جناية الأدب الجاهلي أو نقد الأدب العربي

١

كان الأدب الجاهلي صورة صادقة لحياة العرب في جاهليتهم؛ فحياة الجاهلي — غالبًا — حياة ظعن ورحيل؛ لذلك بدأ شعره بالوقوف على الطلال وبكاء الدِّمن، وكان يرحل على ناقته؛ فهو يصف رحلته ويصف ناقته، ومن كان من الشعراء بدويًّا خشن العيش وصف عيشته الخشنة بألفاظ خشنة، ومن كان حضريًّا مترفًا وصف عيشته المترفة بألفاظه الناعمة. موضوعات شعرهم هي موضوعات حياتهم من فخر وهجاء، وغزل ورثاء، ومن نزل منهم منزلًا ذكر اسمه وتغنى به، فمنازل نجد للنجديين، ومنازل تهامة للتهاميين، ومن استمتع بالخُزَامَى والعَرَار تغنى بالخزامى والعرار، ومن صاد الوعل وصف صيده للوعل؛ يلتزمون الحقائق، ويصدقون التشبيه والوصف؛ يجيدون وصف الشيء أكثر مما يجيدون وصف الحالة، فإذا وصفوا أسدًا أو ناقة أو غادة أجادوا، ولكنهم إذا وصفوا حالة نفسية لحبيب، أو حالة لجيشين متقاتلين، أو فقر قوم وبؤسهم، لم يبلغوا في ذلك مبلغهم من وصف الشيء؛ لأن وصف الشيء الخارجي أبسط وأيسر من وصف الحالة المعنوية أو الحالة النفسية، فهذه تتطلب رقيًّا عقليًّا، وقدرة على التحليل النفسي لم يصلوا إليهما.

وكانت أوزان شعرهم هي وحي نفوسهم، منسجمة مع غنائهم مؤتلفة مع آذانهم.

•••

ثم جاءت الدولة الأموية، وكان الأدب فيها صادقًا صدق الأدب الجاهلي؛ لأن كثيرًا من شعرائها لم تكن حياتهم إلا امتدادًا للحياة الجاهلية، وكان الذوق فيها ذوقًا عربيًّا يشبه الذوق الجاهلي إلا بما لطفته المدنية، فموضوعات الحياة هي موضوعات الحياة الجاهلية، إن كان ثم خلاف فهو أن الهجاء القبلي تحول إلى هجاء سياسي، والحياة الخشنة تحولت عند كثير من العرب إلى حياة نعيم تشبه حياة امرئ القيس في جاهليته، ونغمات الشعر الموسيقية التي كانت تلذ الأمويين هي التي كانت تلذ الجاهليين.

نعم إن الإسلام كان له أثرٌ كبير في حياة الناس، ولكن كان له أكبر الأثر في أوساط الشعب ورجال العلم ورجال الأعمال وأقله في الشعراء.

فلا عجب أن يأتي الشعر الأموي مصبوغًا بالصبغة الجاهلية في الأوزان والقوافي والموضوعات والروح.

إنما العجب أن يأتي الشعر العباسي على هذا النمط، وكثيرٌ من الشعراء فرس، والحياة حياة فارسية في أكثر ألوانها، والحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مخالفة كل المخالفة للحياة الجاهلية والأموية!

لقد كان من مقتضى هذا التغيير أن يأتي الشعر العباسي صورة صادقة لهذه الحياة الجديدة، ولكن لم يكن كبير شيء من ذلك، وعلماء الأدب يجهدون أنفسهم في بيان المميزات الجديدة للعصر العباسي، فلا يأتون إلا بأشياء لا أراها إلا سطحية ليست في الصميم، كالتنميق وكثرة الاستعارات والتشبيهات والإكثار من البديع وورود الألفاظ الأعجمية والتعبيرات العلمية، والإكثار من الخمر والغزل في المذكر ونحو ذلك، وهي في نظري ليست من الجوهر في شيء؛ إنما جوهر التغير أن يعدِّلوا أوزان الشعر بما يتفق ورقي آذانهم الموسيقية، وأن يصِفُوا أحوال عصرهم الاجتماعية والسياسية وصفًا صادقًا مستفيضًا، وأن يصفوا ترفهم وبؤسهم وصفًا تحليليًّا صادقًا، وأن يتغنوا بأماكنهم وطبيعة بلادهم، وان يصفوا مشاعرهم هم لا مشاعر غيرهم، وأن يفتحوا الفتوح في الأدب حتى يكون سجلًّا لأفكارهم ومشاعرهم الحقة، كما كان الشعر الجاهلي سجلًّا لأفكار الجاهليين ومشاعرهم الحقة وهكذا، وهذا الضرب لا نعثر منه في العصر العباسي إلا على القليل النادر.

أهم سبب في هذا — عندي — جناية الأدب الجاهلي عليهم.

لقد وجد في العصر العباسي لأول عهده معسكران: معسكر يدعو إلى القديم وعدم الحيدة عنه، ومعسكر يدعو إلى التجديد وعدم التقليد؛ فكان زعماء المعسكر الأول أمثال الأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وابن الأعرابي، وكان هؤلاء رواةً أكثر منهم أدباء، وكانوا علماء لغة أكثر منهم نقدة أدب؛ فغلب عليهم بطبيعة ثقافتهم أن يتعصبوا للقديم وخاصة الشعر الجاهلي، وكان أبو عمرو بن العلاء يرفض الاحتجاج حتى يشعر الأمويين، ولا يقر بفضلٍ للمحدَثين: ويقول عن المحدَثين: «ما كان عندهم من حسن فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم». وربما أعجبه شعر جرير أو الفرزدق فيقول: «لقد حسُنَ شعر هذا المولّد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته».

وقرأ رجل على ابن الأعرابي أرجوزة لأبي تمام على أنها لبعض الهذليين فقال: اكتب لي هذه. فكتبها ثم قال له: إنها لأبي تمام فقال: «خَرِّقْ خَرِّقْ» ومثل هذا كثير.

وأما المعسكر الثاني فكان يدعو إلى استحسان الحسَن القديم كان أو لمحدَث، واستقباح القبيح لقديم كان أو لمحدَث، وكان من هؤلاء أبو نواس، فقد نادى: بألا يحق للشاعر أن يتغزل بليلى ولا هند إذا كنت محبوبته ليست ليلى ولا هند، فيقول:

لا تبْكِ ليلَى ولا تطرَبْ إلى هند
واشرَبْ على الوَرْدِ من حَمْراء كالوَرْدِ

ولا يحق له أن يبكي الأطلال ويقف على الديار فيقول:

لا جَفَّ دمعُ الذي يبكي على حَجَر
ولا صفَا قلبُ مَنْ يصْبُو إلى وتِدِ

ويقول — وما أحسن ما يقول:

تصف الطلول على السماع لها
أفذو العيان كأنت في الفهم
وإذا وصفتَ الشيء متَّبِعا
لم يخلُ من زَلَلٍ ومن وَهْم

ولكن هذه الحرب انتهت مع الأسف بنصرة الدعاة إلى القديم. والسبب في ذلك أنهم كانوا أكثر بالخلفاء اتصالًا، وأكثر أتباعًا وأشياعًا، وأنهم من مكرهم صبغوا دعوتهم صبغة دينية، فقالوا: إن الشعر الجاهلي هو أحد المصادر في تفسير القرآن، وعليه نعتمد في شرح المفردات وبيان الأساليب. وفاتهم أن الاحتفاظ بالشعر الجاهلي لهذه الأغراض لا ينافي مسايرة الأدب للزمان والمكان.

على كل حال نجحت دعوتهم، وأخفتوا صوت مخالفهم، وساد في هذا العصر تقديس الشعر الجاهلي وكل شيء جاهلي. وقد عجب الجاحظ عجبي هذا في كتاب «الحيوان»، فقد ذكر أن غالب بن صَعْصَعَة كان أكرم من حاتم، ولكنه لم يشتهر شهرته؛ لأن غالبًا كان إسلاميًّا وحاتمًا كان جاهليًّا «والناس بمآثر العرب في الجاهلية أشد كلفًا»، وتعجب فقال: «ما بال أيام الإسلام ورجالها لم تكن أكبر في النفوس وأجل في الصدور من رجال الجاهلية مع عظم ما مَلَك المسلمون وجادت به أنفسهم!»

ومهما اختلفت الأسباب فقد كانت هذه هي النتيجة: غلبة الأدب الجاهلي، وسطوته، وتقييد الأدب العربي بكل القيود التي قيد بها الأدب الجاهلي، ولعلني لا أجد أوضح تعبيرًا عن ذلك من ابن قتيبة، مع أنه كان يزعم أنه من المجددين، إذ يقول: «ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين، فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مشيد البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرِد على المياه العِذَاب الجارية؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جَرَوا على قطع منابت الشِّيح والعَرار».

اللهم إن هذه دعوة لم يُفسد الأدبَ مثُلها، فهو وأمثاله يطلبون إذا ركب الشاعر طيارة أن يتغزل في الناقة، وإذا شم وردًا أن يتغزل في العرار، وإذا سكن قصرًا أن يتغزل في الأطلال، وإذا عشق ثريا أن يتغزل في هند. فأين إذًا صدق العاطفة وصدق الوصف، وأين حرية الأديب، وأين دعوى أن الأدب سجل الحياة؟

•••

مما يؤسف له أن هذه الدعوة السخيفة لقيت نجاحًا كبيرًا وشلت الأدب العربي شللًا فظيعًا في العصور كلها إلى اليوم.

فقد هاجم هؤلاء الجامدون كل من حدثته نفسه بتجديد، فإذا خرج أبو نواس عن المألوف، ودعا إلى عدم البكاء على المدن والوقوف على الديار، هاجموه وسبوه، إلى ان اضطروه في مديحه للخلفاء أن يعدل عن رأيه، ويقف على الديار ويصف ناقته حتى يصل إلى ممدوحه.

وإذا انحرف أيو تمام عن المألوف قليلًا بابتكار بعض المعاني والتعمق فيها والتحليق بها في الخيال، قالوا: «إنه خرج على عمود الشعر»، وفضلوا البحتري عليه؛ لأنه ألصق بهذا العمود، حتى قضوا قضاءً على كل تجديد.

كان من أثر دعوتهم هذه انعدام حركة التجديد في الشعر، وعدم ملاءمته لروح العصر، وانحباسه في قوالب تقليدية لا يتعداها؛ حتى أصبح الناس والشعراء يلوون عقولهم ويلوون أذواقهم، ليستحسنوا الشعر ويتذوقوه، كما يلوي الشرقي ذوقه ليتذوق الموسيقى الأوروبية، وحتى أصبحت عيون الناس والشعراء في أقفيتهم لا في وجوههم، ينظرون إلى الخلف ولا ينظرون إلى الأمام، إذا ذكر لهم بيت من الشعر الجاهلي تهيئوا للإعجاب به قبل أن يسمعوه، وأعجبوا به بعد أن يسمعوه؛ وقد يكون في ذاته سخيف المعنى رديء اللفظ. ولكن مَلَكَ التقديس الجاهلي عليهم أنفسهم وأذواقهم، فاستحسنوا القبيح وأعجبوا بالسخيف، وكان مثلهم مثل هاوي السّجاد، يفضل الفتلة البالية من السجادة القديمة المهلهلة على كل سجادة جديدة، وإن كانت أجمل وأنفع وأصلح!

وعبادة القدم — دائمًا — تفسد الذوق، وتقلب الوضع، وتفسد التقدير؛ فهم يعجبون جدًّا بقول امرئ القيس: «تقول وقد مال الغبيط بنا معًا»، ويفضلونه على كل شيء في هذا المعنى، ويستلطفون قوله: «خطبة مسحنفرة وطعنة مثعنجرة» على وصف كل خطبة وطعنة، وهكذا وهكذا مما لا عدّ له.

أليس في الإعجاب بهذه المعاني وهذه الألفاظ إفساد للذوق وإهدار للعقل؟

•••

لقد كان لانتصار هذا الرأي المحافظ الشديد المحافظة أسوأ الأثر في الشعر من نواح متعددة، من حيث الشكل ومن حيث الموضوع، لا يسع المقام إلا أن أذكر طرفًا قليلًا منها.

فمن ناحية الشكل قيد الشعر بقيود الوزن والقافية كما رسمها الشعر الجاهلي؛ فالبحور الجاهلية هي البحور التي سار عليها الشعر العربي كله إلى الآن إلا أشياء قليلة، وكذلك القافية، مع أن البحور ليست إلا أوزانًا، والأوزان ليست إلا موسيقى، والموسيقى تختلف باختلاف العصور؛ فكما أن الغناء الجاهلي لا يناسبنا، فكذلك يجب أن تكون الأوزان والقافية مسايرة للزمن، وأن تحكِّم كل أمة عربية أذنها الموسسيقية في الوزان الشعرية التي تناسبها، والتي لا تناسبها، سواء وافق ذلك الوزان الجاهلية وقوافيها أو خالفها، أما أن نخضع آذاننا للأوزان الجاهلية والقافية الجاهلية فحسب، فنوعٌ من السجن لا يليق بأمة راقية تتحرر من القيود الثقيلة، وقد جنى هذا القيد علينا جنايات كبرى تتصل بالموضوع؛ فالتقيد بالقافية حرمنا من الملاحم الطويلة التي كانت عند الأمم الأخرى، وحرمنا من القصص الطويلة الممتعة؛ لأن اللغة مهما غنيت بالمترادفات لا تستطيع أن تقدم للشاعر مئات الكلمات على رويّ واحد وعلى حرف واحد، خصوصًا بعد أن قيدوا الشاعر أيضًا بألا يعيد الكلمة الواحدة إلا على مسافات بعيدة.

وكان لهذا القيد ضرر آخر لا يقل عن هذا خطرًا، وهو تحكّم الألفاظ في المعاني؛ فالشاعر في كثير من الحيان يبحث عن لفظ القافية — أولًا — ثم يبحث عن المعنى الذي يناسب القافية، وهذا قلب للأوضاع مفسد للأدب؛ لأن الواجب أن يتبع اللفظ المعنى لا المعنى اللفظ.

وأما من حيث الموضوع، فكانت مصيبتنا فيه أعظم؛ لأن تقديسنا للأدب الجاهلي حصر الشعر العربي في نفس الموضوعات التي صيغ فيها الشعر الجاهلي، من مديح وهجاء، وفخر وحماسة، وغزل ورثاء؛ ولم يمس الشعراء عواطفهم الحقيقة ولا حالتهم الاجتماعية إلا مسًّا رقيقًا. وإلا فخبرني: أين الشعر العراقي الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية، ويصفون فيه أحداثهم الاجتماعية؟ وأين الشعر الشامي أو المصري أو الأندلسي الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس؟ إنك تقرأ الشعر العربي، فلا تعرف إن كان هذا الشعر المصري أو عراقي أو شامي إلا من ترجمة حياة الشاعر، أما القالب كله فشيء واحد، والموضوع كله واحد، مديح أو رثاء أو هجاء أو نحو ذلك مما قاله الجاهليون.

أليس عجيبًا أن يفتح المسلمون بلاد الدنيا ثم لا يقول الشعراء في ذلك شيئًا يذكر؟ أو ليس عجيبًا أن يكتسح التتار العالم الإسلامي، ثم لا يقولون في ذلك أيضًا شيئًا له قيمة؟ ثم تأتي الحروب الصليبية، وتكون عجبًا من العجب، وتستمر السنين تلو السنين، وتكون ملعبًا للعواطف، وتتوالى فيها الأحداث تذيب القلوب وتصهر النفوس، ثم يتحول أكثر ما قيل فيها إلى مدح الملوك الفاتحين أو المنتصرين، ولا يقال إلا القليل في المعنى السامي المجرد عن الأشخاص؟ وكل ما يلتمس من التعليل الصحيح أن يقال: إن الجاهليين لم يقولوا شعرًا في هذه المعاني فلم يقل في ذلك من بعدهم!

أليس من السخرية ومما يستوجب الحسرة والأسى أن يترك الشعراء هذه المواقف كلها وأمثالها مما يقع سمعهم وبصرهم، فلا يحركهم إلا «قفا نبك» و«مال الغبيط»، فإن جددوا في شيء فأن يكون الممدوح سيف الدولة بدل الغساسنة، وأن يكون المادح المتنبي بدل الأعشى؟

لا. لا. اللهم إن هذا منكر لا يرضيك. وهذه جناية قتلت الأدب العربي ووقفته أكثر من ألف سنة حيث كان، والزمن سائر والعالم متغير!

هل في ذوقنا الآن أن نبدأ الشعر في حادثة اجتماعية بالغزل؟ وهل في ذوقنا نحن الآن أن نملأ الشعر بأماكن البادية ومياه البادية وجبال البادية وأودية البادية؟ وهل في ذوقنا نحن الآن أن نتغنى برائحة العرار والخزامي، وأن نرعى الشيح والقيصوم؟ لا شيء من ذلك، ولكنه التقليد المخجل والحرية المفقودة.

أليس مما يستوجب الهزؤ والسخرية أن يكون تقسيم البارودي للشعر في القرن العشرين هو تقسيم أبي تمام للشعر في القرن الثالث؟!

أوَليس مضحكًا أن يترك الشعراء العراقيون والمصريون والشاميون بلادهم وأنهارهم ويتغزلوا في نجد وغير نجد؟ فابن الدمينة يقول:

«ألا يا صبا نجد متى هجتِ من نجد»

وابن الخياط يقول:

«أهيم إلى ماءٍ ببُرْقَةِ عاقِل»

وصُرَّدُرّ يقول:

«النجاءَ النجاءَ من أرض نجد»

ومِهْيارٌ الديلمي الفارسي يقول:

تظن لياليَنا عوّدا
على العهد من بُرْقَتَىْ ثَهْمَدَا

إلى آخره، إلى آخره.

•••

لقد آن لنا أن نفك هذه الأغلال كما نفك قيود الاستعمار سواءً بسواء؛ لأن الأدب الجاهلي يستعمر عقلنا وذوقنا، فيشلنا شلل الاستعمار.

وآن لنا أن يكون شعر كل أمة عربية، وأدب كل أمة عربية، صدى لشعورها وسجلًّا لأحداثها وتغنيًا بعواطفها وتوقيعًا على موسيقاها، وآن لنا أن يكون موضوع الشعر خلجات نفوسنا وتمجيد طبيعتنا، وتاريخ ما يحدث بين أيدينا.

وهذا لا يكون إلا بتغيير نظرتنا إلى الأدب، وتغيير برنامجنا في الأدب، والتحرر من ربقة الشعر الجاهلي، وسيطرة الشعر الجاهلي.

وبعدُ فهذا موضوع من الخطر بمكان، لعل المفكرين والقراء يطيلون فيه التفكير، ويطيلون فيه الكتابة، حتى نصل فيه إلى الكلمة الأخيرة.

٢

قدّس الناس الأدب الجاهلي تقديسًا أكبر مما يستحق، وذلك بفضل جماعة من العلماء ظهروا في آخر الدولة الأموية وأول الدولة العباسية، يجمعون مفردات اللغة وأساليبها وأدبها؛ وكان عملهم هذا يستحق الإعجاب والتقدير! ولكن ما لا يستحق الإعجاب ولا التقدير أنهم رفعوا من شأن الأدب الجاهلي، وفضلوه على كل أدب لمحدَث أو مولد، وأنهم وقفوا في وجه كل مجدِّد، وأنهم أرادوا أن ينطبع الأدب العربي بالطابع الجاهلي لا غيره، فكان لهم — مع الأسف — ما أرادوا.

رفعوا من قيمة كل شيء جاهلي وغلوا في تقديره؛ فالماء الحقير في مستنقع جاهلي أفضل من الذكر من دجلة والفرات والنيل وكل أنهار الدنيا، والجرادتان اللتان غنتا النعمان كان صوتهما وغناؤهما خيرًا من كل صوت وغناء، ودَوسَر كتيبة النعمان بن المنذر أقوى جيش عرفه التاريخ، وأيام العرب في الجاهلية ووقائعها الحربية لا يعادلها أي يوم من أيام المسلمين، وجبلا طيئ خير جبال الدنيا، وحاتم الطائي لا يساوي كرمه كرم، حتى الرذائل لا يصح أن يساوى برذيلتهم رذيلة. فليس أبخل من مادر، ولا أشأم من البسوس، ولا أسرق من شظاظ!

كل هذا طبع الأدب العربي على غرار الأدب الجاهلي في كثير من شئونه مع اختلاف البيئات، ومع اختلاف العصور!

كان غزل الأدب الجاهلي حزينًا بائسًا؛ لأن أرض الجاهليين بائسة فقيرة؛ ولأن سكانها كثيرو الرحلات وفي تنقل مستمر، والآباء يستنكرون من اجتماع الحبيبين؛ فما بال الغزل العباسي وغير العباسي حزينًا بائسًا، والخير وفير، والحبيب قريب؟ بل ما بال الغزل في الإماء حزينًا بائسًا والأمة في اليد ولا يستنكف مالكوها من حب ووصال؟

وكان أدباء الجاهلية يفتتحون قصائدهم بالنسيب إذا أرادوا مدحًا أو أرادوا هجاءً أو أرادوا أي غرض؛ لأن هذا يتفق وذوقهم؛ فما بال الأدب الذي أتى بعد ينحو هذا المنحى وقد تغيرت الظروف؟ وما بال الشاعر العباسي يقصد إلى الممدوح التركي أو الفارسي فيتغزل بدعد ويهيم بدعد، في أبيات طوال حتى يصل إلى الممدوح وقد أضناه التعب؟

وكان الشاعر الجاهلي يقطع الفيافي والقفار على ظهور الإبل، فيصف عناءه، ويصف طريقه الوعر، ويصف هزال ناقته، وهو في ذلك صادق كل الصدق؛ ولكن ما شأن مسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي تمام والبحتري، والممدوح في بغداد والمادح في بغداد، والشاعر يسير على رجله خطوات ليصل إلى الممدوح فلماذا يحشر في الوسط ناقة وبيداء ونحو ذلك؟

وكان الشاعر الجاهلي يخرج للبادية، ويصعد الجبال ويهبط الوديان، ويصيد الوحش، ويرى المها والغزلان، وعيون المها وجيد الغزلان، فيشتق تشبيهاته مما يرى ومما يحس ويلمس؛ ولكن أين المها في بغداد أما عليّ بن الجهم حين يقول:

«عيون المها بين الرصافة والجسر»

وأين المها والوعل في مصر والأندلس، حتى امتلأ بذلك كله شعر مصر والأندلس؟

وكان الشاعر يرحل في صحبه، فإذا وقف على دار محبوبته استوقف أصحابه يعينونه على البكاء؛ وقد حدث لأمر ما أن قال «امرؤ القيس» الجاهلي: «قفا نبك» بصيغة التثنية، وكان في هذا صادقًا؟ فما بال «حافظ إبراهيم» في مصر، ولا دار ولا أطلال ولا صحب، يقول في مدح الشيخ محمد عبده:

بكّرا صاحبيَّ يوم الإياب
وقفا بي في عين الشمس قفا بي

ويطول بي القول لو أخذت في تعداد هذه الأشياء التي لا علة لها إلا سلطان الأدب الجاهلي على الأدب العربي.

ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلتهم يقولون: «إن أجود الشعر أكذبه» أفليس كل هذا كذبًا في كذب؟

•••

وناحية أخرى لها خطورتها، وهي أن العربي الجاهلي انتزع صور تعبيراته وتشبيهاته ومجازاته واستعاراته من بيئته التي يعيش فيها، فكانت صورًا صادقة وتعبيرات صحيحة وابتكارات موفقة. ثم لما أتى من بعدهم تأثر بهم ودرج على أثرهم، ولم يلحظ الفرق بينه وبينهم، وانعدام الصدق في قوله دون قولهم.

كان العربي يعتمد على الإبل في معيشته، فاشتق منها ومما يحيط بها ومن طرق معيشتها كثيرًا من أدبه، فقال: «ألقى حبله على غاربه» و«أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب١»، وقال: «الصيف ضيعت اللبن» وقال: «أخذ الشيء برمته٢» و«ليس في العير ولا في النفير» و«دون ذلك خرط القتاد» إلخ إلخ. فما لأدبائنا وطلبتنا وهم لا يعيشون عيشة الإبل، يستعملون هذه التعبيرات كلها، وهي بالنسبة لهم ليست تعبيرًا صادقًا، أو على الأقل لا يضيفون إليها التعبيرات المشتقة من حياتهم؟

وكان العربي في الجاهلية يعيش عيشة اجتماعية خاصة، عمادها اللبن والتمر والجزور، ونباتها الشيح والقيصوم، وحيواناتها الضب وما إليه، وعلاقة بعضهم ببعض علاقة ارتباط بالدم في القبيلة وعلاقة عداء مع غير القبيلة؛ فكان من ذلك كله أدبهم وتعبيرهم وفخرهم وهجاؤهم، ثم تغير ذلك كله؛ تغيرت معيشة الأمم وحيوانها ونباتها، وحلت الأمة محل القبيلة، كما حلت الحضارة محل البداوة. أفلا يكون من الحق أن يكون أدب كل أمة صورة صادقة لها؟

كان العربي يقول في المرأة: كأنها ظبي من ظباء عسفان، ورئم من آرام وَجْرة، ومهاة من مها الصَّريم، وجؤذر من جآذر جاسم؛ أفيحق لنا أن نقول هذا في تشبيه المرأة المتحضرة؟

وكانت لهم مقاييس في الجمال من سمن وردف، ولهم أوصاف خاصة بما يتصل بالجمال، كنئوم الضحى ومكسال، أليس من الحق وقد تغير المثل الأعلى لجمال المرأة أن يتغير الأدب تبعًا له؟

وكانوا يقولون: إن قده قد القناة وقوامه قوام الرمح، وكأنه النخلة السحوق. أيصح أن يظل هذا مستعملًا في الأدب، وقد بطلت القناة وسمج تشبيه القد بالنخلة؟

وكان عرب البادية يرون في باديتهم نبت الثمام، ورأوه لا يطول، فقالوا للشيء الذي يسهل تناوله: «هو مني على طرف الثمام»، فكانوا صادقين في قولهم مصيبين في تعبيرهم؛ فكيف يجوز لنا ولم نر ثمامًا قط أن نعبر هذا التعبير، إلا ان يكون تقليدًا مخجلًا؟

وكانوا يرون الضب في باديتهم ويلمسونه بأيديهم، ويعرفون نوع حياته، فكوّنوا لهم أدبًا حوله، رأوا الضبة تأكل أولادها فقالوا: «أعق من ضب»، ورأوا عقد ذنبه كثيرة فقالوا: «أعقد من ذنب الضب»، وعرفوا أنه يسكن جحره في الشتاء فقال قائلهم:

يباري الريح تكرمة ومجدًا
إذا ما الضب أجحره الشتاء
فكيف يسوغ لمصري أو عراقي أو شامي أن ينطق بهذه الأقوال وهو لم ير ضبًّا قط، ولا رأى عقد ذنبه، بل قد لا يعرف شيئًا عنه؟ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. كان لهذا التقليد أثران سيئان جدًّا:
  • أولهما: استعاراتنا وتشبيهاتنا وقفت عند الاستعارات والتشبيهات الجاهلية، فقد حلت الطيارات محل الإبل، ولا زلنا نقول: ألقى حبله على غاربه. ووجدت الأسلاك الشائكة أشكالًا وألوانًا ولا زلنا مولعين بحسك السعدان. وأمدتنا المخترعات الحديثة بألوان وألوان يمكن العقل الخصب أن يستمد منها آلافًا من التشبيهات والاستعارات، ونحن لا نزال عند «الصيف ضيعت اللبن». وتغير نظرنا للحياة فأصبح كرم حاتم من النوع السخيف والإسراف الممقوت، ولا زلنا نقول: الكرم الحاتمي. وهناك آلاف من أنواع الخيبة التي تصلح للتشبيه، ولكن لا يزال «خفا حنين» وحدهما هما مضرب المثل. وكم في العالم من مجهولات يمكن التشبيه بها، ولكن لم يلق نجاحًا في التعبير إلا أنه «لا يعرف من أين تؤكل الكتف» وكم في الدنيا من أشياء يشبه بعضها بعضًا، ولكن ليس لشيء منها حظ كحظ «حماري العبادي». وكم في الدنيا من مؤتمرات أعدت أحسن إعداد وألقي فيها من موضوعات الأدب والفن ما كان غرة في جبين الدهر، ولكن كل ذلك لا يستحق أن يذكر اسمه بجانب «سوق عكاظ»!

    من أجل هذا كله افتقر الأدب العربية في باب التشبيهات والاستعارات التي تجاري الزمان، وتخترع من حوادث الأيام، ووقفت جامدة كما تركها الأولون إلا في القليل النادر.

  • والضرر الثاني: أن الأدباء ينطقون بما لا يعلمون، ويشبهون بما لا يبصرون ويتحدثون بما لا يفقهون؛ وإلا فكيف يجيز الكاتب لنفسه أن ينطق بالضب وهو لم يره، ويتغنى بريح الخزامي وهو لم يشمها؟ وكيف يطلق الحبل على الغارب وهذا ليس في حياته؟ وكيف يبكي الأطلال في مدينة القاهرة؟

إن كثيرًا من الطلاب والكتاب يستعملون كل يوم في كتاباتهم نوعًا من الصيغ المألوفة ولا يفهمونها؛ لأنها ليست مشتقة من حياتهم ولا تنطبق على نوع معيشتهم، وإنما هو التقليد المعيب والجمود المخزي.

ومن غريب الأمر أن القرآن الكريم عاب الجاهلية وحقر من شأنها ورماها بفساد العقل وفساد الذوق، ثم كان من مزاياه الجليلة أنه عبر تعبيرات إنسانية عالمية لا تعبيرات بيئة جاهلية؛ ومع هذا كله أشربت النفوس حب الجاهلية، ومجد العلماء الأشياء الجاهلية، واستعبد الناس الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي، وكان في ذلك البلاء العظيم!

•••

إن كان ما أقول حقًّا، وكان ما وصفت داء، وجب أن نضع له الدواء، والدواء في نظري أشياء.

أهمها: ألا يكون في برنامج المدارس الثانوية دراسة للأدب الجاهلي وما يشبهه كأدب جرير والفرزدق والأخطل. وبعبارة أدق — أن يكون لنا نوعان من الدراسة: نوع للخاصة كقسم اللغة العربية في الجامعة والأزهر ودار العلوم، وهؤلاء يدرسون كل شيء في الأدب العربي قديمه وحديثه، جاهليه وإسلاميه ما استطاعوا؛ فهم يدرسون الأدب الجاهلي كما يدرس رجال الآثار الآثار القديمة، وكما يدرس رجال التاريخ التاريخ القديم. أما غير المتخصصين كطلبة المدارس الثانوية وأشباههم فحرام أن يضيعوا أوقاتهم في دراسة الأدب الجاهلي وهم لا يعلمون من الأدب شيئًا، وحرام أن نلوي عقولهم وأذواقهم بالمعلقات وأشباهها، وهم لم يتكون ذوقهم الأدبي بعد؛ فيجب أن يقطعوا مرحلة التعليم الثانوي بدراسة نماذج من القرآن الكريم ونماذج من الأدب الحديث ومختارات سهلة عذبة من الشعر العباسي وأمثاله، على شرط أن يكون هذا الأخير متفقًا والذوق الحديث، ملائمًا في موضوعاته وفنه لحياتنا الحالية؛ فغن نحن قرأنا لهم شيئًا من الشعر الجاهلي فعلى شريطة أن يكون سهلًا عالميًّا لا صعبًا موضعيًّا؛ ولخير لهم ألف مرة أن يقرءوا أدب المعاصرين وشعر المعاصرين من أن يقرءوا للشنفرى وتأبط شرًّا وجرير والفرزدق؛ فإن هؤلاء المعاصرين يشعرون شعورهم، ويكتبون بلغتهم، ويتعرضون لموضوعات تهمهم، ويتذوقون بذوقهم، فإذا أكثر الطلبة من قراءة مؤلفاتهم استطاعوا أن يقطعوا مرحلة كبيرة في سبيل رقي لغتهم وتكوّن ذوقهم. وليس يفيدهم شيئًا أن يضيعوا سنة أو أكثر في دراسة مختارات من المعلقات، وسنة أخرى في دراسة مختارات من جرير والفرزدق والأخطل، وليت الأمر اقتصر على عدم الفائدة، بل إن ضرره محقق في إفساد ذوقهم وضياع زمنهم.

إن الأمم الأخرى الحية كإنجلترا وفرنسا تدرس لطلبتها شيئًا من الأدب القديم، ولكن قديمها ليس كقديمنا، فعمر الأدب الإنجليزي والفرنسي حديث لا يمعن في القدم إمعان الأدب الجاهلي، بل إن نحن وقفنا عند العصر العباسي كنا أقدم منهم.

وشيء آخر، وهو أن أدب هذه الأمم — مهما قدم — وليد حضارة تشبه حضارتهم التي يعيشون فيها، ووليد بيئة اجتماعية هي أصل لبيئتهم الاجتماعية الحالية، فهم إذا درسوا هذا الأدب القديم تذوقوه كما يتذوقون حضارتهم، ووجدوا فيه موضوعات من جنس موضوعاتهم. أما الأدب الجاهلي فوليد بيئة مختلفة تمامًا عن بيئتنا الحالية، وتحتاج في فهمها إلى تخصص تام لمعرفة البداوة وشئونها وأحوالها حتى نستطيع أن ندرك أدبها، وهذا القدر لم يدركه المتخصصون فكيف بالطلبة؟

إني أسائل رجال الأدب بإخلاص: ماذا استفاد طلبة المدارس من دراسة الأدب الجاهلي في إنشائهم وفي معلوماتهم وفي تربية ذوقهم؟ لا شيء إلا أن يمثلوا دور الببغاء، يحفظون ما يلقى عليهم حتى إذا نقشوه على ورق الامتحان تخففوا منه سريعًا، ولو أنهم صرفوا هذا الزمن في دراسة الأدب الحديث لنما الأدب الحديث وأزهر، ورقى ذوق الطلبة وأثمر.

بل إني أذهب إلى أكثر من ذلك وأرى أن معاجمنا اللغوية يجب أن يكون منها نوعان أيضًا: نوع للخاصة فيه كل لفظ وكل استعمال، ونوع للعامة نميت فيه الألفاظ الجاهلية التي لا حاجة إليها في حياتنا، والتي تدل على أشياء لا علاقة لها بنا، ونخلي مكانها للألفاظ الحديثة التي نحتاجها، لا نذكر فيها من النباتات البدوية، ولا الحيوانات البدوية، ولا الأدوات البدوية إلا ما لنا به علاقة ما، ونفتح صفحاته الكثيرة لندون فيها أزهارنا ونباتنا وحيواننا وأدواتنا التي تحيا بيننا بحياتنا.

نميت العرار ونحيي الزنبق، ونميت الكمأة ونحيي المانجو، ونميت القوس، ونحيي القنابل، وهكذا.

بل أذهب إلى أكثر من هذا، فأناشد الأدباء والشعراء أن يستمدوا تشبيهاتهم واستعاراتهم مما بين أيدينا من مخترعات، وألا يستعملوا ما لا يحسون ولا يعلمون من تشبيه، وأناشد المعلمين أن يعلموا بالخط الأحمر على الاستعمالات التي يستعملها الطلاب ولا يفهمونها، أو يفهمونها ولا يحسونها، فلا يجيزوا لطالب أني يقول: «ألقى حبله على غاربه»، ولا أن يقول: «أندر من الكبريت الأحمر»، وهم لا يعلمون ما الكبريت الأحمر، ولا أنا أيضًا، ولا «أعز من بيض الأنوق، ولا الأبلق العقوق»، ولا «عقود الجمان، ولا قلائد العقيان»٣، فهي كلمات ضخمة لا مدلول لها، وليطالبوهم بأن يحركوا أذهانهم، ويهزوا عقولهم، فيصوغوا ألفاظهم وتعبيراتهم وتشبيهاتهم مما بين أيديهم، فذلك أليق بالحر وأجدر بالعاقل.

إنا إن فعلنا ذلك فككنا أغلالنا، وتحررنا من سلطان الأدب الجاهلي، واستطعنا الجري إلى الأمام في أدبنا.

هذا ما أرى، فهل يجد هذا الموضوع من رجالاتنا ما يثير أذهانهم فيؤيدوه أو ينقدوه، حتى يتجلى فيه الصواب، ويظهر الحق، ويكون له نتيجة عملية في حياتنا الأدبية؟

٣

أراني مضطرًّا قبل البدء في هذا المقال إلى التنبيه على خطأ وقع فيه بعض الكتّاب، وهو أنهم يرون أن الأدب العربي لا يخدم إلا من طريق التقريظ والإفراط في تبيين المحاسن والتغاضي عن ذكر المعايب. وغلا بعضهم فرأى أنه مقدس كل التقديس، لا يصح أن يمس بكلمة سوء، ولا يذكر بكلمة تجريح.

فهؤلاء وهؤلاء لا يحسنون إلى الأدب العربي بقدر ما يسيئون إليه؛ فكل أدب في العالم خاضع للنقد، ولا يرقى إلا بالنقد؛ كما أن كل أدب لا يمكن أن يحيا وينهض إلا باقتباسه من حين إلى آخر من الآداب الحديثة، والمقارنة بينه وبينها، حتى تعرف جوانب قوته وجوانب ضعفه، ثم يستفاد من هذه المقارنة بإدخال ما توحي إليه من إصلاح. وهذه الشواهد ماثلة أمام أعيننا؛ فالآداب الغربية من ألمانية وإنجليزية وفرنسية وإيطالية — على عظمتها وسيرها مع الحياة — لا يزال كتّابها يجهرون بالنقد اللاذع لها، ولا يزال كل منها فاتحًا عينيه لما يحدث في الآداب الأخرى؛ فإذا شعر بناحية قوية ظهرت فيها أخذها وطعّم بها أدبه، ولم يهدأ حتى يجاريها ويباريها.

وإن مثلنا مثل الطبيب الذي يرى المريض العزيز عليه، فلا يمنعه حبه وإشفاقه من تشخيص المرض كما يدعو إليه العلم ويدعو إليه الحق، ويذكر في صراحة خطر المرض، وإن كانت نفسه تذوب حسرات، ويصف العلاج وقلبه يبتهل إلى الله بالنجاح؛ ومثل هؤلاء الكتاب مثل العجائز يدخلن على المريض فلا همّ لهن إلا أن يكذبن ويقلن له: ما أحسن وجهك، وما أجود صحتك، وما أبين العافية عليك! ونحو هذا من معسول الكلام الذي لا يفيد؛ وقد يحمل المريض على الاستنامة لقولهن وعدم الأخذ بوسائل الاستشفاء الصحيح.

قد كان هذا الكلام الرخيص يجوز على الناس قبل أن ينتبه العالم الشرقي لمرضه، وأيام كان يغط في نومه؛ أما وقد استشعر المرض وأحس نفسه وحقيقة مركزه، فقد أخذ يستوصف المصلحين ويهزأ بالمقرظين، ويسترشد بالمنصفين، ويحتقر المتاجرين، ولا يعبأ إلا بالمخلصين.

•••

وبعد فنعرض اليوم لناحية أخرى قصر فيها الأدب العربي لشدة تمسكه بتقليد الأدب الجاهلي وهي «أدب الطبيعة».

ذلك أن الأدب الجاهلي — فيما نقل إلينا — لم يعن العناية الكافية بجمال الطبيعة، فلم يتغن بجمال الأزهار، ولا بتغريد الأطيار، ولا بخرير المياه، ولا بانسياب الجداول، ولا بمحاسن النجوم، ولا بجلال السماء، ولا بمناظر الأرض كما ينبغي أن يتغنى.

لقد أكثر الشاعر الجاهلي من وصف ناقته، أو وصف صيده، أو وصف فرسه، ولكنه لم يكثر من وصف منظر طبيعي جميل أخذ بلبه أو ملك عليه نفسه.

نعم رويت بعض القصائد الجاهلية في وصف الرياض كقول الأعشى:

ما روضة من رياض الحزن معشبة
خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شَرِقٌ
مؤزر بعميم النبت مكتَهلُ
يومًا بأطيب منها نشر رائحةٍ
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل

ولكنه — كما ترى — لم يقصد إلى جمال الروضة قصدًا، ولم يقل ما قال فيها عمدًا، إنما عمد إلى وصف من يحب، فقال: إن طيب رائحة حبيبته أطيب من ريح روضته، وتتابع الشعراء بعد على هذا المعنى وعلى هذا النمط.

وكذلك ورد بعض الشعر الجاهلي من هذا القبيل في وصف جمال الروضة تبعًا لا استقلالًا، كأن يتحسر الشاعر على أيام الصبا يوم كان يلقى حبيبته في مكان نزه يصفه، ثم تتابعت عليه أحداث الزمان فتركته خرابًا.

وقد أكثروا من وصف الرعد والبرق والسحاب، ولكني أقرؤها فلا أشعر فيها بقلب ينبض، ولا بعاطفة قوية، وإنما يقف فيها الشاعر عند تقييد ما يرى، فإن تعدى ذلك فإلى تشبيه يشتقه من بيئته.

وسبب قصور الشعر الجاهلي في هذا الباب أن الطبيعة في هذه البيئة طبيعة قاسية، لا طبيعة رحيمة، وطبيعة فقيرة لا غنية: حر مهلك، وبرد قارس، وصحراء مجدبة، وأرض شحيحة، وجبال جرداء، وأرض صمّاء، أو رمال لا يستقر فيها ماء.

فكيف توحي هذه الطبيعة بالتغني بالجمال؟ إن الطائر إذا لم يجد الغصون الناضرة، والأزهار اليانعة، لم يستطع أن يعيش فضلًا عن أن يغني.

وكذلك الشعور بالجمال والتغني به، إنما يأتي بعد الطمأنينة على العيش، والحصول على القوت. وأرض العرب في الجاهلية لا يتوافر فيها الرزق إلا بشق الأنفس؛ بل إن الحياة كانت في كثير من الأحيان تعتمد على السلب والنهب والقتال، فكيف يفرغ الشاعر إلى التغني بجمال الطبيعة، وأكثر مواقفه في تأليب قبيلة على قبيلة، والإشادة بمحاسن قبيلته، والتشهير بعيوب أعدائها.

إذًا لم يكن هناك مجال كبير للالتفات إلى محاسن الطبيعة والتغني بها. ولهم في ذلك كل العذر، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

ولكن ماذا حدث بعدُ؟

حدث أن فتح الله الدنيا على العرب وملكوا محاسنها على اختلاف أنوعها؛ ففي أيديهم خير الأنهار وأجمل البحار وأنزه الرياض، وتحت بصرهم الأراضي الخصبة الجميلة، والجبال المكسوة بالأشجار والبساتين الغنية بالثمار، والحدائق التي تختال بالأزهار — في أيديهم مصر بنيلها وحقولها وبحرها وسمائها، والشام بجبالها وأشجارها ومياهها وسحرها، وبلاد العرق بسوادها وبساتينها ودجلتها وفراتها، وفارس بنجادها ووهادها ومنازلها وثمارها وأزهارها، ثم كانت في أيديهم الأندلس بطبيعتها الفاتنة وجمالها الساحر.

فهل وفَّى الأدب العربي هذه المناظر حقها؟ وهل أدى للجمال الطبيعي واجبه؟ نعم نرى أبياتًا في الربيع لأبي تمام والبحتري، ونرى شعرًا جميلًا في وصف الرياض والأزهار والثمار لابن الرومي، ونجد أبياتًا متفرقة هنا وهناك في دواوين الشعراء، ولكنها قليلة نادرة ندرتها في الشعر الجاهلي، وأكثرها قيل تبعًا لا استقلالًا، كما هو الشأن في الشعر الجاهلي، وهي ليست إلا دررًا طغت عليها الأمواج المتدفقة من شعر المديح والهجاء، وما إليها.

إن كان للبدوي عذره في أنه لا يكثر القول في الطبيعة ولا يشعر بجمالها كما ينبغي، فما عذر الحضري والجمال وفير والمال كثير وتحصيل العيش سهل يسير؟ لا عذر إلا أنه أسير التقليد، لم يستطع أن يستقل في مشاعره ولا في تفكيره ولا فنه.

لقد كانت الأندلس أغنى بقاع المسلمين منظرًا وأوفرها جمالًا؛ أبدعها الخالق أيما إبداع، وصاغها خير صياغة، ولوّنها أجمل الألوان، فلا يستطيع من رآها إلا أن يغني، ولا من شاهدها إلا أن تفتنه. ومن الحق أن شعراءها غنوا أكثر من غيرهم، وتفننوا في ذكر محاسن الطبيعة أيما تفنن، ونبغ فيهم أمثال ابن خفاجة الملقب بشاعر الطبيعة، ولكني لا أكتم القارئ أني قرأت كثيرًا من شعره وشعر غيره من الأندلسيين، فكان شعوري نحو شعرهم أنهم أجادوا الصياغة ولم يوفقوا أن ينفخوا فيه الروح، شعرهم تمثال بديع لا حياة فيه إلا في القليل النادر، شعرهم من رأسهم لا من قلبهم، أكثر جهدهم موجه إلى البحث عن تشبيه رائع واستعارة بديعية تعجب علماء البيان، لا نتيجة شعور يتدفق، يريد أن يحتضن الطبيعة لجمالها، ولا هو صرخة إعجاب خرجت من أعماق القلب في بساطة فطرية، ولا هو تمجيد للجمال وتقديس لمناظره يخر أمامه الشاعر ساجدًا، ولا هو إحساس من الشاعر باندماج الطبيعة في نفسه واندماج نفسه في الطبيعة حتى كأنه هو وهي أو هي وهو، وحدة لا انفصام لها كالذي قال الحلاج:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنًا
فإذا أبصرته أبصرتني
وإذا أبصرتني أبصرتنا

كلًّا، ولا هو شعور بحياة الطبيعة وقوتها ونبضها كما ينبض القلب، ولا هو شعور الظمآن يريد أن يرتوي ولا يرويه إلا جمال الطبيعة ثم هو يعل منه وينهل، وكما عب ازداد لذة وازداد ظمأ.

لا شيء من ذلك، وإن عثرنا منه على شيء فهو القليل النادر الذي لا يروي ظمأ، إنما أكثره من قبيل الخيال المصطنع، يتعمق فيه الشاعر ليظفر باستعارة، أو يسبح في الآفاق ليأتي ببعض المحسنات البديعية.

•••

لقد يخيل إليّ أن من أهم أسباب النقص في هذا الباب الموقف الذي رسم للشاعر منذ العصر الجاهلي.

لقد رسم للشاعر أن يكون خادم السلطات، وبدأ بذلك في العصر الجاهلي فكان الشاعر شاعر القبيلة لا شاعر نفسه، إذ كانت السلطة للقبيلة، فهو يدافع عنها، ويحميها من أعدائها، ويعبر بلسانها، ولا يشعر لنفسه بوجود مستقل فيها، فقل التعبير بأنا وكثير التعبير بإنّا، وحتى إذا عبر بأنا، فقل أن يعني نفسه وحدها، وإنما يعني نفسه وقومه.

فلما انتقلت السلطة من القبيلة إلى الخلفاء والملوك والأمراء، وقف الشاعر الحضري منهم موقف أسلافه من القبيلة، فكان لا ينبغ النابغ من الشعراء إلا في قصور الملوك والأمراء، وقلَّ أن نرى شاعرًا نبغ في غير هذه البيئة؛ ومن أجل هذا كثر شعر المديح والهجاء وما إلى ذلك؛ لأن الشاعر ليس يعبر فيه عن نفسه، ولا هو مستقل بنفسه، إنما هو معبر عن أغراض من يخدمهم ويسعى في استرضائهم، ومن حرم الحظوة عند هؤلاء ظل دهره شاكيًا باكيًا، يذم الزمان، ويلعن تصاريف الدهر، كما فعل ابن الرومي وأبو العلاء.

من أجل ذلك لو أحصينا من كان شعره خادمًا للملوك والأمراء، كانوا هم الجمهرة العظمى، ومن عداهم كانوا في غاية الندرة، أمثال العباس بن الحنف وجميل بثينة.

فهذا الوضع الذي وضع فيه الشعراء أنفسهم من خدمة السلطات — مقلدين في ذلك الوضع الجاهلي — لوّن الأدب العربي بالألوان الزاهية في بعض مواضعه، والباهتة في بعض مواضعه؛ فحيث يكون الشعر في خدمة الملوك والأمراء كالمديح والهجاء والغزل والخمر، فهو كثير وفير، وحيث يحتاج الشعر إلى استقلال، وحيث يغني الشاعر لنفسه، كشعر الطبيعة، ووصف المشاعر النفسية ونحو ذلك فقليل نادر.

لم يفهم الشاعر نفسه على حقيقتها، ولم يفهمه الناس على حقيقته، فكلمة الشاعر تدل على أنه يشعر بالأشياء خيرًا مما يشعر غيره، وكان ينبغي أن يفهم من ذلك أنه يقول ليرضي شعوره أولًا، والناس ثانيًا، ولكن كان أول الشعراء شعراء الجاهلية، فقضت عليهم ظروفهم أن يقفوا موقف الجرائد اليوم من الأحزاب، وأن يقفوا من قبيلتهم موقف الخطباء؛ وهذا خطأ في فهم معنى الشاعر، إذ كان ينبغي أن يكون معناه من فاضت عواطفه من شعوره القوي، فجرى ذلك على لسانه، أو أن يكون معناه من منح عاطفة قوية وشعورًا مرهفًا يدرك به ما لا يدرك غيره، فيمزج ذلك بنفسه، ويخرجه لنفسه وللناس في أسلوب خاص؛ إن كان كذلك فكان ينبغي أن يستقل بنفسه، لا يخضع لسلطان ولا يوجّه حيث يراد، لا حيث يريد.

ولكن وجد الشاعر الجاهلي — مع الأسف — في ظروف جعلته لسان القبيلة، وكان مع الأسف الأشد أن تتابع الشعراء على هذا النمط لم يتعدوه؛ يختلف معاوية وعليّ، فيكون لهذا شعراء؛ ولهذا شعراء، ويختلف عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، فينقسم الشعراء فيما بينهم قسمين، كما كانوا يختلفون أيام القبائل، وتأتي الدولة العباسية فقلّ أن ينبغ شاعر إلا في البلاط، ويقبل المعتصم على الأفشين، فيسخّر أبو تمام شعره لمدح الأفشين، ويغضب المعتصم على الأفشين فيسخر أبو تمام شعره لهجاء الأفشين، وهكذا.

أما التغني بالطبيعة وجمالها، وإدراك المعاني السامية للحياة والتعبير عنها، ونحو ذلك من ضروب الفن، فأكثرهم عنه في شغل بعبادة السلطات واتجاههم حيثما توجههم.

لم يتغير هذا الموقف في الشعر العربي إلا منذ سنوات، فأخذ الشاعر يشعر بنفسه، ويشعر لنفسه ولقرائه، ولكنه لا يزال في مفتتح الطريق — وفقه الله.

٤

كان العرب في جاهليتهم، منحطين في عبادتهم، فعبدوا الأحجار من دون الله، وقال واصفهم: «كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حفنة من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به». وقال آخر: «كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده؛ وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نرميه».

وإذا رأوا حجرًا فعلت فيه الطبيعة فعلها حتى جعلت منه شبيهًا بالإنسان، كانوا له أكثر تقديسًا وأحرّ عبادة، فكانوا يعبدون حجرًا «كجثة الرجل العظيم وهو من صخرة بيضاء، لها رأس أسود، وإذا تأملها الناظر رأى فيها صورة وجه الإنسان». وكانت طيئ تعبد «القلس» «وكان أنفًا أحمر في وسط جبلهم — الذي يقال له: أجا — أسود كأنه تمثال إنسان، وكانوا يعبدونه ويهدون إليه ويعقرون عنده».

ودعاهم إلى ذلك أن لم تكن لهم مهارة فنية يستطيعون بها أن يتقنوا النحت وصناعة التماثيل، فكانوا يتلمسون ما تخرجه الطبيعة من فن فيعبدونه، كحجر أبيض جميل، أو شبه تمثال، أو شبه صنم؛ فما كان عندهم من تماثيل متقنة فمجلوبة من الخارج — غالبًا — فيذهب بعضهم إلى أن «يغوث» كان على صورة الأسد، وأنه مجلوب من مصر، وأن بين آلهة المصريين صنمًا على صورة الأسد اسمه «يغنوت» إلخ.

وكما عبدوا الأحجار عبدوا الحيوان، قال ابن عبد البر: «إن العرب كانوا يأتون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيأخذها، فيأخذون أخرى مكانها»، ولما وفدت طيئ على رسول الله قال لهم: «إني خير لكم من العزَّى ولاتها، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله». ولما أغار عمرو بن حبيب على بني بكر وجدهم يعبدون سقبًا من دون الله، فأراد إغاظتهم فنحره وأكله. وكانت لهم أصنام على شكل حيوان جلبوها من الخارج، على شكل أسد ونسر وفرس ويربوع.

فإذا ارتقوا من الحجر والحيوان عبدوا تمثال إنسان، فعبدوا «أسافا ونائلة» «وهما — فيما ذكروا — صنمان، زعموا أنهما رجل وامرأة من جرهم فجرا في الكعبة فمسخهما الله حجرين». ولست أدري ما حملهم على عبادتهما مع شنيع فعلهما، وهما إن استحقا شيئًا فالرجم لا العبادة.

وعبدوا اللَّات والعزى، واختلفت الأقوال فيهما، فمنهم من قال: إنهما صنمان لرجلين صالحين كان أحدهما يلت السويق للحجيج.

فإذا ارتقوا خطوة أخرى عبدوا النجوم كالشمس والمشترى والشعرى، ولكنهم نظروا إليها في عبادتهم نظرة مادية جامدة.

•••

سقنا هذا لنبين أن العرب في جاهليتهم كانت نظرتهم الدينية نظرة وثنية مادية وضعية.

وللدين أثر كبير في الأدب؛ لأنه — من ناحية — مصدر كبير من مصادر الإلهام الأدبي، ومن ناحية أخرى إذا كان الأديب ذا دين مادي وثني جامد، تأثر أدبه بعقليته، فخرج مثله ماديًّا جامدًا، وإذا كان دينه ضيق الخيال لاصقًا بالحجارة والأرض، كان خياله في أدبه غالبًا كذلك؛ لأن نفسية الإنسان وعقليته وحدة لا تتجزأ، وإن اختلفت مناحيها ومظاهرها.

من أجل هذا نرى الأدب الجاهلي في الكثير الأغلب ماديًّا، لا معنويًّا ولا روحيًّا.

فمن مظاهر ذلك ناحية التشبيهات والاستعارات في الأدب الجاهلي، فهي أدل ما تكون على ضعف الخيال أو قوته، فإذا استعرضناها وجدناها مادية لاصقة بالأرض في الأعم الأغلب، فالجاهلي يشبّه الحيوان بحيوان مثله، فيشبّه الناقة بالظليم، أو بالثور الوحشي، أو بالنعامة، أو بالأتان، ويشبّه امرؤ القيس الفرس بجلمود صخر حطه السيل من علٍ، والنجوم بالمصابيح، وبعر الآرام بحب الفلفل، وفرع الشعر بقنو النخلة المتعثكل؛ ويشبّهون السنام بقنطرة الرومي أو بالقصر؛ والسيد العظيم بفحل الإبل، والنساء ببيض النعام، والحرب وما يحلب منها من دماء بالناقة يحلب منها اللبن، أو بالناقة تحمل ثم ترضع ثم تفطم، ومثل هذا كثير؛ وكل الشواهد تشهد بما نقول من ولوعها بالتشبيه المادي الأرضي؛ وقلّ أن تجد لهم تشبيهًا سماويًّا أو معنويًّا، كما فعل غيرهم من تشبيه سرعة الفرس بالبرق، أو تلألؤ السيف بلمعان الشهب، أو جري الفصيل إلى أمه بدبيب الخيال إلخ. وهكذا كانت تشبيهاتهم مادية أرضية من جنس دينهم المادي الأرضي.

لقد كان اليونانيون وثنيين كالجاهليين، ولكنهم رفعوا آلهتهم من الأرض إلى السماء، ومنحوها الحركة والحياة، وجعلوا للحب والجمال والشعر آلهة، وجعلوا «أفروديت» تخلق من أمواج البحر وأولدوها إله الحب، وجعلوا له جناحين ذهبيين، وجعلوه يحمل سهامًا حادة، ومشاعل ملتهبة، ونسجوا حول آلهتهم أساطير في منتهى الخصب في الخيال، والبعد في السماء، والحركة في الحياة؛ وظلت هذه الخيالات والأساطير تسير سيرها وتعمل عملها في الحياة اليونانية، حتى حوّلها الأدب إلى قصص وتمثيل، وحوّلها العقل إلى فلسفة.

•••

ومظهر آخر من مظاهر المادية الأرضية في الأدب الجاهلي، وهو شعرهم في المرأة؛ نعم قد أكثروا من الغزل والنسيب، وافتتحوا به قصائدهم في كل غرض من أغراض الحياة؛ ولكن أعمِل النظر في أشعارهم، وأطل التفكير في غزلهم، تجد أنهم لم ينظروا في المرأة إلا إلى جسمها؛ لقد أدركوا تمام الإدراك جمالها الحسي، ولكنهم لم يدركوا جمالها الروحي، أولعوا بقدها الممشوق، وعيونها الدُّعج، ووجهها الوردي، وخصرها النحيل، وردفها الثقيل، وما شئت من أعضائها وأجزائها؟ فأما روحها السماوي، وجمالها الروحي، وتعشق روح الشاعر لروحها، والشعور بأنها مصدر وحيه وإلهامه، فشيء لم يستطع إدراكه الشعر الجاهلي.

لقد نظر الشعراء الجاهليون إلى المرأة كما ينظرون إلى لحم الجزور، وكأس الخمر، هي متعة جسمية لا غير؛ واستفتح هذه الآراء امرؤ القيس بقوله:

كأني لم أركب جوادًا للذة
ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبأ الزّق الرويَّ ولم أقل
لخيلي كُرِّى كَرَّة بعد إجفال

وقوله:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها
تمتعت من لهوٍ بها غير مُعجل

فسار الشعراء على أثره يتخذون المرأة ملهاهم، ويقرنونها بالفرس والكأس. حتى وصل الأمر بأبي تمام في العصر العباسي إلى أن يقول:

كانت لنا ملعبًا نلهو بزخرفه
وقد ينفّس عن جد الفتى اللعب

استَقْرِ الشعر الجاهلي ما شئت، واستقر ما جرى على أثره من بعد، تلمس دائمًا شيئين واضحين في أدب المرأة: العناية بتشبيه أعضائها وأجزائها؛ فترائبها مصقولة كالسجنجل، وجيدها كجيد الرِّيم، وفرعها كقنو النخلة، وكشحها مصقولة كالجديل، وساقها كأنبوب السقى، وهي تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل، ووجهها كأن الشمس ألقت رداءها عليه، وأسنانها كالأقحوان … إلخ إلخ. هذه هي المرأة في ذاتها، أما موقفه منها فالمتعة واللهو إن استطاع، واللذة بذكرى المتعة، أو الألم من حرمانها، ثم لا شيء وراء ذلك.

إني لأفهم أن يكون ذلك بعض الأدب وبعض وجوه النظر إلى المرأة، أما أن يكون ذلك كل الأدب النسوي فشيء يدعو إلى الخجل! إن وراء هذا النظر المادي الأرضي نظرًا آخر روحانيًّا سماويًّا، فيه المرأة ملك كريم، وفيه المرأة مصدر وحي وإلهام، وفيه المرأة قلب؛ وحول هذا كله ينشأ أدب من طراز آخر، فيه العواطف السامية، والمعاني الراقية، وهذا ما لم نجده في الشعر الجاهلي، وقلّ أن نجده في الشعر الإسلامي.

ثم لكل أمة أساطير تدور حول عقائها وتقاليدها وأحداثها وتاريخها، وتختلف فيما بينها بقوة خيالها أو ضعفه، وإحكام نسجها أو هلهلته. وكان للعرب الجاهليين أساطير من هذا القبيل؛ والذي يمعن النظر في أساطيرهم يراها أيضًا تكاد تكون مادية أرضية لا تبعد في الخيال ولا تسبح في السماء، تدور حول المعمرين الذين عمروا مئات السنين، أو حول الجن وقد جسّدوها في حية أو نعامة أو قنفذ أو أرنب أو حيوان خرافي كالغول، أو حول المسخ، أو كالذي زعموا أن الضب والكلاب والأرانب كانت أممًا فمسخت، وأن الصفا والمروة كانا رجلًا وامرأة فمسخا، أو حول النجوم كالذي زعموا أن الغميصاء وسهيلًا كانا مجتمعين فانحدر سهيل فصار يمانيًّا وتبعته العبور فعبرت المجرة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت «وأن الزهرة كانت امرأة حسناء فصعدت إلى السماء ومسخت كوكبًا» إلى غير ذلك من الأساطير، وكلها تدل على ضرب من الخيال محدود.

والأساطير في الأمم مصدر كبير من مصادر الأدب القصصي، فلما ضعف الخيال القصصي تبعه بعد ضعف القصص العربي.

•••

رأينا من كل هذا أن الأدب الجاهلي كان يساير الدين الجاهلي إلى حد بعين، وأنه كان يقف في المستوى الذي وقفه الدين، وأن الدين كان ماديًّا أرضيًّا، فكان الأدب ماديًّا أرضيًّا كذلك.

ومن الواضح جدًّا أن الشعر العربي اتخذ قبلته الشعر الجاهلي قبل أي شيء آخر؛ وأوضح الأدلة على ذلك ما هو مدوّن في كتب الأدب وخاصة في باب السرقات والموازنات؛ فنجد فيها أن المعاني الأساسية للشعر الجاهلي اتخذت أساسًا سار على نهجها الشعراء الإسلاميون، فحوروا بعض معانيها مع احتفاظهم بالأساس، أو حافظوا على جوهر وغيّروا الشكل؛ مدح الجاهليون بالشجاعة والكرم، فكان أكثر المدح الإسلامي بالشجاعة والكرم، حتى الملوك والأمراء الذين يجب أول كل شيء — أن يمدحوا بالعدل قلّ أن يمدحوا بالعدل؛ لأن الجاهلي مدح بالشجاعة والكرم. وقال امرؤ القيس:

كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا
لدى وكرها العنّاب والحشف البالي

وقال:

كأن عيون الوحش حول خبائنا
وأرحلنا الجذع الذي لم يثقب

وقال:

وقد أغتدى والطير في وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل

فأصبحت هذه وأمثالها مصدرًا للكثير من الشعر العربي، ورددوها وكرروا حتى صدّعوا. وكما قال ابن سعيد: «وهذه المعاني ولد منها شعراء المشرق والمغرب وتطارحوا في الأخذ منها»، وصار لكل شاعر من شعراء الجاهليين أبيات معدودات، ومعان محدودات، يعرفها العلماء بالأدب، هي الإمام في الفن وهي التي حددت القوالب التي يصب فيها الشعر العربي — أصبح امرؤ القيس إمام الشعراء في التشبيهات، والنابغة في الاعتذارات، والأعشى في الخمريات. إلخ.

ولقد أنصف العلماء إذ سموا المنهج الذي سار عليه الشعر العربي «عمود الشعر»، وفي الحق أنه متحجر، لم يلن ولم يتغير.

ومن أشد دواعي الأسف أن الزمان قد سمح بمن خرج عن هذا العمود أحيانًا وأراد أن يبني عمودًا آخر، أو أراد أن يغير العمود إلى شجرة تنتج فروعًا جديدة، فسمح قوله ولم يتبع، وصفق له بعض الناس ولم يقلد، والتف الناس حول عمود الشعر، وعمود الشعر وحده.

لقد ابتدع عمر بن أبي ربيعة فن القصص الشعري وأتى فيه بالمُرقص المطْرِب، ثم مات ولم يعقب.

وجاء أبو تمام فأبعد في الخيال وغاص على المعاني وعرضها بأسلوب فيه جدة، فقام علماء اللغة والأدب في وجهه وفضلوا عليه البحتري لالتزامه عمود الشعر فماتت طريقته من بعده.

وجاء ابن الرومي فابتدع توليد المعاني وتبسيطها، واستخرج ما فيها إلى النهاية كما اخترع الهجاء اللاذع بالتصوير الفكه وبالفن الذي يشبه الفن اليوناني؛ وتعصب له قوم من القدماء فقالوا: «إنه أحق الناس باسم شاعر لكثرة اختراعه وحسن توليده»، ولكن مات فنه بموته وبقي عمود الشعر، وعمود الشعر وحده.

وجاء «المعرِّي» فأراد أن يحوّل الشعر على غذاء عقلي ونقد اجتماعي، وينفخ فيه من روح فلسفي، فقالوا: إنه فيلسوف لا شاعر، وإنه في «سِقطه» أشعر منه في «لزومياته»، وأخيرًا سار في طريقه وحده.

•••

ثم جاء القرآن فغير العقلية العربية، ورفع النظر من الأرض إلى السماء، وإلى ما فوق السماء، وعلّم الناس أن يقرءوا كتاب الطبيعة في فصوله المختلفة من إنسان ونبات وجبال وسحاب وأمطار ونجوم وسماء، وأن يقرءوا ما بعد الطبيعة من إله فوق العالمين، هو نور السماوات والأرض، وكشف عن العيون غطاءها، فأصبح بصرها حديدًا؛ فنظرت إلى العالم من طيارة، بل من أعلى من الطيارة، ورأته وحدة متناسقة الجزاء تخضع كلها لإرادة الله. وأعلن الثورة على النظرة المادية الأرضية التي كان ينظر بها أهل الجاهلية؛ فكانت كل ضربة بالمعول في صنم ثورة على ذلك النظر، ودوّت كلمة لا إله إلا الله في جزيرة العرب تعلن ضياع الوثنية وعبادة المادية؛ فلا لات ولا عزَّى، ولا بعل ولا هبل.

وكان للقرآن بجانب ناحيته الدينية ناحية أخرى أدبية، فهو في تعبيراته وتشبيهاته يتناسب كل التناسب مع دعوته، يعالج شئون الأرض ويرتفع بالنظر إلى السماء، وهو في تعبيره وتشبيهه ومجازه كذلك لا يقتصر على التعبير المادي، ولا التشبيه المادي كالذي كان في الجاهلية، بل وجه النظر إلى المعاني أيضًا في كل ضروب بيانه.

وأتى بنوع من القصص بديع في تصويره وتعبيره، وجعله يخدم غرضه في وعظه وإرشاده.

ورفع شأن المرأة فجعلها إنسانًا عدلًا للرجل لا ملهاة له، لها كل حقوق الرجل وعليها واجباته، تحاسب على عملها كما يحاسب الرجل، وتدعى إلى جلائل الأعمال كما يدعى الرجال.

كان في القرآن كل هذا وأكثر من هذا، وكان من المعقول أن يتغير نظر الشعر في الإسلام كما تغيرت العقائد، وأن يرتفع نظر الشاعر الإسلامي ارتفاعه في عقيدته، وأن يكون له جانب روحي كجانبه المادي، وأن يستغل قصص القرآن فيقص هو ولو في اتجاهات أخرى، وأن يرى القرآن يدعو إلى العزة فيكف عن المبالغة في المديح، وأن يرى القرآن يدعو إلى عفة اللسان فيتحرج من الإقذاع في الهجاء، وأن يرى القرآن يرفع شأن المرأة فتعظم في شعره، ويسمو أحيانًا من الكلام في جسمها إلى الكلام في روحها.

فإن لم يجب أن يتغير الشعر الإسلامي كل التغير، فلا أقل من أن يجعل الشاعر الإسلامي له مصدرين: مصدر الشعر الجاهلي لاستغلاله خير ما فيه، ومصدر الإسلام لاستلهامه وتعديل منهاجه في شعره.

ولكن تعال معي ننظر ماذا كان؟ كان أن الشعر الإسلامي لم يتخذ له إمامًا غير الشعر الجاهلي؛ فقالبه قالبه، وموضوعاته موضوعاته، وماديته ماديته، وتشبيهاته من جنس تشبيهاته٤؛ وإن كان هناك جديد فجدة في العرض لا في الجوهر، وفي الشكل لا في الأساس، في رقة اللفظ بدل الخشونة، وفي تحوير المعنى لا في خلقه، وفي تقصير الأوزان الشعرية أو تحويرها تحويرًا خفيفًا لا في تجديدها، وفي اقتباس بعض التشبيهات من أدوات المدنية لا في التحليق في جو جديد، وهكذا.

قد تقول: إن القرآن ليس شعرًا، وإمام الشعر يجب أن يكون شعرًا، ومصدر الشعر يجب أن يكون شعرًا، ولم يكن إمام الشعر الإسلامي إلا الشعر الجاهلي، فطبيعي أن يقلده لا غيره.

ولكن هذا صحيح في الطبيعة القاصرة والملكات المحدودة، أما الطبيعة النابغة والملكات المبتكرة فتستمد فنها من كل شيء؛ من خرير الماء، وصفير الهواء، وحركات النسيم، وتموجات البحر، وتوقيعات الموسيقى، وأحاديث العامة، وجدال الخاصة، وأضاحيك المغفلين والماجنين وأقول الفلاسفة وخاصة المفكرين؛ فكيف لا تستطيع أن تستفيد من القرآن لأنه نثر، إلا أن يكون مرض الكسل والهرب من مشقة الابتكار؟

•••

وقريب من هذا في باب الغرابة أنه لما اختلط المسلمون بالأمم الأخرى في العصر العباسي، وعرضت عليهم آثار الأمم وخاصة اليونان، نقل الناقلون إلى اللغة العربية فلسفة اليونان وطبهم وجغرافيتهم ورياضتهم وهندستهم؛ ولكنهم لم ينقلوا أدبهم ولا شعرهم ولا قصصهم ولا تمثيلهم؛ فكان موقفهم غريبًا، إذ سمحوا للعقل أن يتغذى بأنواع أخرى من الغذاء، ولم يسمحوا للعاطفة أن تتغذى بأنواع أخرى من الفن! بل أمعن في باب الغرابة أن يسمحوا بنقل نظريات فلسفية تتعارض في صميمها مع الدين الإسلامي، ولم يسمحوا أن ينقلوا ضروبًا من الشعر والأدب اليوناني لا تتعارض مع الإسلام في شيء! ولقد كان يكون في هذا التصرف بعض العذر، لو أن منبعهم في الشعر الذي يستقون منه منبع إسلامي، أما ومنبعهم الوحيد هو الشعر الجاهلي الوثني بما فيه من لات وعزى، وخمر وميسر، وشرك وأوثان. فالأمر جد غريب!

أعتقد أن من أهم الأسباب في ذلك أنه لو كان حملة لواء الأدب في العصر العباسي عربًا خلصًا لسمحوا للآداب الأخرى أن تعرض عليهم، ولأخذوا منها ما تستسيغه أذواقهم، وتجيزه مداركهم؛ ولكن كان أكثر حملة لواء الأدب أعاجم استعربوا. والأعجمي إذا استعرب كان قصارى همه وغاية كده أن يصل في فنه إلى العربي الأصيل، ولا تحدثه نفسه أن يبتكر في القديم، أو يجدد في الشيء الأصيل. أترى المصري — مهما بلغ في إتقان اللغة الإنجليزية — تحدثه نفسه أن يبتكر في الشعر الإنجليزي؟ أو الشامي مهما بلغ في إجادة اللغة الفرنسية أن يبتكر في الشعر الفرنسي؟ إنما يبتكر في الإنجليزية والفرنسية الإنجليزي الأصيل والفرنسي الأصيل؛ لأنه من الناحية النفسية لا يشعر فيها بعجز طبيعي، فكذلك الشأن في العربي الأصيل والأعجمي الحامل لواء العربية في العصر العباسي، وهناك من غير شك أسباب أخرى تخرج بنا عن موضوع مقالنا.

•••

أما بعد، فكل قارئ كريم يلحظ ما أردت من معالجة في هذا الموضوع.

أرادت أن يتحرر الأدب من قيوده التي تثقله، وأن يكون الحكم في أدبنا أذواقنا لا أذواق غيرنا؛ فخير بيت عندي ما تذوقت أنا أنه خير بيت، لا مال قال فلان — ولو كان عظيمًا —: إنه أفضل بيت.

وأن يكون أدبنا معتمدًا على شيئين: خير ما في الماضي مما يتناسب وحاضرنا ويبعث على تحقيق أملنا في مستقبلنا. ودراسة حاضرنا واشتقاق أدبنا منه، لا أن نعيش في أدبنا على الماضي وحده، وعلى الماضي الذي لا يتناسب وحاضرنا؛ فإننا إن فعلنا ذلك كان أدبنا وقفًا على طائفة الخاصة فينا، وغزا أبناءنا في المدارس وجمهرة المتعلمين منا الأدب الأوروبي الحديث، وأصبح الأدب العربي لا حياة له إلا في مناهج المدارس وأسئلة الامتحانات وفئة قلية جدًّا من المتخصصين؛ وفي هذا أكبر إجرام على الأدب العربي.

أريد أدبًا عربيًّا يلذه الطفل في مدرسته، والبنت في مطالعتها، والشاب في غذائه العقلي والروحي، والكهل الناضج، والفتى الغر.

أريد أدبًا عربيًّا يشاهده النظارة في السينما ودور التمثيل، يعرض لحياتهم اليومية وأحداثهم التاريخية، ويصور حياتهم الاجتماعية.

أريد أدبًا عربيًّا يعرض لأسرنا وحياتنا العامة والخاصة ونفوسنا وخلجاتها، فيضع في ذلك قصصًا رائعًا وشعرًا بديعًا، ويهز نفوسنا ويلمس مشاعرنا، ويحركها نحو مثل أعلى ننشده ونسعى إليه.

أريد أدبًا عربيًّا يشعر كل فرد من أبناء العرب بجمال طبيعته، ويهز قلبه لإدراك الجمال الطبيعي والجمال الصناعي، فيرقى حسه وترهف نفسه، ويحركه ذلك إلى أن يكون جميلًا في سلوكه جميلًا فيما يصدر عنه؛ ليؤلف مع ما يشعر به من جمال نغمًا متناسقًا وتوقيعًا متناغمًا.

أريد شعرًا عربيًّا يغنيه المغني فيمثل ما في نفسه الحاضرة من حب ووطنية وإنسانية ومعان مستحدثة ومواقف مستجدة، ويتمثل به المرء في شتى عواطفه ومختلف شئونه.

أريد شعرًا عربيًّا ينشده الأطفال في رياض مدارسهم، والشبان في ألعابهم، والجنود في معسكراتهم، والأسرة المتدينة في صباحها ومسائها، والفتاة في تغذية آمالها.

ولا يتم شيء من ذلك إذا نظرنا إلى الخلف دائمًا، ولا يكون شيء من ذلك إلا إذا كسرنا عمود الشعر الذي وضعه الأدب الجاهلي، وجعلنا بدل العمود الحجري شجرة تنبض بالحياة، يكون أحد فروعاها فقط الشعر الجاهلي، وأهم فروعها نتاج حياتنا الواقعية، وآمالنا المستقبلة. ولا يكون شيء من ذلك ما دمنا نعد البيت الجاهلي خير الأبيات، ولو كان سخيفًا، وخير القصص القصص القديم؛ لأنه ورد في الكتب القديمة، وأحسن الأبيات في الغزل ما استحسنه ابن الأعرابي. ولا يكون شيء من ذلك ما دمنا نوقع الأنشودة القديمة: «إن الأدب العربي كامل ليس فيه نقص، وقوي لا يشوبه ضعف، وبناء مكتمل لا يحتاج إلى علو، ومتين الأساس لا يحتاج إلى دعامة».

إنما يكون ذلك كله يوم نزن الأدب العربي ككل أدب بموازينه الصحيحة من غير عصبية، ونصرح بالنقص في غير خجل، ونبني الجديد في غير هوادة، ونكسر قيود القديم في غير رفق. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

٥

يقسم علماء المنطق العمليات العقلية إلى نوعين، عملية تركيبية وعملية تحليلية، ولهذا نظائر في الحسيات؛ فإذا أنت ألفت من ورد وفل وياسمين ونرجس ومنثور وبنفسج طاقة أزهار، فهذه عملية تركيب؛ وإذا أنت فرقت هذه الطاقة، وجعلت الورد وحده والفل وحده والنرجس وحده. فهذه عملية تحليل؛ وإذا ألفت من أكسجين وإيدروجين ماءً، فهذه عملية تركيب، فإذا حللت الماء إلى عنصريه فهذه عملية تحليل.

وفي النحو — مثلًا — بناء الجمل من ألفاظ، أو الفقرة من جمل، أو الفصل من فقر، عملية تركيبية. وتحليل الفصل إلى فِقَر، والفقرة إلى جمل، والجملة إلى ألفاظ، عملية تحليلية.

وفي البلاغة — مثلًا — عملية التشبيه والاستعارة عملية تركيبية؛ لأنه يراد منها ضم شيء إلى شيء والحكم عليهما حكمًا واحدًا من إحدى الجهات، ومثل ذلك الموازنة في باب الأدب.

•••

ويخيل إليّ أن الأمم في بدء أمرها أميل إلى التركيب منها إلى التحليل؛ لأن التحليل يتطلب دقة وحصافة، وخُلقًا علميًّا أكثر مما يتطلبه التركيب؛ والعقل البدائي يسرع في التركيب فيخطئ في الحكم؛ لأنه يكفي أن يرى حادثة تحدث مع حادثة أخرى، فسرعان ما يعقل علاقة بينهما ويعممها من غير تدقيق؛ فيرى الجاهلي — مثلًا — حادثة شفاء من كلب ارتبطت بدم ملك، فيعمم الحكم بأن دم الملوك يشفي من الكلب؛ أو يرى حادثة حدثت اتفاقًا في أن نوعًا من الشجر اسمه العشر احترق وذيل البقر، فأمطرت السماء، فيعمم ارتباط هذا الحادث بالمطر، ويستسقي المطر بتكريره، وربط العشر في أذناب البقر وإشعال النار فيها، وهكذا.

ومن أجل هذا كثرت الأساطير والخرافات بين الأمم في حالة بداوتها؛ لأنها أسرعت في التعميم من غير تحليل دقيق وامتحان لربط الحادث بالحادث.

وهذا ما حدث عند العرب في جاهليتهم، وحدث عند اليونان في جاهليتهم، فلما جاء فلاسفة اليونان كأرسطو، رأوا أكداسًا من الأحكام العامة الباطلة، وأكداسًا من الاعتقادات بارتباطات بين الأشياء زائفة، وأساطير تعمم في غير دقة؛ فوضع أرسطو قواعد وقيودًا للتعميمات، كمطالبته بالاستقراء التام قبل التعميم، ونحو ذلك، ولا يزال علماء المنطق إلى الآن يجدون في وضع الشروط الدقيقة لصحة التعميم.

•••

يظهر لي أن هناك نوعين من الأدب متميزين كل التميز: أدب تركيبي وأدب تحليلي؛ فالقصة التي تصف وصفًا دقيقًا حال عاشقين، وما ينتابهما من عواطف مختلفة، وما يعرض لنفوسهما من مواقف متباينة، وما يجري بينهما من أحاديث تتفق مع كل موقف، وما يبدو من تصرفات متناقضة تبعًا لتناقض العواطف ونحو ذلك، أدب تحليلي؛ والمقالات الاجتماعية تعرض لشرح حال أمة في موقف خاص من مواقفها، وتصف المرض وصفًا دقيقًا، وتضع العلاج في دقة وإحكام، أدب تحليلي؛ وقصيدة الشاعر يصف منظرًا طبيعيًّا، ويحلل موقف المنظر من نفسه وموقف نفسه منه، أدب تحليلي؛ ومقال الناقد يعرض للكتاب أو المقال المنقود. فيميز ما هو أساسي منه، وما ليس بأساسي، ويتبين أغراضه ومراميه، ثم يحلل هذه الأغراض ويبين ما فيها من ضعف وما فيها من قوة، أدب تحليلي، وهكذا.

والخطبة الوطنية العامة في تمجيد القومية والوطنية من غير بحث مسألة خاصة، أو دعوة إلى منهج وطني معين، أدب تركيبي، والمقالة الأدبية التي ليس فيها فكرة أو فيها أفكار عامة، وكل جمالها في تشبيهها واستعارتها وسجعها وبديعها، أدب تركيبي؛ ومقال الناقد يبني مقاله على أن الكتاب أو المقال المنقود يعجبه أو لا يعجبه، وأنه ينطبق أو لا ينطبق على أصول الفن المتعارفة، أدب تركيبي، وهكذا.

والأدباء أنفسهم ينقسمون هذين القسمين، فأديب تغلب عليه نزعة التركيب وأديب تغلب عليه نزعة التحليل.

•••

إن كان هذا صحيحًا فيُخيَّل إليّ أن أكثر الأدب الجاهلي أدب تركيبي لا تحليلي، ويتجلى هذا في مظاهر مختلفة.

فإنا لو استعرضنا الشعر الجاهلي وجدنا أكثره يعني بتصوير الأشياء صورًا عامة، ولا يعني فيها بالتفصيل والتدقيق، وأروع شيء فيه جمال الاستعارة والتشبيه؛ وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا كله من قبيل الأدب التركيبي، وأشهر أبوابه فخر ومديح وهجاء، وقد عرضت بشكل عام تركيبي، فهي في الأغلب فخر ومدح وهجاء للقبيلة جاءت في معان عامة مركبة؛ فخير المدح المدح بالكرم والشجاعة من غير تحليل لجزئيات؛ من خير أنواع المدح المدح بالمروءة وهو لفظ عام غير محدود، ومن شر أنواع الهجاء الهجاء باللؤم، وهو كذلك لفظ غير محدود. ونستعرض باب الصفات — وكنا نظن أن هذا باب يتأتى فيه التحليل الدقيق — فلا نجد تحليلًا ولكن نجد وصفًا مركبًا.

نعم نجد قطعًا متفرقة هنا وهناك فيها وصف تحليلي كوصف المُنَخَّل اليشكري:

ولقد دخلت على الفتا
ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر
فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت
مشى القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست
كتنفس الظبي الغرير
فدنت وقالت يا منخـ
ـل ما بجسمك من حرور
ما شف جسمي غير حبـ
ـك فاهدئي عني وسيري

ووصف بعض أحداث لامرئ القيس، ولكنها ليست كثيرة في الأدب الجاهلي. إنما الكثير الغالب الأدب التركيبي، وحتى هذه الأمثلة التي ذكرت من الأدب التحليلي ليست طويلة النفس ولا مستقصية التحليل.

•••

جاء الأدب العربي فتأثر كل التأثر بالأدب الجاهلي، فكان أكثره أدبًا تركيبيًّا لا أدبًا تحليليًّا، ونستعرضه فنرى أن فيه كل مزايا الأدب التركيبي وكل العيوب الناشئة من قلة الأدب التحليلي.

نرى الأدب العربي قد نبغ نبوغًا عظيمًا في باب الأمثال والحكم، حتى قلّ أن يساويه في ذلك أدب، لأن ذلك نتيجة حتمية للأدب التركيبي، فهي تجمع التجارب وتركزها في جملة موجزة قوية جميلة؛ وكان من نبوغهم في هذا الباب وإعجابهم به أن نقلوا حِكم اليونان إلى العربية، مع أنهم أوصدوا الأبواب في وجه الأنواع الأخرى من الأدب اليوناني. وكان سيرهم في هذا الباب احتذاء لما فعل زهير بن أبي سلمى في حِكمه المشهورة. وكان من نبوغهم في الأدب التركيبي أيضًا ولوعهم الشديد بالجمل القصيرة القوية، حتى لتكون الخطب والكتب في كثير من الأحيان عبارة عن جمل قصيرة مركزة محكمة، كالذي نلاحظه في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وكخطبة زياد وخطبة الحجاج. ولو تناول الأدب التحليلي كل جملة من هذه الجمل لصاغ منها صفحات؛ ونرى لهذا صدى في علم البلاغة العربية، فإنهم عنوا بالإيجاز أكثر من عنايتهم بالإطناب، وأعجبوا بجوامع الكلم أكثر من إعجابهم بالكلام الطويل المنبسط. بل إن بعضهم كأبي هلال العسكري فهم أن الإطناب تكرار المعاني وطول الألفاظ، وقال: «إن كتب الفتوح وما يجرى مجراها مما يقرأ على عوام الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبًا فيها»، فكأنه يريد أن يجعل الإطناب أدب العامة والإيجاز أدب الخاصة.

وألف العرب هذا النوع من الإيجاز في التعبير، حتى عدّوا عبد الحميد الكاتب الفارسي الأصل آتيًا بجديد عندما فصّل في كتابته وأطنب.

•••

وكما أن في الأدب العربي مزايا الأدب التركيبي، ففي معظمه عيوب نقص الأدب التحليلي.

نرى مظاهر ذلك في ضعف القصة، وقد أشرت قبل إلى بعض أسباب هذا الضعف، وأزيد هنا هذا السبب، فإن القصة تحتاج بجانب الخيال الواسع إلى إطناب في الوصف، وتحليل للموقف وإجادة للعرض المفصّل؛ ولذلك كان أكثر القصص العربي البحت — كالذي روي في العقد والأغاني عن الأدب الجاهلي وأيام العرب ونوادر المجان والممرورين — موجزًا قصيرًا يتفق وذوق العربي في حبه الإيجاز، وميله للتركيز والتركيب. أما ما عدا ذلك من قصص مطولة كألف ليلة وليلة، فليس من أصل عربي، أو هو من الحكايات الشعبية، لا من الأدب الرسمي.

كما نرى مظهر ذلك أيضًا من باب تراجم الرجال، كالذي في الأغاني، ومعجم الأدباء، ووفيات الأعيان؛ فالناظر في كتب التراجم العربية يمتلئ إعجابًا وروعة بعظم هذه الثروة وعمومها، وعناية جامعيها، وسلوكهم المسالك المختلفة في التراجم؛ ولكنه لا يعجب بها من حيث نظرها إلى المترجم كوحدة متماسكة ذات أجزاء مفصلة منسجمة، إنما هي حادثة هنا وحادثة هناك، وشيء في خُلُقه، بجانب شيء في شكله، ثم عودة إلى شيء في خلقه، ثم عودة إلى شيء في شكله، وحوادث جزئية جمعت حيثما اتفق، يحتاج الذي يريد الاستفادة منها أن ينظر إليها نظرًا جديدًا، ويرتبها ترتيبًا جديدًا، ويعمل فيها خياله ليكمل مواضع النقص فيها، ولم يأت هذا إلا بعد أن تثقفنا ثقافة جديدة فيها الكثير من منهج التحليل.

وما قيل في باب التراجم يقال مثله في كتب الأدب العربي: كالكامل، والبيان والتبيين ونحوهما، وكتب التاريخ: كالطبري، وابن الأثير. فعدم التزامها كلها منهج التحليل جعلها تعرض للأشياء والأحداث عرضًا مبعثرًا، وجعلها تستطرد استطرادًا مفرطًا، وجعلها أكداسًا فيها الذهب والفضة والنحاس، وفيها الحب والتبن، وفيها غطاء الرأس بجانب نعل القدم؛ ولو اتبعت المنهج التحليلي لكان لها شأن آخر.

وكما نرى مظهر ذلك في وفرة الشعر الذي سار على نمط الشعر الجاهلي التركيبي من مدح وهجاء وفخر، وضعفه فيما احتاج إلى التحليل، كالوصف الدقيق المستقصي لمظاهر الطبيعة وتحليل النفس.

•••

وقد يكون من الإنصاف أن نستثني بعض أدباء العرب، ولنمثل لذلك بأديبين في الأدب العربي، كان أدبهما أدبًا تحليليًّا واضحًا، وقد نبغا فيه نبوغًا عظيمًا: أحدهما شاعر، والآخر ناثر؛ فأما الشاعر فابن الرومي، فهو في شعره يعرض للفكرة أو الصورة فيحللها ويفصلها ويولدها، حتى لا يدع لأحد بعده فيها قولًا. وأما الكاتب فهو ابن خلدون في مقدمته، فهو يأتي بالنظرية العامة، ولا يزال يحللها ويضع فروضها ويقيم البراهين على صحتها، حتى يصل في ذلك إلى الغاية، شأنه في ذلك شأن الرياضي في التدليل على نظرية هندسية.

ولكن مع الأسف لم يكن أحد منهما زعيم مدرسة، وإنما كان معلمًا من غير متعلمين ومغنِّيًا لغير سامعين.

•••

إني أعتقد أن الأدب العربي مسئول إلى حد كبير عن انحطاط المسلمين في العصور الوسطى وما بعدها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية.

فلما ساءت حالة المسلمين بعد العصر العباسي الأول، كان ينبغي أن يكون هناك أدب تحليلي وشعر تحليلي، يصف حال المجتمع السيئة وصفًا دقيقًا مستقصيًا، ويشرح أسباب الفساد وعلله شرحًا مستفيضًا وافيًا، ويرسم للناس المثل الأعلى الذي ينشدونه رسمًا دقيقًا شافيًا، ويحث الناس على أن يثوروا على من سبّب ما هم فيه من مذلة وضنك وبؤس، وأن يبيعوا أرواحهم في سبيل تحقيق مثلهم؛ ولو كان ذلك لكف الظالمون عن الظلم، وعملوا على إصلاح الفاسد، وتحسين المجتمع؛ ولكن تعال معي نستعرض الأدب العربي من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، فهل ترى ثائرًا ثار بأدبه على ظالم، وحلل موقف الناس في بؤسهم تحليلًا دقيقًا؟ وهل ترى أديبًا وصف مجتمعه وصفًا عميقًا مستقصيًا، يحرك النفوس؟ وهل ترى شاعرًا رسم المثل الأعلى للحكام والمحكومين ودعا إليه؟

إني — مع الأسف — لا أجد شيئًا من ذلك.

أجد الشعراء وشعرهم مملوء بالملق لكل خليفة، ولكل سلطان، وكل أمير؛ فهو الشمس، وهو القمر، وهو حاتم في الجود، وهو الأسد في الشجاعة؛ فأما ما أصاب الناس من ظلم على يديه، فقد ضاع في دراهم معدودة نالها منه الشاعر؛ ومن خرج على الخليفة أو السلطان هجاه هجاءً جاهليًّا مركبًا لا تحليليًّا مفصلًا.

انظر إلى قول دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم:

ملوك بني العباس في الكُتْب سبعة
ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة
خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وإني لأُعْلي كلبَهم عنك رفعةً
لأنك ذو ذنبٍ وليس له ذنب

فهل هذا نقد تحليلي يراد به الإصلاح، أو هو سب جاهلي مركب كقولهم:

تميم بترك اللؤم أهدى من القطا
فإن سلكَت سبل المكارم زلت

وهل ترى كاتبًا عرض تفصيلًا وتحليلًا لحال الناس وبؤسهم وفسادهم، أو ترى أن أشجعهم جمجم ولم يفصح، وغمغم ولم يُبِنْ.

نعم قد تعرَّض لنقد الحالة الاجتماعية في عصره أبو العلاء المعري، ولكنه لم يحقق غرضنا من ناحيتين: من ناحية أنه فصل في تعديد نواحي الفساد، ولكنه لم يحلل كل ناحية كما ينبغي؛ قال بفساد القضاة وفساد رجال الدين وفساد الأمراء وفساد المرأة، ولكنه لم يحلل تحليلًا تفصيليًّا نواحي هذا الفساد وأسبابه وجنايته على العالم؛ وله بعض العذر في ذلك؛ لأن الشعر لا يفسح المجال لهذا التحليل؛ ولو عالج هذه الموضوعات نثرًا مرسلًا لتأتى له ذلك. وثاني الأمرين في شعر أبي العلاء أن نزعته لم تكن نزعة إيجابية في الدعوة إلى الثورة وإصلاح الحال، ولكنها دعوة سلبية إلى الزهد وترك الدنيا. ونحن إنما ننشد العمل الإيجابي والإصلاح الإيجابي والانغماس في الحياة لمعالجتها لا الهروب منها.

•••

إن المثل الأعلى لآداب الأمة يجب أن يكمل فيه النوعان من الأدب التركيبي والأدب التحليلي. والأدب العربي في حاجة إلى المزيد من الأدب التحليلي حتى يرقى فيه القصص والوصف الدقيق المفصل والنقد العميق الواسع ونحو ذلك. ولولا نزعة الجمود على القديم والالتزام الشديد للسير على مناهج الأقدمين، وتعمد المحدثين أن يصبُّوا الأدب في نفس القوالب التي صاغها الأقدمون لكان للأدب العربي شأن غير هذا الشأن.

إن الأمم الأخرى الحية وقفت زمنًا مثل موقفنا، ولكنها بعد برهة تحللت منه، وجارت الزمان، وسايرت الأذواق، واستغلت الحياة الواقعية. لقد سيطر الأدب اليوناني والأدب اللاتيني على الحياة الأدبية الأوروبية كل السيطرة حينًا من الزمان؛ وكان كل همّ الأديب أن يحذو حذو الأدب اليوناني أو اللاتيني حذوًا دقيقًا، وكلما كان التقليد أتم كانت القطعة الفنية في نظرهم أجمل وأروع. وكان الناقد الأدبي إذا نقد قطعة أدبية قاسها بمقياس قربها من هذين الأدبين، فكلما قربت منه كانت أجود وأرقى، وكلما بعدت كانت أضعف وأسمج، شأنهم في ذلك شأننا مع الأدب الجاهلي.

ثم وقفوا بعد ذلك موقفًا ينقصنا الآن، ذلك أنهم مخضوا الأدب اليوناني واللاتيني وأخذوا زبدتهما ورموا ثفلهما، وتناولوا هذه الزبدة فهضموها، وزادوا إلى طعامهم هذا — القديم في أصله، الجديد في استخلاصه — طعامًا جديدًا مشتقًّا من بيئتهم ومدنيتهم وحياتهم وأحداثهم وطبيعة أرضهم ونوع معيشتهم؛ فصنعوا من كل ذلك موائد مختلفة الألوان متعددة الطعوم تشتهيها أذواقهم وتستسيغها معدهم؛ وهذا ما ينبغي أن يحدث في أدبنا العربي حتى يحقق غايته.

١  الجذيل: أصل الشجرة. والمحك: الذي تتحكك به الإبل الجربى.
٢  الرمة: الحبل البالي في عنق البعير.
٣  في القاموس: العقيان ذهب ينبت!
٤  أستثني هنا الشعر الصوفي، ولي رأي فيه أعرضه فيما بعد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠