الإنسانُ حيوان محارب

لقد خدع المناطقة بالبريق الذي يلمع في الإنسان من عقل وتفكير، فعرَّفوه بأنه حيوان ناطق.

وخُدع أرسطو بمظهر حب الإنسان للاجتماع، فقال: إنه حيوان مدني بطبعه.

ولو أنصفوا جميعًا لقالوا: إنه حيوان محارب بطبعه.

من مبدأ أن خلق إلى الآن وتاريخه سلسلة حروب.

نازع الملائكةُ في خلقه، وقالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ثم كان خَلْقه وليد هذا النزاع.

وحلّ في الجنة حيث السلام والأمان، والطمأنينة والنعيم، فلم يرضه ذلك كله، وترك كل ما أبيح له أن يأكل منه، وأكل مما حرم عليه، جلبًا للنزاع والخصام، فكان الخروج من الجنة. ولو أحب السلام لأطاع، ولو أطاع ما كان قتال، ولكنه الإنسان.

ثم كان ما ذكر القرآن الكريم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّ‌بَا قُرْ‌بَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ‌ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَ‌بَّ الْعَالَمِي. فَقُتِل المسالم، وبقي على الأرض المقاتل.

وتاريخ الأنبياء كلهم وخصومهم يتلخص في كلمات: دعوة، فاستنكار، فقتال، فانتصار.

•••

ثم تتبع ما يستكشفه الأثريّون في مختلف بقاع الأرض من العصر الحجري، سواء في ذلك سكان الوديان، وسكان الكهوف والمغارات، تجدهم لم يخلّفوا مقاعد للجلوس ولا أسرّة للنوم ولا نوعًا يدل على الحياة الوادعة الهادئة؛ إنما خلفوا سكاكين حجرية لشق البطون، وسهامًا لإصابة المقاتل، و«بلطة» لتهشيم الرءوس.

واقرأ تاريخ الأمم. فهل ترى إلا تاريخًا حربيًّا، حربًا أيام الحرب، واستعدادًا للحرب أيام السلم، وإحصاءً للجيوش وإحصاءً للقتلى، ووصفًا للخراب، وتسجيلًا لأنواع التنكيل؛ ولم يكن ذلك مقصورًا على أمة دون أمة وجيل دون جيل؛ إنما هو تاريخ كل أمة في كل عصر، في الشرق والغرب، في البدو والحضر، في السهل والجبل، في البر والبحر، وأخيرًا في أعلى السماء وأعمق البحار؛ تاريخ اليونان حرب، وتاريخ الفرس حرب، وتاريخ الرومان حرب، وتاريخ اليابان حرب، وتاريخ أمريكا حرب، وتاريخ العالم الآن حرب؛ فإن ظفرت بأمم لا تحارب؛ فلأنها غلبت على أمرها، فجردت من سلاحها إثر هزيمة حربية لحقتها، أو خمود نفسي أصابها من اندحارها.

ثم كان شأن الأدب شأن ما استكشفته الحفائر من سهام ونبال؛ فالإلياذة — وهي أغنية الشعب اليوناني — مملوءة بالتهشيم والتحطيم؛ والشعر العربي الجاهلي يشيع الدم في جميع نواحيه، والأمم الحية الحديثة إنما تقدس الأديب القوي والفيلسوف القوي والموسيقي القوي، الذين يمجدون الدم، ويعبدون إله الحرب، وينفخون في روح شعوبهم السيطرة والقوة والعظمة والسيادة؛ وهذا هو الأدب الألماني الحديث يرمي إلى تمجيد شعور الجنس لا شعور الفرد، وتمجيد أرض الجنس لا أفراد الجنس، وبيان أن أخلاق الجنس وعبقريته نابعة من أرضه لا من مدنه، والحث على سيطرة الجنس بمجموعه وأرضه على كل الجناس البشرية، واستخدام الشعر والقصص وسائر أنواع الأدب لخدمة هذه الغاية؛ لأن تربة أرضهم خير أنواع التربة، وقد أخرجت لهم خير أنواع الناس، فيجب أن يكون الأدب بطل الآداب، يغذي أبطال الناس، ويبعث فيهم القوة والحياة والعزة والفخر والسيطرة؛ وهل مثل هذا الأدب إلا باعث القتال ومثيره؟

•••

كلما استكشف الإنسان مادة من مواد الحياة أو قانونًا من قوانين الطبيعة، استخدمها في تحطيم رأس أخيه وتهشيم جسمه؛ رأى الحجر الأول ما رأى فاتخذ منه سكينًا وسهامًا، واستكشف الحديد فعمل منه سيوفًا وسنانًا، وأخيرًا مدافع ومصفحات ودبابات، وعرف قوانين الماء فبنى عليها أساطيله وغواصاته، وظهرت له قوانين الهواء فأنشأ عليها مناطيده وطياراته، ووقف على منابع الزيت فأشعلها نارًا على عداته، وهكذا:

كلما أنبت الزمان قناةً
ركَّب المرء في القناة سهاما

•••

وأقام الناس دولة الغزَل والنسيب، وهو باب من ألذ الأبواب وأحبها إلى النفوس، وأدعاها للسرور والطمأنينة، فإذا بالأدباء — وهم أبعد الناس عن الحرب — يستعيرون كل ألفاظ الحروب والقتال في التعبير عن خطراتهم ومعانيهم، فنظرات الحبيب سهام:

أوَّاه إن نظرت وإن هي أعرضت
وقْعُ السهام ونزعهن أليم

وحُمرة خده من دم المحب:

هذا دمي في وجنتيك عرفته
لا تستطيع جحودَه عيناك

وهو يرمي فلا يخطئ، ويقتل فلا يُقاد:

تَعَرَّضْنَ مَرْمى الصيد ثم رَمَيْنَنا
من النَّبْل لا بالطائشات الخواطِف
ضعائفُ يقتلن الرجال بلا دَمٍ
فيا عجبا للقاتلات الضعائف

وهكذا ملئوا هذا الباب البديع اللطيف دمًا وقتلًا وسهامًا ونبالًا وفتكًا وصرعًا ودية وقَوَدًا، ونقلوا كل أدوات القتال حيث لا قتال، ولكنه الإنسان المغرم بالقتال.

•••

ولما أرادوا أن يلعبوا لعبوا بالقتال، ومثلوا القتال، فلعبوا الشطرنج وملأوه خيلًا وفيلة، وجنودًا وقلاعًا ووزراء ودولة، وكان انتهاء الدور دائمًا «كِشْ» «مات»؛ ولعبوا النرد يمثلون الغلبة عن طريق القدر أكثر منها عن طريق الجد؛ ومرنوا الأطفال والشبان على لعب الكرة، فقسموهم معسكرين، ونظموهم جيشين، وأقاموا لهم ميادين جالوا فيها وصالوا؛ وهكذا استغلوا في أكثر الألعاب غريزة الإنسان في حب الحرب وحب الغلبة، إذ لم تكن له غريزة مثلها تسد مسدها.

ومن قديم جاء قوم من الفلاسفة والحكماء يقفون في وجه الحرب، ويعلنون أن الإنسان أخو الإنسان، وينادون أن أحِب لأخيك ما تحب لنفسك؛ فذهبت دعواتهم صيحة في واد، ونفخة في رماد، وبقي الإنسان هو الإنسان، يسمع لداعي القتال، ولا يسمع لداعي السلام.

وجاءت الأديان الكبرى تريد الدعوة بالحسنى، فاشتق الإسلام اسمه من السلام، ثم كان تاريخ المسلمين حروبًا لا تنتهي؛ وجاءت النصرانية تدعو إلى أن من ضربك على خدك الأيمن فأدِرْ له خدك الأيسر، ثم لم ير في تاريخ العالم أمم تحب القتال وتتفنن فيه وتدعو إليه، وتفتك أشد فتك وأروعه وأحماه، كما تفعل أمم النصرانية بعضها مع بعض، وبعضها مع غيرها.

بل أكثر من هذا عجبًا أن انقلب الدين نفسه سببًا كبيرًا من أسباب الحرب؛ فالمؤمنون والزنادقة، والمؤمنون والكافرون، والمذاهب الدينية بعضها إزاء بعض، ومحاكم التفتيش، والتبشير المسلح — كل هذا يملأ في تاريخ القتال صفحات لا تقل شأنًا عن صفحات القتال للغنيمة أو للفتح.

•••

وتراه إذا أعياه القتال في البر قاتل في البحر، فإذا أعياه القتال في البر والبحر قاتل في الجو، فإذا أعياه القتال فيها جميعًا؛ نقل حياته أيام ما يسميه بالسلم إلى حالة حربية في الحقيقة؛ فنظام التعليم عنده نظام حرب: تربية وطنية لتمجيد الوطن وحب إعلائه، وبث روح السيادة على غيره، وقلب لحقائق التاريخ خدمة لهذا الغرض، ونظام مسابقات بين الطلبة ليتحاربوا، ونظام ترتيب حسب الدرجات ليتحاسدوا ويتقاتلوا.

فإذا خرجوا من المدرسة فنظام وظائف ونظام علاوات وترقيات كفيلة بإثارة شعور القتال عند أي ميال إلى السلم.

ووراء ذلك نظام تجاري، كله حرب وانتصار وهزيمة، وغالب ومغلوب، اصطلحوا على أن يسموها أسماء جديدة كالربح والخسارة، والنجاح والإخفاق، وهي في الحقيقة ليست إلا مرادفة للنصر والهزيمة، والحياة والموت.

ثم أحزاب سياسية تتناحر وتتنابز، وتتراشق بألفاظ السباب والاتهام بالخيانة، وكلما دخلت أمة في الحكم لعنت أختها.

ونظام اجتماعي بني على أساس حربي؛ فطبقات يتربص بعضها ببعض، وغني يستغل فقيرًا، وفقير ينهب غنيًّا، وجان ومجني عليه، وخصومات أشكال وألوان.

ثم تحرّ أعمال الإنسان من عهد طفولته وهو يبكي، إلى عهد نضجه وهو موظف كبير أو تاجر كبير أو سياسي كبير، وحلل البواعث عليها تجد أن أكثرها — مهما اختلفت الآراء فيها — يعود إلى شيء واحد، وهو حبه الغريزي للحرب.

وهكذا حرب في الحرب، وحرب في السلم، والمدارس حرب، والوظائف حرب، والديانات حرب، والسياسة حرب، والطبقات حرب — كانوا كذلك قديمًا، وهم كذلك حديثًا، وهم لا يزالون كذلك ما دمت أنيابهم في أفواههم.

(والله ما فسد الناس، ولكن اطَّردَ القياس).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠