الفصل الحادي والعشرون

كانت الساعة الثامنة والنصف تلك الليلة عندما سمع الطَّرق على الباب. كان في المطبخ يُتبِّل السَّلَطة تحضيرًا لوجبة العشاء، فكان يَمزج بعناية زيت الزيتون مع خل النبيذ بالنسب المضبوطة. كان سيتناول العشاء، كما كان يفعل عادة في المساء، من صينية يضعها في مكتبه، وكان قد أعد بالفعل الصينية ومفرشها النظيف وفوطة المائدة على طاولة المطبخ. وكانت شريحة لحم الحمَل موضوعة على الشواية. كان قد فتح زجاجة النبيذ الفرنسي الفاخر منذ ساعة وصب منها أول كأس ليشربها بينما كان يطهو. كان يقوم بالحركات المألوفة دون حماس، ودون اهتمام تقريبًا، ويفترض أنه يحتاج لأن يأكل. اعتاد أن يكلِّف نفسه عناء تتبيل السلطة. وحتى بينما كانت يداه مشغولتين بتلك التحضيرات المعتادة، كان عقله يخبره بأن كل ذلك بلا أهمية على الإطلاق.

أغلق ستائر الأبواب الفرنسية المؤدية إلى الباحة الأمامية ودرجات السلم المؤدية إلى الحديقة، ليس للحفاظ على خصوصيته — فذلك لم يكن ضروريًّا — بل لأن من عادته إغلاقها ليحجب ظلمة الليل. فيما عدا الأصوات الخافتة التي يصدرها هو، كان محاطًا بسكون تام، وشعر كأن طوابقَ المنزل الخاوية من فوقه وزنٌ فعليٌّ يَجثم على صدره. وفي اللحظة التي رفع فيها الكأس لشفتيه، سمع طرقة. كانت خافتة لكنها مُلحَّة، طرقة واحدة على الزجاج تبعها على التو ثلاث طرقات أخرى واضحة كأنها إشارة. أزاح الستائر فلم يرَ إلا معالم وجهٍ يكاد يلتصق بالزجاج. وجه داكن. فأدرك بحدسه لا ببصره أنها ميريام. سحب المزلاجين وفتح الباب فدلفت إلى الداخل على الفور.

لم تُهدر أي وقت على عبارات التحية، بل قالت: «هل أنت بمفردك؟»

«أجل. ما الأمر؟ ماذا حدث؟»

«لقد قبضُوا على جاسكوين. نحن مُطارَدُون. جوليان تحتاجُك. لم يكن من السهل أن تأتيَ إليك بنفسها؛ لذا أرسلتني.»

اندهش من قدرته على مقابلة انفعالها وخوفها، الذي حاولت إخفاءه، بذلك القدر من الهدوء. لكن تلك الزيارة، مع أنها غير متوقعة، لم تبدُ إلا ذروةً طبيعية للتوتُّر الذي ظل يتراكم طوال الأسبوع. كان يعرف أن شيئًا صادمًا سيحدث، وأن طلبًا غير عادي سيُطْلَب منه. وها قد أتى الاستدعاء.

عندما لم تسمع منه ردًّا، قالت: «لقد قلتَ لجوليان إنك ستأتي إليها إن احتاجتك. وهي الآن بحاجة إليك.»

«أين هم؟»

صمتت ثانيةً كأنما تتساءل إن كان من المأمون إخباره، ثم قالت: «في كنيسة صغيرة بقرية ويدفود خارج سواينبروك. معنا سيارة رولف لكن لا بد أن شرطة الأمن الوطني تعرف أرقام لوحتها. نحن نحتاج إليك وإلى سيارتك. يجب أن نهرب قبل أن ينهار جاسكوين ويُخبرَهم بأسمائنا.»

لم يشكَّ أيٌّ منهم في أن جاسكوين سينهار. لن يكون استخدام أساليب قاسية كالتعذيب البدني ضروريًّا؛ فسيكون لدى شرطة الأمن الوطني ما يلزم من عقاقير وما يلزم لاستخدامه من خبرة وقسوة.

سألها: «كيف جئتِ إلى هنا؟»

قالت بنفاد صبر: «بالدرَّاجة. تركتها أمام بوابتك الخلفية. كانت مغلقة لكن لحسن الحظ كان جارك قد أخرج سلَّة قمامته، فتسلقت فوقها. اسمع، الوقت لا يتسع لأن تأكل. من الأفضل أن تأخذ معك أي طعام جاهز، ولدينا بعض الخبز والجبن وبضع معلبات. أين سيارتك؟»

«في مرأب متفرِّع من زقاق بيوسي. سأُحضر معطفي. ستجدين حقيبة معلقة خلف باب الخزانة، وخزانة المؤن هناك. اجلبي ما يمكنك تجميعه من الطعام. ومن الأفضل أن تُغلقي زجاجة النبيذ وتأخذيها معكِ.»

صعد إلى الأعلى كي يُحضِر معطفه الثقيل، ثم صعد طابقًا آخر إلى الحجرة الخلفية الصغيرة، وأخذ دفتر يومياته ودسه في جيب معطفه الداخلي الكبير. فعل ذلك دونما تفكير، وإن سأله أحد عن سبب فعله ذلك كان سيجد صعوبة في شرح السبب حتى لنفسه؛ فلم يكن بدفتر اليوميات ما يُجَرِّمه؛ فقد كان حريصًا على ذلك. ولم يكن يتوقَّع أن يغيب لأكثر من بضع ساعات عن تلك الحياة التي يسجل دفتر اليوميات وقائعها وتحتويها جدران ذلك المنزل الخاوي. وحتى إن كانت الرحلة بداية لرحلة طويلة، فقد كان ثمة تمائم أنفع وأقيم وأنسب كان بإمكانه أن يدسها في جيبه.

كان نداء ميريام الأخير له بأن يسرع غير ضروري؛ فقد كان يعلم أن الوقت ضيق جدًّا. إن كان يريد أن يصل إلى الجماعة كي يناقش معهم أفضل طريقة لاستخدام نفوذه لدى زان، وفوق كل شيء، إن كان يريد أن يرى جوليان قبل أن تُعتَقل، فعليه أن ينطلق في طريقه دون أدنى تأخير. ففور أن تعرف شرطة الأمن الوطني أن الجماعة لاذت بالهرب، سيوجهون اهتمامهم له. كان رقم لوحة سيارته مسجلًّا لديهم. وستكون وجبة العشاء المتروكة، حتى إن أهدر وقتًا لرميها في سلة القمامة، دليلًا دامغًا على أنه غادر في عجالة. في خضمِّ تلهفِه لأن يصل إلى جوليان، لم تَعنِه سلامته الشخصية إلا قليلًا؛ فقد كان لا يزال مستشارًا سابقًا للمجلس. ويوجد رجل واحد في بريطانيا يملك القوة المطلَقة، والسلطة المطلقة، والحكم المطلق، وهو ابن خالة ذلك الرجل. وفي النهاية حتى شرطة الأمن الوطني لم تكن تستطيع أن تمنعه من مقابلة زان. لكنها تستطيع أن تمنعه من رؤية جوليان؛ على الأقل كان في قدرتها أن تفعل ذلك.

كانت ميريام بانتظاره عند الباب الأمامي ممسكة بحقيبة كبيرة ممتلئة. فتح الباب لكنها أشارت إليه أن يتراجَع، وأسندت رأسها إلى قائم الباب ونظرت سريعًا للخارج في كلا الاتجاهين، ثم قالت: «المكان يبدو آمنًا بالخارج.»

لا بد أن السماء أمطرت؛ فقد كان الهواء عليلًا مع أن السماء كانت مُظلِمة، وكانت مصابيح الشارع تُلقي بضوئها الخافت على الأحجار الرمادية، وعلى أسطح السيارات المبقَّعة بمياه الأمطار. على جانبَي الشارع كانت الستائر مسدلة على النوافذ عدا نافذة مرتفعة مربعة يشع منها الضوء، ورأى خيالًا داكنًا لرءوس تمر وراءها، وسمع صوت موسيقى خافتة يأتي منها. ثم رفع شخص ما بالغرفة صوت الموسيقى وفجأة انساب إلى الشارع الرمادي مزيجٌ شديد العذوبة من أصوات الجهير والتينور والسوبرانو تتغنى برباعية أوبرالية، هي حتمًا لموزارت، لكنه لم يميز أي واحدة هي. في غمرة من الحنين القوي إلى الماضي والحسرة، أعاده صوت الموسيقى إلى ذكرى ذلك الشارع الذي وطئته قدماه لأول مرة قبل ثلاثين عامًا، ولأصدقاء كانوا يسكنون فيه ورحلوا، ولذكرى النوافذ المفتوحة في ليالي الصيف، وأصوات شابة تُنادي وصوت الموسيقى والضحكات.

لم يكن يوجد أي أثر لأعين تتجسَّس عليهما، ولا أثر لأي حياة عدا ذلك الصوت البديع، ومع ذلك قطع هو وميريام بسرعة وبخفة الثلاثين ياردة بشارع بيوسي وقد خفضا رأسيهما وظلا صامتين، كما لو أن مجرد همسة أو وقع أقدام ثقيلة قد يتسببان في إيقاظ الشارع من ثباته لتدب فيه الحياة. انعطفا إلى زقاق بيوسي وانتظرت هي في صمت، ريثما فتح باب المرأب وشغل محرك سيارته الروفر، وفتح لها الباب فركبت بسرعة. قاد السيارة بسرعة عبر طريق وودستوك لكن بحرصٍ وفي نطاق حدِّ السرعة المسموح به. كانا قد وصَلا إلى أطراف المدينة عندما تكلم.

«متى اعتقلوا جاسكوين؟»

«منذ حوالي ساعتَين. كان يضع متفجرات لتفجير منصَّة إرساء في شورهام. كانت ستقام هناك فعالية أخرى من فعاليات راحة الموت. كانت شرطة الأمن الوطني بانتظاره.»

«ليس ذلك مُستغرَبًا. فأنتم تُفجِّرون منصات الإرساء منذ فترة. لا بد أنهم وضعوها تحت المراقبة. إذن هو لديهم منذ ساعتين. أنا مندهش من أنهم لم يعتقلوكم حتى الآن.»

«على الأرجح انتظروا حتى عودتهم إلى لندن كي يستجوبوه. ولا أظن أنهم في عجلة من أمرهم، فنحن لا نمثِّل أهمية كبيرة. لكنهم سيأتون حتمًا.»

«بالطبع. كيف عرفتُم أنهم قبضُوا على جاسكوين؟»

«لقد اتصل بنا كي يعلمنا بما ينوي فعله. فقد كانت تلك مبادَرةً شخصية منه لم يصرح بها رولف. وعادة نتصل مرة أخرى بعد إتمام المهمة، لكنه لم يفعل. فذهب رولف إلى مسكنه المؤجَّر في كاولي. كانت شرطة الأمن الوطني قد أتت لتفتيشه؛ على الأقل، تقول صاحبة العقار إن أحدًا ما جاء لتفتيشه. من الواضح أنهم شرطة الأمن الوطني.»

«لم يكن من الحكمة أن يذهب رولف لمنزله. كان من الممكن أن يكونوا في انتظاره هناك.»

«لم يكن أيٌّ مما فعلناه من الحكمة في شيء، لكنه كان ضروريًّا.»

قال: «لا أعلم ماذا تنتظرون مني، لكن إن كنتم تريدون أن أُساعدَكم فمن الأفضل أن تُخبريني بالقليل عنكم. فأنا لا أعرف إلا أسماءكم الأولى. أين تسكنون؟ فيمَ تشتغلون؟ كيف الْتقَيتُم؟»

«سأخبرك، وإن كنتُ لا أرى أهمية لذلك ولا سببًا لرغبتك في معرفه تلك المعلومات. جاسكوين يعمل، أو كان يعمل، سائق شاحنات لمسافات طويلة. لهذا السبب جنَّده رولف. أعتقد أنهما تقابلا في إحدى الحانات. فبإمكانه أن يوزع منشوراتنا في جميع أنحاء إنجلترا.»

«سائق شاحنات لمسافات طويلة وخبير مُتفجِّرات. بإمكاني أن أرى نفعه.»

«لقد تعلم التعامل مع المتفجِّرات من جده. كان ضابطًا بالجيش وكانا مقربَين بعضهما لبعض. لم يكن يحتاج لأن يكون خبيرًا. فليس ثمةَ أي تعقيد في تفجير منصَّات الإرساء أو غيرها. رولف مهندس. ويعمل في مجال الطاقة الكهربائية.»

«وماذا أضاف رولف إلى مؤسَّستكم بعيدًا عن قيادته غير الرشيدة بالمرة؟»

تجاهلت ميريام تهكمه. وتابعت قائلة: «أنت تعرف بشأن لوك. فقد كان قسًّا. وأفترض أنه لا يَزال كذلك. فهو يقول إن القس يظلُّ قسًّا للأبد. ليس لديه أبرشية لأنه لم يتبقَّ الكثير من الكنائس التي ترغب في اتِّباع مذهبه من المسيحية.»

«أي مذهب ذلك؟»

«المذهب الذي تخلَّصت منه الكنيسة في التسعينيات. الذي يتبع الكتاب المقدس القديم، وكتاب الصلوات القديم. أحيانًا يقيم قداسًا إن طلب منه الناس ذلك. هو يعمل بوظيفة في الحدائق النباتية ويتعلم تربية الحيوانات.»

«ولماذا جنَّده رولف؟ بالتأكيد ليس لتقديم الدعم الروحي للجماعة.»

«جوليان هي من رغبت في وجوده.»

«وماذا عنكِ؟»

«أنت تعرف بالفعل. كنتُ أعمل قابلةً. كانت تلك الوظيفة هي أقصى طموحي. وبعد أوميجا عملت بوظيفة عاملة في صناديق الدفع في متجر كبير بمنطقة هيدنجتون. وأنا الآن أدير المتجر.»

«وكيف تُساعدين «السمكات الخمس»؟ هل تدسِّين المنشورات داخل علب حبوب الإفطار؟»

قالت: «قلت لك إننا لم نتصرَّف بحكمة. لكنني لم أقل إننا حمقى. لو لم نكن حريصين، أو كنا غير أكْفَاء كما تظنُّنا، ما كنا سنصمد كل ذلك الوقت.»

قال: «لقد صمدتم كل ذلك الوقت لأنَّ هذا ما أراده الحاكم. كان بإمكانه أن يعتقلكم منذ عدة أشهر. لم يفعل ذلك لأنكم أنفع له وأنتم طلقاء مما ستكونون وأنتم مسجونون. فهو لا يريد أن يصنع منكم شهداء. ما يريده هو مزاعم بوجود خطر داخلي يُهدِّد الأمن العام المستتب. فذلك يساعده على توطيد سلطته. جميع الطغاة احتاجوا إلى ذلك من حين لآخر. كل ما عليه فعله هو أن يخبر الناس أن ثمة جماعة تعمل سرًّا، وقد تبدو بياناتها المنشورة تحرُّرية، لكنها في الحقيقة مخادِعة، وهدفها الحقيقي هو إغلاق مستعمرة جزيرة مان، وإطلاق سراح عشرة آلاف مجرم سيكوباتي ليعيثوا فسادًا في مجتمعنا الآخذ في الهِرَم، وإعادة جميع العمال الوافدين إلى بلادهم فلا يجد الناس من يجمع القمامة أو يكنس الشوارع، ثم الإطاحة بالمجلس وبالحاكم نفسه في نهاية المطاف.»

«لماذا سيُصدِّق الناس ذلك؟»

«ولماذا لا يُصدقونه؟ ففيما بينكم أنتم الخمسة، على الأغلب تودون لو فعلتم كل تلك الأمور. ورولف بالتأكيد يودُّ لو فعل ذلك الأمر الأخير. في ظل حكم الحكومات غير الديموقراطية، لا مكان لمعارضة مقبولة ولا لتمرُّد هادئ. أعرف أنكم تُطلقون على أنفسكم اسم «السمكات الخمس». لا أرى مانعًا من أن تُطلعيني على أسمائكم الحركية.»

«الاسم الحركي لرولف هو رنجة، وللوك هو لُخٌّ، ولجاسكوين هو جوردن، وأنا مِنوة.»

«وجوليان؟»

«واجهتنا مشكلة هنا. لا يوجد إلا سمكة واحدة يبدأ اسمها بحرف الجيم وهي سمكة الجندوري.»

اضطرَّ لأن يَمنع نفسه من أن يضحك بصوت مسموع. قال: «ما الجدوى من ذلك؟ لقد أعلنتم للبلد بأسرِه أنكم تطلقون على أنفسكم اسم «السمكات الخمس». أفترض أن رولف عندما يتصل بكِ يقول: «هنا رنجة يتَّصل بمنوة.» على أمل أنه إن كانت شرطة الأمن الوطني تتنصَّت على المكالمة فسيشدُّون شعورهم ويعضون أناملهم من فرط الحيرة.»

قالت: «حسنًا، لقد أوضحتَ وجهة نظرك. نحن لا نستخدم تلك الأسماء فعليًّا، ليس كثيرًا على أيِّ حال. كان مجرد فكرة من بنات أفكار رولف.»

«اعتقدت ذلك.»

«اسمع، هلا توقفت عن ذلك الحوار التهكُّمي؟ نحن نعلم أنك ذكي وأن التهكم هو وسيلتك للتباهي بذكائك أمامنا، لكنني لا أتحمله الآن. ولا تهاجم رولف. إن كان يهمك أمر جوليان، فتوقف عن ذلك، هلا فعلت؟»

ظلا صامتَين لبضع دقائق. نظر إلى ميريام فوجد أنها تُحملِق في الطريق أمامها بانفعال بالغ كما لو كانت تتوقَّع أن تجده ملغَّمًا. كانت تقبض بيديها على الحقيبة بإحكام حتى ابيضَّت براجمها، وشعر أنها تجيش بحماس يكاد يتجسَّد أمامه. أجابت عن أسئلته، لكن ذهنها كان شاردًا عنه.

ثم تكلَّمت، وعندما نطقتُ باسمه، باغتَتْه قليلًا تلك اللفتة الحميمية التي لم يكن يتوقَّعها. «ثيو، ثمة أمر يجب أن أُخبرَك به. قالت لي جوليان ألا أخبرك حتى نَنطلق في طريقنا إليهم. ليس لأنه اختبار لمصداقيتك. فهي كانت تعلم أنك ستأتي إن أرْسَلَت في طلبك. لكن إن لم تفعل، إن منعك أمرٌ مهم، أو لم تستطع أن تأتي، لم أكن سأُخبرك. فحينها لن يكون ثمَّة داعٍ لإخبارك على أيِّ حال.»

«إخباري بماذا؟» نظر إليها مطوَّلًا. كانت لا تزال تُحملِق في الطريق أمامها، وشفتاها تتحرَّكان بصمت كأنما تبحَث عن الكلمات المناسِبة. «تُخبرينني بماذا يا ميريام؟»

قالت وهي لا تزال تُشيحُ بنظرها عنه: «لن تُصدقَني. ولا أتوقَّع أن تصدقني. لكن عدم تصديقك لا يهم لأنه خلال أكثر بقليل من ثلاثين دقيقة سترى الحقيقة بنفسك. كل ما أطلبه منك هو ألا تُجادَلني بشأن ما سأقول. فأنا لا أُريد في الوقت الحالي أن أضطرَّ لتحمُّل أي اعتراضات أو مُجادَلات. لن أحاول إقناعَك، فتلك مهمة جوليان.»

«فقط أخبريني. وسأُقرِّر إذا ما كنتُ سأصدقكِ أم لا.»

حينها التفتَت برأسها ونظرت إليه. قالت بصوتٍ واضح يعلو على ضجيج المحرِّك:

«جوليان حُبلى. لهذا السبب تحتاج إليك. ستلد طفلًا.»

خلال فترة الصمت الذي تلَت ذلك، انتابه أولًا شعورٌ غامر بخيبة الأمل تلاه شعور بالضيق ثم بالاشمئزاز. كان من الصعب عليه أن يُصدِّق أن جوليان قادرة على خداع نفسها بتصديق ذلك الهراء أو أن ميريام كانت تَمتلك من الحماقة ما يجعلها تسايرها في الأمر. فخلال مقابلتهما الأولى والوحيدة في بينسي، مع أنها كانت قصيرة، أُعجب بها وكان يَحسبها عاقلة وذكية. لم يحب أن يتعرَّض حكمه على شخص للتشويه إلى ذلك الحد.

بعد برهة قال: «لن أجادلَ في الأمر، لكني لا أصدق ما تقولين. لا أقول إنك تكذبين عمدًا، فأنا أظن أنك تَعتقدين أنه صحيح. لكنه ليس كذلك.»

كان ذلك، على أيِّ حال، وهمًا شائعًا فيما مضى. في الأعوام الأولى التي تلَتْ أوميجا، كانت النساء في جميع أنحاء العالم يتوهَّمْن أنهنَّ حُبْلَيات، وكانت تظهر عليهن أعراض الحمل، ويَمشين بفخر ببطون منتفخة؛ فقد كان يراهُنَّ يَسِرن في شارع هاي ستريت بأكسفورد. وكنَّ يَضعن خططًا للولادة، حتى إنهنَّ كان يأتيهن مخاضٌ كاذب، ويتعالَى أنينهنَّ ويُحاولن جاهداتٍ لكن لا ينتج عن ذلك سوى الغازات والألم الشديد.

بعد خمس دقائق قال: «كم مرَّ على تصديقك لتلك القصة؟»

«قلتُ إني لا أريد أن أتكلَّم عن الأمر. قلتُ إن عليك أن تنتظر.»

«قلتِ ألا أُجادلك. وأنا لا أجادُلك. بل أسألك سؤالًا واحدًا.»

«منذ أن تحرَّك الجنين. فجوليان لم تعرف إلا حينها. وكيف كان لها أن تعرف؟ بعد ذلك تحدثَت إليَّ وأكدتُ لها الحمل. فأنا قابلة، أتذكُر؟ ظنَّنا أنه من الحكمة ألا نتقابل أكثر من اللازم خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. لو كنتُ رأيتُها أكثر تكرارًا لكنتُ علمتُ في وقتٍ أبكر. حتى بعد مرور خمسة وعشرين عامًا، كان حريًّا بي أن أعرف.»

قال: «إن كنتِ تُصدِّقين ذلك فعلًا، وهو أمر يستحيل تصديقه، فأنت تتقبلينه بهدوء شديد.»

«كان لديَّ الوقت الكافي لأعتاد هيبتَه. أما الآن فتهمُّني أكثرَ الخطواتُ العملية.»

ساد الصمت. ثم قالت، وكأنما أمامها الوقتُ بطوله لتَستغرِق في ذكرياتها: «كنتُ في السابعة والعشرين من عمري عندما حدثت أوميجا، وكنتُ أعمل في قسم الولادة بمُستشفى جون رادكليف. كنتُ أقوم بمُناوَبة في عيادة متابعة الحمل حينها. وأذكر أني كنتُ أحجز موعدًا لمريضة لزيارتها القادمة عندما لاحظت فجأة أن الصفحة لم يكن بها أيُّ مواعيد محجوزة لمدة سبعة أشهر قادمة. لم يكن يُوجد بها ولا اسم واحد. عادةً كانت النِّساء يحجزن مواعيد الكشف عندما يتأخَّر عنهنَّ الحيض لشهرَين، وبعضهنَّ كنَّ يأتين بمجرد أن يتأخَّر لشهر واحد. لكني لم أجد ولا حتى اسمًا واحدًا. تساءلت في نفسي ما الذي يحدث لرجال هذه المدينة؟ ثم اتصلت بصديقة لي تَعمل في مُستشفى كوين شارلوت. فأخبرتْني أن الوضعَ مُماثل لديها. وقالت إنها ستتَّصل بشخص تعرفه يعمل بمستشفى روزي للولادة بكامبريدج. واتصلَت بي بعدها بعشرين دقيقة. كان الوضع مماثلًا هناك أيضًا. حينها عرفت، ولا بدَّ أنني كنتُ من أوائل من عرفوا بالأمر. شهدت النهاية بعيني. والآن سأشهد البداية.»

كانا حينها يَدخُلان إلى سواينبروك، فخفَّف من سرعته وأطفأ الأنوار الأمامية وكأنما ستجعلهما تلك الاحتياطات بطريقة ما غير مرئيَّين. لكن القرية كانت مهجورة. كان القمر اللامع يتهادى في السماء التي بدَت كوشاح حريري يهتز متأرجحًا بين الرمادي والأزرق، وتَلتمِع فيها بضع نجمات بعيدة. كانت الليلة أقل ظلامًا مما توقَّع، وكان الهواء هادئًا عليلًا، يَحمل رائحة العشب. تحت ضوء القمر الشاحب، الْتمَعَت الأحجار الملساء بوهج خافت بدا كأنما يغمر الهواء فكان يرى بوضوح معالم المنازلِ ذات الأسطح العالية المُنحدِرة وأسوار الحدائق التي تتدلَّى منها الأزهار. لم تكن ثمة أيُّ نوافذ مضاءة، وكانت القرية تسبح في صمتٍ وخواء مثل موقع تصوير فيلمٍ مَهجُور، ظاهريًّا يبدو راسخًا وباقيًا لكنه لن يدوم طويلًا، فالحوائط المطلية التي لا يدعمها سوى دعائم خشبية كانت تُخفي وراءها الحطام المتعفِّن لسكانها الذين هجروها. لوهلة تخيَّل أنه إن استند إلى أحد تلك الحوائط، فستنهار لتُصبح كومة من الجصِّ والعوارض الخشبية المُتهالِكة. وشعر أن القرية بدَت مألوفةً له. حتى في ذلك الضوء الواهن استطاع أن يُميِّز معالَمها؛ المرجة الخضراء الصغيرة المُجاوِرة للبركة وشجرتها العملاقة التي تظللها والمقاعد المحيطة، ومدخل الزقاق الضيق المؤدِّي إلى الكنيسة.

كان قد جاء إلى هنا من قبل، مع زان، في عامِهما الأول بالجامعة. كان يومًا شديد الحرارة في أواخر يونيو حينما كانت أكسفورد مكانًا يفرُّ منه الناس؛ إذ كانت أرصفتُها الحارَّة تعجُّ بالسياح، وهواؤها معبقًا بعوادم السيارات ويعلو فيها صخب اللغات الأجنبية، التي غزا ناطقُوها ساحاتها الجامعية الهادئة. كانا يَسيران بالسيارة في طريق وودستوك دون وجهة محدَّدة عندما تذكَّر ثيو رغبته في زيارة كنيسة أوزولد في قرية ويدفورد. لم يكن ثمة فارق بين تلك الوجهة وغيرها. أسعدهما أن صار لرحلتهما هدف، فسلَكا الطريق المؤدِّي إلى سواينبروك. كان ذلك اليوم في ذاكرته بمثابة رمز يَستحضرُه ذهنه للصورة المثالية للصيف الإنجليزي؛ بسمائه الزَّرقاء الساطعة التي تكاد تخلو من الغيوم، والغشاوة التي صنَعها نبات السرفل البرِّي، ورائحة العشب المجزوز، والهواء القوي الذي يتخلَّل شعرهما. يُمكن لتلك الذِّكرى أن تَستحضِر أشياء أخرى أيضًا، أشياء أسرع زوالًا بعكس الصيف، أشياء فُقِدَت للأبد؛ الشباب والثقة بالنفس والبهجة وأمل الوقوع في الحب. لم يَكونا في عجلة من أمرهما. خارج سواينبروك كانت تُقام مُباراة كريكيت محلية فركنا السيارة وقعدنا على ضفة البحيرة المكسوة بالعشب وراء السور الحجَري لمُشاهدتها وانتقاد اللاعبين والتصفيق لهم. ثم ركنا السيارة مرةً أخرى في المكان نفسه الذي ركن فيه السيارة الآن، بجوار البحيرة، ومشيا في نفس الطريق الذي هو بصدد أن يسلكه مع ميريام، مرورًا بمكتب البريد القديم، وعبر الزقاق الضيق المرصوف بالأحجار الذي يحده عن الجانبين سور عالٍ يكسوه اللبلاب، إلى كنيسة القرية. وكان يقام حينها حفل معمودية. كان ركب صغير من القرويين يسير في المَمشى باتجاه رُواق الكنيسة، يتقدَّمُه الأبوان، الأمُّ تحمل رضيعَها الذي ألبستْه رداء المعمودية الأبيض الفضفاض، والنساء يَرتدين قبَّعات تُزيِّنُها الورود، والرجال، خَجِلين قليلًا، يتعرَّقُون في بذلاتهم المحكمة الزرقاء والرمادية. تذكَّر أنه شعر أن ذلك المشهد لا يحدُّه زمان، وللحظة تسلَّى بتخيُّل حفلات تعميد جرت في أزمنة سابقة تغيَّرت فيها الأزياء لكن لم تتغيَّر الوجوه الريفية، التي ارتسم عليها مزيجٌ من العزم والترقب والبهجة. فكَّر حينها كما يفكر الآن بانقضاء الزمن، الزمن القاسي عديم الشفقة الذي لا سبيل إلى إيقافه. لكن تلك الفكرة حينها كانت مجرد تمرينٍ ذهني يخلو من الألم أو الحنين إلى الماضي، فقد كان الزمن لا يزال ممتدًّا أمامه، وبدا كالدهر لشاب في التاسعة عشرة من عمره.

الآن، بينما كان يَلتفِت لإغلاق السيارة، قال: «إن كان مكان اجتماعكم هو كنيسة سانت أوزولد، فالحاكم يعرفها.»

أجابت بهدوء: «لكنه لا يعلم أننا نعرفها.»

«سيعلم ذلك عندما يتكلَّم جاسكوين.»

«جاسكوين أيضًا لا يعلم. فهذا مكان اجتماع احتياطي أبقاه رولف سرًّا عنَّا تحسبًا لأن يُعتقَل أحدنا.»

«أين ترك سيارته؟»

«أخفاها في مكان ما بعيدًا عن الطريق. فقد خطَّطوا لأن يقطعوا آخر ميل تقريبًا من الطريق سيرًا على الأقدام.»

قال ثيو: «عبر الحقول الوعرة، وفي الظلام. ليس مكانًا يسهُل الهروب منه سريعًا.»

«أنت مُحق، لكنه مُنعزِل وغير مُستخدَم، كما أن الكنيسة مفتوحة طوال الوقت. لن نضطرَّ للتفكير في مهرب سريع إن كان مكاننا لا يعرفه أحد.»

قال ثيو في نفسه إنه لا بدَّ أنه يوجد مكان أنسب، ومرة أخرى شعر بشكٍّ في كفاءة رولف في التخطيط والقيادة. أراحه ازدراؤه لرولف، فقال في نفسه: هو يَملك الوسامة والقوة لكنه لا يمتلك قدرًا كبيرًا من الذكاء، فهو مجرَّد همجي طموح. كيف، بحقِّ السماء، تَزَوَّجَت به؟

وصَلا إلى نهاية الزقاق فانعطفا يسارًا إلى ممرٍّ ضيق يُغطِّيه التراب والحجارة ويحده من الجانبين سور يكسوه اللبلاب، وعبرا فوق عائق ماشية ومنه إلى الحقل. أسفل التلِّ إلى اليسار كان يوجد بيت مزرعة مُنخفِض لا يذكر أنه كان قد رآه من قبل.

قالت ميريام: «إنه خاوٍ. القرية بأكملها صارت الآن مهجورة. لا أعلم لماذا يحدث ذلك في بعض الأماكن دون غيرها. أعتقد أنه عندما تُغادر بضع عائلات كبيرة، يُصيب الهلع العائلات الأخرى وتحذُو حذوها.»

كان الحقل وعرًا ومكسوًّا بالحشائش، وكانا يَسيران بحذر وأعينهما صوب الأرض. من حين لآخَر كان أحدهما يتعثَّر فيمد الآخر يده بسرعة ليسنده، بينما كانت ميريام تصوِّب كشافها وتبحث في دائرة ضوئه عن مسارٍ لم يكن موجودًا. خُيِّل لثيو أنه لا بد أنهما يبدوان مثل زوجَين مُسنَّين، آخر ساكنين بالقرية المهجورة يَشُقان طريقهما خلال الظلمة النهائية إلى كنيسة سانت أوزولد يدفعهما فكرٌ رجعيٌّ أو حاجة غريبة لأن يَموتا على أرض مقدَّسة. على يساره امتدت الحقول حتى سياج شجري عالٍ كان يعلم أن وراءه يَجري نهرُ ويندرش. بعد زيارتهما للكنيسة، اضطجع هو وزان هناك على العشب ليُراقِبا الأسماك وهي تَندفِع وتتقافَز في تياره البطيء، ثم استلقيا على ظهرَيهما وحملقا للأعلى عبر أوراق الشجر الفضية إلى السماء الزرقاء الصافية. كانا قد أحضرا معهما نبيذًا وحبات فراولة ابتاعاها في طريقهما. وجد أنه يتذكَّر كل كلمة من حديثهما.

قال زان وهو يضع حبة فراولة في فمه، ثم يتقلَّب ليَلتقط زجاجة الخمر: «يا لها من أجواء تُشبه أجواء مسلسل «برايدشيد» يا صديقي العزيز. أشعر أني بحاجة إلى دبٍّ لُعبة.» ثم أردف، دون أن تتغيَّر نبرة صوته: «أُفكِّر في الالتحاق بالجيش.»

«لماذا يا زان؟»

«لا يوجد سبب محدَّد. على الأقل لن يكون الوضع مُضجرًا.»

«بل سيكون مضجرًا على نحو لا يوصف، إلا لمن يُحبُّون السفر وممارسة الرياضة، وأنت لا تحب أيًّا من الأمرَين عدا الكريكيت، وهي ليست لعبة تمارس في الجيش. فهؤلاء الفتية يمارسون رياضات عنيفة. وعلى أي حال لن يقبلوك على الأرجح. فبعد أن تقلَّصَ عددهم للغاية سمعت أنهم صاروا يدققون للغاية في الاختيار.»

«بل سيَقبلونني. وبعدها قد أُجرِّب خوض مجال السياسة.»

«سيكون هذا أكثر ضجرًا. وأنت لم تُبدِ أدنى اهتمام بالسياسة يومًا. ولا تتبنَّى أي مُعتقَدات سياسية.»

«بإمكاني أن أكتسبها. ولن يكون ذلك مُضجرًا بقدر الحياة التي خططتها لنفسك. فأنت سوف تحصل على درجتك العلمية بمرتبة الشرف الأولى، بالطبع، ثم سيجد جاسبر وظيفة بحثية لطالبه المفضَّل. ثم سيأتي التعيين الإقليمي المُعتاد، وستعين في إحدى الجامعات الحديثة غير المرموقة، وتَنشُر أوراقك البحثية، وتكتب كتابًا مُتقَن البحث سيُلاقي استحسانًا. ثم ستعود إلى أكسفورد بمنحة زمالة. بكلية «أول سولز» إن حالفَكَ الحظ ولم تكن قد حصلت عليها بالفعل، ووظيفة مستديمة في التدريس للطلاب الجامعيِّين الذين يرون التاريخ اختيارًا سهلًا. آه، كدتُ أنسى. زوجة مناسبة، تَملك من الذكاء ما يَكفي لفتح حديث مقبول على طاولة العشاء لكن لا يكفي لأن تكون ندًّا لك، وبيت مرهون في شمال أكسفورد وطفلان ذكيان مملَّان يعيدان الكَرَّة.»

حسنًا، لقد صحَّت معظمُ تخميناته، بل كلها عدا الزوجة الذكية والطفلَين. هل كان ما قاله في ذلك الحوار العفوي حينها حتى جزءًا من خطته؟ كان محقًّا؛ فقد قَبِله الجيش. وصار أصغر كولونيل منذ ١٥٠ عامًا. لكنه ظلَّ دون ولاءٍ سياسي، ولم يتبنَّ أي مُعتقَدات سوى اعتقاده أنه يجب أن يحصل على مراده، وأنه عندما يضع نصب عينيه شيئًا فإنه حتمًا سيَنجَح في الوصول إليه. بعد أوميجا، عندما غرق البلد في الفتور واللامبالاة، وفقَد الناس الرغبة في العمل، وتوقفَت الخدمات تقريبًا، وخرجت الجريمة عن حدود السيطرة، وضاع الأمل والطموح إلى الأبد، كانت إنجلترا بمثابة ثمرة ناضجة في انتظار أن يمدَّ يده ليَقطفها. قد يكون ذلك التشبيه مبتذلًا لكني لا أجد أدقَّ منه. كانت كثمرة تتدلَّى من شجرتها ناضجة أكثر من اللازم وعَطِنة؛ وما كان على زان سوى أن يمدَّ يده ليقطفها. حاول ثيو أن يُزيح الماضي عن ذاكرتِه، لكن صدى أصوات ذلك الصيف المُنقضِي كان يتردَّد في ذهنه، وحتى في تلك الليلة الخريفية البارِدة، كان يشعر بحرارة شمسِه تَلفح ظهره.

الآن ظهرت الكنيسة واضحةً أمامهما، بمحرابها وصحنها اللذَين يُغطِّيهما سقفٌ واحد، وبرج الجرس الصغير الذي يتوسَّطها. كانت تبدو بالضبط كما رآها لأول مرة، صغيرة للغاية، كنيسة بناها مؤمن شديد الإيمان كلعبة أطفال. بينما كانا يقتربان من الباب اجتاحَه شعور مفاجئ بالتردُّد جعله يتسمر في مكانه لحظةً، متسائلًا للمرة الأولى بفضول وقلق مُتزايِد عن طبيعة ما سيجده هنا بالضبط. لم يَستطِع أن يُصدِّق أن جوليان حُبلى، لكن ذلك لم يكن سبب قدومه إلى هنا. صحيح أن ميريام قابلة، لكنها لم تمارس تلك المهنة منذ خمسة وعشرين عامًا، كما أن ثمة العديد من الحالات الطبية التي قد تُحاكي أعراضها الحمل. بعض تلك الحالات خطير؛ أهو ورم خبيثٌ تُرِك دون علاج لأن ميريام وجوليان انخدَعتا بأمل زائف؟ كانت تلك مأساة متكرِّرة في الأعوام الأولى التي تلَتْ حدوث أوميجا، وكادت تُماثل في شيوعها الحمل الكاذب. كره فكرة أن تكون جوليان حمقاء متوهِّمة، لكنه كره أكثر فكرة أن تكون مريضة بمرض مميت. وأبغض قلقه عليها، وما بدا أنه هوس بها. لكن ما الذي أتى به غير هذا إلى ذلك المكان الموحش غير المأهول؟

مرَّرت ميريام ضوء الكشاف على الباب ثم أطفأته. انفتح الباب بسهولة عندما دفعتْه بيدها.

كانت الكنيسة مُظلِمة لكن أعضاء الجماعة كانوا قد أضاءوا ثمانية مصابيح ليلية ورصُّوها في صفٍّ أمام المذبح. تساءل إذا ما كان رولف قد أحضَرَها إلى هنا في السر سلفًا قبل أن تكون ثمة حاجة لها أم ترَكَها زوار آخرون أمضوا بالكنيسة مدةً أطول. اهتزت شعلاتها لوهلة بفعل نسمة الهواء الداخلة من الباب المفتوح، فألقت ظلالًا على الأرضية الحجَرية وخشب المقاعد الباهِت غير المصقول قبل أن تستقرَّ مُصدِرةً وهجًا خفيفًا لبَني اللون. في بادئ الأمر ظنَّ أن الكنيسة خاوية، لكنه ما لبث أن رأى ثلاثة رءوس داكِنة يَنهض أصحابها من أحد مقاعد الكنيسة المُسوَّرة. خرجوا منه إلى الممرِّ الضيِّق ووقفُوا يَنظُرون إليه. كانوا يلبسون ملابس تُوحي بأنهم سيَنطلقُون في رحلة، فقد كان رولف يلبس قبعة قبطان وسترة واسعة من جلد الغنم، وكان لوك يلبس معطفًا وكوفية سوداوين رثين، أما جوليان فكانت تضع عباءة طويلة تَكاد تُلامس الأرض. كانت ملامح وجوهِهم غير واضِحة في ضوء الشموع الخافِت. لم يَنطِق أحد. ثم استدار لوك وأمسَكَ بإحدى الشموع ورفعها عاليًا. تحرَّكَت جوليان إلى حيث يقف ثيو ورفعت بصرها إلى وجهه وهي تَبتسم.

قالت: «الأمر حقيقي يا ثيو، تحسَّسْه.»

تحت العباءة كانت تَرتدي قميصًا وبنطالًا فضفاضَين. أمسكَت بيدِه اليمنى وأدخلتها تحت القميص القُطني وأزاحت حزام البنطال المطاطي المشدود إلى آخره. شعرت يدُه ببطنِها المنتفِخ مشدودًا، وأول ما خطر على باله هو الدهشة من أن بطنها البارز بالكاد كان ظاهرًا تحت ملابسها. في بادئ الأمر شعر أن بشرتها المشدودة الناعمة كالحرير باردة تحت يدِه، لكن تدريجيًّا انتقل دفءُ يده إلى بطنها فلم يَعُد يشعر بأيِّ فرقٍ، بل شعر أن جلديهما الْتحمَ فصارا واحدًا. ثم فجأة، أحسَّ في يده بركلة. ضحكَتْ فدوى صوت ضحكاتها المجلجلة المبتهِجة في أرجاء الكنيسة.

قالت: «استمع، استمع إلى نبضات قلبها.»

كان من الأسهل أن يَجثو على ركبتيه، فجثا، دون تكلف، ودون أن يعتبرها لفتة إجلال، لكنه فقط كان يعلم أنه كان يجب أن ينزل على ركبتَيه. طوَّق خصرها بذراعه اليمنى ووضَع أذنه على بطنها. لم يستطع أن يسمع نبض قلب جنينها، لكنه استطاع أن يسمع حركته ويشعر بها، شعر بحياة تَنبِض بداخلها. اجتاحته موجة من الأحاسيس القوية، فتلاطمَتْه وغمرته بمزيجٍ مُضطرِب من الرهبة والانفعال والرعب، ثم انحسرَت فتركتْه مُنهكًا واهنًا. لوهلة ظلَّ جاثيًا، لا يقوى على الحركة، يكاد يستند إلى جسد جوليان، تاركًا رائحتها ودفئها وروحها يتخلَّلونه. ثم اعتدل ونهض، مُدركًا أن أعينهم تُراقبه. لكن لم يَنطِق أي منهم بكلمة. تمنَّى لو يَختفُون كي يستطيع أن يسير بجوليان إلى ظلمة الليل وسكونه ويصيرا معًا جزءًا من الظلام ويقفا معًا في ذلك السكون المهيب. كان يحتاج لأن يريح عقله في سلام، وأن يدع المشاعر تجتاحه دون أن يُضطرَّ لأن يتكلم. لكنه كان يعلم أنه مضطرٌّ لأن يتكلم وأنه سيحتاج إلى كامل قدرته على الإقناع. وقد لا تكفي الكلمات وحدها. سيحتاج لأن يُجابههم بنفس القدر من العزيمة والشغف. وكل ما كان بوسعه أن يقدمه هو المنطق والحجة والفطنة، وطوال حياته كان يضع ثقته فيهم. لكنه كان الآن يشعر بضعفه وقُصوره في أكثر الجوانب التي كان يثق بها في السابق.

ابتعد عن جوليان وقال موجِّهًا كلامه لميريام: «أعطيني الكشَّاف.»

ناولتْه إياه دون أن تَنطِق بكلمة فأضاءه ومرَّر ضوءه على وجوههم. كانوا يحملقون فيه؛ نظرت إليه ميريام بعينين متسائلتين مبتسمةً، ونظر إليه رولف بحنق وبانتصار، أما لوك فنظر إليه بعينَين مليئتَين باستعطاف يائس.

كان لوك هو أول مَن تكلم: «ها قد رأيت بنفسك يا ثيو أننا اضطُررنا للهروب، وأننا يجب أن نحافظ على سلامة جوليان.»

قال ثيو: «لن تُحافظوا على سلامتها بالهرب. هذا يُغيِّر كل شيء، ليس لكم فحسب بل للعالم بأكمله. لا شيء يهم الآن إلا سلامة جوليان وطفلها. يجب أن تكون في مستشفى. هاتفوا الحاكم أو دعُوني أنا أفعل. بمجرد أن يُعرَف ذلك، لن يفكر أحد بالمنشورات المُحرِّضة أو بانشقاقكم. فأي شخص ذو نفوذ في المجلس أو في البلد بل في العالم بأسره، لن يَعنيه سوى أمر واحد: أن يُولَد ذلك الطفلُ سالمًا.»

وضعت جوليان يدها المشوهة على يده وقالت: «رجاءً لا تجبرني على ذلك. لا أريده أن يكون حاضرًا عندما ألدُ طفلي.»

«لا داعي لأن يكون حاضرًا فعليًّا. سيَرضخ لما تُريدين. الجميع سيَرضخُون لما تريدين.»

«سيكون حاضرًا. أنت تعلم ذلك. سيكون حاضرًا أثناء الولادة، وسيكون حاضرًا على الدوام. لقد تسبَّب في قتل شقيق ميريام؛ وها هو يَقتُل جاسكوين الآن. إن وقعت في قبضته، فلن أتحرَّر منه قط. لن ينعم طفلي بالحرية قط.»

تساءل ثيو كيف تنوي أن تنأى هي وطفلها عن الوقوع في يده. أتقترح أن تُبْقي الطفل سرًّا للأبد؟ قال: «يجب أن تفكري في مصلحة طفلك أولًا. ماذا إن حدثت مضاعفات، أو نزيف؟»

«لن يحدث أي شيء. ستَعتني بي ميريام.»

التفَتَ ثيو إلى ميريام وقال: «تحدَّثي إليها يا ميريام. أنت متخصِّصة. وتعلمين أنها يجب أن تكون في المُستشفى. أم أنك لا تُفكِّرين إلا في نفسكِ؟ ألا تفكرون إلا في أنفسكم؟ وفي مجدكم الشخصي؟ سيكون ذلك أمرًا عظيمًا، أليس كذلك؟ أن تكوني قابلة لأول طفل يولد في الجيل الجديد، هذا إن قُدِّر لذلك الطفل أن يولد. وأنت لا تُريدين أن يُشاركَكِ أحدٌ في ذلك المجد؛ أو تخشين ألا يُسمَح لك حتى بالمشاركة فيه. تريدين أن تكوني الشخص الوحيد الذي يشهد معجزة قدوم هذا الطفل إلى العالم.»

قالت ميريام بهدوء: «لقد ولَّدت مائتين وثمانين طفلًا. شعرت أن كل واحد منهم كان معجزة، على الأقل في لحظة ولادته. كل ما أريده هو سلامة الأم وطفلها. لن أترك امرأة حبلى تحت رحمة حاكم إنجلترا. أجل، أُفَضِّلُ أن يولد الطفل في المُستشفى، لكن لجوليان الحق في الاختيار.»

التفت ثيو إلى رولف. «وماذا يرى الوالد؟»

قال رولف وقد نفد صبره: «إن ظلَلنا واقفين هنا نتجادل في الأمر أكثر من هذا، فلن يكون أمامنا خِيار. جوليان محقة. بمجرد أن تقعَ في يد الحاكم، فسيتولَّى زمام الأمر كله. سيكون حاضرًا أثناء الولادة. وسيُذيع الأمر للعالم كله. سيظهر على التلفاز وهو يعرض طفلي للأمة. وهذا أمر يحقُّ لي أنا أن أفعله، لا هو.»

قال ثيو في نفسه: هو يظنُّ أنه بذلك يَدعم زوجته. لكنه لا يهمه فعليًّا سوى أن يولد الطفل سالمًا قبل أن يكتشف زان والمجلس أمر حمل جوليان.

جعل الغضب وخيبة الأمل صوته غليظًا: «هذا جنون. أنتم لستم أطفالًا حصلوا على لعبة جديدة يُريدون أن يحتفظوا بها لأنفسهم، ويلعبوا بها وحدهم، ويمنعوا الأطفال الآخرين من مشاركتهم إياها. ولادة هذا الطفل لا تَعني إنجلترا فحسب، بل العالم كله. هذا الطفل ملكٌ للبشرية بأسرها.»

قال لوك: «بل هو ملك للرب.»

التفت إليه ثيو. «بحق المسيح! ألا يُمكننا أن نناقش الأمر بعقلانية؟»

كانت مريام هي من تكلَّمت. قالت: «الطفل ملكُ نفسه، لكن جوليان هي أمه. حتى ولادتِه ولفترة بعدها، يكون الطفل والأم واحدًا. جوليان لها الحق في أن تُقرِّر أين تُريد أن تلد طفلها.»

«حتى إن كان ذلك يعني أن تُخاطر بحياته.»

قالت جوليان: «إن ولدت طفلي في حضور الحاكم فسيمُوت كلانا.»

«تلك حماقة.»

قالت ميريام بهدوء: «أتُريد أن تُغامر بذلك؟» لم يُجِبها. انتظرت قليلًا ثم كررت سؤالها: «هل أنتَ مُستعدٌّ لتحمُّل مسئولية ذلك؟»

«ما هي خطتكم إذن؟»

كان رولف هو من أجاب. «أن نجد مكانًا آمنًا، أو أقرب ما يكون للأمان. بيت مهجور أو كوخ، أي مكان يُمكننا أن نأوي إليه لأربعة أسابيع. يجب أن يكون في بلدة معزولة، أو ربما غابة. نحتاج إلى مؤن ومياه وسيارة. ليس لدينا سوى سيارتي، ولا بد أنهم يعرفون رقم لوحتها!»

قال ثيو: «لا يمكننا أن نستخدم سيارتي أيضًا، ليس لوقت طويل. على الأرجح شرطة الأمن الوطني تزور منزلي في شارع سانت جون الآن. تلك المغامَرة بأكملها عبث. بمجرد أن يتكلم جاسكوين — وسوف يفعل، ولا حاجة لهم لأن يلجئوا للتعذيب فلديهم العقاقير — وبمجرد أن يعرف المجلس بشأن الحمل، سيَسعَون وراءكم بكل ما أُوتوا. كم تعتقدون أنكم ستَبتعدون قبل أن يَجدُوكم؟»

جاء صوت لوك هادئًا حليمًا، كما لو كان يشرح تفاصيل الوضع لطفل لا يتمتَّع بذكاء حاد. «نحن نعرف أنهم سيأتون. هم يبحثون عنَّا ويُريدون القضاء علينا. لكنهم قد لا يأتون بسرعة، وقد لا يهتمُّون كثيرًا في بادئ الأمر. هم لا يعلمون بأمر الطفل. فنحن لم نُطلع جاسكوين على الأمر مطلقًا.»

«لكنه كان جزءًا من تلك الجماعة. ألم يُخمِّن ذلك؟ لديه عينان، ألا يستطيع أن يرى بنفسه؟»

قالت جوليان: «إنه في الحادية والثلاثين من عمره، وأشك أنه رأى امرأة حبلى من قبل. فلم تَلِد أي امرأة منذ خمسة وعشرين عامًا. لم يكن ذلك احتمالًا واردًا في ذهنه. وكذلك لم يَكُن واردًا في أذهان العمَّال الوافدين الذين كنت أعمل معهم في المعسكر كذلك. لا أحد يعلم سوانا نحن الخمسة.»

قالت ميريام: «وجوليان عريضة الفخذين وحملُها بارز لأعلى. ما كنت ستلاحظه أنت لولا أنك شعرتَ بحركة الجنين.»

قال ثيو في نفسه، إنهم إذن لم يأمنوا لجاسكوين، على الأقل لم يأتمنوه على أهم سر على الإطلاق. لم يعتقدوا أن جاسكوين أهلٌ لأن يعرفه، ذلك الرجل الحازم البسيط المُحترَم الذي شعر ثيو في أول لقاء بينهم أنه بمثابة المرساة القوية التي تركن إليها الجماعة. لو كانوا وثقوا به، لامتثلَ للأوامر. ولما كان قام بالمحاولة التخريبية، ولا اعتُقِل.

قال رولف وكأنما يقرأ أفكاره: «كان ذلك لحمايته، ولحمايتنا. كلما قل عدد من يعرفون السر كان ذلك أفضل. كان لا بد من أن أخبر ميريام، بالطبع. فقد كنا بحاجة إلى مهاراتها. ثم أخبرت لوك لأن جوليان أرادته أن يعرف. لسبب يتعلق بكونه قسًّا، لإيمانها بخرافة ما، أو شيء من هذا القبيل. يفترض أن يجلب لنا الحظ الجيد. كان ذلك خلافًا لمشورتي، لكنني أخبرته.»

قالت جوليان: «أنا من أخبرتُ لوك.»

خطر لثيو أن إحضاره إلى هنا كان أيضًا خلافًا لمشورة رولف على الأرجح. فجوليان أرادت أن تُحضره، وقد كانوا يحاولون أن يمتثلوا لما تريد. لكن لا يمكن للمرء أن يغضَّ الطرف عن ذلك السر بمجرد أن يطلع عليه. ربما ما زال بإمكانه أن يحاول التملص من المسئولية لكن ليس بإمكانه الآن أن يهرب مما عرفه.

للمرة الأولى ظهرت نبرة استعجال في صوت لوك. «لنهرب قبل أن يأتوا. يُمكننا أن نستقلَّ سيارتك. وبوسعنا أن نتابع حديثنا في الطريق. سيكون لديك متَّسع من الوقت والفرصة لأن تقنع جوليان بتغيير رأيها.»

قالت جوليان: «أرجوك تعالَ معنا يا ثيو. أرجوك ساعدنا.»

قال رولف بنفاد صبر: «ليس أمامه خيار آخر. فهو يعرف أكثر مما ينبغي. لا يُمكننا أن ندعه يذهب الآن.»

نظر ثيو إلى جوليان. أراد أن يسألها: «أهذا هو الرجل الذي اخترتِه أنتِ والرب لإعادة تعمير العالم؟»

قال ببرود: «بربك، لا تبدأ بتهديدي. لديك القدرة على أن تُنقص من قيمة أي شيء، حتى ما نحن فيه، لتُوصِّله إلى مستوى فيلم رديء. إن أتيت معكم فسيكون ذلك لأنني اخترتُ ذلك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠