الفصل الثاني عشر

من رئاسة الوزارة إلى رئاسة النواب

فكر سعد في بقاء الدستور بعد ذهاب الوزارة، فأعلن في خطابه — الذي ألقاه على النواب تبليغًا للمجلس باستقالة الوزارة — أنه مستعد مع أصدقائه الكرام من أعضاء هذا المجلس لأنْ يؤيدوا كل وزارة تشتغل لمصلحة البلاد.

وأعلن مثل ذلك في ندائه إلى الأمة باعتباره رئيسًا للوفد، وفي خطاب ألقاه على الجموع الذين وفدوا إلى بيت الأمة بعد استقالته حيث قال:

إنني مستعد لتأييد كل وزارة تأتي وتكون حائزة للرضاء العام، عاملة على تحقيق أماني البلاد؛ فإن الموقف دقيق جدًّا وأنا واثق من أني — وأنا خارج الوزارة — سأستطيع خدمة البلاد أكثر ألف مرة مما لو كنت داخلها. وتأكدوا أنَّ الله معنا، ولا بد أن تفوز الأمة في النهاية إن شاء الله.

ولكن الغرض الأكبر في تلك الأيام لم يكن هو الخلاص من حادث السردار بوسيلة من الوسائل المرضية، بل هو استغلال ذلك الحادث العظيم لتحطيم سعد ومن يواليه، ولا سبيل إلى هذا التحطيم مع بقاء البرلمان وسريان أحكام الدستور.

وقد احتج البرلمان بمجلسه إلى عصبة الأمم على استغلال الحكومة البريطانية لحادث السردار في اهتضام السودان وتمزيق الاستقلال المصري، فلم يجد هذا الاحتجاج صدًى له بين أعضاء العصبة إلا مندوبي إيران والسويد وأرجواي الأمريكية، وتعلل مندوبو الدول الكبرى بأن الاحتجاج لم يُعرَض على العصبة من قِبل حكومة قائمة؛ لأن الوزارة السعدية كانت قد استقالت والوزارة الزيورية التي تلتها لا تحب أن تحتج على شيء من مطالب الإنجليز، ولا ترى للمسألة حلًّا مستطاعًا عندها إلا الإذعان لما طلبوه.

وأذعنت الوزارة الزيورية فعلًا لجميع المطالب البريطانية، وأرسلت من مصر رسولًا إلى الضباط المصريين في السودان تأمرهم بالجلاء والعودة إلى بلادهم؛ لأنهم كانوا قد امتنعوا عن العودة وتسليم السلاح، حين بلغهم نائب الحاكم العام أمره باسم الحكومة البريطانية، ردُّوا عليه بأنهم لا يطيعون غير ملك مصر وأوامر حكومتها، فجاءهم هذا الأمر من الوزارة مع رسول في طيارة بريطانية، فأطاعوا راغمين وتمسكوا بالعودة حاملين السلاح والأعلام، غير مخفورين بالجنود الإنجليزية في طريقهم إلى الحدود.

وقد ترك زيور باشا رئيس الوزارة كل شيء للإنجليز من جانب، ولحسن نشأت باشا وكيل القصر الملكي من جانب، ولإسماعيل صدقي باشا وزير الداخلية فيما بقي له من شئون الوزارة، فلا رأي له ولا برنامج ولا إرادة، وسلمت الوزارة للإنجليز في مسألة جغبوب بالصحراء الغربية ومسألة نهر الجاش في السودان، وهما الهديتان اللتان ساومت عليهما بريطانيا العظمى صديقتها إيطاليا على حساب الحقوق المصرية والسودانية، وسلَّمت على الإجمال في كل ما أراده الإنجليز، واستباحوا به نصوص الدستور والقانون التي لا تقبل التأويل، ومنها القبض على النواب وهم في كنف الحصانة البرلمانية قبل أن يُعرض الأمر على مجلس النواب، وجعلت شكوى النواب من عدوانها على الدستور والقانون وتفريطها في حقوق البلاد ذريعة إلى حل المجلس، وتعطيل البرلمان قبل أن تتقدم إليه.

ولم تعارض في مطلب من المطالب الإنجليزية إلا التوسع في زراعة القطن بالسودان؛ لأنه المطلب الذي فضح المناورة الاستعمارية، وأحست الحكومة البريطانية أنَّ اللورد اللنبي أخطأ خطأً فاحشًا في تضمينه إنذاره النهائي إلى سعد زغلول، وكان له دخل كبير في إقالة اللورد اللنبي بعد ذاك بشهور، فاهتمت بمداراته وإصلاحه، وأوعزت إلى أحمد زيور باشا بالمراجعة فيه، ولولا ذلك لَمَا تحرك هو لمراجعة أو استدراك؛ لأنه رجل أشهر ما اشتُهر به قلة الاكتراث وفلسفة المعيشة الرخية وعلى الدنيا بعد ذلك السلام؛ فما كلف نفسه قط قراءة الصحف المعارضة أو الموالية، وأعجب من ذلك أنه لم يكلف نفسه قراءة الدستور … فإذا عُرضت عليه حملة في إحدى الصحف على الوزارة قال: أغلقوها، أغلقوها. ونسي أنَّ الدستور يمنع إغلاق الصحف بالوسائل الإدارية، وأنَّ إغلاقها بهذه الوسائل مما تضيق عنه دائرة الاحتيال على النصوص، ويُعرِّض الحكومة للمطالبة بالتعويضات، وكلما كرَّروا له التنبيه كرَّر هو النسيان!

ولم يكتمل لوزارته في الحكم شهران حتى كان «حزب الاتحاد» قد ظهر في عالم الوجود، وظهرت له صحيفة عربية وصحيفة فرنسية بأموال ليست أمواله على كل حال. وأصبح معيار الترقية عند عمال الإدارة عدد الأعضاء الذين ينضمون على أيديهم إلى حزب الاتحاد وينفضون من الهيئة الوفدية، وأبيح لهم في ذلك كل مباح، وتمادى بعضهم في حرب الدعوة لهذا الحزب ولغيره تماديًا يُزري بشرف الإنسان، فضلًا عن شرف الموظف الأمين. ومن أمثلة ما استباحوه في اضطهاد الوفديين فظائع الدقهلية التي عُرفت بفظائع أخطاب، وضجَّت منها أرجاء البلاد وألهبت في صدور المصريين كافةً ذحولًا لا ينطفئ لها أوار، ولا يُرجى معها فلاح لحكومة من الحكومات، وصدر فيها حكم القضاء على ملاحظ البوليس بالسجن خمس سنوات جزاءً له على ما ثبت من جناياته، وهو أيسر ما اتُّهم به ونُسب إليه، ومنه إجهاض الحوامل، وقص شوارب الفلاحين بمقصات الحمير، وإكراههم على التسمي بأسماء النساء، وإهراق الماء على الأرض وتمريغ أنفسهم بأنفسهم في الوحل الذي صنعوه.

أما الانتخابات فقد كان الواجب أن تتم في ميعاد لا يتجاوز الشهرين على حسب نص الدستور، وأن ينعقد المجلس الجديد في خلال الأيام العشرة التالية ليوم الانتخاب، ولكن الوزارة تعللت بتعديل قانون الانتخاب وتنقيح الجداول للمطاولة في هذه المدة، فلم تحصل الانتخابات إلا في اليوم الثاني عشر من شهر مارس، ولم ينعقد المجلس إلا في الثالث والعشرين منه، ويكفي لبيان الأساليب التي جرت عليها الانتخابات الثلاثينية، ولم يعرف أنَّ سعد زغلول أخفق في الانتخابات الثلاثينية ولم يظفر بخمسة عشر صوتًا تجعله مندوبًا ثلاثينيًّا في الحي الذي هو فيه! وعلى هذه الطريقة جرت الوزارة في تقسيم الدوائر حسبما يروق مرشحيها، وكتابة أسماء الناخبين وحذفها كما يملي أولئك المرشحون، وإقامة الحراس في الطرقات ليصدوا أناسًا عن الصناديق ويدفعوا إليها بأناس آخرين. وبعد هذا كله ظهرت النتيجة، فإذا بسعد قد فاز بمائة وأحد عشر صوتًا في اليوم الأول، ولا تزال في الدوائر بقية لم تظهر لها نتيجة. ثم أدب النواب السعديون مأدبة لزعيمهم في فندق سميراميس، فحضرها مائة وثلاثة عشر نائبًا، واعتذر ثلاثة بمرضهم مع تأييدهم للزعيم، وفي هؤلاء وحدهم الكثرة اللازمة لإسقاط الوزارة المهزومة.

إلا أنَّ الوزارة زعمت أنها هي الفائزة بالكثرة المطلقة، وحسبت من أصواتها أصوات جميع الأحزاب الأخرى، وهي: حزب الأحرار الدستوريين، وحزب الاتحاد، والحزب الوطني مضافًا إليهم المستقلون، وهم بطبيعة الحال لا يرجحون فريقًا على فريق إلا بعد اجتماع البرلمان والاقتراع على الثقة. وبهذه الدعوى استقالت الوزارة لتتألف مرة أخرى من جميع الأحزاب وفاقًا لما ظهر لها من نتيجة الانتخاب، وقال زيور باشا في خطابه إلى جلالة الملك: «لما كان البرلمان قد أوشك أن ينعقد، فإن الوزارة ستعلن خطتها السياسية عند تقدمها إليه، وإني أتشرف بأن أعرض على سدتكم أسماء حضرات الوزراء الذين قبلوا معاونتي في هذه المهمة محتفظًا لنفسي بمنصب وزارة الخارجية، وهم: يحيى إبراهيم باشا لوزارة الحقانية، وتوفيق دوس بك لوزارة الزراعة، وإسماعيل سري باشا لوزارة الأشغال العمومية، ويوسف قطاوي باشا لوزارة المواصلات، وعلي ماهر بك لوزارة المعارف العمومية، ومحمد علي بك لوزارة الأوقاف.»

ومن هؤلاء الوزراء أربعة من الأحرار الدستوريين، وأربعة من الاتحاديين، والبقية من المستقلين، واحتفظ زيور باشا لنفسه بوزارة الخارجية خلافًا للعرف الذي اطرد بالجمع بين رئاسة الوزارة ووزارة الداخلية، ودليل على أنَّ وزير الداخلية لا يزال في هذه الوزارة منوطًا بمهمة خاصة للإشراف على الانتخابات، وتسخير الإدارة في ضم الأنصار، وتشتيت الخصوم لا يضطلع بها كل وزير، ولا يضطلع بها زيور باشا من باب أولى.

وألحت الوزارة في دعواها إلى أن كان يوم انعقاد البرلمان وانتخاب رئيس مجلس النواب، فلم يظفر مرشح الحكومة عبد الخالق ثروت باشا بأكثر من خمسة وثمانين صوتًا، وبلغت أصوات سعد مائة وثلاثة وعشرين صوتًا عدا صوته؛ لأنه انصرف قبل الاقتراع لانتخاب الرئيس.

وتأجلت الجلسة إلى المساء لإتمام انتخاب المكتب، والوزارة في هذه الأثناء تعد المرسوم بحل مجلس النواب للسبب الأول الذي حلته من أجله في السنة الماضية، وهو الإصرار على تلك السياسية التي كانت سببًا لتلك النكبات التي لم تنتهِ البلاد من معالجتها! وهو مناقض لنص الدستور الذي يحرم حله مرتين بسبب واحد.

وجاء المساء فدخل زيور باشا ومعه ثلة من الجند وقرأ المرسوم وانصرف، وكان يلتفت قبل تلاوته إلى منصة الرئاسة ليرى سعدًا عليها، وينعم هو وشركاؤه بما رتبوه من رؤيته نازلًا من المنصة بعد انتصار الصباح، ولكنه كان قد ذهب إلى حجرة الرئاسة، ولم يَعُدْ إلا في أثناء تلاوة المرسوم.

غاية ما يقال تلخيصًا للحرب الانتخابية في هذه المرة أنها كانت حربًا بين من استفادوا بحادثة السردار، ومن أصيبوا بهذه الحادثة ومنهم الأمة بحذافيرها؛ فلا جرم أن تكون الأمة في الجانب الذي ينبغي أن تكون فيه، ولا يُعقل أن تنحاز إلى غيره. ومن خطأ اللورد اللنبي وخلفائه أنهم قدروا للانتخابات المصرية مآلًا غير المآل.

ويظهر أنَّ إقالة اللورد اللنبي عقب الخطأ الفاحش الذي ارتكبه في الإنذار النهائي كانت أمرًا مبتوتًا فيه منذ أوائل العام، ولكنهم أجَّلوه في الوزارة البريطانية ريثما تنجلي المعركة الانتخابية عن مصيرها، خوفًا على أصدقائه الوزراء المصريين من الفشل والهزيمة من جراء تلك الإقالة أو الاستقالة، وأملًا في الظفر بمجلس نيابي يساعده ويُتوِّج سياسة التصريح — تصريح ٢٨ فبراير — بالنجاح. ولكن الانتخابات أسفرت عن خيبة جديدة وتقويض لسياسة الرجل لا أمل بعده في الترميم والتلفيق؛ فعادت الصحف الإنجليزية تتحدث باستقالته، وهو ينفيها من القاهرة ويوعز إلى الصحف الاحتلالية بتكذيبها. وتحققت الإشاعة بعد أسابيع، فأبلغها اللورد اللنبي إلى جلالة الملك في التاسع عشر من شهر مايو، وغادر البلاد بعد أيام.

إنَّ السياسة المصرية — على التخصيص بين السياسات العالمية — لا تتغير لسبب واحد. ولكننا إذا أردنا أن نعرف لها قاعدة واحدة تتكرر في جميع التغييرات الهامة، فالأغلب أنَّ الإنجليز يشرعون في التغيير كلما انحصر النفوذ في ناحية واحدة، سواءٌ أكانت ناحية القصر أم ناحية الأمة؛ وعلى هذا غيَّروا سياسة الوفاق بعدما تبيَّن لهم في عهد السير الدون غورست أنَّ نفوذ الخديو عباس ينبسط في أنحاء الأمة والحكومة، وغيَّروا سياسة الحكم الدستوري بعدما تبيَّن لهم أنه يُقوِّي سعدًا ولا يُضعفه كما كانوا يقدِّرون، وأنشَئُوا حكومة زيور وهم يظنون أنها حكومة متزنة يتعارض فيها نفوذ القصر ونفوذ الأحرار الدستوريين، وأنَّ هؤلاء جميعًا يسلطون نفوذهم على سعد زغلول، فلا يرجح جانب على جانب من نفوذ الأمة أو نفوذ القصر أو نفوذ الوزارة … فسرعان ما ظهر لهم أنَّ تعطيل الدستور قد حصر النفوذ بأيدي القصر، وهيَّأ له أن يستبقيَه بين يديه في غياب الدستور وفي وجود الدستور، وانكشف لهم ما وراء إنشاء حزب الاتحاد من المقاصد والتدبيرات … إنَّ الانتخاب الأول بعد استقالة سعد قد اشترك فيه الاتحاديون والدستوريون من جماعة الوزراء، أما الانتخاب الثاني فلن يتسع لحزب غير الاتحاديين؛ لأنهم سيوحدون فيه جميع الأحزاب!

وبرزت هذه النية بعد تشكيل الوزارة الزيورية الثانية، وانطلاق حسن نشأت باشا — وكيل القصر الملكي — في السيطرة على دواوين القاهرة وفروع الأقاليم؛ فكانت أوامره تصدر إلى المأمورين مباشرة في المراكز بغير وساطة الوزير أو المدير، وكانت أوامر الوزراء تُلغى ولا تطاع، ولم يلبث الاشتراك أن أفضى إلى الاحتكاك بين الأحزاب وبين أشخاص الوزراء، ثم سنحت الفرصة أخيرًا للخلاص من الدستور بضربة واحدة ترمي إلى هدفين؛ فقد ألَّف الأستاذ علي عبد الرازق — وهو عالم ديني من أبناء بيوتهم الكبيرة — رسالة في الإسلام وأصول الحكم أدحض بها القول القائل بوجوب الخلافة في الإسلام؛ فاهتم الاتحاديون بتجريد هذا العالم من صفة العالمية؛ لأن تجريده يُرضي القصر بما يقتص من رجل يعوق المسعى إلى الخلافة، ويرضيه من طرف آخر بما يحرج الأحرار الدستوريين ويضطرهم إلى اعتزال الحكومة. فتم هذا التجريد، واستقال الوزراء من الأحرار الدستوريين، واستعد الاتحاديون لخوض معركة الانتخاب منفردين.

فلما وصل السير — اللورد جورج لويد خلف اللورد اللنبي — إلى مصر، وصل وله وجهة مرسومة في السياسة المصرية لا يطول فيها التردد والاضطراب؛ نفوذ القصر يجب أن يقف عند حدٍّ محدود، والحياة النيابية يجب أن تعود، ولكن هل تعود الحياة النيابية ليعود سعد زغلول إلى نفوذه الحكومي القديم؟ كلا! بل تعود الحياة النيابية في برلمان مؤتلف من جميع الأحزاب؛ فيَحُول البرلمان دون انفراد القصر بالسلطان، ويَحُول الائتلاف دون انفراد سعد بالوزارة والبرلمان، ولا ينحصر النفوذ في يد واحدة من أيدي المصريين.

وفي الوقت الذي كانت فيه السياسة البريطانية تتجه إلى هذا الاتجاه، كانت الأحزاب المصرية تشعر بالخطر الواحد يهددها جميعًا، وتعلم أن لا نجاة لها بغير الائتلاف؛ فتحدث رجالها في توحيد الصفوف، وتزاوروا لتقريب ما بينهم من شقة الخلاف، وأزف موعد انعقاد البرلمان بحكم الدستور في السبت الثالث من شهر نوفمبر، فعول الأعضاء على الاجتماع مدعوين أو غير مدعوين، وأعلنت الوزارة أنها تمنع بالقوة كل اجتماع داخل البرلمان أو في مكان آخر، واحتلت دار النيابة بنحو ألفين من الجنود، ولكن النواب والشيوخ اجتمعوا في فندق الكنتننتال، وباتوا من أجل ذلك في الفندق لكيلا يحال بينهم وبين دخوله في الصباح. ومن طرائف زيور باشا أنه — وهو يسكن ذلك الفندق — لم يدرِ بما كان يجري فيه، واستغرب هذه الضجة هناك على خلاف المألوف!

وافتُتِحَت الجلسة قبل الظهر فانتُخِبَ سعد رئيسًا، ثم أصدر المجلسان قرارًا بالاحتجاج على تصرفات الوزارة، وعلى منع الأعضاء من الاجتماع في دار البرلمان بقوة السلاح، وباعتبار دور الانعقاد موجودًا قانونًا، واستمرار اجتماعات المجلس في المواعيد والأمكنة التي يتفق عليها الأعضاء.

ثم ندب الحاضرون وفدًا من حضرات فتح الله بركات باشا، ومحمد محمود باشا، وعبد الحميد سعيد أفندي لرفع القرار إلى جلالة الملك وتبليغه إلى الوزارة.

أما الوزارة فقد كان كل ما وسعها بعد هذا الاجتماع أنها كتبت إلى مفتش الجيش العام تلفته إلى مسلك الضباط والجند، الذين أدَّوا التحية العسكرية لسعد وهو يمر بمجلس النواب في طريقه من بيت الأمة إلى فندق الكنتننتال!

وقد اجتمع أصحاب السمو الأمراء بعد اجتماع البرلمان، واتفقوا على كتابة عريضة إلى جلالة الملك يؤيدون فيها إعادة الحياة النيابية إجابةً لقرار الشيوخ والنواب.

وبين هذه المآزق التي لا تعيش معها وزارة في بلد مستقل، لم ينقطع رجاء الوزارة الزيورية في التعمير وحكم البلاد بالدستور أو بغير الدستور، بل راحت تشرع القوانين لفض الأحزاب، وتمحو وتثبت في قانون الانتخاب، وعندها أنها بخير ما دامت لا تسمع من الإنجليز شرًّا ولا تُحس منهم نفورًا، والإنجليز لم يُسمعوها الشر ولم يُشعروها النفور؛ لأنهم كانوا ينتظرون منها الخدمة الأخيرة وهي تسليم جغبوب إلى الحكومة الإيطالية، فسلمتها ووقعت المعاهدة في سادس ديسمبر، وظنت أنها قد اشترت البقاء من الإنجليز بهذا الثمن الفادح، ولم تدرِ أنها قد ختمت بيديها على كتاب موتها، وكتبت وصيتها حين كتبت تلك الوثيقة.

ففي اليوم السادس أُمضيت المعاهدة، وفي اليوم الثامن قابل اللورد جورج لويد جلالة الملك، وطلب إلى جلالته إقصاء حسن نشأت باشا عن القصر، متذرعًا بما حام حول اسمه من الأقاويل في قضية مقتل السردار، فأُجيب إلى طلبه بعد ممانعة قصيرة الأجل، وأُقصي نشأت باشا إلى وظيفة في السلك السياسي لم تكن مما يرتضيه.

وقد استمر التحدي والنضال بين الوزارة والأحزاب، فأجمعت الأحزاب على تجاهل قوانينها، وأضرب العمد عن تنفيذ قانون الانتخاب، وحكم القضاء ببراءتهم حين أحيلوا إليه بتهمة عصيان القوانين ومخالفة الأوامر، وازداد التقارب بين الأحزاب بهذه الوحدة بينها في محاربة الوزارة، فكان أقوى مظاهرها مأدبة النادي السعدي التي أدبها سعد للنواب والشيوخ على اختلاف أحزابهم «ليتم التعارف بينهم ويزول ما يكون في نفوس بعضهم لبعض من نفرة وجفاء، ويحل مكانهما ما تقضي به روح التسامح من عطف وولاء».

ثم أعلنت الأحزاب في أوائل السنة الجديدة (١٩٢٦) إجماعها على مقاطعة الانتخابات على غير القانون الذي تريده، وخطا الزعماء خطوةً أخرى في سبيل الوفاق، فزار معظمهم بيت الأمة، وردَّ لهم سعد الزيارة في بيوتهم، واتفقوا على الدعوة إلى مؤتمر وطني يجمع الوزراء السابقين والشيوخ والنواب ورجال الأحزاب وأعضاء مجالس المديريات والمجالس المحلية وسائر الجماعات النيابية في القطر كله، ليقنعوا الوزارة بإجماع المرشحين على مقاطعة الانتخابات حسب قانونها الجديد، فعجَّلت الوزارة قبل انعقاد المؤتمر بإجابة طلب الأحزاب (في ١٨ فبراير) وبلغته إلى المؤتمرين، وقالت في بلاغها: إنه «توخيًا لخطة الاتفاق التي سلكتها الحكومة الحاضرة في أعمالها على الدوام وابتغاء التعجيل باجتماع البرلمان، قرَّر مجلس الوزراء في مساء هذا اليوم أن يعرض مشروع مرسوم على حضرة صاحب الجلالة الملك للتصديق على إيقاف العمل بقانون الانتخاب الصادر في ١٨ ديسمبر سنة ١٩٢٥، وإجراء الانتخابات على مقتضى القانون نمرة ٤ لسنة ١٩٢٤».

أما المؤتمر الوطني، فقد الْتأم بمنزل محمد محمود باشا، وجلس سعد على منصة الخطابة وعلى يمينه عدلي وعلى يساره ثروت، ثم تكلم في الحالة العامة فلخصها تلخيصًا سريعًا منذ استقالت وزارته إلى قبول الوزارة الزيورية قانون الانتخاب المباشر، الذي يرضاه الوفديون ولا ترضاه الأحزاب الأخرى … وأشار إلى أنَّ الوزارة عجَّلت بقبوله لتوقع الشقاق بين الأحزاب قبل انعقاد المؤتمر، فقال في ختام خطابه ليقضيَ على رجائها هذا: «أذاعوا بأن الانتخاب على أساس ذلك القانون أُرِيدَ به إيقاع الشقاق بين الأحزاب المؤتلفة؛ لتنحل رابطتهم وتنقسم وحدتهم، ولكنهم واهمون في زعمهم؛ لأن الاتحاد متين بين هذه الأحزاب.»

ثم دارت مناقشة طويلة في دخول الانتخابات أو عدم دخولها اعتمادًا على أنَّ المجلس القديم قائم والحلَّ باطل، فاتفق الحاضرون على دخولها ما عدا أربعة، وتُلِيَ عليهم اقتراحٌ فحواه المطالبة بإقالة وزارة موثوق بها للإشراف عليها. ثم انفضت جلسة المؤتمر بعد تأليف لجنة من الأحزاب المختلفة لإنفاذ القرارات وبحث المقترحات.

على أنَّ الوزارة لم تستقِل، ولم يصر المؤتمرون على استقالتها لعلمهم بعجزها عن مقاومة الأحزاب المؤتلفة في المعركة الانتخابية، واكتفوا باستعجال يوم الانتخاب، فصدر المرسوم بدعوة الناخبين في اليوم الثاني والعشرين من شهر مايو لانتخاب أعضاء مجلس النواب … وليس في المرسوم موعد لانعقاد البرلمان!

وكانت الأحزاب قد تفاهمت مع الوفد المصري على الدوائر التي يتركها لها، ولا يرشح فيها أحدًا من أنصاره. فلما كان يوم الانتخاب أسفرت النتيجة عن انتخاب مائة وخمسة وستين وَفْديًّا، وتسعة وعشرين حرًّا دستوريًّا، وخمسة من الحزب الوطني، وستة من المستقلين، وخمسة من الاتحاديين … إلخ.

على هذا وجب أن يدعى سعد باشا لتأليف الوزارة الدستورية، ولكن الوزارة الزيورية لم تستقِل، وهي لم تعلن من قبل ذلك موعد انعقاد البرلمان … فهل قصدت إغفاله لأنه كان من الجائز عندها — أو عند من أوعزوا إليها — أن يحصل الانتخاب ولا يحصل الانعقاد، أو يحصل ولكن بشروط؟!

تداولت الألسن أنَّ زيور باشا فاتَح اللورد جورج لويد في أمر الاستقالة بعد الانتخاب توًّا، فاستمهله بضعة أيام ريثما يتم الاتفاق على اختيار الخلف، وتحقق أنَّ الإنجليز يريدون عدلي يكن ولا يريدون سعد زغلول في رئاسة الوزارة، وتقابل سعد وجورج لويد في هذه الأثناء فسأله جورج لويد: «هل ينضم عدلي إلى وزارتك إذا ألَّفتها؟» قال سعد: «أعتقد ذلك.» فقال جورج لويد: «ولكن الإحساس الذي عندي لا يسمح لي بهذا الاعتقاد!»

غير أنَّ سعدًا هو زعيم الكثرة الغالبة على الرغم من تجاوزه عن بعض الدوائر في الانتخابات، فكيف السبيل إلى منعه بمشيئة حكومة أجنبية أن يليَ الوزارة الدستورية؟

لا سبيل إلى ذلك لو جرت الأمور في حدود الصراحة، ولكن قضية الاغتيالات السياسية باقية، ولا تزال فيها بقية صالحة للاستغلال. فلتكن هذه القضية إذنْ وسيلة امتناعه من تأليف الوزارة، كما كانت قضية مثلها بالأمس وسيلة اعتزاله الوزارة وهو قائم فيها.

أصدرت محكمة الجنايات حكمها في قضية الاغتيالات السياسية اليوم الخامس والعشرين من شهر مايو (١٩٢٦)، فقضت «بالنسبة لمحمود أفندي عثمان مصطفى، والحاج أحمد جاد الله، والدكتور أحمد ماهر، والأستاذ محمود فهمي النقراشي، والأستاذ حسن كامل الشيشيني، وعبد الحليم البيلي بك ببراءتهم من التهمة التي نُسبت إليهم وبالإفراج عنهم فورًا إلا إذا كانوا محبوسين رهن قضايا أخرى».

وعلى هذا يكون اتهام الوفد بتدبير هذه الجنايات باطلًا بحكم القضاء، كما بطل من قبل اتهامه بتدبير مقتل السردار؛ لأن الرجلين البارزين من رجال الوفد اللذَين كانا بين المتهمين — وهما الأستاذان ماهر والنقراشي — قد بُرِّئَا من التهمة، ولم تعد للوفد صلة بهذه القضايا على جميع الاعتبارات.

إلا أن ما يبطل بحكم العقل أو يبطل بحكم القضاء قد تشاء السياسة ألا تبطله، فيكون لها الحكم النافذ متى كان وراءها الجيوش والأساطيل.

فبعد أسبوع من صدور الحكم — أي بعد قيام مشكلة الوزارة — كتب مستر كرشو أحد القضاة الثلاثة الذين كانوا في محكمة الجنايات خطابًا إلى وزير الحقانية استهله بقوله:

آسف لاضطراري إلى إبلاغ معاليكم أنني — بعد مداولة مع زميلَيَّ دامت خمسة أيام — أجدني لا أستطيع الموافقة على الحكم الصادر في قضية محمد فهمي علي وآخرين إلا فيما يتعلق بمحمد فهمي علي المحكوم بإعدامه، ومحمود فهمي النقراشي المحكوم ببراءته، وعبد الحليم البيلي المحكوم ببراءته. فإن الأدلة على الاثنين الأخيرين كانت غير كافية، أما باقي الحكم فهو لزميلَيَّ، وعندي أنَّ حكم البراءة في تهمة محمود عثمان مصطفى، والحاج أحمد جاد الله، وأحمد ماهر، وحسن كامل الشيشيني يناقض وزن الأدلة إلى حد الإخلال بتنفيذ العدالة. وقد بلغت خطوة هذا الإخلال في رأيي وخطورة النتائج التي تنجم عنه حدًّا جعلني أعتبر أنَّ من واجبي الخروج في هذه الحالة على مبدأ المحافظة على سر المداولة، وتوجهت بعد إصدار الحكم إلى دار المندوب السامي، فأطلعت فخامته على رأيي باعتباره حاميًا للأجانب.

ويُرى من هذا الخطاب أنَّ مستر كرشو خالف أمانة القضاء، وأنه قاضٍ واحد من ثلاثة قضاة، وأنه نسي أنه قاضٍ مصري لا شأن له بدعوى المندوب السامي في المسائل السياسية، ومع هذا كان من رأي الحكومة البريطانية أنَّ حكمه وحده هو الحكم الصحيح، وأنَّ ما عداه لغو لا يجوز الاستناد إليه؛ فكتب اللورد جورج لويد إلى زيور باشا بلاغًا يعلنه فيه بأن حكومته — حسب النصيحة المقدمة إليها في الوقت الحاضر — ترفض أن تَعتبر الحكم دليلًا على براءة الأربعة المذكورين كائنة ما كانت الأسباب التي بناه عليها القاضيان المصريان.

وسيلة صالحة — سواءٌ كانت حسنة أو غير حسنة — لاستغلال القضايا في الأزمات السياسية. فإذا ألَّف سعد الوزارة، فهناك هذا البلاغ كفيل بخلق المشكلات وإكراه الوزارة على الاعتزال العاجل؛ لأنه قد يؤدي إلى قبض السلطة البريطانية على «الأربعة المذكورين» وإعنات الحكومة الجديدة إعناتًا لا حيلة فيه إلا أن تطلق أولئك السجناء، وهي لا قوة لها على إطلاقهم، أو تستقيل.

هذا إذا ألَّف سعد الوزارة. أما إذا ألَّفها غيره فلا ضرورة لاتخاذ عمل من الأعمال، ولا خطر من الإخلال بتنفيذ العدالة وتبرئة الجناة!

وهكذا كان؛ فإن سعدًا تنحى عن الوزارة وعدلي يكن ألَّفها، فلم يسمع أحد بعد ذلك بخبر ذلك البلاغ أو الإنذار، ونفعت قضايا الاغتيال سياسة الاستعمار نفعها السريع في إقصاء سعد زغلول عن الحكومة.

والواقع أنَّ سعدًا لم يكن يأبى أن يتولى عدلي تأليف الوزارة، وأنه صرَّح بذلك لبعض أصحابه قبل الانتخابات وبعد الانتخابات، ولكنه بعد الأنباء التي نشرتها الصحف الإنجليزية وصحف القصر في مصر بأنه مرغم على ذلك، وأنه لن يتولى الوزارة أبد الآبدين لأن حزبه متهم في مقتل السردار وغيره من الإنجليز، أحبَّ أن يكشف الرياء حول هذه المسألة كلها، ولا سيما وقد صدر الحكم ببراءة الأستاذين ماهر والنقراشي من كل تهمة. فإذا شاء الإنجليز أن يقصوه عن الحكم، فليظهروا بعد ذلك بالسبب الصحيح من مقاصدهم السياسية المكشوفة، لا بما يتعللون به من التعلات.

فلما حدثت الأزمة وانكشفت الحيلة كلها تنحى عن الوزارة، ورجع إلى الرأي الذي ارتضاه أولًا وصارح به أصحابه، وهو إسناد الوزارة إلى عدلي باشا واختيار أعضائها من النواب والشيوخ المؤتلفين.

والرأي عندنا في موقف سعد من تأليف الوزارة في هذه المرحلة أنَّ ولايته الوزارة لم تكن ضرورة لازمة، ولم يكن فيها كذلك ضرر محذور على المصالح الوطنية لولا تلك الأزمة التي خلقها اللورد جورج لويد في آخر لحظة، وعلى هذا لا ملامة عليه في طلبها ولا في التنحي عنها.

أما تأليف الوزارة العدلية الجديدة فكان على النحو الآتي: عدلي يكن باشا للرئاسة والداخلية، وعبد الخالق ثروت باشا للخارجية، ومحمد فتح الله بركات باشا للزراعة، ومحمد الغرابلي باشا للأوقاف، وأحمد محمد خشبة بك للحربية والبحرية، ومحمد محمود باشا للمواصلات، وأحمد زكي أبو السعود باشا للحقانية، ومرقس حنا باشا للمالية، وعلي الشمسي أفندي للمعارف العمومية، وعثمان محرم باشا للأشغال العمومية.

ومن تأليفها على هذا النحو يبدو لنا مقدار التساهل الذي ارتضاه سعد لرعاية الائتلاف؛ إذ لم يكن في هذه الوزارة أكثر من خمسة وزراء على اتصال صحيح بالوفد، والباقون كلهم من غير الوفديين. ولم يعهد بوزارة هامة إلى أحدٍ من وزراء حزب الكثرة، وهم أكثر من ثلاثة أرباع النواب.

وقد وصف سعد هذه الوزارة بأنها وزارة «اندماج» (Amalgamation) لا وزارة ائتلاف (Coalition)، كما شاع اسمها في الصحف وأروقة البرلمان؛ فدل بذلك على نظره البعيد وتفريقه الدقيق بين الأوضاع البرلمانية؛ فإن وزارة الائتلاف قد أقيلت إقالة بعد بضعة عشر شهرًا لخروج حزب القلة منها، وليس خروج القلة بالعذر الصالح لإقالة الوزارة لو كانت وزارة اندماج في حزب الكثرة النيابية.

رأيت سعدًا في أوقات كثيرة منذ قيامه بالدعوة الوطنية، فما أعرف وقتًا تسرب فيه السأم والتعب إلى بنيته وإلى نفسه كما كان يتسرب أحيانًا خلال الفترة من مقتل السردار.

كانت هذه الفترة أقل أوقاته حركة؛ ولهذا كانت أكثرها سأمًا وتعبًا، وكان قصارى ما اهتدى إليه خصومه من محاربته أن يحاصروه في بيت الأمة بالجند والسلاح ويمنعوا وفود الناس إليه، فكان يراقب الحالة على بُعد، ولا يملك النهوض لها بجهد من جهوده … وكان يؤلمه في الوقت نفسه أن يستطيع الموظفون الإداريون كل ما اجترحوه من إرهاق الناس واستفزازهم دون أن ينالهم جزاؤهم الذي يستحقونه … وفي أكثر الأيام كان يسأل: «ما الذي يوغر صدور هؤلاء الموظفين على الأمة؟! وما الذي يُبَغِّضهم في أيام الوزارة الشعبية؟!» وقد قلت له يومًا إنهم تعودوا أن يكونوا طوال حياتهم مأمورين وآمرين، ووزارة الشعب فرضت لهم حرية وفرضت للناس حرية، فلا هم مأمورون ولا هم آمرون، ولو عرفوا أنها دائمة لخافوها وعلقوا رجاءهم برضائها، ولكنهم لا يحسبونها تدوم … قال لا يبعد أن يكون كذاك؛ فقد كنا نعامل هؤلاء الموظفين معاملة الشركاء في الحكومة، ولا نعاملهم معاملة الآلات، وكنا ننتظر منهم غيرة وطنية، ولا ننتظر منهم طاعة عمياء، فوجدوا منا غير ما تعودوه.

وذات ليلة كان يسأل: «ما الذي يبعث القوة في الشعب؟» وكنا ثلاثة على مائدته: محاميًا معروفًا والأستاذ عبد القادر حمزة وكاتب هذه السطور. فقال المحامي وظن أنه يرضيه بما قال: يا باشا كلمة منك تبعث فيه القوة … كلمة منك تبث فيه الحياة الفنية … واسترسل في مثل هذا الكلام.

فنظر إليه سعد هنيهة، ثم قال: «ما هذا؟! أتريد أن تخطب؟ أتريد أن تتحمس؟ طيب: تفضل اخطب وتحمس، وانتظر من يسمع!»

وكانت نفسه بَرِمَةً جدًّا بمن يعبثون بهذا الموضوع؛ لأنه كان مهمومًا به لا يطيق الهزل فيه، بل كثيرًا ما سمعته يتضجر في تلك الأيام من حب النكتة في الطبيعة المصرية ويقول: «لولا أنَّ المصريين يضحكون من زيور وغرائبه لما احتملوه هذا الزمن الطويل!»

وفي أوائل هذه الفترة زرته بفندق «مينا هوس»، وكان يأوي إليه أحيانًا أيام الشتاء. فرأيته كثير التفكير كما يكون حين يلتبس عليه وجه العمل وطريق الحركة، وسألني وهو ينظر إلى الصحف على مقربة منه: «ماذا يقولون؟»

قلت: «وماذا غير قولتهم المعهودة! أنَّ سعدًا ترك الميدان واستقال!»

قال: «لو بقيت في الحكم لقالوا إنه يخرب البلد تشبثًا بالمنصب … هؤلاء لا يُعتد لهم بكلام!»

ثم نشط كعادته حين ينبعث الكلام في موضوع نضال بينه وبين خصومه ومضى يقول: «وهذه الصحف الإنجليزية ما بالها تمسي وتصبح وهي تلغط بزغلول؟ … إنَّ زغلولًا يدبر … إنَّ زغلولًا يتربص … زغلول، زغلول. نعم يا هؤلاء، إنكم لم تستريحوا من زغلول!»

وهكذا كان في هذه الفترة، يسأم ويتعب ويخيل إلى من رآه أنه يهم بأن ينفض يديه، ثم يتحداه متحدٍّ فإذا هو واقف على قدميه لا يسره أن يستريح منه الخصوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢