الفصل الثاني

أصول الحرب الباردة في أوروبا (١٩٤٥–١٩٥٠)

تحالف هش

كان زواج المصلحة الكلاسيكي الذي جرى إبان الحرب على صورة تحالف بين كبرى القوى الرأسمالية والمناصر الأكبر لثورة الطبقة العاملة مشوبًا منذ البداية بالتوتر وفقدان الثقة والريبة. وبخلاف الهدف المشترك المتمثل في هزيمة ألمانيا النازية، لم يكن هناك ما يعزز هذه الشراكة المولودة بدافع من الضرورة والمثقلة بماضٍ مليء بالصراع. لقد أظهرت الولايات المتحدة عداوة متواصلة للدولة السوفييتية منذ اندلاع الثورة البلشفية التي جاءت بها إلى الوجود. ومن جانبهم، نظر قادة الكرملين إلى الولايات المتحدة بوصفها زعيمة القوى الرأسمالية التي سعت لوأد نظامهم وهو في مهده. تبع هذا ضغوط اقتصادية وعزلة سياسية، إلى جانب شجب متواصل من طرف الناطقين بلسان الحكومة الأمريكية للحكومة السوفييتية وكل ما تمثله. ولم يفلح اعتراف الولايات المتحدة المتأخر بالاتحاد السوفييتي، الذي جاء بعد سبعة عشر عامًا من ظهوره للنور، في تخفيف الضغائن المتراكمة، خاصة أن جهود ستالين لإقامة جبهة مشتركة أمام ألمانيا هتلر البازغة في أواسط وأواخر الثلاثينيات لم تقابَل إلا بالتجاهل من طرف الولايات المتحدة والقوى الغربية. وبسبب خذلان الغرب له مجددًا وتركه وحيدًا في مواجهة الذئاب الألمانية، على الأقل من وجهة نظره، وافق ستالين على إقامة الحلف النازي السوفييتي في عام ١٩٣٩ كسبيل لحماية دولته بالأساس.

ومن جانبها، دخلت الولايات المتحدة حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى وهي لا تحمل سوى الازدراء لذلك النظام العنيد الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، الذي صادر الممتلكات وأنكر ديون ما قبل الحرب وتعهد بدعم ثورات الطبقة العاملة في العالم. لم يخش المخططون الاستراتيجيون الأمريكان القوة العسكرية التقليدية للاتحاد السوفييتي، التي كانت محدودة دون شك، لكنهم خشوا من أن تروق الرسالة الماركسية اللينينية للجماهير المضطهدة في الدول الأخرى — بل في الولايات المتحدة نفسها — ومن التمرد الثوري وما يستتبعه من عدم استقرار. وبناءً عليه عملت واشنطن على احتواء فيروس الشيوعية وعزل أنصاره في موسكو خلال العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. يقول الرئيس هربرت هوفر في مذكراته إن الأمر كان أشبه «بوجود جار فظ خبيث. إننا لم نهاجمه، لكننا لم نعلن قبولنا لشخصيته من خلال دعوتنا له إلى منازلنا». ولم يغير الاعتراف الدبلوماسي الذي تم في عام ١٩٣٣ في عهد إدارة روزفلت، الذي حثت عليه حسابات تجارية وأخرى جيوسياسية، من الصورة إلا قليلًا. وظلت العلاقات السوفييتية الأمريكية فاترة إلى أن خرق هتلر تحالفه مع السوفييت في يونيو عام ١٩٤١. وقبل ذلك، كان الحلف الشيطاني بين ألمانيا وروسيا قد زاد من النفور الأمريكي من نظام ستالين. وحين استغل الديكتاتور السوفييتي الغطاء الألماني على نحو انتهازي واعتدى على بولندا ودول البلطيق وفنلندا في عامي ١٩٣٩ و١٩٤٠، زادت المشاعر المعادية للشيوعية في جنبات المجتمع الأمريكي.

في أعقاب الغزو الألماني للاتحاد السوفييتي تراجع النفور الأيديولوجي أمام متطلبات الواقعية السياسية. وسريعًا ما أدرك روزفلت وكبار الاستراتيجيين المزايا الجغرافية الاستراتيجية العظيمة التي ستعود على الولايات المتحدة بفضل قدرة الاتحاد السوفييتي على مقاومة العدوان الألماني؛ إذ خشوا بالمثل من القوة المتقدمة التي ستحصل عليها ألمانيا حين تتمكن من إخضاع بلد غنيٍّ بالموارد كالاتحاد السوفييتي. ومن ثم، وبداية من صيف عام ١٩٤١، بدأت الولايات المتحدة في شحن الإمدادات العسكرية إلى الاتحاد السوفييتي من أجل دعم الجيش الأحمر. كان جوهر سياسات روزفلت بداية من يونيو ١٩٤١ وصاعدًا، كما عبر عنه المؤرخ فالدو هاينريش بكفاءة، هو «الاقتناع بأن بقاء الاتحاد السوفييتي كان أمرًا ضروريًّا لهزيمة ألمانيا، وأن هزيمة ألمانيا كانت أمرًا ضروريًّا لأمن الولايات المتحدة». وحتى تشرشل، المعارض الأصيل للشيوعية، أدرك على الفور الأهمية الحرجة لبقاء الاتحاد السوفييتي للصراع ضد العدوان الألماني. وقد قال مازحًا: «لو غزا هتلر الجحيم، فسأذكر إبليس بالخير في مجلس العموم.» وهكذا وجد الأمريكان والسوفييت والبريطانيون فجأة أنهم يحاربون عدوًّا مشتركًا، وهي الحقيقة التي أخذت صورتها الرسمية مع إعلان هتلر الحرب على الولايات المتحدة بعد يومين من الهجوم على بيرل هاربر. تدفق ما يزيد عن أحد عشر مليار دولار من المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة إلى الاتحاد السوفييتي خلال الحرب، وهو ما يمثل أكبر تجسيد ملموس لحس المصلحة المشتركة الجديد الذي جمع بين واشنطن وموسكو. في الوقت ذاته، جاهدت الآلة الدعائية الحربية التابعة للحكومة الأمريكية للتخفيف من صورة «العم جو» ستالين والنظام البغيض الذي أبغضته فترة طويلة.

ومع هذا فالأسئلة المتعلقة بكيفية ومكان وتوقيت قتال العدو الألماني المشترك ولَّدت الخلاف على الفور داخل التحالف العظيم. ضغط ستالين على حلفائه الإنجليز والأمريكيين من أجل فتح جبهة رئيسية ضد الألمان بأسرع ما يمكن كي تخفف الضغط العسكري الشديد عن بلاده. لكن بالرغم من وعود روزفلت بالقيام بذلك، اختارت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى عدم فتح جبهة رئيسية ثانية إلا بعد مرور عامين ونصف العام على بيرل هاربر، وفضلوا عوضًا عن ذلك الدخول في عمليات عسكرية هامشية أقل مخاطرة في شمال أفريقيا وإيطاليا في عامي ١٩٤٢ و١٩٤٣. وحين علم ستالين في عام ١٩٤٣ أنه لن تُفتح جبهة ثانية في شمال غرب أوروبا لمدة عام آخر، كتب غاضبًا إلى روزفلت يقول له إن «ثقة الحكومة السوفييتية في حلفائها … معرضة لضغط شديد». ثم طالب بقوة بالانتباه إلى «التضحيات الهائلة التي تقوم بها الجيوش السوفييتية، والتي تبدو تضحيات الجيوش الإنجليزية والأمريكية مقارنة بها تافهة». من غير المستغرب ألا يكترث ستالين البتة بالمشكلات التي يعانيها حلفاؤه من حيث الإمداد والاستعداد. كان لديهم رفاهية الانتظار قبل أن يكتووا بنيران القوة المسلحة الألمانية العاتية، أما الروس فلم يكن لديهم هذه الرفاهية. شك ستالين في أن حلفاءه المزعومين لم يولوا التخفيف عن السوفييت أولوية قصوى، وقد كان محقًّا بالتأكيد لأن الأمريكيين والبريطانيين كانوا يفضلون أن يموت السوفييت في الحرب ضد هتلر إذا كان هذا يعني أن يعيش المزيد من جنودهم. وحتى بداية غزو الحلفاء الذي أُجل طويلًا لساحل نورماندي الذي تحتله ألمانيا في يونيو ١٩٤٤، كانت القوات السوفييتية تقاتل أكثر من ٨٠ بالمائة من القوات المسلحة الألمانية، المعروفة باسم فيرماخت، وحدها.

ملأت المنازعات السياسية أيضًا تحالف زمن الحرب. وكان أكثرها إثارة للقلق تلك المتعلقة بشروط السلام المفروضة على ألمانيا وحالة أوروبا الشرقية على الترتيب. في مؤتمر طهران الذي عقد إبان الحرب، في نوفمبر ١٩٤٣، وفي العام التالي فرض ستالين على روزفلت وتشرشل قناعته بأن ألمانيا ستستعيد قوتها الصناعية والعسكرية بعد انتهاء الحرب بوقت قصير وستمثل مجددًا خطرًا قاتلًا على الاتحاد السوفييتي. وبناءً عليه، طالب الزعيم الروسي بقوة بفرض سلام قاسٍ يجرد ألمانيا من مناطقها وبنيتها التحتية الصناعية على السواء. كان من شأن هذا النهج أن يرضي الحاجة المزدوجة للسوفييت الممثلة في كبح جماح ألمانيا في الوقت نفسه الذي يقتطع فيه منها مساهمات كبيرة موجهة لجهود إعادة الإعمار السوفييتية. أظهر روزفلت عدم استعداده للالتزام الكامل بمقترحات ستالين العقابية، مع أنه أخبر ستالين أنه هو أيضًا يرى فائدة في نزع سلاح ألمانيا على نحو دائم. في الواقع، لم يكن الخبراء الأمريكيون قد حسموا قرارهم، حتى تلك اللحظة، باختيار أحد بديلين متباينين: إما سحق الدولة التي سببت هذا القدر من الخراب، أو معاملتها بكرم، واستخدام فترة الاحتلال المتوقعة في المساعدة على تشكيل ألمانيا جديدة يمكنها أن تلعب دورًا بناءً في أوروبا ما بعد الحرب، مع تسخير مواردها وصناعتها في المهمة العملاقة لإعادة إعمار أوروبا الممزقة بفعل الحرب. وبالرغم من موافقة روزفلت المبدئية على النهج العقابي، فقد ظلت القضية أبعد ما تكون عن الحسم، وهو ما ستوضحه التطورات التالية على نحو مؤلم.

وبالمثل، استعصت قضايا أوروبا الشرقية، التي مست على نحو مباشر المصالح الأمنية الحيوية السوفييتية، على الحل اليسير. نظريًّا وعمليًّا، ارتضى الأمريكيون والبريطانيون وجود منطقة نفوذ سوفييتية في أوروبا الشرقية؛ بمعنى أن يحظى الاتحاد السوفييتي بنفوذ غالب في أوروبا الشرقية. في مثال بسيط على دبلوماسية منطقة النفوذ إبان الحرب، اتفق تشرشل وستالين في نوفمبر ١٩٤٤ مؤقتًا على «اتفاقيات الحصص» سيئة السمعة، التي قصد منها تقسيم السواد الأعظم من البلقان إلى مناطق نفوذ بريطانية وروسية. لم يوقع روزفلت قط على تلك التسوية المؤقتة؛ لأنها كانت تمثل خرقًا فاضحًا لمبادئ حق تقرير المصير الحر الديمقراطي التي شكلت حجر أساس الخطط الأمريكية للنظام السياسي لحقبة ما بعد الحرب. لكن لم يكن بالإمكان تفادي هذا الأمر. وقد جسدت بولندا، التي أشعل الغزو الألماني الروسي لها جذوة الحرب في أوروبا، الطبيعة الصعبة للمشكلة. سعت حكومتان بولنديتان متنافستان للحصول على الاعتراف الدولي خلال سنوات الحرب؛ إحداهما مقرها لندن ويتزعمها القوميون البولنديون المناهضون بشدة للاتحاد السوفييتي، والثانية في مدينة لوبلين البولندية، وكانت مجرد واجهة لا أكثر يتحكم فيها النظام السوفييتي. في مثل هذا الاستقطاب السياسي، لم تكن هناك أرض مشتركة، ومن ثم لم يكن هناك مجال أمام روزفلت للوصول لحل وسط في هذه القضية كما اعتاد أن يفعل في الصراعات السياسية المحلية.
fig2
شكل ٢-١: صورة تجمع تشرشل وروزفلت وستالين خلال قمة يالطا في فبراير ١٩٤٥.1

في مؤتمر يالطا في فبراير ١٩٤٥، حاول روزفلت وتشرشل وستالين حل بعض هذه الخلافات الأساسية في الوقت الذي خططوا فيه لإنهاء الحرب. يبرز المؤتمر ضرورة التعاون أثناء الحرب، وتعكس تفاهماته كلًّا من توازن القوى الحقيقي وعزم زعماء «الدول الثلاث الكبرى» على إبقاء روح التعاون والتفاهم التي تطلبها تحالفهم الاستثنائي. فيما يخص القضية البولندية، وافق الأمريكيون والبريطانيون على الاعتراف بحكومة لوبلين التي يدعمها السوفييت، شريطة أن يوسع ستالين من تمثيلها وأن يسمح بانتخابات حرة. وقد وافق ستالين على التوقيع على «إعلان عن أوروبا المحررة»، وكان ذلك بالأساس لإرضاء روزفلت، الذي سعى لورقة توت يغطي بها هذا التراجع عن أحد أهداف أمريكا المعلنة من وراء الحرب، ولتهدئة ملايين الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية الشرقية (وأغلبهم، وهو المهم، كانوا من المصوتين للحزب الديمقراطي). وقد تعهد الزعماء الثلاثة في تلك الوثيقة المعلنة بدعم العمليات الديمقراطية في تأسيس حكومات جديدة نيابية بكل دولة من الدول الأوروبية المحررة. أيضًا تلقى الزعيم السوفييتي التأكيد الذي سعى إليه بإلزام ألمانيا بدفع تعويضات، بلغت بشكل مبدئي ٢٠ مليار دولار، منها ١٠ مليارات دولار مخصصة للاتحاد السوفييتي. بيد أن الاتفاق النهائي على تلك القضية تأجل إلى وقت لاحق. مثل التزام السوفييت بإعلان الحرب على اليابان في غضون ثلاثة أشهر من انتهاء الحرب الأوروبية، الذي جرى التفاوض عليه في يالطا أيضًا، انتصارًا دبلوماسيًّا كبيرًا للولايات المتحدة، شأنه شأن الموافقة السوفييتية الرسمية على الانضمام للأمم المتحدة.

من التعاون إلى الصراع: ١٩٤٥–١٩٤٧

في غضون أسابيع من اختتام جلسات المؤتمر، اهتزت روح مؤتمر يالطا لدى الأمريكيين والإنجليز بسبب عدم رضاهم عن الأفعال السوفييتية في أوروبا الشرقية. فأمور مثل قمع السوفييت الفظ الوحشي للبولنديين غير الشيوعيين، والأفعال الغاشمة في بلغاريا ورومانيا والمجر، وجميعها تحررت حديثًا على يد الجيش الأحمر، مثلت في نظر تشرشل وروزفلت خرقًا لاتفاقيات يالطا. حث تشرشل روزفلت على أن يجعل من بولندا «سابقة مرجعية بيننا وبين الروس». إلا أن الزعيم الأمريكي بالرغم من انزعاجه المماثل من سلوك ستالين رفض هذا؛ إذ ظل مقتنعًا حتى أيامه الأخيرة بأنه من الممكن الحفاظ على علاقات متبادلة معقولة مع الروس. وحين توفي روزفلت في الثاني عشر من أبريل جراء الإصابة بنزيف في المخ، وقع عبء تلك المسئولية الثقيلة على عاتق هاري إس ترومان عديم الخبرة. لا يزال الباحثون يختلفون بشأن مقدار الاختلاف الحقيقي الذي أحدثه تغير القيادة الأمريكية في ذلك المنعطف الخطير من مسار العلاقات الأمريكية السوفييتية. بالتأكيد بدا ترومان أكثر استعدادًا من سابقه للقبول بتوصيات مستشاريه من الصقور الذين نصحوه بأن التزام الشدة مع الروس من شأنه أن يساعد الأمريكيين على تحقيق ما يريدونه. وفي تعليق يكشف الكثير ويكثر اقتباسه عن ترومان، قال الرئيس الأمريكي في العشرين من أبريل إنه لا يرى سببًا يمنع الولايات المتحدة من الحصول على ٨٥ بالمائة مما تريده في القضايا المهمة. بعدها بثلاثة أيام دعا على نحو فظ وزير الخارجية الروسي في إم مولوتوف للتأكد من أن بلاده ستفي باتفاقاتها فيما يخص بولندا. صار تشرشل أيضًا أكثر انزعاجًا مما وصفه بالقسوة والاستئساد السوفييتيين، وهو ما مهد الطريق لاجتماع حاسم للثلاثة الكبار في ألمانيا التي مزقتها الحرب.

في يوليو ١٩٤٥، بعد شهرين من استسلام ألمانيا، بذل زعماء الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي خطوة أخرى لتسوية الخلافات بينهم — وكانت لها نتائج متباينة — وذلك خلال آخر المؤتمرات الكبرى المنعقدة خلال الحرب. تناول الاجتماع، المنعقد في ضاحية بوتسدام الألمانية التي سواها القصف بالأرض، نطاقًا عريضًا من القضايا، منها التعديلات الحدودية في شرق آسيا والتوقيت المحدد لدخول السوفييت حرب المحيط الهادي. لكن القضايا الشائكة، تلك التي هيمنت على المؤتمر الذي امتد أسبوعين، كانت تدور حول تسويات ما بعد الحرب في أوروبا الشرقية وألمانيا. اغتنم ستالين واحدًا من أهم أهدافه الدبلوماسية في بداية جلسات المؤتمر؛ الاعتراف الأمريكي الإنجليزي بالنظام القائم حديثًا في وارسو. شعر حلفاؤه الكبار بأنه لا مناص أمامهم من القبول بالأمر الواقع في بولندا التي يسيطر عليها السوفييت، بالرغم من التوسع الفظ في الحدود الغربية لبولندا ليضم أراضي ألمانية سابقة. لكنهم رفضوا الاعتراف بنظم مماثلة تابعة للاتحاد السوفييتي في بلغاريا ورومانيا. إلا أن المؤتمر أسس «مجلس وزراء الخارجية»، الهادف إلى معالجة تلك القضايا الإقليمية وغيرها من القضايا التي ستتمخض عنها الحرب في اجتماعات مستقبلية ولوضع مسودات لمعاهدات السلام لقوات المحور المهزومة.

أحدثت ألمانيا — أو «القضية الكبرى» كما سماها تشرشل على نحو ملائم — جدلًا شديدًا قبل أن ينقذ الحل الوسط الذي رعته الولايات المتحدة فعاليات المؤتمر من الوصول إلى طريق مسدود، على الرغم مما أدى إليه هذا الحل من انقسام اقتصادي للبلاد. ظهرت مشكلة التعويضات مجددًا كعقبة أساسية. قوبل طلب ستالين بالعشرة مليارات دولار من التعويضات الألمانية، التي ظن أنه اتُّفِقَ عليها في يالطا، برفض راسخ من جانب ترومان ومستشاريه. ولأن الأمريكيين باتوا مقتنعين الآن بأن التعافي الاقتصادي والرخاء المستقبلي لأوروبا الغربية — وللولايات المتحدة نفسها — يستلزم أن تكون ألمانيا قوية من الناحية الاقتصادية، فقد عارضوا أي خطط من شأنها إعاقة تحقيق ذلك الهدف. قدم وزير الخارجية الأمريكي جيمس إف بيرنز مقترحًا للتسوية قبله الاتحاد السوفييتي في نهاية المطاف على مضض. نص العرض على أن تستخلص القوى الأربع العظمى — الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا والاتحاد السوفييتي — التعويضات بالأساس من مناطق الاحتلال الواقعة تحت سيطرتها، كما وُعد السوفييت — بالإضافة لذلك — بالحصول على بعض المعدات الرأسمالية من المناطق الغربية. إلا أن تلك المناطق، التي تحتوي على أعلى القطاعات الصناعية بالبلاد وأغناها بالموارد ستكون معزولة فعليًّا عن النفوذ السوفييتي. وبسبب عدم قدرة شركاء التحالف العظيم على الاتفاق على نهج موحد لحل القضية الألمانية — أكثر القضايا الدبلوماسية إثارة للخلاف أثناء الحرب والقضية التي قُدر لها أن تظل محور الحرب الباردة — فقد اختاروا التقسيم مع محاولة التظاهر بالوحدة. كانت تبعات هذا الأمر واسعة المدى؛ إذ مثل الخطوة المبدئية على سبيل دمج القطاعات الغربية من ألمانيا، وتلك الواقعة تحت الاحتلال السوفييتي، في نظامين سياسيين اقتصاديين منفصلين، وأذن بانقسام القارة الأوروبية إلى معسكرين: شرقي، وغربي.
fig3
شكل ٢-٢: تشرشل وترومان وستالين أمام مقر إقامة تشرشل خلال مؤتمر بوتسدام في يوليو ١٩٤٥.2

ومع ذلك فقد عبر ترومان عن رضاه بالقرارات الواعدة التي جرى التوصل إليها في بوتسدام. وقد علق وقتها قائلًا: «إن ستالين يروق لي، فهو رجل صريح، يعرف ما يريد ومستعد للتوصل إلى حل وسط حين يتعذر عليه الحصول على ما يريد.» كانت ثقة الزعيم الأمريكي في قدرته على تحقيق أكثر ما يرغب فيه في المفاوضات المستقبلية مع نظيره السوفييتي ترتكز تحديدًا على ما اعتبره الرئيس وكبار مستشاريه الورقتين الرابحتين في يد الولايات المتحدة: قوتها الاقتصادية وامتلاكها الحصري للقنبلة الذرية. وقد تعززت ثقة ترومان بذاته على نحو كبير حين تلقى، وهو وسط محادثات بوتسدام، أخبار نجاح تجربة القنبلة الذرية التي أجريت في نيو مكسيكو. كان من شأن «الورقة الرابحة» الأمريكية — كما كان وزير الحربية هنري ستيمسون يفضل تسميتها — أن تحسن فرص التسويات السلمية بما يتفق والمصالح الأمريكية؛ أو هكذا آمن ترومان والمقربون منه. وأجبرتْ القنبلتان الذريتان اللتان ألقيتا على هيروشيما في السادس من أغسطس وناجازاكي في التاسع من الشهر عينه، واللتان تسببتا في مقتل ١١٥ ألف شخص وخلفتا آلاف المحتضرين بفعل الإشعاع؛ اليابانَ على الاستسلام. حقق الاستخدام شبه المتزامن للقنبلتين العديد من الأهداف الأمريكية العسكرية والدبلوماسية: أنهى الحرب على نحو سريع، وأنقذ حياة آلاف الأمريكيين، وأنهى الحاجة إلى نشر القوات السوفييتية في مناطق الحرب بالمحيط الهادي (باستثناء تحرك القوات السوفييتية في منشوريا)، وأغلق الباب أمام أي مطالبات سوفييتية بالقيام بدور في احتلال اليابان فيما بعد الحرب.

لكن بالرغم من أوراق إدارة ترومان الرابحة، شهدت العلاقات السوفييتية الأمريكية تدهورًا متزايدًا في الأشهر التي أعقبت استسلام اليابان. فبالإضافة إلى ألمانيا وأوروبا الشرقية، كان للحليفين السابقين رؤى متباينة حول كيفية تحقيق السيطرة الدولية على الأسلحة الذرية، وحول المصالح المتصارعة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وحول قضية المساعدات الأمريكية الاقتصادية، وحول الدور السوفييتي في منشوريا. وبالرغم من التوصل إلى بعض الحلول الوسط في اللقاءات العديدة لمجلس وزراء الخارجية، فإن عام ١٩٤٦ أذن بنهاية التحالف العظيم وبداية الحرب الباردة بأوضح صورها.

خلال ذلك العام، بدأت إدارة ترومان وحلفاؤه الأوروبيون الأساسيون في النظر إلى روسيا ستالين بوصفها دولة انتهازية مستأسدة ذات شهية نهمة للمزيد من الأراضي والموارد والامتيازات. عبر جورج إف كينان، كبير دبلوماسيي الولايات المتحدة في موسكو، عن هذا الرأي وشدد عليه في «برقيته المطولة» الشهيرة التي بعث بها في ٢٢ فبراير ١٩٤٦. وقد أكد كينان على أن عداوة السوفييت للعالم الرأسمالي عداوة راسخة مثلما هي حتمية، وهي نتاج الاتحاد المؤسف لانعدام الأمان الروسي التقليدي والعقيدة الماركسية اللينينية. وقد زعم أن زعماء الكرملين فرضوا نظامًا شموليًّا قمعيًّا على الشعب السوفييتي، وأنهم يستخدمون الآن التهديد المزعوم من طرف الأعداء الخارجيين لتبرير الاستمرار في طغيانهم الداخلي وتمسكهم بالسلطة. كانت نصيحة كينان محددة: تجنبوا المهادنة، التي لن تفلح على أي حال، وركزوا بدلًا من ذلك على كبح انتشار القوة والنفوذ السوفييتيين. وقد أصر على أن الكرملين لن يرضخ إلا للقوة الأكثر تفوقًا. وفي الخامس من مارس جاهر ونستون تشرشل، الذي لم يعد في السلطة وقتها، برأيه منضمًّا إلى الجموع المتزايدة المناهضة للسوفييت. ففي فولتون، ميزوري، وأثناء مشاركته المنصة مع هاري ترومان، الذي كان من الواضح أنه يوافقه الرأي، ندد زعيم بريطانيا خلال الحرب بالسوفييت قائلًا: «من ستيتين على بحر البلطيق إلى تريستي في البحر الأدرياتيكي، انسدل ستارٌ حديدي عبر القارة.» وحذر تشرشل من أن الحضارة المسيحية نفسها معرضة للخطر بسبب المد الشيوعي.

لم يكن السلوك السوفييتي وحده هو المبرر لهذا الذعر من جانب العواصم الغربية، وبالتأكيد لم يكن السبب هو سيناريو يوم القيامة الذي جرى تصوره في بعض الدوائر الأمريكية. لا ريب أن نظام ستالين كان يسعى لتحقيق مصالحه بكل قوة. وقد فرض حكومات تابعة له في بولندا ورومانيا وبلغاريا، ونسج لنفسه دائرة من النفوذ في المناطق المحتلة من ألمانيا الشرقية، ورفض في البداية إخراج قواته من إيران، وهو ما سبب أول أزمة كبرى شهدتها الحرب الباردة في مارس ١٩٤٦، وضغط على تركيا بقوة كي تقدم له تنازلات، بل نشر قواته على الحدود البلغارية في محاولة للترهيب، ونهب منشوريا، وغير ذلك الكثير. ومع ذلك فقد سمح السوفييت أيضًا بإقامة انتخابات حرة في المجر وتشيكوسلوفاكيا، وتعاون في تكوين حكومات نيابية في فنلندا والنمسا، واستمر في الانخراط في مفاوضات نشطة مع القوى الغربية من خلال مجلس وزراء الخارجية، بل عمل على كبح الأحزاب الشيوعية القوية في إيطاليا وفرنسا وأماكن أخرى في أوروبا الغربية. باختصار، يسمح السلوك السوفييتي بتفسيرات أكثر دقة وتوازنًا من تلك التي طرحها كينان وتشرشل.

في الواقع، لم يكن أقصى ما يخشاه المحللون الأمريكيون والبريطانيون هو السلوك السوفييتي السابق ذكره، ولا النوايا العدائية التي قد تكمن خلف هذا السلوك. كما أنهم لم يفرطوا في الخوف من القدرات العسكرية السوفييتية، على الأقل على المدى القريب. رأى كبار الخبراء العسكريين الأمريكيين والبريطانيين أن الاتحاد السوفييتي كان أضعف من أن يغامر بخوض حرب ضد الولايات المتحدة، وقد اعتبروا أن هجمات الجيش الأحمر ضد أوروبا الغربية، تحديدًا، مستبعدة بدرجة كبيرة. بيد أن ما أثار خوف كبار صناع القرار الأمريكيين والبريطانيين كان إمكانية استفادة الاتحاد السوفييتي من الضغوط الاقتصادية الاجتماعية، وما يصاحبها من حراك سياسي، التي استمرت في الهيمنة على عالم ما بعد الحرب. مهدت هذه الظروف السبيل لبزوغ نجم اليسار حول العالم، وهي الظاهرة التي انعكست على نحو مثير للضيق في الشعبية المتزايدة للأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، بل تجسدت أيضًا في الظهور القوي للحركات القومية الثورية المناهضة للاستعمار في شتى أنحاء العالم الثالث. كانت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي سببتها الحرب تجعل الشيوعية تبدو بديلًا جذابًا في نظر الكثير من شعوب العالم. خشي وزراء خارجية ودفاع الدول الغربية من تحالف الأحزاب الشيوعية المحلية والحركات الثورية الوطنية مع الاتحاد السوفييتي وإذعانها له، خاصة وأن الدور المحوري الذي لعبه في مكافحة الفاشية منحه شرعية ونفوذًا بالغين. ومن ثم، سيكون بوسع الكرملين أن يزيد قوته ويوسع مداه دون الحاجة إلى المخاطرة بعمل عسكري مباشر. رأى المخططون الاستراتيجيون الأمريكيون أن شبح عامي ١٩٤٠-١٩٤١ يلوح من جديد. فها هي قوة معادية، مسلحة هي الأخرى بأيديولوجية مختلفة تفرض التهديد، في سبيلها للسيطرة على أوراسيا، ومن ثم تقلب موازين القوى في غير مصلحة الولايات المتحدة، وتمنعها من الوصول إلى الأسواق والموارد المهمة، وتعرض الحرية السياسية والاقتصادية داخل البلاد لخطر داهم.

ترسيم الحدود

لمواجهة هذه التهديدات الخطيرة، وإن كانت موزعة، سعت الولايات المتحدة بسرعة بالغة خلال النصف الأول من عام ١٩٤٧ لتنفيذ استراتيجية تهدف إلى احتواء الاتحاد السوفييتي بالإضافة إلى تقليل القبول الذي تتمتع به الشيوعية في الوقت ذاته. وقد عجلت مبادرة بريطانية، حتمها أفول قوة لندن وعمق أوجاعها المالية، بحدوث الخطوة الأولى الحاسمة في الحملة الدبلوماسية الأمريكية. ففي الحادي والعشرين من فبراير، أعلمت بريطانيا وزارة الخارجية الأمريكية أنها لن تملك القدرة على توفير المساعدات الاقتصادية والعسكرية المقدمة لليونان وتركيا. قرر المسئولون الأمريكان سريعًا أن على الولايات المتحدة أن تضطلع بدور بريطانيا بحيث تصد الانتشار المحتمل للنفوذ السوفييتي في شرق المتوسط، ومن ورائه الشرق الأوسط الغني بالنفط. وللحصول على دعم الكونجرس الحساس لأي نفقات والجماهير العازفة عن القبول بأي التزامات دولية جديدة، ألقى ترومان في الثاني عشر من مارس، خطابًا قويًّا أمام الكونجرس يطالب فيه بمبلغ ٤٠٠ مليون دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدعم الحكومتين المأزومتين في اليونان وتركيا.

على أحد المستويات، كانت الولايات المتحدة تعمل ببساطة على ملء فراغ القوى الناتج عن تقلص قوة بريطانيا. كانت الحكومة اليونانية اليمينية تخوض حربًا أهلية ضد جماعات الشيوعيين الوطنية التي تدعمها يوغوسلافيا الشيوعية. من جانبها، كانت تركيا تواجه ضغوطًا روسية متواصلة من أجل تقديم تنازلات في منطقة الدردنيل. ومن ثم، استفادت روسيا وحلفاؤها من الانسحاب البريطاني، وهو تطور مقلق سعت المبادرة الأمريكية للحيلولة دونه. إلا أن أهم جوانب عقيدة ترومان لم يكن متعلقًا بسياسة القوة نفسها بقدر ما كان متعلقًا بالطريقة التي اختار بها الرئيس الأمريكي أن يعرض طلب المساعدة. فبالاستعانة بالمبالغات اللغوية والصور البلاغية المتعارضة والتبسيط المتعمد لتعزيز قبول الجماهير له، حاول ترومان تحقيق إجماع بين الجماهير وبين أعضاء الكونجرس ليس فقط على هذا الالتزام المحدد، بل على سياسة خارجية أمريكية أكثر نشاطًا؛ سياسة من شأنها أن تكون مناهضة للاتحاد السوفييتي مثلما هي مناهضة للشيوعية. وبهذا تحولت عقيدة ترومان إلى إعلان عن حرب باردة أيديولوجية إلى جانب الإعلان عن حرب باردة جيوسياسية. ومع هذا فقد تزايد الغموض، واستمر في التزايد خلال حقبة الحرب الباردة بأسرها. ماذا كانت، تحديدًا، طبيعة التهديد الذي برر مثل هذا الالتزام الشامل؟ أكان النمو المحتمل للقوة السوفييتية؟ أم كان انتشار مجموعة من الأفكار المناقضة للقيم الأمريكية؟ لقد اندمج الخطران، المتمايزان على نحو كبير، بطريقة غير ملحوظة في التفكير الأمريكي.

عقيدة ترومان

خاطب ترومان الكونجرس وهو يطلب حزمة مساعدات لليونان وتركيا قائلًا: «في اللحظة الحالية من تاريخ العالم، على كل دولة تقريبًا أن تختار بين سبل الحياة المتباينة.» وبعد أن استعرض مواقف غدر الاتحاد السوفييتي، بالرغم من عدم تسميته على نحو مباشر، اختتم ترومان بتحذيره الشهير الذي قال فيه: «من الحتمي أن تكون سياسة الولايات المتحدة داعمة للشعوب الحرة التي تقاوم محاولات الاستعباد التي تمارسها الأقليات المسلحة أو الضغوط الخارجية.» وسريعًا ما سمي هذا الالتزام المفتوح على نحو مبهر باسم «عقيدة ترومان».

بعد ثلاثة أشهر من خطاب ترومان الملحمي، أعلنت الولايات المتحدة جهارًا عن المرحلة الثانية الكبرى من حملتها الدبلوماسية. فقد وعد وزير الخارجية الأمريكي، جورج سي مارشال، خلال خطاب ألقاه بحفل تخرج بجامعة هارفارد بمنح مساعدات أمريكية لجميع الدول الأوروبية الراغبة في تنسيق جهود التعافي الخاصة بها. استهدف ذلك المشروع، الذي سرعان ما حمل اسم «مشروع مارشال»، محاربة الجوع والفقر وانخفاض المعنويات، وهي العوامل التي تدعم بزوغ اليسار في أوروبا ما بعد الحرب، وقد عزز هذه المجموعة من الظروف توقف جهود التعافي وزاد من حدتها مرور القارة بأقسى فصل شتاء على مدار الثمانين عامًا الماضية. استجاب وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفن والفرنسي جورج بيدو على الفور وبكل حماس لمشروع مارشال. وقد نظما اجتماعًا للدول الأوروبية المهتمة بالأمر سريعًا ما خرج بمجموعة من المبادئ التنظيمية الحاكمة لبرنامج المساعدات الأمريكية المقترح. استشعرت الحكومتان البريطانية والفرنسية، وغيرهما من الحكومات الأوروبية، وجود فرصة ذهبية للمساعدة في التخفيف من المشكلات الاقتصادية القاصمة، ومجابهة الأحزاب الشيوعية المحلية، والتصدي للمد السوفييتي. أي إنهم، باختصار، تشاركوا العديد من مخاوف إدارة ترومان بشأن الخطر الكامن في بيئة ما بعد الحرب، حتى وإن بدا الأوروبيون أقل تركيزًا على الجانب الأيديولوجي من نظرائهم الأمريكيين في إدراكهم للتهديد. رحب زعماء أوروبا الغربية، بل نادوا، بالسياسة الأنشط والحضور الأقوى لأمريكا في أوروبا ما بعد الحرب؛ لأن هذا توافق مع احتياجات بلادهم الاقتصادية والسياسية والأمنية. وفي نهاية المطاف قدم مشروع مارشال ١٣ مليار دولار كمساعدات لأوروبا الغربية، وهو ما ساعد على البدء في التعافي الاقتصادي هناك، وتشجيع التكامل الاقتصادي الأوروبي، واستعادة سوق مهمة للسلع الأمريكية. إلا أن ستالين، المتخوف من أن يُستخدم برنامج التعافي الأوروبي في إرخاء قبضة روسيا على الدول التابعة لها، منع دول أوروبا الشرقية من المشاركة بالبرنامج. وقد خرج وزير الخارجية الروسي، مولوتوف، من مؤتمر باريس التنظيمي وقد حذر بصرامة من أن مشروع مارشال «من شأنه أن يقسم أوروبا إلى مجموعتين من الدول».

تجسد جزء آخر من الحملة الدبلوماسية لإدارة ترومان في صورة تحول حاسم في سياستها تجاه ألمانيا. فقد ارتأى صناع السياسات الأمريكان أن مشاركة المناطق الغربية المحتلة من ألمانيا في مشروع مارشال سيكون أمرًا ضروريًّا لنجاح المشروع؛ لأن الصناعة والموارد الألمانية شكلت قوة دافعة لا غنى عنها للنمو الاقتصادي الأوروبي. وحتى قبل الكشف عن مشروع مارشال كانت الولايات المتحدة قد تحركت صوب تعزيز إنتاج الفحم داخل المناطق الموحدة الواقعة تحت الاحتلال الأمريكي والبريطاني. كان المخططون بواشنطن مقتنعين بأن السلام والرخاء العالمي، إضافة إلى الأمن والسلامة الاقتصادية للولايات المتحدة، تعتمد كلها على التعافي الاقتصادي الأوروبي، وأن تلك الأهداف الأساسية للسياسة الأمريكية تتطلب، بالتبعية، أن تكون ألمانيا قوية ومنتعشة اقتصاديًّا. تعارضت هذه الأهداف مع أي تسوية دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي حول القضية الألمانية ذات الأهمية البالغة. وَأَدَ إصرار وزير الخارجية الأمريكي مارشال على مشاركة ألمانيا في برنامج التعافي الأوروبي أي احتمالات باقية لاتفاق القوى الأربع العظمى حول ألمانيا، وأدى على نحو مباشر إلى فشل حاد لاجتماعات مجلس وزراء الخارجية في نوفمبر ١٩٤٧. وقد أقر أحد الدبلوماسيين الأمريكيين رفيعي المستوى بهذا سرًّا بقوله: «إننا حقًّا لا نريد، أو ننوي القبول، بتوحيد ألمانيا وفق أي شروط قد يوافق عليها الروس.» وبالفعل، أخذت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في بدايات عام ١٩٤٨، الخطوات الأولى على سبيل إيجاد دولة ألمانية غربية مستقلة، مفضلين بذلك تقسيم ذلك البلد عن المخاطرة بإيجاد ألمانيا موحدة قد تتحالف مع الوقت مع الاتحاد السوفييتي أو، وهو الأمر المساوي في السوء، تتبنى موقفًا محايدًا. وقد أصاب السفير البريطاني لورد إنفرشابل حين قال إن الأمريكيين كانوا يؤمنون بأن «تقسيم ألمانيا واستيعاب القسمين داخل المعسكرين الشرقي والغربي المتنافسين هو السبيل المفضل لخلق منطقة عازلة عند حدود الدولة السوفييتية المتوسعة».

وفي ضوء مخاوف ستالين المعلنة من إعادة إحياء القوة الألمانية، كان من شأن هذه المبادرات الغربية أن تضمن رد فعل قويًّا من طرف الاتحاد السوفييتي. وقد توقع المسئولون الأمريكيون هذا الأمر بالتأكيد، وبالفعل لم يخب ظنهم. ففي سبتمبر ١٩٤٧، وفي أحد المؤتمرات ببولندا، أسس السوفييت مكتب الإعلام الشيوعي (المعروف اختصارًا بالكومينفورم) كوسيلة لإحكام سيطرتهم على الدول التابعة في أوروبا الشرقية وعلى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية. وقد شجب أندري زادنوف، كبير المندوبين الروس، مشروع مارشال بوصفه جزءًا من استراتيجية مشتركة لعقد تحالف غربي من شأنه أن يكون «نقطة انطلاق لمهاجمة الاتحاد السوفييتي»، ثم أردف أن العالم أصبح الآن منقسمًا إلى «معسكرين».

تبع ذلك انقلاب على السلطة في تشيكوسلوفاكيا بمباركة سوفييتية، وذلك في فبراير ١٩٤٨. وأدى الانقلاب إلى طرد جميع الوزراء غير الشيوعيين من الحكومة، ووفاة وزير الخارجية جان مازاريك، الذي يحظى بالاحترام، في ظروف مشكوك فيها للغاية. وإلى جانب القمع الشديد للمعارضة غير الشيوعية في المجر، أذن الانقلاب التشيكي بتبني الاتحاد السوفييتي لموقف أكثر قسوة داخل «معسكره» وساعد على بلورة الانقسام الأوروبي بين المعسكرين الشرقي والغربي.

بعد ذلك، وفي الرابع والعشرين من يونيو ١٩٤٨، أقدم ستالين على تصعيد الموقف على نحو خطير. فاستجابة لعمليات إعادة إعمار ألمانيا الغربية وتوحيدها، منع السوفييت على نحو مفاجئ قوات الحلفاء كافة من دخول برلين الغربية أرضًا. كان ستالين يهدف من عزل هذا الجيب الغربي بالمدينة المقسمة، والواقعة على بعد ١٢٥ ميلًا داخل ألمانيا الشرقية المحتلة من جانب السوفييت، إلى فضح مدى ضعف خصومه، وبهذا يعيق تأسيس دولة ألمانيا الغربية المنفصلة التي كان يخشى منها كثيرًا. استجاب ترومان بأن دشن جسرًا جويًّا على مدار الساعة لنقل الإمدادات والوقود إلى المليوني مواطن المحاصرين في برلين الغربية في واحدة من أكثر فترات الحرب الباردة المبكرة بروزًا وتوترًا. وفي مايو ١٩٤٩، أنهى ستالين أخيرًا ما اتضح أنه حصار غير فعال، وكارثة على مستوى العلاقات العامة. لم ينجح ذلك الفعل الانتقامي السوفييتي إلا في تعميق الهوة بين الشرق والغرب، وإثارة غضب الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وتدمير أي بادرة أمل متبقية في إمكانية تسوية المسألة الألمانية على نحو مقبول من جميع القوى الأربعة المحتلة. وفي سبتمبر ١٩٤٩، أسست القوى الغربية جمهورية ألمانيا الاتحادية. بعدها بشهر واحد أسس الاتحاد السوفييتي جمهورية ألمانيا الديمقراطية في المنطقة التي يحتلها. صارت خطوط الحرب الباردة في أوروبا محددة على نحو واضح، وبات تقسيم ألمانيا بين الغرب والشرق يعكس تقسيم أوروبا بين معسكر غربي تحت لواء الولايات المتحدة وآخر شرقي تحت لواء الاتحاد السوفييتي.

آمن عدد من كبار الدبلوماسيين الغربيين — وأشدهم تصميمًا في هذا الصدد وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفن — بأن الصلة المزدهرة بين أوروبا وأمريكا لا يمكن تدعيمها إلا عن طريق اتفاق أمني يضم دول جانبي الأطلسي. ولتحقيق هذا الهدف، صار زعيم حزب العمال السابق المحرك الأساسي وراء عقد ميثاق بروكسل في أبريل ١٩٤٨. وقد أمل بيفن أن يكون ذلك الاتفاق الأمني المشترك بين بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا ولكسمبورج أساسًا لتحالف غربي أوسع. كان يسعى لوضع آلية من شأنها أن تعمل على انغماس الولايات المتحدة بشكل كامل في شئون أوروبا الغربية، وتهدئة مخاوف فرنسا من صحوة ألمانيا، وكبح جماح السوفييت، أو كما يقول المثل الشائع بإيجاز، وإن كان على نحو دقيق: وسيلة تهدف إلى «تقريب الأمريكان، وإبعاد السوفييت، وتهدئة الألمان». أوفت «منظمة حلف شمال الأطلسي» (الناتو) بالاحتياجات التي حددها بيفن، وباحتياجات إدارة ترومان الراغبة في إضافة ثقل أمني إلى استراتيجية الاحتواء النامية الخاصة بها. تم توقيع ميثاق إنشاء المنظمة في واشنطن في الرابع من أبريل ١٩٤٩ بحضور الدول الموقعة على ميثاق بروكسل إضافة إلى إيطاليا والدنمارك والنرويج والبرتغال وكندا والولايات المتحدة، وبذا تكوَّن حلف أمني مشترك. وافقت كل دولة من الدول الأعضاء على اعتبار أي هجوم على دولة أو أكثر من دول المنظمة بمنزلة هجوم على كل الدول. مثَّل هذا الالتزام تراجعًا تاريخيًّا للولايات المتحدة عن أحد التقاليد المحددة لسياستها الخارجية؛ إذ لم يحدث أن دخلت واشنطن، منذ تحالفها مع فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، في حلف ملزم أو دمجت احتياجاتها الأمنية على هذا النحو الكامل مع احتياجات دول أخرى ذات سيادة.

إن دائرة النفوذ، أو «الإمبراطورية»، التي شكلتها الولايات المتحدة في أوروبا ما بعد الحرب ترمز إلى مخاوفها أكثر مما ترمز إلى طموحاتها. علاوة على ذلك، جاءت هذه الإمبراطورية نتاجًا لتلاقي المصالح بين الولايات المتحدة وصفوة دول أوروبا الغربية. في الواقع، يستحق هؤلاء التقدير بوصفهم مؤلفين مشاركين فيما سماه المؤرخ جير لوندشتاد «الإمبراطورية الأمريكية الطوعية». وهنا يجب التفرقة بين الإمبراطورية السوفييتية التي فُرضت بالأساس على أغلب دول أوروبا الشرقية، والإمبراطورية الأمريكية التي نتجت عن شراكة ولدت بدافع من المخاوف الأمنية المشتركة والاحتياجات الاقتصادية المتداخلة.

بالرغم مما يمثله تقسيم أوروبا إلى دائرتي نفوذ متعاديتين من تطور حاسم في بدايات الحرب الباردة، فإن هذا التقسيم لم يكن سوى جزء من القصة. فلو أن الحرب الباردة اقتصرت على التنافس على السلطة والنفوذ في أوروبا وحدها، لسارت القصة على نحو مخالف للغاية عما سارت عليه في النهاية. ومن ثم، يحول الفصل التالي التركيز الجغرافي نحو قارة آسيا، ثاني أكبر مسارح الحرب الباردة في بدايات حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هوامش

(1) US National Archives and Records Administration.
(2) US National Archives and Records Administration.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤