السكرتير مشغولٌ جدًّا، وأبدى استعدادًا لإبلاغه عن حاجتي، فقلت له: أرجو تحديد موعدٍ للتشرف بمقابلة المدير العام.

فخطف الساعي نظرةً جانبية من بدلتي المهلهلة، ولكنه غاب عني دقيقة وراء الباب المُغلق ثم رجع وهو يقول: اكتب حاجتك على عرضحال تمغة، وأرسلها بالطريق الإداري المتبع.

ولم تُجدِ معه أية محاورة فقد وجدته مُغلقًا صامدًا، مثل الباب الذي يجلس أمامه، ورجعت إلى مكتبي فريسة لقهر معذب، ولكن بإرادة مُصممة على الوصول مهما كلف الأمر، ومن توِّي لجأت إلى رئيسنا في الأرشيف وهو كهلٌ يُشاطرنا البؤس والهوان، ولا يتقدمنا إلا في العمر، فطمعت أن أجد عنده تجاوبًا ورحمة. كاشفته برغبتي في مقابلة المدير العام وسألته الرأي والنصيحة فسألني: ولِم تسعى إلى هذه المقابلة العسيرة؟

– أُريد أن أعرض عليه شكواي.

– ألسنا كلنا في البلوى سواء؟

– ولكنه شجعني على ذلك!

– حقًّا؟! … متى وكيف؟

فقصصت عليه الجانب الذي يهمه من لقاء العمارة، فتفكر قليلًا ثم قال: تلك كلمة طائرة عابرة لا يعوَّل عليها.

– لن أضيع على نفسي وأولادي فرصة قل أن تجود بمثلها السماء.

– نصيحتي أن تقلع عن تصميمك.

فهتفت بحماس: إنه أمل حياتي الوحيد.

فجعل يهز رأسه مُفكرًا فلم أرَ مفرًّا من إطلاق الرصاصة الأخيرة، فهمست في أذنه: سأودع لديك سرًّا في ضميرك النقي، لقد اقترض سعادته مني خمسة وعشرين قرشًا!

نظر الكهل في وجهي بذهولٍ مُتجسم فقلت بحرارة: صدقني فأنا أحادثك، وأنا في كامل قواي العقليَّة.

وقصصت عليه قصة النقود التي أدينه بها فسألني بارتياب: هل سبق لك أن رأيت مديرنا العام؟

– كلا.

– من أدراك أنَّ ذلك الرجل هو المدير؟

– لا شك في ذلك ألبتة.

– ولِم لا يكون رجلًا عابثًا استغل طيبة قلبك؟

– مُستحيل … دعني أصفه لك …

ولكنه قاطعني قائلًا: لا جدوى من ذلك؛ فأنا لم أرَه إلا لمحًا منذ سنواتٍ ومن بعيد.

– على أي حالٍ أنا واثق من أنَّه المدير العام.

– حكايتك حكاية …

فقلت متجاوزًا الجدل: خذني على قدِّ عقلي، ودلني على كيفية رفع شكوى للمدير العام.

– عظيم، تكتب الشكوى على عرضحال تمغة، وتُقدِّمها إليَّ بصفتي رئيسك المباشر، فأعتمدها، ثم تُرفع إلى مدير الإدارة ليعتمدها بدوره، ثم ترفع إلى المراقب العام ليعتمدها بدوره، ثم تُرسل إلى مكتب المدير العام، وثمة نصيحة لوجه الله، وهي ألَّا تذكر أمام أحدٍ حكاية الخمسة والعشرين قرشًا!

وكتبت الشكوى بعناية، قدمتها لرئيسي المباشر، وقَّع عليها برجاء العطف، ومضيت بها إلى سكرتير مدير الإدارة، دسَّها تحت تلٍّ من الشكاوى، ثم انصرف إلى عمله، سألته: متى تتفضل بعرضها على مدير الإدارة؟

فأجاب دون أن يرفع بصره عن أوراقه: لا شأن لك بذلك.

– ولكنها شكوى من نوع خاص، أعني أنني ما كتبتها إلا بإيعاز من سعادة المدير العام نفسه!

فرمقني بنظرة غريبة وتساءل ساخرًا: سعادتك قريبه؟

– تلك هي الحقيقة بلا سخرية.

– ستُعرض في حينها أو خذها واذهب.

– لا تزعل، متى أرجع لآخذها؟

– بعد أن يتم عرضها.

– ومتى يتم عرضها إن شاء الله؟

– ستُعرض في حينها.

وانصرف عني بحركةٍ حاسمةٍ طاردة فرجعت إلى مكتبي، وأنا أسبُّ الكادر وشاغليه ما عدا سعادة المدير العام طبعًا، ورجوت رئيسي أن يتشفَّع لي عند سكرتير مدير الإدارة، ولكنه رفض بغرور الشاب وقلة أدبه، ومرَّت الأيام وأنا أنتظر وأتصبَّر.

وذات صباحٍ وزميل لي يُراجع معي ميزان الوارد مال نحوي وسألني هامسًا: هل حقًّا أقرضت المدير العام خمسةً وعشرين قرشًا؟

فانزعجت جدًّا وتولَّاني الذُّعر وسألته عمَّن أخبره بذلك، فقال إنه سمع همسًا يدور حول الموضوع في الأرشيف. يا دافع البلاء ارحمنا، واتَّهمت رئيسي ولكنه أقسم لي بأولاده أنه لم ينبس بكلمةٍ واحدة، فاتهمت زوجتي — ولها صديقات بين زوجات الموظفين — ولكنها أنكرت إما عن صدق أو عن خوف، انسكب سم القلق في نفسي، وتوهمت أنَّ الأنظار تُلاحقني بدهشة وسُخرية، وأنَّ أصحابها عما قليل سيرمونني بالعته أو الجنون؛ ولذلك كان عليَّ أن أُسرع في مسيرتي قبل أن يقع ما ليس في الحسبان. وذهبتُ إلى سكرتير مدير الإدارة، فلم يرد تحيتي ولكنه أشار بامتعاضٍ إلى شكواي فتناولتها شاكرًا، وهُرعت من فوري إلى سكرتير المراقب العام، قدمت الشكوى، أردت أن أشرح له أهمية الموضوع ولكنه بادرني قائلًا: اتركها واذهب.

ولكي أرضيَه تحركت نحو الباب غير أنني سألته: متى أرجع لتسلمها؟

– لا ترجع.

فمن اليأس تجرأت على أن أسأل: والشكوى؟

فرفع عينيه إلى السقف كأنَّما يُشهد الله على قِحَتى، وعند ذاك تطوَّع أكثر من شخصٍ من المحتشدين في الحجرة ينصحونني بالامتثال وتنفيذ الأمر، حتى بهت واجتاحني الخوف، وتطوَّع الساعي لأخذي من ذراعي بلطفٍ يوحي بالعطف، وأفهمني في الردهة بأنَّ مكتب المراقب العام يرسل بريده مباشرة إلى مكتب المدير العام.

– وكيف أعرف أنها أُرسلت؟

– تعال بعد أسبوع أو عشرة أيام، وقابل كاتب الصادر بمكتب المراقب العام، فيعطيك الرَّقم والتاريخ وبهما تستدل على مصير شكواك في مكتب المدير العام.

فقلت مداريًا عجزي: تصور أنني سألقى من الاحترام في مكتب سعادة المدير العام، ما لم ألقَ واحدًا على مائة منه في مكتبكم!

فدعا لي الساعي قائلًا: ربنا يرفع قدرك أكثر وأكثر.

رجعت إلى مكتبي، قلت لنفسي اشتدي أزمة تنفرجي، وقلتُ أيضًا إنَّ عذاب تلك الأيام سيكفل لي دخول الجنة بغير حساب، وقلتُ أيضًا إنه ليس بعد الظلام إلا النور، وإنه إن عاجلًا أو آجلًا فسوف تُدركني رحمةُ مفرج الكروب. أمَّا الأعين السَّاخرة فلم تعتقني، لم ترحمني، ولم تقنع باستراق النظر، فهذا زميل يتساءل: كيف … متى … في أي ظروفٍ غريبة أقرضت المدير العام خمسة وعشرين قرشًا؟!

وهذا آخر يسأل: ألم يرد المدير العام دَينه؟

ومرة لاحقني صوت يقول: هذا هو الشحَّاذ الذي أقرض المدير العام.

فدعوت الله أن يمدني بصبر نبيِّه أيوب، وظل أملي في رحمته قويًّا لا يتزعزع، وتذكرت سُخرية آل نوح منه وكيف كانت العاقبة للمتقين، ولم أذهب إلى كاتب الصادر بمكتب المُراقب العام إلا بعد مرور أسبوعين كاملين، فأعطاني رقم وتاريخ الكتاب الذي أُرسلت معه الشكوى إلى مكتب المدير العام وسألته بأدب: متى يُمكن أن أعرف النتيجة في مكتب المدير العام؟

فأجابَني بامتعاضٍ وحنقٍ لا مُبرر لهما على الإطلاق: عِلم ذلك عند علَّام الغيوب!

على أي حال قد وصلت الشكوى إلى مكتب المدير العام، وسوف يتذكرني من فوره، ولعله يستدعيني إلى مُقابلته، أو يُجبر في الأقل خاطري، وانهارَت عليَّ الأحلام السعيدة، ومنيتُ نفسي بترقية أو علاوة تدعم رزق الأولاد، وكنتُ راجعًا إلى الأرشيف حاملًا البريد، وأنا أتلو آية الكرسي عندما اعترضني موظف ومضى يسألني: هل حقًّا …

وكنت قد ضقت بتحرش الساخرين فقاطعته قبل أن يتم كلامه: اخرس يا قليل الأدب.

فتراجع الرجل ذاهلًا وهو يقول: أنت مجنون بلا شك.

فصحت به: اذهب وإلا خلعت الحذاء ومزقته على رأسك.

وسرعان ما حال بيننا أهل الخير والشر، وبعد يوم استُدْعيتُ إلى إدارة التحقيقات، قال لي المحقق: أنت مُتهم بالاعتداء بالقول على مراجع الحسابات، وبالشروع في ضربه.

فقلت بذل: أنا رجل مسكين، لقد أراد أن يَسخر مني فزجرته، هذا كل ما حصل.

وقال مراجع الحسابات إنه أراد أن يسألني عن ورود مُكاتبته من الخزانة، وشهد على صدق قوله زملاء له وزميلان من الأرشيف. وصح صدقه حتى لي أنا، وأدركت أنني أسأت الفهم والتصرف، ودافعت عن نفسي قائلًا: كثيرون يسخرون مني وقد حسبته واحدًا منهم.

وسألني المحقق: لِمَ يسخرون منك؟

فلذت بالصمت ولكن كثرة من الشهود فضحت حكاية القرض حتى هتفت: ذاك محض افتراء، واقعة لا أساس لها، أُلصقت بي ظلمًا.

وكادت المناقشة بيني وبين الشهود تجاوز حدود الأدب إلى العنف، وغادرتُ إدارة التحقيقات مغلوبًا على أمري تمامًا، وبعد أيام استدعاني رئيسي الكهل وقال لي بحزن: تقرر خصم خمسة أيام من مرتبك.

فصرخت: ذلك ظلم بَيِّن، أنا لا أكاد أجد قوت الأولاد.

– ليتك تمالكت أعصابك.

– أخطأت، ولكن لي عذري، ترى هل تبلغ حكاية القرض مسامع سعادة المدير العام؟

فقال الكهل بثقة: لا يجرؤ أحد في المصلحة على إبلاغها له.

رغم أحزاني جميعًا؛ فإن ثقتي بالله لم تتزعزع، وقلت لنفسي إنه — جل جلاله — سيُخرجني من أحزاني كما أخرج يوسف من سجنه، وبقدر ما حلَّ بي من سوءٍ تماديت في تخيل السَّعادة المُوعودة وآمنت بإقبالها القريب، وانتظرتُ طويلًا ثم ذهبت إلى كاتب الوارد بمكتب صاحب السعادة لأسأله عما تم في شكواي، فقال لي بجفاء مجهول الأسباب: إني أخصص يوم الخميس للاستفسارات.

وكان اليوم الأحد، ولكني كنتُ قد لُقِّنت الحكمة في إدارة التحقيقات فرجعت بلا تعقيب، وشكوت حالي إلى رئيسي فمضى بي إلى وكيل المخازن، وهو صديق رئيسي وقريب لكاتب الوارد، فقَبِل الرَّجل أن يتلفن إلى قريبه مُستفسرًا عن شكواي، ولبث يُصغي إلى كلامه غير المسموع لنا، ثم أعاد السماعة وقال: آسف، لقد حفظ الطلب!

اغتالني الخبر فسقطت آمالي جثة هامدة، وقلتُ وأنا مطمور تحت الأنقاض: هل عرض الطلب على سعادة المدير العام؟

– طبعًا، هو الذي أمر بالحفظ.

– مُستحيل!

فابتسم الرجل بلا تعليق فقلت: كنتُ أتوقع أن يدعوني لمقابلته!

فحدجني الرَّجل بنظرة غريبة دون أن ينبس، وعُدت مع رئيسي وأنا أقول: لا أصدق.

فقال الكهل بنبرة مواسية: ولكنه المصير المحتوم لجميع الشكاوى.

– ولكنه أوعز إليَّ بكتابتها.

– ما زلتُ أعتقد أنك كنت ضحية رجل مهذار.

– كلا … كلا.

– إذن فلعله نسي، وشواغل المدير تُنسي.

– والعمل؟

– سلم لله أمرك.

ولكن الإصرار كان قد ملك عليَّ أمري، وبكل همةٍ رحت أتحرَّى مواعيد المدير وحركاته وسكناته، وقررت ألَّا أذعن للقوة الباغية ولا للأوامر المكتبية العمياء.

•••

وتحركت سيارة المدير لتنتظره أمام العمارة، وقف البواب والسعاة صفين بالإضافة إلى شرطي الحراسة، وكنتُ متواريًا وراء لافتة كبيرة في المدخل سُجِّل عليها دعوة لمزايدة، وترامت من ناحية الفناء ضجة وتراءى موكب المدير قادمًا، وعندما حاذاني في سيره بسملت ثمَّ وثبت نحوه لأجثو بين يديه مُستعطفًا.

وصاح رجل: المجنون … حذارِ يا صاحب السعادة …

ووقع اضطراب شامل وضوضاء عالية.

لم أدرك بوضوح ما حدث، مادت بي الأرض، حوصرت تحت ضغط عشرات من الأيدي القوية.

ماذا أقول بعد ذلك؟ لقد جرى معي تحقيق خطير باعتباري مُجرمًا سياسيًّا، ولما تبين لهم خطأ الرأي وجهوا لي تهمة الشروع في الاعتداء على المدير، انتقامًا لحفظ شكواي.

وقد تعلمت في السجن حرفة النجارة، وفي ميدانها أكدح اليوم لتربية الأولاد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤