الفصل السادس عشر

السبت ٦ مارس ٢٠٢١

اليوم اتَّصلت بي هيلينا بعد الإفطار لتدعوني لاحتساء الشاي ورؤية هرر ماتيلدا. كانت قد أرسلت لي بطاقة بريدية منذ خمسة أيام كي تُعلِمَني بولادتها سالِمة، لكنها لم تدعُني إلى حفل الولادة. تساءلت إذا ما كانا قد أقاما حفلًا للولادة أم اعتبراها امتيازًا خاصًّا، أو تجربة يتشاركانها معًا كاحتفاء متأخر بحياتهما الجديدة معًا وتوطيد لها. حتى إن كان الأمر كذلك، فعلى الأرجح لن يُفوِّتا ما يعتبره العرف في حكم الواجب، وهو إتاحة الفرصة للأصدقاء أن يشهدوا معجزة ولادة حياة جديدة. عادةً يُدعى ستة أشخاص بحد أقصى لمشاهدة الولادة، لكن من مسافة محسوبة بعناية، كي لا يُقلِقُوا الأم أو يُزعجوها. وبعدها، إن سار كل شيء على ما يرام، تُقام وليمة احتفالية، عادةً ما تُقدَّم معها الشمبانيا. لكن هذه الولادات لا تخلو من الحزن؛ فالقوانين المتعلِّقة بالحيوانات الأليفة الولود واضحة وتُطبَّق بصرامة. وهي تقضي بتعقيم ماتيلدا والسماح لهيلينا وروبرت بالاحتفاظ بأنثى واحدة من هِرَرها المولودة في ذلك البطن للتناسل. بدلًا من ذلك، سيُسْمَح لماتيلدا بولادة بطنٍ أخرى، لكن حينها تُعدَم دون ألم جميعُ الهرر التي تلدها في ذلك البطن عدا ذكر واحد.

بعد أن تلقَّيتُ اتصال هيلينا، شغلت الراديو لأستمع إلى نشرة أخبار الساعة الثامنة. عندما سمعتُ تاريخ اليوم يُذكَر، أدركت للمرة الأولى أنه قد مرَّ عام واحد بالضبط منذ أن تركتْني من أجل روبرت. وربما هو يوم مناسب لزيارتي الأولى لبيتهما. اخترتُ أن أُسميَه «بيتًا» لا «منزلًا» لأني واثق من أن هيلينا كانت ستصفُه بهذه الكلمة، تعظيمًا من شأن بناءٍ عادي في شمال أكسفورد بإضفاء أهمية مقدَّسة لما يتشاركانه فيه من حب وأعمال تنظيف منزلية والتزام وصراحة تامة ونظام غذاء متوازن، ومطبخ صحِّي، وجماع صحي مرتَين في الأسبوع. أتساءل، بشيء من الندم على تصرفاتي الشهوانية، كيف هي حياتهما الجنسية، لكني أقول في نفسي إن فضولي ذلك أمر طبيعي ومباح. ففي النهاية، يَستمتِعُ روبرت الآن، أو لعله يفشل في الاستمتاع، بجسدها الذي أكاد أعرفه عن ظهر قلب مثلما أعرف جسدي. الزواج الفاشل هو أكبر إثبات مُخزٍ على أن شهوة الجسد عابرة ومؤقتة. فبوسع المتحابَّين اكتشاف أحدهما كل خطوط جسد الآخر ومنحنياته وثناياه، وأن يبلغا معًا قمة النشوة التي لا تُوصَف؛ لكن تتضاءل أهمية ذلك عندما يفنى الحب أو تخبو الشهوة أخيرًا ولا يبقى بينهما إلا النزاع على المُمتلكات، وفواتير المحامين، والحطام البائس الذي يشغل غرفة الكراكيب، وعندما يتحوَّل البيت الذي اختاراه وأثثاه وامتلكاه وهما مفعمان بالحماس والأمل إلى سجن، ويرتسم الامتعاض الكَدِر على وجهيهما، وترى عينا كلٍّ منهما، وقد خبَتْ منها العاطفة وزالت عنها الغشاوة، جميع عيوب الآخر الجسدية بعد أن تزول رغبته فيه. أتساءل إن كانت هيلينا تتحدث مع روبرت عما كان يدور بيننا في السرير. أتصوَّر ذلك؛ فالامتناع عن ذلك يتطلَّب مقدارًا من ضبط النفس ورهافة الحسِّ أكبر مما عهدتُه فيها يومًا. ثمة عِرْقٌ من الفجاجة يشوب الوجاهة الاجتماعية التي نشأت عليها هيلينا، وبإمكاني أن أتصوَّر ما كانت ستقوله له.

«كان ثيو يظنُّ أنه عشيق رائع، لكنه لم يكن يميزه إلا أسلوبه. ستظنه تعلمه من كتيب إرشادات للجماع؛ فهو لم يكن يتحدث معي، أعني يتحدث معي فعليًّا. فلا فرق لديه بيني وبين أي امرأة أخرى.»

يُمكنني أن أتصور أنها تقول تلك الكلمات لأني أعرف أنها محقة؛ فقد آذيتها أكثر مما آذتْني، حتى إن أخرجنا من الحسبان قتلي طفلتها الوحيدة. لِمَ تزوجتُها؟ تزوجتها لأنها كانت ابنة أستاذي وهذا من شأنه أن يمنحني الوجاهة؛ ولأنها هي أيضًا تحمل درجة علمية في التاريخ فاعتقدت أن لدينا اهتمامات فكرية مشتركة، ولأني كنت أجدها جذابة شكلًا، وهذا جعلني أُقنع قلبي الضنين بأن ذلك وإن لم يكن حبًّا، فهو أقرب إلى الحب مما سأصل إليه يومًا على الأرجح. نَجَم عن مصاهرتي أستاذي توتُّر أكثر مما نَجَم عنه من لذة (فقد كان في الحقيقة شخصًا متباهيًا لدرجة منفِّرة، ولا عجب أن هيلينا كانت تتلهف للتملص من قبضته)، أما اهتماماتها الفكرية فكانت منعدمة (فقد قُبِلت في جامعة أكسفورد لأنها ابنة عميد إحدى كلياتها، ولأنها بمزيج من الاجتهاد والتعليم الجيد الباهظ الثمن الذي حظيت به، حصلت على شهادات المستوى المتقدم الثلاث اللازمة للقبول، وهذا جعل جامعة أكسفورد تُبرِّر ذلك الاختيار الذي لم تكن لتختارَه لولا ذلك). والانجذاب الجنسي؟ حسنًا، لقد دام ذلك لفترة أطول، مع أنه يخضع لقانون العوائد المتناقصة، حتى قتلته أخيرًا بقتلي ناتالي. فلا يوجد ما هو أكثر فاعلية في كشف الفراغ الذي يقوم عليه زواجٌ متداعٍ دون أي مواربة للنفس من موت طفل.

أتساءل إن كان حظُّ هيلينا مع روبرت أفضل. إن كانا يَستمتِعان بحياتهما الجنسية فسيكونان من الأقلية المحظوظة؛ فقد صار الجنس أحد أقل المُتَع الحسية أهميةً لدى البشر. قد يُخيَّل للمرء أن بانعدام الخوف من الحمل للأبد، وزوال الحاجة لاستعمال اللوازم التي من شأنها تقليل الشعور بالإثارة الجِنسية من حبوب منع الحمل والعوازل الذكرية وحسابات التبويض، ستتحرَّر الممارسات الجنسية ويُفتَح المجال لطرق إمتاع جديدة وإبداعية. لكن ما حدث هو العكس؛ فمن الواضح أنه حتَّى أولئك الرجال والنساء، الذين لم يكونوا ليرغبُوا عادةً في الإنجاب، بحاجة للاطمئنان إلى قدرتهم على إنجاب طفل إن أرادوا ذلك يومًا. فبعد أن انفصل الجنس تمامًا عن التناسل، صار مجرد حركات بهلوانية لا معنى لها. وتزايدت شكاوى النساء مما أسموه بهزة الجماع المؤلِمة؛ مجرد انقباضات لا يصحبها أي لذة. تكرس المجلات النسائية صفحات كاملة لمناقَشة تلك الظاهرة الشائعة. أخيرًا أصبح لدى النساء — اللَّواتي ظلَّ انتقادهنَّ للرجال وتعصبهن ضدهم يتزايد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين — مبرر قوي لتلك الكراهية التي ظلَّت مكبوتة لعدة قرون؛ فبعد أن صرنا لا نستطيع مَنحهم أطفالًا، لم نَعُد حتى نستطيع منحهم اللذة. قد لا يزال الجماع يُمثِّل راحة للطرفين؛ لكنه نادرًا ما يكون متعة متبادلة فيما بينهما. كانت المحالُّ الإباحية، التي تشرف عليها الحكومة، والأدبيات التي لا تنفك تزداد إباحية، وجميع الوسائل التي من شأنها استثارة اللذة، جميعها بلا جدوى. ما زال الرجال والنساء يتزوَّجون، لكن ليس بنفس الكثرة، وبمراسم احتفالية أبسط وعادة يتزوَّجون من نفس جنسهم. ما يزال الناس يقعون في الحب، أو يدَّعون ذلك. ثمة بحث يكاد يكون مستميتًا عن الشخص المناسِب، الذي يُفَضل أن يكون أصغر سنًّا أو على الأقل من نفس السن، والذي سيُواجه معه المرء الخراب والاضمِحلال الآتي لا محالة. ما زلنا نحتاج إلى راحة جسد يتجاوب معنا، ويد تتشابك مع أيدينا، وشفاه تلامس شفاهنا. لكننا نقرأ قصائد الحب التي كُتِبَت في العصور الماضية بشيء من الاستغراب.

بينما كنتُ أسير في شارع والتون ظهرَ اليوم، لم أشعر بأي ممانعة لفكرة رؤية هيلينا مرة أخرى، وانتابتني بهجة مترقَّبة لفكرة رؤية ماتيلدا. باعتباري أحد مالِكيها المسجلين برخصة ملكية حيوان أليف ولود، كان يحقُّ لي بالطبع أن أرفع دعوى أمام محكمة الوصاية على الحيوانات للحصول على الوصاية المشتركة أو أمرٍ بالرؤية، لكني آثرت ألا أعرِّض نفسي لتلك المهانة. فبعض قضايا الوصاية على الحيوانات يُتنازع عليها علانية بشراسة وتكون باهظة التكاليف، ولا نيَّة لديَّ أن أضيف إلى ذلك العدد من القضايا واحدة أخرى. أدرك أني خسرت ماتيلدا، وأنها، كونها حيوان غدار بطبعه محب للراحة، ستكون قد نسيتَني الآن.

لكن عندما رأيتها، كان من الصعب ألا أخدع نفسي. فقد كانت ترقُد داخل سلتها ومعها هُرَيرتان نابضتان بالحياة بدتا مثل فأرَين أبيضَين أملسين، وكانتا ترضعان من ثديَيها برقَّة. حملقَت نحوي بعينيها الزرقاوين الخاليتين من التعبير وبدأت تُصدر قرقرة مبحوحة عالية بَدا كأنها تهز السلة. مددت يدي لألمس رأسها الحريري.

قلت: «هل سار كل شيء على ما يُرام؟»

«أجل، تمامًا. بالطبع استدعينا الطبيب البيطري إلى هنا منذ أن بدأ المَخاض، لكنه قال إنه نادرًا ما يشهَد ولادةً سهلة كتلك. أخذ معه اثنتين من الهريرات المولودة. ولم نُقرِّر بعد بأيٍّ سنَحتفِظ من هاتَين الاثنتين.»

منزلهما صغير، وغير مميَّز معماريًّا، وهو عبارة عن فيلا شبه مُنفصِلة مبنيَّة من الحجارة في الضواحي، ميزتها الأساسية هي حديقتها الخلفية الطويلة المنحدِرة التي تمتد حتى القناة. بدا معظم أثاثها وجميع سجادها جديدًا، وأعتقد أنه من اختيار هيلينا التي كانت قد تخلَّصت من عتاد حياة حبيبها القديمة، من الأصدقاء والنوادي، والأثاث العائلي والصور العائلية اللذَين كانا يُؤنِسان وحدته في عزوبيته واللذَين ورثهما مع المنزل. لقد استمتعَت بتأثيث بيتٍ له — كنت متأكدًا من أن تلك هي العبارة التي استخدمتها — وأنه تَنعَّم في نتيجة جهودها مثل طفل حصل على غرفة ألعاب جديدة. كانت تفوح في كل مكان بالمنزل رائحة الطلاء الجديد. كما جرت العادة في مثل ذلك النوع من المنازل الأكسفوردية، أُزيل الحائط الخَلفي لغرفة الجلوس لإنشاء غرفة كبيرة واحدة بها نافذة مُشرِفة على الواجهة، ونَوافذَ فرنسية تؤدِّي إلى شرفة زجاجية في الجانب الخَلفي. على امتداد أحد حوائط الردهة المطلية باللون الأبيض، عُلِّقَ صف من الرسومات الأصلية لأغلفة الكتب التي رسمها روبرت، وقد وضع كل منها داخل إطار خشبي أبيض. يوجد اثنتا عشرة رسمة في المجمل وتساءلت إن كان عرضُها على الملأ فكرة هيلينا أم فكرته. في كلتا الحالتَين، كانت مُبرِّرًا لاستنكاري الحانق الذي انتابني للحظة. أردت أن أتمهَّل وأتفحَّص الرسومات، لكن هذا كان يعني أن أضطرَّ إلى التعليق عليها ولم يكن يُوجَد ما أودُّ أن أقوله. لكن حتى من نظرتي العابرة لها رأيت أن بها قدرًا بالغًا من التأثير؛ إن روبرت فنانٌ لا يُستهان به؛ وذلك الاستعراض للموهبة الذي يَنطوي على العجب بالذات أكد لي ما كنت أعرفه بالفعل.

في الغرفة الزجاجية تناولنا وجبة الشاي التي كانت عبارة عن وليمة مسرفة في البذخ من الباتيه والشطائر، والبسكويت الإنجليزي المصنوع بالمنزل وكعكة فواكه أُحضِرَت على صينية عليها مفرش من الكتان مُنَشَّى حديثًا ومحارم مائدة صغيرة تتماشَى معه. كانت الكلمة التي حضرت في ذهني هي «منمَّق». عندما نظرت إلى المفرش أدركت أنه مفرش كانت هيلينا تُطرِّزه قبل أن تهجرني بقليل. إذن، كان ذلك التطريز المرسوم بعناية جزءًا من جهازها المنزلي الذي كانت تُعدُّه أثناء خيانتها لي. أكانت تلك الوليمة المنمَّقة — وأصرُّ على ذلك الوصف الازدرائي — مُعدَّة لإبهاري، كي تُريني كيف يُمكن أن تكون زوجة جيدة لرجل لديه استعداد لتقدير مواهبها؟ كان مِن الواضح لي أن روبرت يُقدِّرها. فهو يكاد يتنعم في تدليلها الأمومي. ربما كونه فنانًا يجعله يعتبر اهتمامها واعتناءها به حقًّا مكتسبًا. أعتقد أن الغرفة الزجاجية تكون دافئة ومريحة في فصلي الربيع والخريف. حتى الآن، وبوجود مِدْفأة واحدة، كانت دافئةً بالقدر الذي يَبعث على الراحة ورأيت بصعوبة عبر الزجاج أنهما كانا يعملان بكدٍّ على تنسيق الحديقة. فقد استند صفٌّ من شجيرات الورد الشائكة التي لُفَّت جذورها في الخيش إلى ما بدا أنه سياج جديد. الأمن والراحة والمتعة. كان زان ومجلسه سيَستحسنُون ذلك.

بعد الشاي اختفى روبرت لبرهة داخل غرفة الجلوس. ثم عاد وناوَلَني منشورًا. تعرَّفتُ عليه على الفور. فقد كان مطابقًا لذلك المنشور الذي دفعت به جماعة «السمكات الخمس» تحت عقب بابي. قرأتُه بإمعان مُتظاهرًا بأني أراه لأول مرة. بدا أن روبرت كان ينتظر منِّي ردًّا. عندما لم يَحصل منِّي على رد قال: «كانوا يُخاطرُون بتنقُّلهم من باب إلى باب.»

وجدت نفسي أقول ما أعتقد أنهم فعلوه حتمًا، وتضايقت من معرفتي بذلك، ومن عدم قدرتي على إبقاء فمي مطبقًا.

«ما كانوا سيفعلونها بتلك الطريقة. هذه المنشورات لا تُشبه مجلة أبْرَشِيَّة، أليس كذلك؟ من شخص بمُفرده أن يوزعها، ربما متنقلًا على دراجة، أو على قدميه، دافعًا بمنشور تحت عقب أي باب يُقابله ويصادف ألا يكون أحد موجودًا بالجوار، تاركًا بعضها في محطات انتظار الحافلات، وواضعًا واحدةً منها تحت مساحة زجاج سيارة مركونة.»

قالت هيلينا: «ما زالت تلك مخاطرة أيضًا، أليس كذلك؟ أو ستكون كذلك إذا ما قرَّرت شرطة الأمن الوطني مطاردتهم.»

قال روبرت: «لا أعتقد أنهم سيتكبَّدُون عناء ذلك. فلا أحد سيأخذ ذلك على محمل الجد.»

سألته: «هل فعلت أنت؟»

فقد احتفظ بالمنشور على كلِّ حال. أربكه السؤال الذي خرج مني بحدة لم أقصدها. نظر إلى هيلينا متردِّدًا. أتساءل إذا ما كانا قد اختلفا حول ذلك الأمر. ربما كان سببًا لأول شجار بينهما. لكني كنت سأتفاءل إن اعتقدت ذلك. لو كانا قد تشاجَرا، لكانا قد تخلَّصا من المنشور بعد أول بادِرة صلح.

قال: «كنتُ أتساءل إذا ما كان من الضروري أن نبلغ المجلس المحلي بها عندما ذهبنا لتسجيل الهُرَيرات. لكنَّنا قررنا ألا نفعل ذلك. فلا أرى أنه يُوجد ما يمكن للمجلس المحلي أن يفعله.»

«بإمكانه أن يبلغ شرطة الأمن الوطني ليقبضوا عليك بتهمة حيازة مواد تحريضية.»

«حسنًا، تساءلنا عن ذلك الأمر بالفعل. لم نُرِد أن يعتقد المسئولون أننا ندعم كل ذلك الهراء.»

«هل تلقَّى أي شخص آخر في شارعكم واحدًا؟»

«لم يُصرِّح أحد بذلك، ولم نُرِد أن نسأل.»

قالت هيلينا: «على كل حال، هذا ليس أمرًا يَملك المجلس أن يفعل شيئًا بصدده. فلا أحد يُريد لمستعمَرة مان العقابية أن تُغلَق.»

كان روبرت لا يزال مُمسكًا بالمنشور وكأنما لا يعرف ما يجب أن يفعل به. قال: «على الجانب الآخر، يسمع المرء شائعات حول ما يحدث داخل مخيَّمات العمال الوافدين وأعتقد أنه يجب أن نمنحَهم معاملة عادلة ما داموا قد قَدِموا إلى هنا بالفعل.»

قالت هيلينا بحدة: «إنهم يحصلون هنا على معاملة أفضل مما كانوا سيحصلون عليها في بلادهم. وهم من يتلهَّفون للقدوم. لا أحد يُجبرهم على ذلك. كما أن اقتراح إغلاق المستعمرة العقابية اقتراح سخيف.»

قلت في نفسي إن هذا هو ما يُثير قلقها. الجريمة والعنف اللذان يُهدِّدان سلام ذلك المنزل الصغير، ومفرش الصينية المطرَّز، وغرفة الجلوس المريحة، والغرفة الزجاجية بحوائطها الزجاجية الضعيفة، المطلَّة على الحديقة المُظلَّلة التي بإمكانها أن تطمئن الآن إلى أنه لا يختبئ بها أي شر يتربص بهما.

قلت: «هم لا يقترحون إغلاقها. لكن يُمكن إثبات أنها يجب أن تخضع لحراسة شُرَطيَّة جيدة ويجب أن يَتوفَّر للمساجين حياة مقبولة.»

«لكن ليس هذا ما تَقترحه جماعة «السمكات الخمس» تلك. مكتوب في المنشور أنه يجب إيقاف الترحيلات. هم يُريدون إغلاقها. ثم مَن يُريدون أن يَحرسها؟ أنا لن أدع روبرت يتطوع لتلك المهمة. وبإمكان المساجين أن يحظوا بحياة مقبولة إن أرادوا. الأمر بيديهم. فالجزيرة واسعة كفاية ويتوفر لهم الغذاء والمأوى. بالطبع لن يُخليَ المجلس الجزيرة. فمن شأن ذلك أن يثير احتجاجًا عامًّا؛ أن يُطلَق سراح جميع أولئك القتلة والمغتصِبين مرة أخرى. أليس مساجين مستشفى برودمور هناك أيضًا؟ هؤلاء مجانين، مجانين وفاسِدُون.»

لاحظت أنها استخدمت كلمة «مساجين» وليس «مرضى». قلت: «لا بد أن أسوأهم قد صار عجوزًا للغاية فلا يُمكن أن يُشكِّل خطرًا كبيرًا.»

صاحت قائلة: «لكن بعضهم في أواخر الأربعينيات، كما أنهم يُرسلون أشخاصًا جددًا إلى هناك كل عام. في العام الماضي أرسلوا أكثر مِن ألفَي شخص، أليس كذلك؟» التفتَت إلى روبرت، وقالت: «عزيزي، أظنُّ أنه يجب أن نُمزِّق المنشور. فلا داعي للاحتفاظ به. لا يوجد ما يُمكننا فعله. مهمن كانوا، لا يحقُّ لهم طباعة مثل تلك المنشورات. فهي لا تتسبَّب إلا في إثارة القلق لدى الناس.»

قال: «سأتخلَّص منه في المرحاض.»

عندما خرج من الغرفة التفتَت نحوي، وقالت: «أنت لا تُصدِّق أيًّا من تلك الأشياء، أليس كذلك يا ثيو؟»

«بإمكاني أن أصدق أن الحياة بَشِعة فوق المعتاد على جزيرة مان.»

كررت بإصرار: «حسنًا، هذا يَرجع إلى المساجين أنفسهم، أليس كذلك؟»

لم نتطرَّق إلى المنشور مرة أخرى، وبعد عشر دقائق، بعد أن قمتُ بزيارة أخيرة لماتيلدا، كان من الواضح أن هيلينا قد توقعتها ولم تُمانعها ماتيلدا، تركتهما. لستُ آسفًا على قيامي بتلك الزيارة. لم يكن دافعي الوحيد للقيام بها هو رؤية ماتيلدا؛ فجمْعُ الشمل القصير جعَلني أشعر بالألم وليس بالبهجة. لكن صار الآن بإمكاني أن أُلقيَ وراء ظهري شيئًا كنتُ قد تركته غير مكتمِل. هيلينا سعيدة. وهي تبدو حتى أصغر عمرًا، وأجمل. فحسنُها الممشوق المقبول الذي كنتُ فيما مضى أرفعه إلى مرتبة الجمال قد نضَجَ ليصير بهاءً أكيدًا. لا أزعم أني سعيد من أجلها حقًّا. فمن الصعب أن نُفكِّر فيمَن تسبَّبنا لهم في أذًى شديد بذلك القدر من اللطف. لكني على الأقل لم أَعُد مسئولًا عن سعادتها أو تعاستِها. ليس لديَّ أيُّ رغبة في رؤية أي منهما مرة أخرى، لكن بإمكاني الآن أن أُفكِّر فيهما دون أن أشعر بالمرارة أو بالذنب.

كانت ثمة لحظة واحدة فقط قبل أن أُغادر بقليل شعرت فيها بأكثر من مجرَّد اهتمام عابر لا مُبالٍ تجاه اكتفائهما بحياتهما الأسرية. كنت قد تركتهما لأذهب للحمام ذي منشفَة اليد النظيفة المطرَّزة، والصابون الجديد، وحوض المرحاض بلون المطهِّر الأزرق الرغوي والوعاء الصغير الذي يَحوي بتلات الأزهار العطرية المجفَّفة؛ كل ذلك لاحظته وشعرت بالازدراء تجاهه. عندما عدت إليهما بهدوء، كانا يجلسان متباعدين قليلًا ورأيتهما يمدُّ كل منهما يده للآخر عبر الفراغ بينهما، وعندما سمعا وقع خطواتي سحب كل منهما يده بعيدًا عن الآخر بحركة يكاد يشوبها الشعور بالذنب. تلك اللحظة العابرة من الرقة والذَّوق أو ربما حتى الشفقة، جعلتني أشعر لبرهة بمشاعر متناقضة، مرت بداخلي بوهن حتى إنها ذهبت لحال سبيلها بمجرد أن أدركت طبيعتها. لكني كنتُ أعلم أن ما شعرت به هو الحسد والندم، ليس على شيء فقدته، وإنما على شيء لم أستطِع أن أصل إليه يومًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠