الفصل الأول

ما الذكاء الاصطناعي؟

الهدف الأساسي من الذكاء الاصطناعي هو تمكين أجهزة الكمبيوتر من تنفيذ المهام التي يستطيع العقل تنفيذها.

عادةً ما يُطلَق على بعض تلك المهام (مثل التفكير) صفة «الذكاء». وبعضها (مثل الرؤية) لا يُطلَق عليه ذلك الوصف. ولكن جميعها لا يخلو من مهاراتٍ نفسية تمكِّن الإنسان والحيوان من الوصول إلى أهدافهما، ومن تلك المهارات الإدراك الحسِّي، والربط بين الأفكار، والتنبؤ، والتخطيط، والتحكم الحركي.

لا ينطوي الذكاء على بُعد واحد، ولكنه مساحة غنية بالتنظيم، وتضم قدرات متنوِّعة لمعالجة المعلومات. ومن ثَم، يستخدم الذكاء الاصطناعي العديد من التقنيات المختلفة التي تنفِّذ العديد من المهام المختلفة.

أضِف إلى ذلك أن الذكاء الاصطناعي موجود في كل مكان.

توجد الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي في المنازل، والسيارات (والسيارات بدون سائق)، والمكاتب، والبنوك، والمستشفيات، والفضاء … وشبكة الإنترنت، بما في ذلك إنترنت الأشياء (الذي يربط المستشعرات المادية التي يتزايد استخدامها في الأجهزة والملابس والبيئات). بعض تلك الاستخدامات يكون خارج الكوكب، مثل الروبوتات التي تُرسَل إلى القمر والمريخ، أو الأقمار الصناعية التي تدور في الفضاء. أفلام الرسوم المتحركة في هوليوود، وألعاب الفيديو والكمبيوتر، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، ومحركات بحث «جوجل»، جميعها تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومن ذلك أيضًا الأنظمة التي يستخدمها المستثمِرون للتنبؤ بتحركات البورصة والأنظمة التي تستخدمها الحكومات الوطنية للإسهام في توجيه القرارات المتعلِّقة بشأن الصحة والنقل والمواصلات. ومن ذلك أيضًا التطبيقات على الهواتف المحمولة. أضِف إلى ذلك الصور الرمزية في الواقع الافتراضي والنماذج التجريبية للعاطفة التي تُطوَّر في الروبوتات «المرافقة». حتى المعارض الفنية تستخدم الذكاء الاصطناعي على مواقعها الإلكترونية، وحتى في معارض الفنون الحاسوبية. لحسن الحظ أن الطائرات العسكرية التي بدون طيار تجول في ساحات القتال اليوم، ولحسن الحظ أكثر أن كاسحات الألغام الروبوتية أيضًا تفعل ذلك.

ثَمة هدفان أساسيان للذكاء الاصطناعي. الهدف الأول «تكنولوجي»؛ استخدام أجهزة الكمبيوتر لإنجاز مهام مفيدة (وتوظِّف في بعض الأحيان طُرقًا غير التي يستخدمها العقل تمامًا). الهدف الثاني «علمي»؛ استخدام مفاهيم الذكاء الاصطناعي ونماذجه للمساعدة في الإجابة عن أسئلة تتعلق بالإنسان وغيره من الكائنات الحية. لا يركِّز معظم العاملين في الذكاء الاصطناعي إلا على هدف من هذين الهدفين، ولكن بعضهم يركِّز على كليهما.

يوفِّر الذكاء الاصطناعي عددًا لا يُحصى من الأدوات التكنولوجية، أضِف إلى ذلك تأثيره العميق في علوم الحياة.

وعلى وجه التحديد، مكَّن الذكاء الاصطناعي علماء النفس وعلماء الأعصاب من وضع نظريات راسخة عن العقل والدماغ. تتضمن تلك النظريات نماذج عن «آلية عمل دماغ الإنسان»، وسؤالًا آخَر لا يقل أهمية وهو: «ما الذي يفعله الدماغ؟» ما الأسئلة الحاسوبية (السيكولوجية) التي يجيب عنها؟ وما أنواع معالجة المعلومات التي تُمكِّنه من فعل ذلك؟ هناك العديد من الأسئلة التي لم يُجَب عنها، وقد علَّمَنا الذكاء الاصطناعي نفسه أن عقولنا أغنى مما تصوَّره علماء النفس من قبل.

كذلك استخدم علماء الأحياء الذكاءَ الاصطناعي في صورة «حياة اصطناعية» تطوِّر نماذج حاسوبية لجوانب مختلفة لدى الكائنات الحية. وهذا يساعدهم في شرح الأنواع المختلفة من سلوك الحيوان، ونمو الجسم، والتطوُّر الأحيائي، وطبيعة الحياة نفسها.

بالإضافة إلى التأثير في علوم الحياة، أثَّر الذكاء الاصطناعي في الفلسفة. يؤسِّس العديد من الفلاسفة اليوم أفكارهم على مفاهيم الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، يستخدم الفلاسفة تلك المفاهيم لحل المعضِلة الشهيرة بين العقل والجسم، ولغز الإرادة الحرة، والعديد من الألغاز المتعلِّقة بالوعي. لكن هذه الأفكار الفلسفية جدلية إلى حدٍّ كبير. ويدور خلاف كبير بشأن ما إذا كان هناك أي نظام للذكاء الاصطناعي يمتلك شكلًا حقيقيًّا من الذكاء أو الإبداع أو الحياة.

وأخيرًا وليس آخِرًا، تحدَّى الذكاء الاصطناعي الطرق التي نفكِّر بها بشأن الإنسانية ومستقبلها. في الحقيقة، يخشى البعض ولا يدري هل المستقبل لنا حقًّا أم لا؛ لأنهم يستشرفون تفوُّق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري في شتى المجالات. وعلى الرغم من ترحيب بعض المفكرين بهذا المستقبل فإن الغالبية تخشاه؛ إذ يتساءلون: ماذا سيبقى لكرامة الإنسان ومسئوليته؟

سنتناول كل تلك المسائل في الفصول الآتية.

الأجهزة الافتراضية

قد يقول أحدهم: «الحديث عن الذكاء الاصطناعي يعني الحديث عن أجهزة الكمبيوتر.» الإجابة لها وجهان. ولكن أجهزة الكمبيوتر ليست محور الموضوع. بل إنها أدوات تُستخدم في هذا الشأن. بعبارة أخرى، على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى أجهزة «مادية» (مثل أجهزة الكمبيوتر)، فالأحرى أن تنصرف أذهاننا إلى ما يُسمِّيه علماء الكمبيوتر «الأجهزة الافتراضية».

الجهاز الافتراضي ليس جهازًا مصورًا في الواقع الافتراضي، وليس كتقليد محرِّك السيارة المُستخدَم في تدريب الميكانيكيين. بل هو «نظام لمعالجة المعلومات» يتصوره المُبرمِج في عقله عندما يكتب برنامجًا، ويتصوره الناس في عقولهم عندما يستخدمونه.

على سبيل المثال، فكَّر المصمِّم في تطوير مُعالِج كلمات وجرَّبَه المستخدمون ممَّن لهم تعامل مباشر مع الكلمات والفقرات. ولكن البرنامج نفسه ليس من مكوِّناته الفكرة أو التجربة. يُعتقد كذلك أن الشبكة العصبية (انظر الفصل الرابع) تعالج المعلومات ﺑ «التوازي»، على الرغم من أنه عادةً ما تُنفَّذ باستخدام جهاز كمبيوتر (تسلسلي) بهيكلة فون نيومان.

هذا لا يعني أن الجهاز الافتراضي مجرد قصة نرويها أو مجرد ضرب من الخيال. الأجهزة الافتراضية حقائق واقعية. بإمكان تلك الأجهزة تنفيذ مهمات، سواء داخل النظام أو في العالم الخارجي (إذا رُبطت بأجهزة مادية مثل الكاميرا أو أيدي الروبوت). يحاول العاملون في مجال الذكاء الاصطناعي أن يكتشفوا مَكمَن الخطأ عندما يفعل البرنامج شيئًا غير متوقَّع، ونادرًا ما يأخذون في الاعتبار أعطال مكونات الأجهزة. وعادةً ما يهتمون بالأحداث والتفاعلات السببية في الجهاز الافتراضي أو البرنامج.

لغات البرمجة كذلك عبارة عن أجهزة افتراضية (حيث تُترجَم تعليماتها إلى تعليمات برمجية للجهاز قبل تشغيلها). تُعرف بعض لغات البرمجة بأنها لغات منخفضة المستوى؛ ومن ثَم تلزم الترجمة على عدة مستويات.

لا يقتصر الأمر على لغات البرمجة وحدها. تتكوَّن الأجهزة الافتراضية بوجه عام من أنماط أنشطة (معالجة المعلومات) ذات عدة مستويات. إضافة إلى ذلك، ليست الأجهزة الافتراضية وحدها هي التي تعمل على أجهزة الكمبيوتر. سنرى في الفصل السادس أنه يمكن فهم «العقل البشري» وكأنه جهاز ظاهري مُركَّب في الدماغ، أو بالأحرى مجموعة من الأجهزة الافتراضية التي تتبادل التفاعل وتعمل بالتوازي بعضها مع بعض (وقد تطوَّرَت أو تعلَّمَت في أوقات مختلفة).

التقدُّم في الذكاء الاصطناعي يتطلب التقدُّم في تحديد الأجهزة الافتراضية المهمة/المفيدة. كلما زادت قوة أجهزة الكمبيوتر ماديًّا (من حيث الحجم أو السرعة)، كان ذلك أفضل. وربما تكون القوة ضرورية لأنواع مُعيَّنة من الأجهزة الافتراضية المراد تنفيذها. ولكن لا يمكن استخدام أجهزة الكمبيوتر إلا إذا أمكن تشغيل الأجهزة الافتراضية القوية في معالجة المعلومات. (وبالمثل، التقدُّم في علم الأعصاب يتطلب فهمًا أفضل للأجهزة الافتراضية النفسية التي تُنفِّذها الخلايا العصبية المادية؛ انظر الفصل السابع).

تُستخدم أنواع مختلفة من معلومات العالم الخارجي. فكل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى أجهزة مُدخَلات ومُخرَجات، حتى ولو لوحة مفاتيح وشاشة. وفي كثير من الأحيان، توجد مستشعرات تُستخدم لأغراض خاصة (ربما كاميرات أو شعيرات حساسة للضغط) و/أو أجهزة استجابة (ربما معدات تركيب الصوت للموسيقى أو الكلام، أو أذرع الروبوت). يتصل برنامج الذكاء الاصطناعي بأجهزة الكمبيوتر تلك، ويُحدث تغييرات في الواجهات العالمية، وكذلك يعالج المعلومات داخليًّا.

عادةً ما تتضمن معالجة الذكاء الاصطناعي أجهزة مدخلات ومخرجات «داخلية»، بحيث تمكِّن الأجهزة الافتراضية المتنوعة داخل النظام بأكمله من التفاعل بعضها مع بعض. على سبيل المثال، ربما يكتشف جزء في برنامج الشطرنج تهديدًا محتملًا برصد شيء يحدث في جزء آخَر، وربما يربطه عندئذٍ بجزء ثالث بحثًا عن حركة حظر.

أنواع الذكاء الاصطناعي الأساسية

تعتمد طريقة معالجة المعلومات على الجهاز الافتراضي المستخدَم. وكما سنرى في الفصول اللاحقة، يوجد خمسة أنواع أساسية، وكل نوع يضم العديد من التباينات. النوع الأول هو الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي — أو الرمزي — ويُطلَق عليه في بعض الأحيان الذكاء الاصطناعي التقليدي الجميل. يوجد نوع آخَر، وهو الشبكات العصبية الاصطناعية أو الترابطية. إضافةً إلى ذلك، يوجد نوع من البرمجة التطورية، وهو الأتمتة الخلوية، والأنظمة الديناميكية.

غالبًا ما يستخدم فُرادى الباحثين طريقةً واحدة، ولكن هذا لا ينفي استخدام أجهزة افتراضية «مختلطة». على سبيل المثال، ورد في الفصل الرابع نظرية الفعل البشري الذي لا يتوقف عن التبديل بين المعالجة الرمزية والاتصالية. (تشرح تلك النظرية لماذا وكيف ينصرف الشخص عن متابعة مهمة مُخطَّط لها عندما يلاحظ شيئًا في البيئة لا علاقة له بالمهمة). كذلك ورد في الفصل الخامس جهاز حسِّي حركي يجمع بين برمجة الروبوتات «الموضعية» والشبكات العصبية والبرمجة التطورية. (يساعد هذا الجهاز الروبوت على إيجاد طريقه إلى «المنزل» باستخدام مثلث من الورق المقوَّى باعتباره علامةً بارزة).

بالإضافة إلى الاستخدامات العملية لتلك النُّهُج، فإنها يمكن أن تنير العقل والسلوك والحياة. الشبكات العصبية مفيدة في نمذجة الجوانب العقلية، وفي التعرف على النمط وتعلُّمه. يمكن للذكاء الاصطناعي الكلاسيكي (لا سيما عند دمجه مع الإحصاءات) أن يضع نموذجًا للتعلُّم، وكذلك يمكنه التخطيط والتفكير المنطقي. تُلقي البرمجة التطورية الضوء على التطور الأحيائي ونمو الدماغ. يمكن استخدام الأتمتة الخلوية والأنظمة الديناميكية في إنشاء نماذج التطور لدى الكائنات الحية. بعض المناهج أقرب إلى علم الأحياء من علم النفس، وبعضها أقرب إلى السلوك التأملي من التفكير التشاوري. لفهم النطاق الكامل للعقل، فسيلزم توافر كل تلك الأنواع وربما أكثر.

لا يهتم كثير من الباحثين في الذكاء الاصطناعي بطريقة عمل العقل؛ حيث إنهم يسعون خلف الكفاءة التكنولوجية وليس الفهم العلمي. حتى وإن كانت أساليب العقل متأصِّلة في علم النفس، فإنه لا توجد علاقة وثيقة به الآن. لكننا سنرى أن التقدم في الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة (الذكاء الاصطناعي العام) يحتاج إلى فهم البنية الحاسوبية للعقل فهمًا عميقًا.

التنبؤ بالذكاء الاصطناعي

تنبَّأت السيدة آدا لافليس بالذكاء الاصطناعي، تنبَّأت به السيدة في أربعينيات القرن التاسع عشر. ولمزيد من الدقة، فقد تنبَّأت بشق من الذكاء الاصطناعي. ركَّزت السيدة آدا لافليس على الرموز والمنطق، ولم يكن لديها أدنى فكرة بشأن الشبكات العصبية أو الذكاء الاصطناعي التطوُّري أو الديناميكي. كذلك لم يكُن لديها أيُّ ميول تجاه الهدف النفسي من الذكاء الاصطناعي، بل انصبَّ كل اهتمامها على الجانب التكنولوجي.

قالت — على سبيل المثال — إن الآلة بإمكانها أن «تؤلِّف مقطوعات موسيقية دقيقة وعلمية مهما كان تعقيدها أو طالت مدتها»، ويمكن أن تعبِّر أيضًا عن «الحقائق العظيمة للعالم الطبيعي»، وهو ما يُمكِّن «لحقبة مجيدة في تاريخ العلوم». (لذا ما كانت لتتفاجأ حين ترى العلماء بعد قرنين يستخدمون «البيانات الضخمة» وحِيَلًا برمجية مُبتكَرة خصوصًا للتقدم في علم الوراثة والصيدلة وعلم الأوبئة وغيرها … والقائمة لا تنتهي).

الآلة التي كانت في بالها هي المحرِّك التحليلي. إنه جهاز مُكوَّن من تروس وعجلات مُسنَّنة (ولم يكتمل بناؤه قط) من تصميم صديقها المقرَّب تشارلز باباج عام ١٨٣٤. وعلى الرغم من أن الجهاز كان مُخصَّصًا للجبر والأعداد، فإنه كان معادلًا في الأساس لجهاز كمبيوتر رقمي يُستخدم في الأغراض العامة.

أدركت آدا لافليس احتمالية تعميم المحرِّك وقُدرته على معالجة الرموز التي تمثِّل «كل ما في الكون». كذلك وصفت العديد من أساسيات البرمجة الحديثة؛ البرامج المخزنة والإجراءات الفرعية ذات التداخل الهرمي والعنونة والبرمجة الدقيقة والتكرار الحلقي والجُمل الشرطية والتعليقات، بل الأخطاء أيضًا. لكنها لم تذكُر شيئًا عن كيفية تنفيذ مقطوعة موسيقية، أو تفكير علمي على آلة باباج. نعم كان الذكاء الاصطناعي ممكنًا، ولكن طريقة تحقيقه كانت لا تزال لغزًا.

كيف بدأ الذكاء الاصطناعي

تكشَّفَ اللغز بعد قرن على يد ألان تورينج. في عام ١٩٣٦، أوضح تورينج أن كل عملية حسابية يمكن تنفيذها من حيث المبدأ باستخدام نظام رياضي يُسمَّى الآن آلة تورينج العالمية. هذا النظام التخيُّلي يبني ويعدِّل مجموعات من الرموز الثنائية — التي تُمثَّل بالرقمين «٠» و«١». بعد فك الشفرة في بلتشلي بارك في أثناء الحرب العالمية الثانية، قضى ما تبقَّى من أربعينيات القرن العشرين يفكِّر بشأن كيفية تقريب آلة تورينج التجريدية باستخدام آلة مادية، وكيفية حث تلك الآلة الغريبة للعمل بذكاء (وقد ساعد في تصميم أول جهاز كمبيوتر حديث، واكتمل بمانشستر عام ١٩٤٨).

وعلى خلاف آدا لافليس، قبِل تورينج هدفَي الذكاء الاصطناعي. أراد أن تنفِّذ الآلات الجديدة أشياء مفيدة يُقال عادةً إنها تتطلب الذكاء (ربما استخدام تقنيات غير طبيعية بدرجة كبيرة)، وكذلك تضع نماذج للعمليات التي تحدث في العقل البيولوجي.

نشر ورقة بحثية عام ١٩٥٠، وقال فيها مازحًا: إن اختبار تورينج (انظر الفصل السادس) كان في المقام الأول بيانًا عن الذكاء الاصطناعي. (كُتب الإصدار الأكمل بعد الحرب بفترة وجيزة، ولكن مُنع نشره بموجب قانون الأسرار الرسمية). لقد حدَّد الأسئلة الأساسية عن معالجة المعلومات الداخلة في الذكاء (ممارسة الألعاب والإدراك واللغة والتعلم)، وهو ما أعطى تلميحات مُحيِّرة بشأن ما تحقَّق بالفعل. («تلميحات» فقط لأن العمل في بلتشلي بارك كان لا يزال سريًّا للغاية). اقترحت الورقة مناهج حوسبة — مثل الشبكات العصبية والحوسبة التطورية — ولم تبرز إلا بعد وقت طويل. لكن لم يكن اللغز قد انقشع بعد. كانت تلك ملاحظات عامة إلى حدٍّ كبير؛ ملاحظات برمجية، وليست برامج.

تعزَّز اقتناع تورينج بأن الذكاء الاصطناعي لا بد أن يكون ممكنًا بطريقة أو بأخرى في أوائل أربعينيات القرن العشرين على يد عالم الأعصاب/الطبيب النفسي وارن ماكولو وعالم الرياضيات وولتر بيتس. وفي ورقة بحثية بعنوان «حساب التفاضل والتكامل المنطقي للأفكار الكامنة في النشاط العصبي»، وحَّدا عمل تورينج مع عنصرين آخَرين مثيرين للاهتمام (ويعود كلاهما إلى أوائل القرن العشرين)، وهما: منطق القضايا لبرتراند راسل، ونظرية التشابكات العصبية لتشارلز شرينجتون.

الفكرة الأساسية في منطق القضايا هي الثنائية. وفيه يُفترض أن كل جملة (وتُسمَّى أيضًا «افتراضًا») إمَّا صحيحة وإما خطأ. لا يوجد طريق وسط، ولا يُعترف بالشك أو الاحتمال. ولا يُسمح بأكثر من قيمتين من «قيم الحقيقة»، بمعنى أن تكون إمَّا صحيحة وإما خطأً.

إضافة إلى ذلك، تُصاغ الافتراضات المُعقَّدة، وتُنفَّذ الحجج الاستنتاجية باستخدام المعاملات المنطقية (مثل «و» و«أو» و«الجمل الشرطية») حيث يتحدَّد معناها من حيث صواب/خطأ المقترحات المصوغة. على سبيل المثال، إذا رُبط افتراضان (أو أكثر) بحرف العطف «و»، فسيُفترَض أن كلا المقترحين صحيحان. إذَن، جملة «ماري زوجة توم وفلوسي زوجة بيتر» صحيحة إذا — فقط إذا — كانت عبارة «ماري زوجة توم» وعبارة «فلوسي زوجة بيتر» صحيحتين.

يمكن الجمع بين راسل وشرينجتون إلى جانب ماكولو وبيتس؛ لأن كلا الفريقين وصَف أنظمة ثنائية. خُطِّطت قيم «صح/خطأ» في المنطق إلى نشاط «تشغيل/إيقاف» في خلايا الدماغ، وإلى «٠ / ١» في الحالات الفردية في آلة تورينج. كان شرينجتون يعتقد أن الخلايا العصبية ليست صارمة بشأن التشغيل/الإيقاف فحسب، ولكن لها حدودًا دنيا ثابتة أيضًا. ومن ثَم عُرفت البوابات المنطقية (حوسبة «و» و«أو» و«ليس») بأنها شبكات عصبية يمكن أن تكون مترابطة للتعبير عن مقترحات بالغة التعقيد. أي شيء يمكن ذِكره بمنطق القضايا يمكن حوسبته بشبكة عصبية وبآلة تورينج.

باختصار، جُمِع علم وظائف الأعصاب والمنطق والحوسبة بعضهم مع بعض، ثم أُضيف إليها علم النفس. اعتقد ماكولو وبيتس (كما اعتقد العديد من الفلاسفة حينذاك) أن اللغة الطبيعية أساسها المنطق من حيث الجوهر. لذا كل نتاجهم من التفكير والآراء — بدايةً من الحُجة العلمية وحتى الأوهام الفصامية — كان نتاجًا لمطحنة نظرياتهم. وبالنسبة إلى علم النفس بأكمله، فقد توقَّعوا وقتًا «ستُساهم فيه مواصفات الشبكة [العصبية] في كل ما يمكن تحقيقه في هذا المجال».

كان المعنى الضمني الأساسي واضحًا، وهو «إمكانية تطبيق المنهج النظري نفسه — أي حوسبة تورينج — على الذكاء البشري وذكاء الآلة».

بالطبع اتفق تورينج مع ذلك. لكنه لم يستطِع التقدم أكثر بالذكاء الاصطناعي؛ فالتكنولوجيا المتاحة حينذاك كانت بدائية للغاية. لكن في أواسط خمسينيات القرن العشرين، ابتُكرت أجهزة أقوى وأسهل في الاستخدام. المقصود ﺑ «أسهل في الاستخدام» هنا الأسهل في تحديد أجهزة افتراضية جديدة (مثل لغات البرمجة) يمكن استخدامها بسهولة أكبر على الأجهزة الافتراضية الأعلى مستوًى (مثل البرامج التي تحل المسائل الرياضية أو تضطلع بالتخطيط).

بدأت أبحاث الذكاء الاصطناعي الرمزي — إذ بُنيت على بيان تورينج إلى حدٍّ كبير — في كلٍّ من أوروبا وأمريكا. ومن العلامات البارزة في أواخر خمسينيات القرن العشرين لاعب الداما الذي ابتكره آرثر صمويل وتصدرت عناوين الصحف، أن اللاعب تعلَّم حتى إلحاق الهزيمة بصمويل نفسه. كانت تلك أمارة على أن أجهزة الكمبيوتر يمكن أن تكتسب ذكاءً بشريًّا فائقًا يومًا ما، وتتفوق على قدرات مُبرمِجيها.

ظهرت أمارة أخرى في أواخر خمسينيات القرن العشرين حينما لم تكتفِ «آلة النظريات المنطقية» أن تثبت ١٨ نظرية من نظريات راسل المنطقية الأساسية فحسب، بل توصَّلَت إلى دليل مُعتبَر على إحدى تلك النظريات. كان هذا رائعًا حقًّا. وإن كان صمويل لاعب داما متوسط المستوى، فإن راسل كان من رُوَّاد العالَم في علم المنطق. (سُر راسل نفسه بهذا الإنجاز، ولكن رفضت مجلة «جورنال أوف سيمبوليك لوجيك» أن تنشر ورقة بحثية بها برنامج كمبيوتر مسمًّى على اسم المؤلف، لا سيما أنه لم يبرهن على نظرية جديدة).

سرعان ما تفوَّقَت آلة حل المسائل العامة على آلة النظرية المنطقية، والتفوق هنا لا يعني أن آلة حل المسائل العامة يمكن أن تتفوق على أصحاب الذكاء الحاد، ولكن تعني أنها ليست محصورة في مجال واحد. وحسب دلالة الاسم، يمكن تطبيق آلة حل المسائل العامة على أي مسألة يمكن تمثيلها (كما هو مُوضَّح في الفصل الثاني) من حيث الأهداف الرئيسية والأهداف الفرعية والإجراءات والمشغلون. وُكِل إلى المبرمجين تحديد الأهداف والإجراءات والمعاملات ذات الصلة بأي مجال بعينه. ولكن بمجرَّد إنجاز تلك المرحلة، فإنه يمكن ترك «التفكير المنطقي» للبرنامج.

على سبيل المثال، تمكَّنَت آلة حل المسائل العامة من حل مسألة «المبشرين وآكلي لحوم البشر». (ثلاثة مبشرين وثلاثة من آكلي لحوم البشر على ضفة نهر، والزورق يسع فردين، فكيف يَعبُر الجميع النهر من دون أن يتفوق آكلو لحوم البشر في العدد على المبشرين؟) تلك المسألة صعبة حتى على البشر؛ لأنها تتطلب عودة أحدهم كي يعبُر النهر. (حاوِل حلها باستخدام البنسات!)

كانت آلة النظرية المنطقية وآلة حل المسائل العامة أمثلةً أولية على الذكاء الاصطناعي التقليدي الجميل. لا شك أن الزمن عفا عليهما الآن. ولكن كانت الآلتان «جيدتين» أيضًا؛ حيث إنهما تصدَّرا استخدام الاستدلال والتخطيط، وكلاهما له أهمية كبيرة في الذكاء الاصطناعي اليوم (انظر الفصل الثاني).

لم يكُن الذكاء الاصطناعي التقليدي الجميل هو النوع الوحيد المستلهم من الورقة البحثية التي تحمل اسم «حساب التفاضل والتكامل المنطقي». كانت هذه الورقة البحثية بمثابة تشجيع لمبدأ الترابطية أيضًا. في خمسينيات القرن العشرين، استُخدمت شبكات الخلايا العصبية المنطقية ماكولو-بيتس، سواء المُصمَّمة حسب الغرض أو المحاكاة على أجهزة كمبيوتر رقمية (مثل ألبرت أتلي) لوضع نموذج التعليم الترابطي وردود الأفعال المُكيَّفة. (وعلى خلاف الشبكات العصبية اليوم، فتلك الشبكات كانت تُجري عمليات المعالجة المحلية دون الموزَّعة؛ انظر الفصل الرابع).

ولكن النماذج الأولى للشبكة لم يُهيمن عليها منطق الخلية العصبية. فالأنظمة التي نفَّذها ريموند بيرل في أواسط خمسينيات القرن العشرين (في أجهزة الكمبيوتر التماثلية) كانت مختلفة كثيرًا. بدلًا من شبكات البوابات المنطقية المُصمَّمة بعناية، بدأ من المجموعات المرتبة الثنائية الأبعاد للوحدات المتصلة عشوائيًّا وذات الحدود الدنيا المتفاوتة. كما رأى التنظيم الذاتي العصبي ناتجًا عن موجات التنشيط الديناميكية؛ البناء والنشر والاستمرار والانتهاء، وأحيانًا التفاعل.

بناءً على ما أدركه بيرل، فإن القول بأن العمليات النفسية التي يمكن نمذجتها بآلة النقاشات السفسطائية لا يعني أن الدماغ يعمل مثل تلك الآلة في الواقع. أشار كلٌّ من ماكولو وبيتس إلى ذلك من قبل. وبعد أربعة أعوام من نشر ورقتهما البحثية الرائدة، نشرا ورقة بحثية أخرى يقولان فيها إن الديناميكا الحرارية أقرب إلى عمل الدماغ من المنطق. أفسح المنطق الطريق للإحصاء، والوحدات الفردية للوحدات الجماعية، والصفاء الحتمي للتشويش الاحتمالي.

بعبارة أخرى، تحدَّثوا عمَّا يُطلَق عليه الآن الحوسبة الموزعة التي تحتمل الخطأ (انظر الفصل الرابع). رأوا هذا النهج الجديد على أنه «امتداد» لنهجهم السابق وليس مناقضًا له. ولكنه كان أكثر واقعية من الناحية البيولوجية.

السبرانية

ذهب تأثير ماكولو في الذكاء الاصطناعي المبكِّر إلى ما هو أبعد من الذكاء الاصطناعي التقليدي الجميل والترابطية. جعلته معرفته بعلم الأعصاب وكذلك المنطق رائدًا مُلهمًا في بناء حركة علم السبرانية في أربعينيات القرن العشرين.

ركَّز اختصاصيُّو السبرانية على التنظيم الذاتي البيولوجي. وهذا يشمل عدة أنواع من التكيُّف والتمثيل الغذائي، ومنها التفكير المستقل والسلوك الحركي، وكذلك التنظيم الفسيولوجي (العصبي). تمحور مفهوم تلك الأنواع حول مبدأ «التعليل الدائري» أو الملاحظات. وكان الشاغل الرئيسي هو علم الغائية أو تحديد الأهداف. كانت تلك الأفكار وثيقة الصلة بعضها ببعض، حيث اعتمدت الملاحظات على أوجه الاختلاف في الأهداف؛ بمعنى أن المسافة الحالية عن الهدف كانت تُستخدم لتوجيه الخطوة التالية.

أطلق نوربرت وينر (الذي صمم الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية في أثناء الحرب) اسمًا على الحركة عام ١٩٤٨، وعرفها بأنها «دراسة التحكم والاتصال لدى الحيوان والآلة». غالبًا ما استوحى اختصاصيُّو السبرانية الذين أنشئوا نماذج لأجهزة الكمبيوتر الإلهام من هندسة التحكم وأجهزة الكمبيوتر التماثلية دون المنطق أو الحوسبة الرقمية. ولكن لم يكُن الفرق واضحًا تمام الوضوح. على سبيل المثال، استُخدمت أوجه الاختلاف في الأهداف للتحكم في الصواريخ الموجهة ولتوجيه حل المسائل الرمزية. إضافةً إلى ذلك، استخدم تورينج — بطل الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي — المعادلات الديناميكية (التي تصف الانتشار الكيميائي) لتحديد الأنظمة الذاتية التنظيم، التي يمكن أن تظهر فيها بنية جديدة مثل البقع أو التجزئة من أصل متجانس (انظر الفصل الخامس).

من الأعضاء الأوائل الآخرين في الحركة عالِمُ النفس التجريبي كينيث كريك، وعالم الرياضيات جون فون نيومان، وعالِما الأعصاب ويليان جراي وولتر وويليام روس أشبي، والمهندس أوليفر سيلفريدج، والطبيب النفسي وعالم الأنثروبولوجيا جريجوري باتسون، وعالم الكيمياء وعالم النفس جوردن باسك.

تُوفي كريك في حادث ركوب دراجة (عن عمر ٣١ عامًا) عام ١٩٤٣ قبل اختراع أجهزة الكمبيوتر الرقمية، وقد أشار إلى الحوسبة التماثلية لما فكَّر في الجهاز العصبي. وبوجه عام، وصف الإدراك والفعل الحركي والذكاء بأنها ملاحظات من «نماذج» في الدماغ. ومفهوم النماذج العقلية — أو التمثيلات — ستكون عامل تأثير كبير في الذكاء الاصطناعي.

وقع فون نيومان في حيرة بشأن التنظيم الذاتي في ثلاثينيات القرن العشرين، وسُرَّ كثيرًا بأول ورقة بحثية كتبها ماكولو وبيتس. وإلى جانب تغيير تصميم جهازه الكمبيوتر الأساسي من التصميم العشري إلى التصميم الثنائي، فقد كيَّف أفكارهما لشرح التطور والتكاثر البيولوجي. حدَّد بعض أنظمة الأتمتة الخلوية، وهي أنظمة تتألف من عدة وحدات حاسوبية، وتغييرات تلك الوحدات تتبع قواعد بسيطة تعتمد على الحالة الحالية للوحدات المجاورة. وبعض تلك الوحدات يمكن أن تنسخ وحدات أخرى. حتى إنه حدَّد وحدةَ نسخ عامة قادرة على نسخ أي شيء بما في ذلك نفسها. وقال إن الأخطاء في النسخ يمكن أن تؤدي إلى التطور.

الأتمتة الخلوية حدَّدها فون نيومان بمصطلحات معلوماتية مجردة. ولكن يمكن تجسيدها بعدة طرق مثل الروبوتات الذاتية التجميع، أو الانتشار الكيميائي لتورينج، أو الموجات الفيزيائية لبيرل، أو الحمض النووي الذي سرعان ما أصبح واضحًا.

وبدايةً من أواخر أربعينيات القرن العشرين، طوَّر أشبي جهاز هوميوستات، وهو نموذج كهروكيميائي لآلية الاستتباب الفسيولوجية. ذلك الجهاز المثير للاهتمام يمكن أن يحافظ على حالة توازن تام، بغضِّ النظر عن القيم التي عُينت في البداية لمعلماته البالغ عددها ١٠٠ معلمة (مما يُتيح قرابة ٤٠٠ ألف حالة بدء مختلفة). إنه يوضِّح نظرية أشبي في التكيف الديناميكي، سواء داخل الجسم (لا سيما الدماغ) وبين الجسم والبيئة الخارجية باستخدام طريقة التعلم عن طريق المحاولة والخطأ والسلوك التكيفي.

كان جراي وولتر أيضًا يدرس السلوك التكيفي، ولكن بطريقة مختلفة تمامًا. لقد بنى روبوتات صغيرة تشبه السلاحف، وقد حذت داراتها الحسية الحركية حذو نظرية شرينجتون عن ردود الفعل العصبية. أظهرت تلك الروبوتات الرائدة سلوكيات واقعية مثل البحث عن الضوء وتجنب العقبات والتعليم الترابطي عبر ردود الفعل المتكيِّفة. وقد عُرضت على عامة الجمهور في مهرجان بريطانيا عام ١٩٥١.

بعد ١٠ أعوام، استخدم سلفريدج (حفيد مؤسس متجر لندن المتعدِّد الأقسام) طرقًا رمزية لتنفيذ نظام معالجة متوازية في الأساس، ويُسمى بانديمونيوم.

تعلم برنامج الذكاء الاصطناعي التقليدي الجميل هذا التعرُّف على الأنماط عن طريق توافر العديد من «البرامج الخفية» ذات المستوى الأدنى، ولا يتوقَّف كل برنامج عن البحث عن مُدخل إدراكي بسيط تنتقل نتائجه إلى برامج خفية ذات مستوًى أعلى. وازنت تلك البرامج بين الميزات التي تم التعرف عليها بهدف تحقيق الاتساق (مثل وجود شريطين أفقيين فقط في حرف F)، وهو ما يقلِّل من أهمية أي ميزات غير مناسبة. قد تتفاوت مستويات الثقة، وهذه مسألة مهمة؛ فالبرامج الخفية ذات النشاط الأعلى لها أكبر تأثير. وفي النهاية، اختار البرنامج الخفي المهيمِن أكثر نمط معقول بناءً على الأدلة المتاحة (المتضاربة في كثير من الأحيان). وسرعان ما أثَّر هذا البحث في كلٍّ من الذكاء الاصطناعي الترابطي والرمزي. (ومن أحدث الفروع نموذج تعلم وكيل التوزيع الذكي LIDA الخاص بالوعي؛ انظر الفصل السادس).

لم يهتم باتسون بالآلات كثيرًا، ولكنه أسَّس نظرياته في ستينيات القرن العشرين عن الثقافة ومعاقرة الخمر والفصام المزدوِج الاتصال على الأفكار المتعلِّقة بالتواصل (مثل التغذية الراجعة)، التي اختيرت في وقت سابق في الاجتماعات بشأن السبرانية. ومنذ أواسط خمسينيات القرن العشرين، استخدم باسك — الذي وصفه ماكولو بأنه «عبقرية الأنظمة الذاتية التنظيم» — الأفكار السبرانية والرمزية في العديد من المشروعات المختلفة. تضمَّنت تلك الأفكار المسرح التفاعلي، والتواصل بين الروبوتات الموسيقية، والمعمارية التي تعلَّمت وتكيَّفت مع أهداف مُستخدميها والمفاهيم الذاتية التنظيم كيميائيًّا، وتعلم الآلة. تعلُّم الآلة مكَّن الناس من أن يسلكوا طرقًا مختلفة عبر تمثيل معرفي مُعقَّد؛ ومن ثَم كانت مناسبة لكلٍّ من الأنماط الإدراكية التدرجية والشاملة (وتفاوت السماح بدرجات انعدام الصلة) من جانب المتعلِّم.

باختصار، بُحثت كل أنواع الذكاء الاصطناعي الأساسية، حتى إنها نُفذت بحلول أواخر ستينيات القرن العشرين، وبعضها كان في وقت سابق لذلك بكثير.

في الوقت الراهن، يحظى معظم الباحثين المعنيين بتقدير كبير. ولكن ظلَّ طيف تورينج حاضرًا في وليمة الذكاء الاصطناعي. وعلى مدار عدة سنين، لم يكُن الباقون يتذكرهم سوى قلة من مجتمع الباحثين. كاد يُنسى جراي وولتر وأشبي على وجه الخصوص حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين حين أُشيد بهما (مع تورينج) باعتبارهما أبوَي الحياة الاصطناعية. لفهم السبب، يجب معرفة كيف تفرَّق مصمِّمو أجهزة الكمبيوتر.

كيف انقسم الذكاء الاصطناعي

قبل ستينيات القرن العشرين، لم يكُن ثَمة فرق واضح بين أصحاب نماذج اللغة أو التفكير المنطقي وأصحاب نماذج السلوك الحركي المقصود/التكيفي. ولكن البعض عمل في المجالين. (حتى إن دونالد ماكاي اقترح بناء أجهزة كمبيوتر هجينة تجمع بين الشبكات العصبية والمعالجة الرمزية). أيَّد الجميع بعضهم بعضًا. رأى الباحثون الذين يدرسون التنظيم الذاتي الفسيولوجي أنفسهم أنهم مُنخرِطون في المشروع الكلي نفسه مثل زملائهم أصحاب التوجُّه النفسي. وجميعهم حضر اللقاءات نفسها، مثل الندوات العلمية المتعدِّدة التخصُّصات التي كان يعقدها ماسي في الولايات المتحدة (وقد ترأسها ماكولو في الفترة من ١٩٤٦ حتى ١٩٥١) ومؤتمر لندن الرائد بشأن «ميكنة عمليات التفكير» (الذي نظَّمه أتلي عام ١٩٥٨).

لكن منذ حوالَي ١٩٦٠، نشأ انقسام فكري. بوجه عام، ظلَّ المهتمون ﺑ «الحياة» في الحوسبة السبرانية، وتحوَّل المهتمون ﺑ «العقل» إلى الحوسبة الرمزية. وبالطبع اهتم المتحمِّسون للشبكات بكلٍّ من الدماغ والعقل. ولكنهم درسوا التعليم الترابطي بوجه عام، وليس المحتوى الدلالي أو التفكير المنطقي على وجه التحديد؛ ومن ثَم وقعوا ضمن مجال السبرانية وليس الذكاء الاصطناعي الرمزي. ولسوء الحظ، لم يكُن هناك قدر كبير من الاحترام المتبادل بين المجموعتين الفرعيتين اللتين يزيد الفارق بينهما.

عندئذٍ، ما كان هناك مناص من ظهور مجموعات اجتماعية مميزة. وكذلك اختلفت الأسئلة النظرية التي كانت تُطرح — سواء البيولوجية (ذات الأنواع المتفاوتة) والنفسية (ذات الأنواع المتفاوتة أيضًا). ولذا أُدخلت المهارات الفنية أيضًا؛ وهي بوجه عام المقارنة بين المعادلات المنطقية والمعادلات التفاضلية. نمو التخصُّص زاد من صعوبة التواصل كما زاد من عدم جدواه. وأصبحت المؤتمرات ذات درجة الانتقاء العالية شيئًا من الماضي.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكُن التقسيم بحاجة إلى أن يكون بهذا السوء. بدأ الشعور السيِّئ من جانب أصحاب المبدأ السبراني/الترابطي في صورة مزيج من الغيرة المهنية والسخط المحمود. كان الدافع وراء هذا الشعور هو النجاح الأولي الذي حقَّقته الحوسبة الرمزية، والاهتمام الصحفي بتصدير المصطلح المستفز «الذكاء الاصطناعي» (الذي صاغه جون مكارثي عام ١٩٥٦ لتسمية ما كان يُطلَق عليه قبل ذلك اسم «محاكاة الكمبيوتر») والعجرفة — والضجة غير الواقعية — التي عبَّر عنها بعض أصحاب الحوسبة الرمزية.

كان معسكر الرمزية أقل عداءً في البداية؛ لأنهم كانوا يرون أنفسهم يكسبون منافسة الذكاء الاصطناعي. في الحقيقة، لقد تجاهلوا إلى حد كبير الأبحاثَ الأولى عن الشبكات على الرغم من أن بعض قادتهم (مثل مارفن مينسكي) بدأ من هذا المجال.

لكن في عام ١٩٥٨، طُرحت نظرية طموحة عن الديناميكا العصبية على يد فرانك روزنبلات، وقد نفَّذها جزئيًّا في جهاز بيرسيبترون الكهروضوئي، وتقول النظرية إن أنظمة المعالجة المتوازية قادرة على التعلم الذاتي التنظيم النابع من أساس عشوائي (كما أنه يحتمل الخطأ في البداية). وعلى خلاف نظام بانديمونيوم، لا يحتاج هذا النظام أن يحلِّل المبرمجون أنماط المدخلات بشكلٍ مسبق. فهذا الشكل الجديد من الترابطية لا يمكن أن يتجاهله فريق الرمزية. ولكن سرعان ما رُفض بازدراء. وحسبما ورد في الفصل الرابع، أطلق مينسكي (مع سيمور بابيرت) نقدًا لاذعًا في ستينيات القرن العشرين زعمًا أن أجهزة بيرسيبترون غير قادرة على حساب بعض الأشياء الأساسية.

بناءً على ذلك، توقَّف تمويل البحوث الخاصة بالشبكات العصبية. تلك النتيجة التي قصدها المهاجمان عن عمد عمَّقَت العداء بين فرق الذكاء الاصطناعي.

من وجهة نظر العامة، يبدو الآن أن الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي كان الخيار الوحيد المتاح حينذاك. ولا أحد يُنكر أن روبوتات السلاحف التي صمَّمها جراي وولتر حظيَت باستحسان كبير في مهرجان بريطانيا. أحدثت الصحافة ضجة حول جهاز بيرسيبترون الذي صمَّمه روزنبلات في أواخر خمسينيات القرن العشرين، كما أحدثت حول نظام أدالاين الذي صمَّمه برنارد ويدرو للتعلم بالأنماط (بناءً على معالجة الإشارات). ولكن فريق الرمزية أخمد ذلك الاهتمام تمامًا. ومن ثَم تصدر الذكاء الاصطناعي الرمزي قنوات الإعلام في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين (كما أثَّر في فلسفة العقل كذلك).

لم يستمر الموقف. ظهرت الشبكات العصبية على الساحة مرةً أخرى عام ١٩٨٦ (انظر الفصل الرابع)، مثل أنظمة معالج البيانات المبرمَج (التي تُجري المعالجة الموزعة المتوازية). يعتقد كثير من غير المختصين — وبعض المختصين الذين من المفترض أنهم على معرفة أفضل — أن هذا النهج جديد تمامًا. ومن ثَم استهوى الخريجين، وجذَب انتباه عدد كبير من أهل الصحافة (والفلسفة). والآن، أصحاب الذكاء الاصطناعي الرمزي هم مَن انزعجوا. كان معالج البيانات المبرمَج هو السائد، وشاع أن الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي قد فشل.

بالنسبة إلى بقية أنصار السبرانية، فقد انخرطوا مرةً أخرى في المجال بما أسمَوه الحياة الاصطناعية عام ١٩٨٧. وتبعهم الصحفيون والخريجون. ومن ثَم وقَع الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي في مأزق مرةً أخرى.

لكن في القرن الحادي والعشرين، أصبح واضحًا أن تنوُّع الأسئلة يحتاج إلى تنوُّع الإجابات — فلكل مقام مقال. وعلى الرغم من بقاء آثار العداء القديم، توجد فسحة للاحترام — وحتى التعاون — بين النُّهُج المختلفة. على سبيل المثال، يُستخدم «التعلم العميق» في بعض الأحيان في الأنظمة القوية التي تجمع بين المنطق الرمزي والشبكات الاحتمالية المتعددة الطبقات، وغيرها من النُّهُج المختلطة تتضمن نماذج طموحة من الوعي (انظر الفصل السادس).

بناءً على التنوع الثري للأجهزة الافتراضية التي تشكِّل العقل البشري، فلا ينبغي أن يندهش المرء كثيرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣