ما أجملها

قصة تمثيليَّة بقلم الكاتب الفرنسي «جاك ديفال»

أقديمة هذه القصة التي أريد أن أتحدث إليك عنها أم طريفة؟ الحق أنها قديمة وطريفة معًا؛ قديمة في الموضوع، وطريفة في الشكل كما يقول المحامون، بل ربما لم تكن طريفة في الشكل من جميع أنحائها، فقد لوحظ تأثر الكاتب في موضوعها بمذهب كورني، ولعلي لا أخطئ أن لاحظت أن أسلوبها وألفاظها قد لا تخلو من التأثر بهذا المذهب أيضًا إلى حد ما.

وقد اختلف النقاد في أمرها، فقليل منهم أثنى عليها في غير تحفُّظ، وأكثرهم لم يرضَ عنها، أو رضي عنها رضا هو إلى السخط أقرب منه إلى أي شيء آخر. ومع ذلك فقد اخترتها موضوعًا لحديثنا هذه المرة؛ ذلك لأني لم آخذ نفسي بألا أتحدث إليك إلا فيما يعجب النقاد، وإنما أتحدث إليك فيما يصلح موضوعًا للحديث، سواء أرضي عنه النقاد أم سخطوا عليه، وأتحدث إليك في القصة التي تعجبني، وربما أعجبتني قصة لم تعجب غيري من النقاد، ولست أشك في أن هذه القصة تصلح موضوعًا لحديث قيم، كما أني لا أتردد في الاعتراف بأنها أعجبتني.

وكيف لا تصلح موضوعًا لحديث قيِّم وهي صراع بين الحب والصداقة، فيه قوة وفيه عنف لا حد له، وفيه استثارة لطائفة من العواطف الإنسانية يوشك أن يبلغ حد العبث بهذه العواطف؟ ولكن من الخير قبل أن أعرض عليك القصة أن أقدم رأي النقاد فيها.

قلت أن أكثرهم ساخط عليها أو متحفظ في الرضا عنها، ومصدر ذلك أن الكاتب قد حاول شيئًا يوشك أن يكون مستحيلًا في حياة الناس اليومية، حاول أن يحقق التضحية بالنفس والحب، وما يستتبع من عاطفة ولذة في سبيل الصديق، وربما كان هذا ممكنًا في العصور القديمة، وربما كان هذا ممكنا أيضًا في خيال الكتاب والشعراء، ولكن يظهر أن حياتنا الحاضرة لم تعد تسمح بمثل هذه التضحية ولا تبيحها، فقد قويت شخصيات الأفراد، وقويت معها حظوظ الناس من الأثرة.

وقوي مع الشخصية والأثرة عقل الفرد، وقدرته على التصرف، والتخلص من المآزق المحرجة في غير حاجة إلى تضحية أو في غير حاجة إلى التضحية بالنفس على أقل تقدير، والناس ينظرون مع شيء من الابتسام والسخرية إلى مثل هذه التضحيات المجاوزة لطاقاتهم، والتي كان يُفتتن بها كورني ومحبوه، بل هم لا يكتفون بالابتسام والسخرية، ولكنهم ينصرفون عن القصص التي تمثل هذه التضحيات انصرافًا.

ثم لم يقف الكاتب عند هذه التضحية، ولكنه حققها في شكل تعود الناس أن يروه في طائفة من القصص التمثيلية، يراد به التأثير في نفوس الجماهير أكثر مما يقصد به إلى النفع والمتعة، فختم القصة بإطلاق المسدس، وذلك شيء قلما يحفل به أو يلتفت اليه.

ثم أسرف الكاتب في التفصيل والتدقيق في شيء ربما كان من الخير ألا يكثر فيه التفصيل والتدقيق، وربما كان من الخير أن يؤخذ من طريق الإجمال والإبهام. ومن هنا لاحظ النقاد اختلافًا بين فصول هذه القصة في قيمتها الفنية، فبعض هذه الفصول ممتع لذيذ، فيه حركة ونشاط وقوة، وبعضها هادئ مطمئن بعض الشيء ولكنه لا يخلو من قوة تعبث بالنفس، وتثير العواطف المختلفة فيها. حتى إذا كان الفصل الأخير فلا حركة ولا قوة، وإنما هو اضطراب وحيرة وطول، وشيء يخيل إليك أن الكاتب يلتمس مخرجًا لنفسه ولأشخاصه من مأزق وضعهم ووضع نفسه فيه، ثم لا يكاد ينتهي الفصل الثالث حتى تحس عجز الكاتب عن إخراج نفسه وعن إخراج الأشخاص من هذا المأزق إلا بإطلاق المسدس.

وينكر النقاد على الكاتب أيضًا أن قصته مضطربة بين الجد المؤلم المخيف، والهزل المضحك الملهي دون أن تكون صريحة في أحدهما.

ثم هم بعد هذا كله يعرفون للكاتب حقه، ويثنون على إجادته اللفظية، وعلى مهارته في تدبير الحوار، وعلى دقته في تصوير العواطف المختلفة. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يحظر على الكتاب الممثلين ألا يصوروا في قصصهم التمثيلية إلا ما هو ممكن أو واقع بالفعل؟ وأين يكون الفرق بين الحياة الواقعة التي نشهدها في كل يوم وبين الحياة الأخرى التي يتصرف فيها الكتاب والشعراء وأصحاب الفن يلائمون فيها أحيانًا بين ما نحس ونجد بالفعل، وبين ما يجب أن نحس وأن نجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يُكره شاعرًا أو كاتبًا أو فنانًا على ألا يخترع لنا شيئًا إن نعجز عنه الآن فقد لا نعجز عنه غدًا، ولعل آباءنا لم يكونوا يعجزون عنه أمس؟ وإذا كان من حق الكاتب والشاعر أن يصورا لنا ما كان وما هو كائن، فما الذي يمنعهما أن يصورا ما سيكون وما قد يكون، أو ما يحسن أن يكون؟ وبعبارة واضحة: ما الذي يمنع الكاتب والشاعر أن يقصدا نحو المثل الأعلى، فيصوراه صورًا مختلفة، منها القريب، ومنها البعيد، منها اليسير، ومنها العسير؟

ولم يفعل كاتبنا غير هذا، فهو قد تصور الصراع بين الحب والصداقة، وتصور هذا الصراع في عالم المثل الأعلى، وحاول أن يدني منا هذا المثل الأعلى بعض الشيء، فحقق هذا الصراع في الملعب، فمن الناس من أحب هذا المثل الأعلى، ومنهم من لم يحببه، فأما جمهور النظارة فإنما يُعرف رأيه بعد أن تمضي على هذه القصة أشهر، وبعد أن نبحث لنعلم هل مُثلت كثيرًا، واختلفت إليها النظارة كثيرًا أم هل كان عمرها في الملعب قصيرًا.

لست أجد إذن ما أنكره على الكاتب فيما يتصل بموضوع القصة، ولكني قد أتفق مع النقاد في بعض ما يتصل بشكلها، ويُخيل إليَّ أني لو كنت الكاتب الذي يعالج الموضوع لاجتزأت من هذه الفصول الثلاثة بفصل واحد هو الفصل الأول، ولأعرضت عن الفصلين الآخرين، لا لأنهما رديئان من حيث هما، فأنا أحبهما حبًّا شديدًا، وأُعجب بطائفة من الحوار فيهما، وأرى أنهما من خير ما يُقرأ، ولكن لأني أحس أنهما من أعسر الفصول حين يتجاوزان القراءة إلى الملعب؛ ذلك لما فيهما من التفصيل والدقة اللذين يحسن أن نلحظهما حين نقرأ، لا أن نشهدهما في الملعب، واللذين قد يكون من العسير على كثير من الممثلين المجيدين أن يؤدوهما تأدية حسنة.

وخاتمة القصة نفسها مؤلمة شديدة الإيلام؛ ذلك لأن الكاتب استطاع أن يحبب إلينا أشخاص القصة حبًّا مستويًا بحيث لا نستطيع أن نؤثر أحدهما على صاحبه، فمن المؤلم بل من العسير أن نتصور لم ضحى الكاتب بأحدهما دون أن يضحي بالآخر؟ ولو قد ضحى بالآخر لسألنا: لم ضحى به دون أن يضحي بصاحبه؟ ونحن لا نكاد نعلم مصير هذا الذي لم يمت، بل لا نكاد نقدر هذا المصير: فهل قتل نفسه ليدرك صاحبه أم هل تعزَّى عزاءً عسيرًا أو يسيرًا؟ وماذا كان أمره مع صاحبته؟

ومهما يكن من حظ هذه القصة في الملعب فإنها قيِّمة لمن يريد أن يقرأ، بل إن الفصل الثالث الذي نكرهه في الملعب لذيذ جدًّا في القراءة، فيه حوار قيِّم دقيق وفيه شيء جديد ليس في الفصلين الآخرين، فقد أظهر الفصلان الآخران نفسية الصديقين وعواطفهما حين كانا موضوعًا لهذا الصراع بين الصداقة والحب، ولكنهما لم يظهرا نفسية المرأة واضحة، وهذه النفسية تظهر جلية في الفصل الثالث، وليست أقل لذة ولا إمتاعًا من نفسية صاحبيها.

•••

نحن في باريس، في إدارة ضخمة من إدارات السينما توغراف، يملكها ويديرها صديقان: فيليب دلماسو، وفرنسوا بريور، صناعتهما الحقيقية الحرب، فهما من ضباط البحرية الفرنسية، قد أبليا في أثناء الحرب الكبرى بلاء حسنًا، كانا يعملان معًا على سفينة حربية واحدة، مسَّت لغمًا فنُسفت، وذهب كل من كان فيها إلا هذين الرجلين، فقد تعاونا حتى أنقذ كل منهما صاحبه مرات: يهوي أحدهما إلى قعر البحر فما يزال به صاحبه حتى ينقذه، ثم يهوي هو فما يزال به صاحبه حتى يستنقذه، وظلَّا كذلك يومًا كاملًا أو أكثر اليوم حتى أدركتهما سفينة فأنقذتهما، وكانت المودة بينهما قويَّة، فجاء هذا الخطر فأكدها، وزادها قوة وتثبيتًا، ثم وضعت الحرب أوزارها وسُرِّح هذان الضابطان فأرادا أن يشتركا في حياة السلم كما اشتركا في حياة الحرب، فأنشآ دارًا للسينما توغراف، ما أسرع ما نمت واتسعت، وكثرت فروعها وتشعبت. ونحن نشهدهما أول الفصل منصرفين إلى تدبير شئون هذه الدار في جدٍّ وانهماك وإتقان غريب، وهذا الفصل كله إلى قيمته الخاصة التي سنبينها لك له قيمة أخرى من حيث أنه يصور دخائل الذين يعملون في السينما توغراف، حتى إن هذا الفصل قد حمل بعض النقاد على أن يفكر في القصة التي حدثتك عنها منذ حين بعنوان: «ظهر حديثًا»، فتلك القصة تصور دخائل الأدباء في جراءة وقوة، وهذه القصة لا تقل عنها جراءة في تصوير دخائل الذين يديرون السينما توغراف، والذين يلعبون فيه. لو أن لي من الإلمام بهذا الفن حظًّا قليلًا للخصت لك بعض الشيء هذه المناظر التي تمثل حياة هؤلاء الناس، ولكني أترك ذلك إلى ما أستطيع أن أتناول، فألخص لك من هذا الفصل المناظر التي تعني قصتنا.

وأول هذه المناظر منظر يدخل فيه على هذين الصديقين صديق ثالث يقال له كرسبي ضابط بحري مثلهما، ولكنه في الجند العامل لم يسرح بعد، يقبل ومعه امرأته، جميلة رائعة، فيعرض على صديقيه بعد أن يقدم إليهما امرأته أمرين؛ أحدهما: أن يقبلا زوجه لاعبة عندهما، والآخر: أن يقبلا منه قصة وضعها لملعبهما، فيقبلان قصته، وينقدانه ثمنها، ويرفضان امرأته، وينصحان له أن يصحبها؛ لأنهما يكرهان لصديقهما أن تتعرض امرأته لما تتعرض له اللاعبات في السينما توغراف من عبث ولهو ومجون، وليس هو معها حتى يستطيع أن يحميها ويذود عنها، ويقبل الصديق نصيحة صديقيه، ولا يكاد ينصرف مع امرأته حتى يمزق الصديقان قصته دون أن ينظرا فيها.

ثم يدخل الخادم مستأذنًا لامرأة قد كتبت على بطاقتها هذه الجملة الغريبة: «قدرت ولكنك لم ترَ»، وفيها من الإغراء ما تحس وتقدر، فيضحك الصديقان ويأبيان استقبال هذه المرأة، ولكن الخادم يعود ومعه بطاقة لمونسينيور بودريار الأسقف المعروف بمكانته الدينية والأدبية، وكأنه قد أرسل هذه البطاقة يقدم بها هذه المرأة إلى الصديقين، فيأذنان لها كارهين، وقد اتفقا على أن يستقبلاها واقفين قد وضعا قلنسوتيهما على رأسيهما استعدادًا للخروج حتى لا تثقل ولا تطيل، وهما في حاجة إلى الخروج لشئونهما الفنية، ولكن هذه المرأة قد أُذن لها فتدخل متقدمة قصيرة الخُطى شديدة الحياء، لا هي بالباسمة ولا هي بالعابسة، محتشمة الزي ولكن لها جمالًا رائًعا، لا يكاد يقع في عين هذين الرجلين حتى يعبث بهما عبثًا لا حدَّ له، وكانا يزدريانها قبل دخولها أشد الازدراء. وكان كل منهما يعرضها على صاحبه حتى اتفقا أن أيهما وضع قلنسوته عن رأسه بقي معها، وانصرف عنه صاحبه ليترك له حريته التامة، ولكنهما لم يكادا ينظران إليها حتى وضعا قلنسوتيهما، وحتى أخذ كل منهما مكانه فجلس ونسي الخروج، وما كان له من موعد، وهذه المرأة في الخامسة والعشرين من عمرها تسمى ماري إيف أرسجيس، تبدأ فتعتذر من التوسل ببطاقة الأسقف؛ لأن الأسقف لم يعطها هذه البطاقة، وإنما ظفرت بها، بينما كانت ترتب بعض أوراق الأسرة فاتخذتها وسيلة إلى هذين الصديقين، وهي تعتذر أيضًا من بطاقتها، والجملة التي كتبت عليها قائلة إنها جملة بشعة، وإنها إذا خلت إلى نفسها اجترأت على كل شيء، فإذا اتصلت بالناس فقدت كل حظ من الجرأة، وهي تعرض نفسها عليهما لاعبة بين اللاعبات، وهي مشفقة أن تُرد، ولكنهما يسرعان إلى وعدها بأنها ستُقبل وهما يستبقان إلى إرضائها وتملقها، وقد اتفقا على أن تبدأ التجربة فورًا، فيميل أحدهما إلى التلفون ليأمر بالبدء في هذه التجربة، فإذا الآخر ليس أقل منه إسراعًا إلى هذا الأمر، وإذا ذكر أحدهما مصورًا سيبدأ التجربة رفض الآخر هذا المصور واقترح غيره؛ لأنه صاحب عبث ولهو، وما أسرع ما تذهب هذه المرأة إلى حيث التجربة ويخلو الصديقان، فلا يكاد أحدهما يتحدث إلى صاحبه في أمرها بشيء، كأن كلًّا منهما يخفي ما وقع في نفسه منها على صاحبه، وقد أحس كل منهما في الوقت نفسه ما يملأ قلب صاحبه من الحب لهذه المرأة، وأخذت الأثرة تعمل عملها، وأخذت الغيرة تعمل عملها أيضًا، وقد أخذ الصديقان يترددان في الذهاب لما كانا يريدان أن يذهبا إليه من شأن، كلٌّ يغري صاحبه بالخروج، ويعتذر عن البقاء، ثم يتفقان فيبقيان، وتنتهي التجربة وتعود المرأة، فما أحسن ما يستقبلانها، وما أشد ما ينهران الخادم؛ لأنه لم يحسن معاملتها في بعض لفظه، ولأنه احتفظ بقلنسوته على رأسه، وقد أجلست المرأة وقبلت، والصديقان يستبقان ويتنافسان أيهما يكون أشد إرضاء وأكثر تملُّقًا، وهي سعيدة مغتبطة لا تحس ما بينهما من غيرة ولا تفكر إلا في أنها ستقبل وستعمل، وستكسب حياتها، بل هي تفكر وتتحدث بشيء آخر: هي سعيدة لأن هذين الرجلين يتحدثان إليها في شيء من الاحترام والحشمة، لا يبسط أحدهما إليها يدًا، ولا يلقي أحدهم عليها نظرة مريبة، وهي تريد أن تعيش وفيَّة دائمًا لصديق لها فقدته، وكلا الصديقين يعدها المعونة والتأييد، ويقربها إلى نفسه، حتى يقول لها أحدهما: إن ساءك شيء من العمال فستجديني عونًا لك، فينكر الآخر عليه ذلك، ويظهر بينهما شيء من الخلاف تلحظه المرأة، ويشتد هذا الخلاف حتى يضطر أحدهما إلى أن يطلب إليها أن تعتزل حينًا حتى يتم عقدها الذي يُهَيأ.

فإذا خلا الصديقان بدآ بالعتاب، ثم لم يلبث هذا العتاب أن يستحيل إلى خصومة منكرة يظهر فيها الحقد في أقوى مظاهره وأقبحها بين رجلين كل منهما يحب هذه المرأة حبًّا لا حدَّ له، ويريد أن يؤثر بها نفسه، وأن يضحي في سبيل ذلك بكل شيء وبكل إنسان، ويصل الأمر بالصديقين إلى أن يعلن كل منهما إلى صاحبه الحرب التي لا سلم فيها، وإلى أن يتمنى كل منهما لصاحبه لو قد ظل في قعر البحر فلم ينجُ منه يوم نُسفت السفينة.

وهذا أحد المصورين قد أقبل فيتحدث إليهما في شئونه، ثم يعرض عليهما رسمًا يقول إنه اختلسه اختلاسًا حين رأى امرأة جديدة تبدأ تجربتها، ويترك لهما هذا الرسم، فإذا هو رسم هذه المرأة، والصديقان يختصمان حوله: كل يريد أن يجذبه إلى نفسه، ويصل الأمر بهما إلى أن يشتبكا، وقد أنذر كل منهما صاحبه أقبح النذير، حتى إذا انتهى بهما البغض إلى أقصاه، ولم يبقَ بينهما إلا الموت ذكرا صداقتهما، وذكرا السفينة، والخطر، وما بذل كل منهما من الجهد لإنقاذ صاحبه، وإذا أحدهما يعتذر إلى صاحبه، وإذا الآخر يعتذر له أيضًا، وإذا هما قد تابا من هذا الشوط البعيد الذي جرياه إلى البغض والموت، وإذا الصديقان قد ظهر كل منهما لصاحبه، ولكن المرأة ما زالت قائمة بينهما … وكلاهما يريدها لنفسه، وكلاهما يأباها على صديقه، وكلاهما يعلن إلى صاحبه أنه لو استطاع أن ينزل عنها لصاحبه لفعل، ولكنه لا يستطيع، وهما في مأزق الحيرة بين الصداقة والحب، وبين الإيثار والأثرة، وإذا فرنسوا قد وفق إلى حل يصلح ما بينهما بعض الشيء، ولكن يفسد حياتهما جميعًا، فهو يعرض على صاحبه أن يتقاسما بشرفهما العسكري ليمتنعن كل منهما حيًّا وميتًا وفي جميع أطوار الحياة، ومهما تكن الظروف عن أن يتحدث بحبه إلى هذه المرأة، وإذن فقد اتفقا، هما يحبانها، وهي عليهما حرام، هما يحبانهما، والتحدث بالحب عليهما حرام، وهذان الصديقان يتصافحان مذعنين مستسلمين، مستقبلين حياة كلها شرٌّ ومشقة وألم، وهذه إحدى العاملات تدخل وقد أعدت العقد فينظران فيه، ويتمه أحدهما، وهما يزيدان في أجر صاحبتهما، ويتنافسان في الحرص على منفعتها، حتى إذا تم لهما من ذلك ما أرادا دعوا هذه المرأة فأقبلت مضطربة يائسة أو كاليائسة، وقد طال عليها الانتظار، ورأتهما فأحست تغيرهما، فاستيقنت أنها غير مقبولة، ثم أنبئت أنها مقبولة، ثم يعرض عليها العقد فتنظر فيه فلا تملك نفسها حين ترى ما يعرض عليها من أجر لم تكن تنتظر بعضه، وهي سعيدة مغتبطة، وهي تطلب إليهما أن تقبلهما، فما أسرع ما يقبلان، وهي تقبلهما، وتنصرف على أن تعود من الغد، وقد خلا الصديقان فهما في حيرة ماذا يصنعان، وكيف يحوطانها من العبث واللهو، ويحميانها من أطماع الطامعين، وتتبع المتتبعين.

وهذا أحد المصورين قد دخل يستأذنهما في السفر لإجازته، ولكنه ينبئهما بأن قريبة له قد أرسلت إليه قصة سخيفة على أن تلعب في السينما توغراف، وهو يعلم أن هذه القصة لا يمكن أن تُقبل بل يجب أن تُمزق، ولكنه يريد منهما كلمة إلى صاحبة هذه القصة فيها شيء من الأمل ضئيل؛ لأنه سينفق عندها إجازته، فإذا سئل عن هذه القصة أنبأ بأنها قصة إحدى القديسات التي أنقذت طائفة من الناس في القرون الوسطى بألوان من الجهاد والتضحية سخيفة، فما أسرع ما يقبلان القصة، وينفقان في شرائها ثمنًا ضخمًا، ويلغيان إجازة المصور ليبدأ في التجربة، والمصور دهش لا يفهم هذا، ولكن فهمه يسير، فستلعب ماري إيف في هذه القصة، وستكون فيها قديسة لا تتعرض لقبل المقبلين، ولا للعبث ولا للمزاح، ولا لشيء مما يكره العاشق أن يرى صاحبته تتعرض له، ويأتي المصور يحمل نتيجة التجربة، ولكن ما قيمة هذه النتيجة؟ وما قيمة التجربة؟ أليس قد تم الاتفاق بينهما وبين المرأة؟ أليست ستبدأ عملها من الغد؟

فإذا كان الفصل الثاني فقد مضى شهر على ما حدثتك به، ونحن حيث كنا في الفصل الأول، في مكتب المديرين، والمكتب كما كان لم يتغير إلا أن فيه أزهارًا كثيرة لم تكن فيه من قبل، وإلا أن فيه لوحة بشعة تمثل جسم امرأة قد عبث به الجراحون، فأظهروا كل ما فيه، أو بعبارة أدق أقبح ما فيه، أظهروا تكوينه الداخلي، أظهروا الأمعاء والمعدة والقلب والكبد، وما إلى ذلك، ونحن نرى الخادم يهيئ الأزهار ويصلحها، وينظر تحت المقاعد والمكاتب كأنه يلتمس شيئًا، ثم تأتي السكرتيرة، فنفهم من حديثها مع الخادم أن أحد المديرين وهو فيليب قد فقد محفظته منذ أمس، فالخادم يبحث عن هذه المحفظة، ونفهم أن ماري إيف هي التي تحمل هذه الآثار في كل أسبوع، ونفهم أن شيئًا من شئون المديرين قد تغير …

وهذه امرأة مقبلة يظهر عليها في وضوح أنها إحدى المومسات، وإحدى المومسات المنحطات، قد دخلت، لم تستأذن، وهي تسأل عن فيليب، ويحاول الخادم أن يخرجها فلا يوفق، وبينما هو يلح عليها في الخروج وهي تأبى، يقبل فرنسوا ومعه رجل بلجيكي من رجال السينما توغراف يقال له ورتز، فإذا رأى هذه المرأة أنكرها، وإذا عرف أنها تطلب صاحبه صرف من حوله وخلا إليها لحظة، فنفهم من حديثهما أن صاحبه قضى عندها الليل، ونسي عندها محفظته، فهي ترد هذه المحفظة وهي تترك عنوانها كاملًا، وقد فهمنا من حديثها أن فيليب يلتمس اللهو بل يلتمس أقبح ألوان اللهو يتعزى به عن حبه المضيع، وتنصرف المرأة ويأتي البلجيكي فيتحدث في بعض الشئون إلى فرنسوا، ونفهم نحن من هذا الحديث أن فرنسوا مُدلَّه قد ذهب لبُّه أو كاد؛ فهو يعاني من حبه آلامًا ثقالًا قد غيرت جسمه، وأخذت تغير عقله أيضًا.

وبينما يتعزى صاحبه باللهو القبيح يتعزى هو بشيء آخر، بهذه اللوحة التي تظهر له أقبح ما في جسم المرأة، وبينما ينفق صاحبه ليله في المواخير ينفق هو أوقات فراغه في المستشفيات، وفي قاعات التشريح؛ يريد أن يبغض المرأة إلى نفسه.

وهو لا يكاد يفقه ما يتحدث البلجيكي به إليه، أليس قد أمضى ليالي لم يذق فيها النوم؟ أليس قد أمضى أيامًا لم يذق فيها الطعام؟ وصاحبه البلجيكي يسأله عن امرأة رآها تلعب، فإذا هي ماري إيف، يراها البلجيكي جميلة ويطمع فيها فيثبطه فرنسوا؛ لأن لها عاشقين خطرين.

وينصرف البلجيكي، ويأتي فيليب متعبًا مكدودًا، فيتحدث الصديقان في عملهما، ولكنا نحس أنهما يكتمان كتمانًا شيئًا ما يأكل قلبيهما من لوعة وعناء، وهذه ماري إيف قد أقبلت، وإذا هما يستقبلانها استقبالًا حسنًا ولكنه مؤلم، وهي تتحدث إليهما في صراحة أن قد كانت تريد الوفاء لصديقها الذي فقدته، ولكن الحياة لذيذة، وللشباب حكمه، وقد وفت لصاحبها ما استطاعت، وما الوفاء إلا ظل، فيجيب أحدهما في سخرية: ظل الوفاء … ونفهم من حديثها أن أحد اللاعبين قد عرض لها بالحب ودعاها إلى العشاء، وأنها تريد أن تذهب وتتعشى معه، وإذا هما مغضبان يصرفانها عن ذلك ما استطاعا، ويدعوانها إلى العشاء معهما ضنًّا بها على هذا اللاعب، فتقبل وهي سعيدة وهما سعيدان، وهم ينظمون عشاءهم، وإذا أمر يدعوهما فينصرفان عنها حينًا، وما هي إلا أن يقبل البلجيكي فيراها فيُفتتن عاشقًا، وتحب أن تتبين الأمر، وقد خلت إلى نفسها حينًا، ثم أقبل فيليب فتتلطف له، وتدنو منه، وتأخذ في مداعبته كأنها تعرض نفسها عليه، ولكنه يردها ردًّا عنيفًا بشعًا مهينًا، ويعلن إليها في قوة أنه يزدري المرأة، وما يزال بها حتى يحنقها، يريد أن يخيل أنه لا يحبها ولا يمكن أن يحبها، وهو في ذلك إذ يحس صاحبه مقبلًا فينصرف، ويلح عليها في أن تبقى، وليست هي في حاجة إلى الإلحاح، فهي تريد أن تعلم علم صاحبها الآخر.

وقد دخل صاحبها فتصنع معه مثل ما صنعت مع الآخر، فلا تلقى منه إلا ردًّا عنيفًا، ولكنه ليس كرد صاحبها الأول، فهو لا يهين ولا يزدري، ولا يكاد يخفي عواطف نفسه، ولكنه يأبى ويمتنع، ويتخذ العلل والمعاذير، ويلح في ذلك حتى يؤيسها، وقد انصرفت وكأنها تحس منه الحب، ولكننا لا نفهم في حقيقة الأمر نفسيتها الخاصة، ويقبل صاحبه فيتحدثان، ونفهم أنه قد خلا إلى ماري إيف لحظة، فانصرف ليخلو إليها صديقه لحظة مثله، وهما سيئا الحال، قد فشلا في الوفاء بما كانا قد أقسما على الوفاء به، وكل منهما يعلن فشله، ولكن الذي يؤذيهما حقيقة الأمر هو ما يراه كل منهما من ألم صاحبه وعنائه، وفساد أمره، وقد انتصرت الصداقة أو كادت، فكلا الرجلين يلح على صاحبه في أن يحل نفسه من قسمه، ويعلن أنه نازل عن حبه وعن حبيبته، وكلاهما يرفض من صاحبه هذا الوفاء.

•••

فإذا كان الفصل الثالث فنحن في آخر الليل أمام البيت الذي تأوي إليه ماري إيف، وقد فتحت نوافذه، وارتابت الشرطة بذلك، فوقف بعض الحراس ينظر، ويريد أن ينبه البواب ليغلق النوافذ، ولكن هذه سيارة تقف وتخرج منها ماري إيف وفرانسوا، فيكون بينها وبين الشرطي حديث تفزع منه بعض الشيء، وقد انصرف الشرطي ودخلت هي إلى دارها ولكنها خائفة، فهي تأبى على صاحبها أن ينصرف حتى تستوثق من البيت، فإذا استيقنت من خلوِّه أذنت له في الانصراف، لكنها لا تلبث أن تدعوه؛ لأنها أحست حركة، فيتسور النافذة، ويستوثق من أنه ليس في البيت أحد، ويهم أن ينصرف، ولكنها تأبى عليه؛ لأنها أرقة ولا بأس من أن يتحدث إليها بعض الشيء.

وقد فهمنا من حديثهما أن فيليب تركهما معتذرًا، وفهمنا أيضًا أنه تعمد ذلك تضحية بنفسه لصديقه؛ لعله إذا خلا إلى هذه المرأة آخر الليل لم يستطع أن يبر بقسمه، ولكن صديقه أشد وفاء من أن يتورط في الحنث، فهو يريد أن ينصرف وقد أخذ التأثر منه أشد مأخذ، والمرأة تريد أن تعلم علمه وعلم صاحبه، وما تزال به سائلة وملحة في السؤال حتى يخبرها بأن فيليب يحبها حبًّا مضنيًا، وإذا هو قد مضى في التضحية إلى أبعد حد، فهو يغريها بفيليب، ويستعطفها عليه، ويلح في الإغراء والاستعطاف، وقد تركته لحظة وأقبلت خائفة، ولكنها على ذلك متكتمة … فيفهم! فيفهم أن صاحبه قد سبقه إلى البيت، وأنه مُختفٍ في بعض أرجائه، وأنها قد رأته، فما أسرع ما ينهض لينصرف، وهي لا تمسكه هذه المرة، وهو يحس ذلك، ويحس أنها تكتم في نفسها شيئًا، وأنها تتمنى لو انصرف، وما يزال بهما حوار دقيق ولكنه بديع مؤثر، حتى تكاد تعترف بأنه هنا.

وهذا فرانسوا يودعها، ولكنه وداع مؤلم؛ لأننا نحس كما تحس هي أن فيه شيئًا من الغرابة؛ أليس يدعوها باسمها الخاص! وقد تسوَّر النافذة، وأخذ يتحدث إليها حديثًا كله يأس، وكله أماني، وهي مشفقة عليه مما قد يلقاه في طريقه، والليل مظلم، والطريق خالية، فتسأله: أمعه سلاح، فإذا عرفت أنه غير مسلح دفعت إليه مسدسها، وهو مسدس جميل رشيق، فيأخذه ضاحكًا ويقول: لقد فكرت في كل شيء … وقد ودعها وانصرف، واستوثقت هي من ذلك، وأغلقت النافذة، ودعت صاحبها الآخر فيقبل، ونفهم من حديثهما أنه كان صادق العزم على التضحية، وأنه إنما سبقها إلى البيت لتودعه لآخر مرة، وبينما يريد أن ينصرف أقبل الشرطي فاستخفى، ثم أقبلت هي ومعها صاحبها فلم يستطع أن يظهر أمامهما، فهو إذن لم يأتِ ولم يتعمد الاستخفاء، وهي تعرض نفسها عليه في لطف، وهو يردها في عنف، فلا يزيدها الرد إلا إلحاحًا، وهي تلقي بنفسها بين ذراعيه، وهي تدني وجهها من وجهه، وفمها في فمه، وهي تتحدث إليه بأعذب اللفظ وأشهاه، وهو يضطرب بين الوفاء والحب، والوفاء أشد في نفسه تأثيرًا، فهو يدافع نفسه، ويدافع صاحبته، ولكنه على ذلك يداعب شعر هذه المرأة، ويداعب جيدها، وهي تسترسل في الاستسلام له، وما تزال به، وما يزال هو بنفسه حتى يوشك أن يتغلب، وإذا هو يدني فمه من فمها، ولكنها لا تلبث أن ترتد فجأة، وقد صاحت صيحة قوية نبهت صاحبنا من حبه، فإذا سألها ذكرت أن فرنسوا لم يكن يتحدث إلا عنه، وقد كان مضحيًا بنفسه في سبيل صاحبه، وأنها تعلم الآن أنه كان يحبها أيضًا، وأنها مشفقة عليه لا تدري إلى أي حال صار … ثم ذكرت قصة المسدس، وفهمنا أنها لم تعطه المسدس ليتقي به، ولعلها إنما أعطته المسدس لشيء آخر بعد أن فهمت كل شيء. وهذا فيليب ذاهلًا واجمًا، قد أسرع إلى النافذة ففتحها، وإلى النور فأطفأه، ثم ينظر فيصيح باسم صاحبه! أليس قد رآه صريعًا، وهي تسرع فيردها قائلًا: إن كان في قلبي إلا حبٌّ واحد، ولم يكن هذا الحب لك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤