مدرسة المروءة

طلب إليّ أخي الدكتور طه أن أضع له مشروعًا لمدرسة المروءة، أبين فيه اختصاصها ومنهاجها وتبعيتها إلخ. ولا بد أن أنزل على حكمه؛ لأني دعوته فأجاب بل كثيرًا ما يجيب من غير أن أدعوه، وكثيرًا ما يلاحقني في مقالاتي واقتراحاتي، فإهمال دعوته إذًا جريرة لا تغتفر؛ ولأن الموضوع في ذاته جد خطير، فلو ظفرنا بهذه المدرسة لأخرجت كما قال لنا: رجالًا يرتفعون عن الصغائر كلها أشد الارتفاع، ويتنزهون عن النقائص كلها أعظم التنزه» وأي شيء في الوجود أنبل من هذه الغاية، وأجدر منها بالقول؟

ولكن هذا التكليف شاق عسير، صادفتني فيه عقبات جمة أسرد لك بعضها: أولها — ما المروءة التي نريد أن ننشئ لها مدرسة! لقد تعب الناس قديمًا وحديثًا في تحديد معناها، فلم يصلوا فيه إلى قولٍ حاسم، وهي في كل عقل بمعنى، فقد عرَّفها بعض اللغويين بأنها «كمال الرجولة»، ولكني لم أرتض هذا التعريف؛ لأنه يريد أن يقصر المروءة على الرجل، ومعاذ الله أن أوافقه على ذلك بعد أن أصبحت المرأة تخيفنا في كل ما نقول، فإذا لم نقل ما يرضيها غضبت، وويل لنا إذا غضبت. وهناك آنسة وقفت لي بالمرصاد، فكلما تحدثت حديثًا في الراديو، أو كتبت مقالًا في مجلة، كتبت إلي تعنفني على اقتصاري على جانب الرجل، أو الاكتفاء بضمائر الرجل، أو استعمال جمع المذكر السالم دون جمع المؤنث السالم، بل ولم ترض مني بجمع التكسير الذي يشمل الرجل والمرأة على السواء؛ فكيف لو ارتضيت هذا التعريف في المروءة، وهو يقول: إنه كمال الرجولة ولم يقل: كمال الأنوثة، مع أن كمال الأنوثة مروءة ككمال الرجولة؟ وكأن صاحب «لسان العرب» خاف خوفي فأسرع، وقال: إن «المروءة هي الإنسانية»، فأرضى الرجل والمرأة ونجا بجلده.

وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «خذ الناس بالعربية، فإنه يزيد في العقل ويثبت المروءة»، وسئل آخر عن المروءة فقال: «أَلَّا تفعل في السر ما تستحيي منه في العلانية». وقال عبد الله بن عمر: «إنَّا معشر قريش لا نعد الحلم والجود سؤددًا، ونعد العفاف وإصلاح المال مروءة»، وروى العتبي عن أبيه أنه قال: «لا تتم مروءة الرجل إلا بخمس: أن يكون عالمًا صادقًا عاقلًا ذا بيان مستغنيًا عن الناس».

ولو عددت كل ما قيل في تعريفها لضاق المجال؛ وأنت أعلم به مني، فأي الأقوال نختار، وأي الآراء نؤسس عليه بناء المدرسة؟

ولكن هذا الإشكال يمكن حله بأن نأخذ كل هذه التعاريف وغيرها، ونمزجها وننخلها ونجعل خلاصة تكون برنامجنا؛ وسنصل في النهاية — فيما نظن — إلى تعريف أنها «كمال الإنسانية».

ثم وقعت في مشكلة أخرى؛ ذلك أني رأيت في التاريخ حادثة خطيرة حدثت للمروءة، وهي أن أهلها كلهم ماتوا في زمن من الأزمان، وأقامت المروءة عليهم الحداد، ولبست السواد، وأخذت تندبهم وتولول عليهم، ومر بها شاعر وهي على هذا الحال فقال:

مررت على المروءة وهي تبكي
فقلت علامَ تنتحب الفتاة؟
فقالت كيف لا أبكي وأهلي
جميعًا دون خلق الله ماتوا؟

فقلت: إذا كان أهل المروءة جميعًا قد ماتوا فكيف ننشئ مدرسة، ومن أين نأتي بالمدرسين؟ فإنهم إذا كانوا من أهل المروءة فقد كذبت المروءة في أنهم جميعًا ماتوا، والكذب ينافي المروءة، وإذا لم يكونوا من أهل المروءة فكيف يخلقون ذوي المروءات، والشيء لا يُخْلَق من لا شيء؟ وإخواننا الأزهريون يقولون: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ وبعد جهد جهيد تغلبتُ على هذه المشكلة بأن المروءة لم تكذب، وإنما كذب الشاعر؛ فهو لم ير المروءة بعينيه، ولم يحدثها وتحدثه، بدليل أن شاعرًا آخر مثله وقبله قال:

إن السمـاحة والمـروءة والنـدى
في قبة ضربت على ابن الحَشْرَج

ثم مات ابن الحشرج وسقطت قبته على من فيها، ومع ذلك بقيت المروءة حتى لقيها الشاعر الثاني فيما يزعم.

إذًا فالمروءة بحمد الله موجودة لم يمت أهلها كلهم ولم تنتحب عليهم، فنستطيع أن نجد لها معلمين من أهلها.

•••

ثم أود قبل كل شيء، وبعد كل شيء، أن تبعد من ذهنك الفكرة الشائعة في المدرسة من أنها بناء ذو حجرات ومقاعد، وحصص وأجراس، وناظر ومفتش وفراش؛ فقد أصبح هذا (الطقم) كله ثقيلًا بغيضًا، أخشى أن ينفّر المروءة فتنتحب ثانية، وقد بذلنا غير المعقول في استرضائها وعودتها إلى الحياة.

إنما أريدها مدرسة من صنف آخر، على حد تعبيرنا أن «مجلة الثقافة» مدرسة، وعلى حد تعبير إخواننا المستشرقين مدرسة الشافعية ومدرسة الحنفية، أي: دراسات المذهب الشافعي والمذهب الحنفي، وكقولهم: مدرسة المعتزلة ومدرسة الشيعة، وهو تعبير طريف أظرف ما فيه أنه ينجينا من كل مشاكل المدارس الأميرية والحرة، وينجينا من وزارة المعارف بكل قيودها.

أريدها مدرسة لها حدود أربعة هي بعينها حدود القطر المصري شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.

ولكن تأتي بعد ذلك مشكلة أعنف: كيف آتي بالمدرسين لكل هذا العدد، وقد عجزت وزارة المعارف أن تأتي بمدرسين يسدون حاجتها، مع أن عدد تلاميذ مدارسها لا يبلغ عشر معشار الأمة، ومع أن لها العدد الوفير من مدارس معلمين ومعلمات ومعاهد تربية للبنين والبنات، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله ووزارة المعارف؟

خطر لي خاطر جريء لست أدري أترتضيه أم لا ترتضيه!

خلاصة هذا الخاطر تنبني على نظرية بسيطة، وهي أنه إذا صلح الرئيس صلح المرءوس؛ وقياسًا على هذه القاعدة إذا كان الرئيس ذا مروءة أصبح المرءوس ذا مروءة! وبناءً على ذلك أشكّل لجنة صغيرة من ذوي المروءات وأمنحهم اختصاصًا واسعًا جدًّا لا تقف في سبيله وزارة المالية بقوانينها وقيودها التي تكتف كل حركة، وأمنح هذه اللجنة الإرادة التي لا حدّ لها في العزل والإحالة على المعاش، وأجعلها تستقصي أحوال كل رؤساء المصالح والدواوين، وكل المديرين والمأمورين، وكل العمد ومشايخ البلاد؛ فمن ثبت لها أنه أخل بالمروءة عزلته من غير هوادة، وأحلت محله من عرف بالمروءة، ونُبهت اللجنة إلى أن مقياس الكفاية للرياسة ليس العلم، ولا الذكاء، ولا الشهادة، ولا المحسوبية، ولا الحسب ولا النسب، ولكن المروءة؛ فإذا اجتمع علم ومروءة، أو ذكاء ومروءة فذاك، وإلا فالمروءة أولًا والمروءة وحدها.

إن فعلنا ذلك قلد المرءوسون الرئيس في المروءة، وقلد المأمورين المديرين، وقلد العمد ومشايخ البلد المأمورين، وقلد الفلاحون العمد والمشايخ، وسرت في البلاد كلها من أقصاها إلى أقصاها نوبة تسمى «نوبة المروءة»، وبذلك أجعل من الرؤساء معلمين للمروءة يعلمون بالمثل لا بمجرد القول.

ثم أجعل للجنة المروءة هذه اختصاصًا واسعًا في نشر ثقافة المروءة؛ فأحاديث تدوِّي في الراديو تصل إلى كل أذن تشيد بأعمال المروءة، وروايات تمثل أعمال المروءة، وكتب تؤلف في لغة سهلة عذبة في سير المروءات.

وشيء آخر لا بد منه، وهو تكوين رأي عام يتطلب المروءة ويقدرها ويقوِّمها ويكون شديد الحس بها؛ فهو يجلّ من أتى بأعمال المروءة ومن اتصف بها، وهو يحتقر أشد الاحتقار من حاد عنها وارتكب ما يخل بشرفها، مهما كان غنيًّا، ومهما كان وجيهًا، ومهما كان ذا سلطان، لا كرأينا العام الذي لا يعبأ بالمروءة كما يعبأ بالمنصب، والذي لا يعبأ بالنبل كما يعبأ بالمال، والذي إن احتقر أعمال اللؤم، ففي سره وفي خاصته، ثم هو حريص كل الحرص على ألا يشعر باحتقاره اللئيم المجرم، ولا أن يصل إلى سمعه شيء من أقواله في احتقاره، فهو يبطن الكره ويظهر الحب، ويبطن الاحتقار ويظهر الإجلال.

ولأعدْ سريعًا إلى المرأة خوفًا من الآنسة؛ فماذا يكون شأن المرأة في هذا البرنامج؟ في هذه المسألة قولان — قول يقول: إذا مَرُؤ الرجل مَرُؤت المرأة؛ فإذا أعددنا برنامجًا لمروءة الرجل، استتبع ذلك مروءة المرأة؛ ولكن المرأة ترفض هذا القول بتاتًا، وترى أنه ماس بكرامتها، وتصر على أنه إذا مَرُؤَت المرأة مَرُؤَ الرجل؛ لأنها هي التي ترضع الجيل الجديد المروءة؛ ولأنها لا ترضى أن تكون تبعًا، فهذه عقلية القرون الوسطى.

إن كان ذلك كذلك، فلنترك برنامج مروءة المرأة للمرأة تضعه هي ما دامت لا تقبل قول الرجل، فذلك أقرب إلى العدل.

•••

إن تم ذلك — يا أخي — امَّحى من مصر كل ما تشكو منه من صداقة تستغل الصديق ولا تفي للصديق، وتقابل جميلًا بنكران، وإحسانًا بإساءة، وامَّحى من الوجود رئيس يتخذ الرياسة وسيلة لإرضاء شهوته، ويستطيل على الناس بجبروته وسطوته، ورأيتهم وكأنهم أنشِئوا خلْقًا آخر: يتبارون في المروءة، ويفخرون بأعمال المروءة. والحكومة ترقيهم حسب ما أتوا من أعمال المروءة، وما ظهر منهم من نبل وشرف وكرم نفس ومروءة. ونحن إن لم نصل إلى هذا كله دفعة واحدة، ففي بعضه رِضى لي ورِضى لك. وحسبْنا أن يسير الناس إلى الغاية، وإن لم يبلغوا الغاية.

•••

تسألني بعد ذلك: لمن نتبعها؟ ألوزارة الشئون الاجتماعية؟ أم لوزارة المعارف العمومية، وأظنك بعد أن تقرأ إجابتي لا ترى معنى لهذا السؤال، فلقد جعلْتُ وزارة المعارف ووزارة الشئون الاجتماعية وغيرهما من الوزارات تبعًا لمدرستي، فكيف أتبع مدرستي لإحداهما وأنت تعلم أن الدور في الفلسفة محال؟

هذا — يا أخي — ما خطر لي اليوم في اقتراحك، وهو كما ترى مملوء بالأشواك. فإن ظهر لي جديد، اتبعت خطة وزارة المعارف في تعديل المناهج. والسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠