الفصل السابع والعشرون

كانت الساعة في لوحة عدادات السيارة تُشير إلى الثالثة إلا خمس دقائق، وكان ذلك متأخرًا عما توقع ثيو أن يكون عليه الوقت. كان الطريق الضيق المهجور يمتد أمامهم، ويمر تحت عجلات السيارة كقماشة بالية متَّسخة. كان سطحه مترديًا وبين الفينة والأخرى كانت السيارة ترتجُّ بشدة إثر مرورها فوق نقرة. كانت القيادة بسرعة في طريق كهذا مستحيلة؛ فلم يجرؤ على أن يخاطر بحدوث ثقب آخر في الإطارات. كان الليل مظلمًا لكنه لم يكن معتمًا بالكامل؛ فقد كان القمر المُنْتَصِف يظهر ويختفي وراء السحب التي تسوقها الريح، وكانت النجوم تبدو كنقاط بعيدة تكوِّن مجموعات فلَكية غير مكتملة، ودرب التبانة يبدو كلطخة من الضوء. بدت السيارة، التي كان التحكم بها سلسًا، بمثابة ملاذ متنقل، دفَّأت أنفاسهم الهواء داخلها، وكانت تفوح منها روائح خفيفة مألوفة تبعث على الأمان حاول أن يتبيَّنها في ظل ارتباكه؛ الوقود، الأجساد، كلب جاسبر العجوز، الذي كان قد مات منذ زمن طويل، وأيضًا رائحة نعناع خفيفة. كان رولف يجلس بجواره صامتًا ومتوترًا، يحملق أمامه. في المقعد الخلفي، جلست جوليان محشورة بين ميريام ولوك. كان ذلك أقل المواضع راحة لكنها اختارته؛ ربما لأن جلوسها محاطة بجسدين كان يَمنحها وهْمَ الأمان الإضافي. كانت عيناها مغمضتَين، وقد أراحت رأسها على كتف ميريام. وبينما كان يُراقبها في المرآة رأى رأسها يهتزُّ وينزلق ويميل للأمام. فرفعته ميريام برفق لموضع مريحٍ أكثر. كان لوك، هو الآخر، يبدو نائمًا، فقد كان رأسه مائلًا للخلف، وشفتاه منفرجتَين قليلًا.

كان الطريق مليئًا بالتعرجات والمنعطفات لكن سطحه صار ممهَّدًا أكثر. بعد ساعات من القيادة التي خلَت من أي صعوبات، بدأ ثيو يشعر بالثقة تدريجيًّا. ربما، في نهاية المطاف، لن يكون ثمة حاجة لأن تكون تلك الرحلة كارثية. لا بد أن جاسكوين قد تكلَّم، لكنه لم يكن يعرف بأمر الطفل. في نظر زان، كانت «السمكات الخمس» مجرد عصابة صغيرة وتافهة من الهواة. حتى إنه قد لا يُكلف نفسه عناء مطاردتهم. لأول مرة منذ بداية الرحلة، تفجَّر في داخله ينبوع من الأمل.

بالكاد رأى جذع الشجرة الساقط في الوقت المناسب، وضغط دواسة المكابح بقوة قبل أن تلامس أغصانها البارزة غطاء المحرِّك. استيقظ رولف من نومه مفزوعًا وأطلق سبَّة. أطفأ ثيو محرك السيارة. عم الصمت لبرهة راودته خلالها خاطرتان، تبعت إحداهما الأخرى في اللحظة نفسها تقريبًا، فأعادتاه إلى كامل وعيه. كانت الخاطرة الأولى هي الارتياح؛ فجذع الشجرة لم يكن يبدو ثقيلًا مع أنه كان لا يزال محتفظًا بأوراقه الخريفية. وعلى الأرجح لن يجد هو والرجلان الآخران صعوبة كبيرة في إزاحته عن الطريق. أما الثانية فقد كانت الهلع. لا يُمكن أن يكون ذلك الجذع قد سقط عرضًا؛ فلم تهبَّ أي رياح قوية مؤخرًا. لقد أُسقط عمدًا لإعاقة طريقهم.

وفي تلك اللحظة انقضَّ عليهم الأوميجيُّون. لهول الأمر، في البداية اقتربوا في صمت تامٍّ دون أن يُسمع لهم صوت. من وراء كل نافذة من نوافذ سيارتهم، كانت تحملق بهم الوجوه المطلية تحت ضوء المشاعل. صرخَت ميريام صرخة قصيرة لا إرادية. وصاح رولف: «ارجع بالسيارة للخلف! ارجع إلى الخلف!» وحاول أن يمسك بعجلة القيادة وذراع النقل. فتشابكَت يده ويد ثيو. دفعه ثيو جانبًا وحرك ذراع النقل لترس الحركة العكسية. دبت الحياة في المحرِّك، وانطلقت السيارة للخلف. لكنهم اصطدموا بعائقٍ بقوةٍ جعلت جسده يَنتفض إلى الأمام. لا بد أن الأوميجيِّين قد تحركوا بسرعة وبصمت وحاصروهم بعائق آخر. عادت الوجوه تُحملِق من النوافذ مجددًا. حدَّق في عيونهم الخاوية من التعبيرات اللامعة المحددة بطلاء أبيض ويحيط بها قناع من الدوائر المطلية بالأزرق والأحمر والأصفر. فوق جباههم المطلية كانت شعورهم مرفوعة ومعقودة أعلى رءوسِهم. كان الأوميجي يحمل في يد مشعلًا مُضاءً وفي يده الأخرى هراوة، تبدو كعصا شرطي، مزيَّنة بجدائل من الشعر. تذكر ثيو مرتاعًا أنه سمع أن ذوي الوجوه المطلية، بعد أن يَقتُلوا ضحيَّتهم، يَحلقُون شعرها ويَجدلونه ويحتفظون به تذكارًا، ولم يصدق تلك الشائعة كليًّا وكان يعتبرها أسطورة من أساطير فلكلور أدب الرعب. تساءل الآن، بينما كان يحدق بهلع مذهول في الضفيرة التي تتدلى من الهراوة، عمَّا إذا كانت لرجلٍ أم لامرأة.

لم ينبس أحدٌ من ركاب السيارة ببنتِ شفة. لا بد أن الصمت، الذي بدا أنه دام لبضع دقائق، لم يَدُم لأكثر من بضع ثوانٍ. ثم بدأت الرقصة الطقسية. أطلق أولئك الأشخاص صيحة عالية وبدءوا يتبختَرُون حول السيارة، ويضربون بهراواتهم جوانبها وسقفها في قرع إيقاعي يتماشى مع أصوات غنائهم المرتفعة. كانوا لا يرتدون إلا السراويل القصيرة لكن أجسادهم لم تكن مطلية. فبدت صدورهم العارية بيضاء كالحليب في ضوء المشاعل، وبدت عظام صدورهم هشة ضعيفة. جعلتهم سيقانهم، التي كانت تنتفض بعنف، ورءوسهم المزينة، ووجوههم المنقوشة بالطلاء، تشقها أفواههم المفغورة الصادحة، يبدون كمجموعة من أطفالٍ كبار يمارسون ألعابهم التي قد تكون تخريبية لكنَّها في الأصل بريئة.

تساءل ثيو: هل من المُمكن أن يتكلم معهم وأن يُحاوِرَهم بالمنطق، أو يجعلهم يدركون على الأقل أنهم إخوة في الإنسانية؟ لكنه لم يُضِع وقته في التمعُّن في تلك الفكرة. تذكر أنه التقى ذات يوم بأحد ضحاياهم وتذكر مقتطفًا من حوارهما. «يقال إنهم يَقتُلون ضحية واحدة يُقدِّمونها قربانًا، لكني أشكر الرب أن تلك المرة اكتفَوا بالسيارة.» ثم أضاف قائلًا: «لا تعبث معهم. اترك سيارتك ولذ بالفرار.» فيما يخصُّه، لم يكن الهرب سهلًا؛ أما فيما يخصهم، وبوجود امرأة حُبلى معهم فبدا مستحيلًا. لكن كانت توجد حقيقة واحدة قد تُثنيهم عن فكرة القتل، إن كانوا قادرين على التفكير المنطقي وصدقوها؛ وهي حمل جوليان. كان الدليل على حملها قد صار بينًا الآن حتى لأوميجي. لكنه لم يكن مضطرًّا لأن يتساءل عن ردِّ فعل جوليان تجاه تلك الفكرة؛ فلم يَهرُبوا من زان ومجلسه ليقعوا في قبضة عصابة ذوي الوجوه المَطلية. نظر إلى جوليان بالخلف. كانت تجلس مُحْنيةً رأسها. على الأغلب كانت تُصلِّي. تمنَّى لها حظًّا سعيدًا مع إلهها. كانت عينا ميريام جاحظتَين ومرتعبتَين. كان يستحيل رؤية وجه لوك لكن من مقعدِه كان رولف يطلق سيلًا من السباب.

استمرَّ الرقص، وتحرَّكت أجسادهم المتلوية بسرعة أكبر، وصار صوت غنائهم أعلى. كان من الصعب أن يتبيَّن عددهم لكنه خمن أنه لم يكن يقل عن دزينة. لم يحاولوا فتح أبواب السيارة لكنَّه كان يدرك أن أقفال أمانها لن توفر أي حماية فعلية منهم. فعددُهم كان كافيًا لقلب السيارة. وكانت المشاعل كفيلةً بإشعال النيران بها. كان إجبارهم على الخروج منها مسألة وقت لا أكثر.

تسارعت الأفكار في رأس ثيو. ما فرص النجاح في الهروب، على الأقل لجوليان ورولف؟ من خلال مجموعة الأجساد المتراقِصة تأمل المنطقة من حولهم. على يسارهم كان يُوجَد سور حجري تهدمت أجزاء منه، وخمن أن ارتفاعه لا يزيد عن ثلاثة أقدام. رأى وراءه صفًّا مظلمًا من الأشجار. كان معه المسدَّس ورصاصة واحدة، لكنه كان يُدرك أن مجرد إظهار المسدس قد يؤدي إلى عواقب مهلكة. ليس بإمكانه أن يقتل إلا واحدٍ منهم فقط؛ وسيتكالب بقيتُهم عليهم بغضب ثأري. وسيتحوَّل الأمر إلى مجزرة. ولم يكن خيار الاشتباك معهم بدنيًّا سيجدي نفعًا، فقد كانوا يفوقونهم عددًا. كان الظلام هو أملهم الوحيد. إن استطاعت جوليان ورولف أن يَبلُغا صف الأشجار، فسيكون لديهم على الأقل فرصة للاختباء. متابعة الركض والسقوط بصوت مسموع وسط شجيرات غابة لا يعرفانها كان سيستحثُّ المطاردة، لكن الاختباء قد يكون مُمكنًا. سيعتمد نجاحهما في ذلك عما إذا كان الأوميجيون سيتجشَّمُون عناء مطاردتهما. كان ثمة فرصة وإن كانت ضئيلة أن يكتفوا بالسيارة والضحايا الثلاثة المتبقِّين.

قال في نفسه إنهم يجب ألا يروا أننا نتكلَّم، أو يُدركوا أننا نخطط للفرار. لم يكونوا يَخشون أن يُسمع حديثهم؛ فصوت الصرخات والصيحات التي حولت الليل إلى جحيم كاد يطغى تمامًا على صوته. كان عليه أن يتكلَّم بصوت عالٍ وواضحٍ إن أراد أن يَسمعه لوك وجوليان في الخلف، لكنه حرص على ألا يُدير رأسه تجاههما.

قال: «سيُجبروننا في النهاية على مغادَرة السيارة. وعلينا أن نُخطِّط بعناية لما سنفعله حينها. الأمر بيدك يا رولف. عندما يَسحبوننا إلى خارج السيارة، اعبر بجوليان فوق ذلك الجدار، ثم اركضا إلى الأشجار واختبئا. تخيَّر بعناية اللحظة التي ستفعل فيها ذلك. من جانبنا سنُحاول أن نُغطي على غيابكما.»

قال رولف: «كيف؟ ماذا تعني بذلك؟ كيف يُمكنكم أن تُغطُّوا على غيابنا؟»

«بالحديث. بجذب انتباههم.» ثم أتاه الإلهام. «بمشاركتهم الرقص.»

تكلم رولف بصوت مرتفع، قريب من الهيستيرِيا. «ترقُصون مع أولئك الملاعين؟ أي دعابة تلك؟ أولئك الملاعين لا يتناقشون. لا يتناقشون ولا يرقصون مع ضحاياهم. بل يَحرقونهم ويقتلونهم.»

«لا يفعلون ذلك بأكثر من ضحية واحدة. ويجب أن نضمن ألا تكون تلك الضحية هي أنت أو جوليان.»

«سيُطاردوننا. وجوليان لا تستطيع الركض.»

«أشكُّ في أنهم سيتجشَّمون عناء مطاردتكما بينما بحوزتهم ثلاث ضحايا محتملين آخرين وسيارة يَحرقُونها. يجب أن نتخير اللحظة المناسبة. اعبُر بجوليان ذلك الجدار حتى إن اضطُررتَ إلى جرِّها. ثم اتجها إلى الأشجار. أتفهمني؟»

«ذلك جنون!»

«إن كان لديك خطة غيرها فلتَعرضها علينا.»

بعد أن فكر رولف لبرهة قال: «يُمكننا أن نُريَهم جوليان. ونُخبرهم بأنها حُبلى، وندعهم يتأكدون من ذلك بأنفسهم. ونخبرهم أني أبو الطفل. يُمكننا أن نعقد معهم اتفاقًا. على الأقل سيضمَن ذلك بقاءنا على قيد الحياة. سنتحدث معهم الآن قبل أن يُحاولوا إجبارنا على الخروج من السيارة.»

من المقعد الخلفي، تكلمت جوليان للمرة الأولى. قالت بوضوح: «كلا.»

بعد أن نطقَت بتلك الكلمة، صمت الجميع لبرهة. ثم كرَّر ثيو: «سيُجبروننا في النهاية على مغادرة السيارة. أو سيضرمون فيها النيران. لهذا يجب أن نُخطط لما سنفعله بالضبط حينها. إن انضممنا نحن للرقصة، إن لم يكونوا قد قتلونا حينها، قد ننجح في تشتيت انتباههم لوقتٍ كافٍ لأن نمنحك أنت وجوليان فرصة للهرب.»

تكلَّمَ رولف بصوت أقرب إلى الهيستيريا. «لن أتحرك من مكاني. سيكون عليهم أن يسحبُوني خارج السيارة.»

«وهذا ما سيفعلونه.»

تكلم لوك للمرة الأولى وقال: «ربما إن لم نفعل ما يستفزُّهم فسيملُّون ويرحلون.»

قال ثيو: «لن يرحلوا. دائمًا ما يَحرقون السيارة. علينا أن نُقرر إذا ما كنا نريد أن نكون بداخلها أو خارجها عندما يفعلون ذلك.»

دوى صوت ارتطام. وتشظَّى الزجاج الأمامي وظهرت فيه متاهة من الشقوق لكنه لم يتهشم. ثم ضرب أحد الأوميجيين زجاج النافذة الأمامية بهراوته فتساقط الزجاج متهشمًا في حجر رولف. اندفع هواء الليل إلى داخل السيارة باردًا كالموت. شهق رولف وانتفض للخلف عندما دفع الأوميجي بمشعله عبر النافذة وأمسك به مشتعلًا أمام وجهه.

فضحك الأوميجي ثم قال بصوت يَحمل لطفًا مصطنعًا، مثقفًا، يكاد يشوبه نبرة استمالة: «اخرج، اخرج كائنًا من كنت.»

ثم دوَّى صوت ارتطامين وسقط زجاج النافذتين الخلفيتين. صرخت ميريام عندما سفع المشعل وجهها. وفاحت رائحة شعر يشيط. لم يكن لدى ثيو وقت إلا لأن يقول: «تذكَّرا. الرقصة. ثم اتَّجِها إلى الجدار.» قبل أن يخرج الخمسة من السيارة متعثِّرين ويمسك بهم الأوميجيون ويسحبونهم بعيدًا عنها.

وعلى الفور حاصروهم. وقف الأوميجيون لبرهة يتطلَّعون إليهم رافعين مشاعلهم بيسراهم ومُمسكين بهراواتهم في يمناهم، ثم ما لبثوا أن بدءوا رقصتهم الطقسية حول ضحاياهم. لكن هذه المرة كانت حركاتهم في البداية أبطأ، واحتفالية أكثر، وصوت الغناء أعمق، ولم يَعُد الغناء احتفاليًّا بل صار جنائزيًّا. على الفور انضم لهم ثيو، رافعًا ذراعيه، وتلوَّى بجسده وامتزج صوته بأصواتهم. وواحدًا تلو الآخر، انسل الأربعة الآخرون لينضموا للدائرة. لكنهم تفرَّقوا. ولم يكن ذلك بالأمر الجيد. كان يريد أن يكون رولف وجوليان متقاربين كي يعطيهما الإشارة بالتحرك. لكن الجزء الأول والأخطر من خطته كان قد نجح. فقد كان يخشى أن يضربوه إن تحرَّك، وهيأ نفسه لتلقي ضربة قاضية تُنهي حياته وتضع حدًّا لمسئوليته. إلا أنها لم تأتِ.

ثم كأنما يمتثلون لأوامر سرِّية، بدأ الأوميجيون يدقُّون الأرض بأقدامهم بإيقاع متناغم متسارع ثم عادوا يرقصون رقصتهم الدورانية. تلوَّى الأوميجي الذي كان أمامه ثم بدأ يختال للخلف بخطوات رشيقة خفيفة، كخطوات هرة، وهو يُلوِّح بهراوته فوق رأسه. ونظر إلى وجه ثيو مبتسمًا، واقترب منه حتى كاد أنفاهما يتلامسان. نالت رائحته أنف ثيو، وكان في رائحته نَتَنٌ لكنها لم تكن بشعة بالكلية، واستطاع أن يتبيَّن الدوائر والمنحنيات المرسومة على وجهه بالطلاء الأزرق والأحمر والأسود، التي تُحدِّد عظمتَي وجنتَيه وتمتد حتى أعلى حاجبيه، وتغطي وجهه بالكامل بنقش كان يبدو بربريًّا وراقيًا في آنٍ واحد. للحظة تذكر ساكني جزر بحر الجنوب ذوي الوجوه المطلية والشعور المعقودة أعلى رءوسهم في متحف بيت ريفرز، وتذكَّرَ وقوفه مع جوليان في خوائه الساكن.

استقرت عينا الأوميجي، اللتان بدتا ككرتين سوداوين وسط وهج الألوان على عينيه. لم يَجرُؤ على أن يشيح بنظره عنه ليبحث عن جوليان أو رولف. ظلُّوا يرقصون في دائرة بوتيرة متسارعة. متي سيتحرَّك رولف وجوليان؟ حتى بينما كان يحملق في عيني الأوميجي، كان يرجو في ذهنه أن يَنطلقا تجاه السور الآن قبل أن يملَّ آسرُوهم ذلك الود المفتعل. ثم انصرف عنه الأوميجي ليتابع الرقص أمامه فاستطاع أن يُدير رأسه. كان رولف، وبجواره جوليان، في الجانب المقابل من الدائرة، وكان رولف يتقافز في حركات خرقاء في محاوَلة لتقليد حركات الرقص، رافعًا ذراعَيه لأعلى، وكانت جوليان تمسك بعباءتها بيدها اليسرى، ويدها اليمنى خاوية، ويتمايل جسدها الذي تُغطيه العباءة مع غناء الراقصين الصاخب.

ثم جاءت لحظة مرعبة. فقد مدَّ الأوميجي، الذي يتمايل خلفها، يده اليسرى وأمسك بشعرها المجدول. شده فانفكَّت جديلتها. توقفت لبرهة ثم عاودت الرقص من جديد وشعرها يتطاير حول وجهها. كانا قد اقتربا من حافة الطريق المعشبة ومن الجزء الأكثر انخفاضًا من الجدار. رآه بوضوح في ضوء المَشاعل بأحجاره المتهدمة على العشب وشكل الأشجار الحالكة خلفه. أراد أن يصرخ بصوت مسموع: «الآن. اذهبا الآن. هيا! هيا انطلقا!» في تلك اللحظة تحرَّك رولف. فأمسك بيد جوليان وانطلقا يَعدُوان نحو الجدار. قفز رولف من فوقه أولًا، ثم أرجح جوليان وجرها عبره. تابع بعض الراقصين المنهمكين المنتشين عويلهم الحاد، لكن الأوميجي الأقرب إليهما كان سريعًا. فألقى بمشعله وانطلق يعدو في إثرهما، مطلقًا صيحة وحشية، وأمسك بطرف عباءة جوليان بينما كانت تتدلى وهي تعبر الجدار.

في تلك اللحظة اندفع لوك نحوَهم. وأمسك بالأوميجي وحاول دون جدوى أن يَجذبه للخلف وهو يصيح: «لا، لا. خذني أنا! خذني أنا!»

ترك الأوميجي طرف العباءة وبصرخة غضب التفتَ إلى لوك. لوهلة رأى ثيو جوليان تقف متردِّدة، وتمد ذراعها تجاهه، لكن رولف جذبها بقوة واختفى شبحاهما الهاربان عن نظره وسط ظلال الأشجار. انتهى الأمر في لحظات، تاركًا في ذهن ثيو مشهدًا مشوَّشًا لذراع جوليان الممدود ونظرتها المتوسلة، ولرولف وهو يجذبها بعيدًا، ولمشعل الأوميجي وهو يتوهَّج فوق العشب.

الآن صار لدى الأوميجيين ضحية اختارت مصيرها طواعية. عمَّ صمت مخيف بينما تجمعوا حوله متجاهلين ثيو وميريام. عندما وقعَت أول ضربة هراوة خشبية على عظامه، سمع ثيو صرخة لكنَّه لم يتبين إن كانت قد صدرت من ميريام أم من لوك. ثم سقط لوك أرضًا، وتكالب عليه قاتلوه كالوحوش حول فريستها، يتدافعون كي يفسح كل منهم لنفسِه مكانًا، وانهالوا عليه بضرباتهم في فورة من الجنون. انتهت الرقصة واكتملت مراسم الموت، وبدأ القتل. كانوا يقتلونه في صمت، في صمت رهيب حتى إنه خُيِّل لثيو أنه يسمع صوت تكسر وتفلُّق كل عظمة من عظام جسد لوك، ويُطرش أذنَيه صوت تدفق دمائه. أمسك بميريام وجذبها تجاه الجدار.

قالت لاهثة: «لا. يجب ألا نفعل ذلك! يجب ألا نتركه.»

«نحن مُضطرُّون. ليس بإمكاننا مساعدته الآن. جوليان بحاجة إليكِ.» لم يحاول الأوميجيون أن يتبعوهما. عندما وصل ثيو وميريام إلى أطراف الغابة، توقفا والتفتا وراءهما. كان القتل لا يبدو الآن كعملية سفك دماء هوجاء بقدر ما كان يبدو قتلًا ممنهجًا. كان خمسة أو ستة أوميجيون يرفعون مشاعلهم ويقفون في دائرة حول ظلال داكنة صامتة، ذات صدور عارية، ممسكة بالهراوات التي تعلو وتهبط في رقصة إيقاعية طقسية تحتفي بالموت. حتى من تلك المسافة، خُيِّل لثيو أن صوت تهشم عظام لوك كان يشق الهواء. لكنه كان يعلم أنه لم يكن يصل لأذنَيه سوى صوت لهاث ميريام وضربات قلبه. أحسَّ برولف وجوليان يقتربان منهما ويقفان بهدوء خلفهما. وقفوا معًا ينظرون في صمت بينما بدأ الأوميجيون يصيحون مرة أخرى بعد أن أتمُّوا عملهم واندفعوا نحو السيارة التي استولوا عليها. في ضوء المشاعل، تبين ثيو معالم بوابة واسعة تؤدي إلى الحقل المحاذي للطريق. أمسكها أوميجيان ليُبقياها مفتوحة وسيقت السيارة عبر الحافة العشبية يقودها أحد أفراد العصابة بينما كان بقيتهم يدفعونها من الخلف. عرف ثيو أنه لا بد أن معهم سيارتهم الخاصة، التي ربما كانت شاحنة صغيرة، مع أنه لم يكن بوسعه أن يتذكر أنه رآها. لوهلة انتابه أمل أحمق أنهم قد يَهجُرونها مؤقتًا في خضمِّ انشغالهم بإضرام النيران في السيارة، وأنه قد تواتيهم الفرصة للوصول إليها، وربما حتى يجدون المفاتيح في موضع التشغيل. لكنه كان يدرك أن تلك لم تكن فكرة منطقية. بمجرد أن وردت على ذهنه، رأى شاحنة سوداء صغيرة تسير في الطريق وتعبر البوابة إلى الحقل.

قدَّر ثيو أنهم لم يَبتعدوا لأكثر من خمسين ياردة. ثم بدأ الصياح والرقص الجنوني مجددًا. ودوى صوت انفجار وتصاعدت النيران من السيارة الرينو. واحترقت معها المؤن الطبية التي كانت ميريام قد جمعتها، وطعامهم ومياههم وأغطيتهم. معها ضاعت كل آمالهم.

سمع جوليان تقول: «يمكننا إحضار لوك الآن. بينما هم منشغلون.»

قال رولف: «من الأفضل أن نتركه. إن اكتشفوا اختفاء جثته، فسيُذَكِّرهم ذلك بأننا لا نزال بالجوار. سنُحضرُه فيما بعد.» جذبت جوليان كُم ثيو برفْق. «رجاءً أحضره إلى هنا. ربما يكون ثمة فرصة أن يكون ما زال على قيد الحياة.»

جاء صوت ميريام من الظلام: «لن يكون على قيد الحياة، لكنِّي لن أتركه هناك. أحياءً أو أمواتًا سنظل معًا.»

كانت قد بدأت تسير تجاهه بالفعل لكن ثيو أمسك بكُمها. وقال بهدوء: «ابقي مع جوليان. سأتدبر ذلك الأمر أنا ورولف.»

وسار باتجاه الطريق دون أن ينظر إلى رولف. في البداية كان يظن أنه وحده، لكن بعد لحظات كان رولف يسير إلى جواره.

عندما وصلا إلى الجسد الداكن المسجَّى على جانبه وكأنه نائم، قال ثيو: «أنت الأقوى. أمسك أنت برأسه.»

معًا قلبا الجثة على ظهرها. لم يَعُد وجه لوك موجودًا. حتى في الضوء البعيد المُحمَر القادم من السيارة المشتعلة، كان بوسعهما أن يَريا أن رأسه بأكملها قد تهشمت وصارت كومة من الدماء والجلد والعظام المتكسرة. كانت ذراعاه معوجتَين، وشعَرَ ثيو بينما كان يتهيَّأ لرفعه أن ساقيه تلتويان. بدا كأنهما يُحاولان الإمساك بدمية ماريونيت.

كان وزنه أخف مما توقَّع ثيو، مع أنه كان يسمع صوت لهاثه هو ورولف بينما كانا يعبران الأخدود الضحل بين الطريق والجدار ويُمرِّران جثته عبره. عندما انضمت جوليان وميريام لهما، استدارتا وسارتا أمامهما دون أن تنطقا بكلمة كما لو كانوا يَسيرون في موكب جنازة معَّدة سلفًا. أشعلت ميريام الكشاف وتبعوا دائرة ضوئه الصغيرة. بدت رحلتهم بلا نهاية لكن قدَّر ثيو أنهم لم يسيروا لأكثر من دقيقة عندما وصلوا إلى شجرة ساقطة.

قال: «سوف نضعه على الأرض هنا.»

كانت ميريام حريصة على ألا تسلط ضوء الكشاف على لوك. الآن قالت لجوليان: «لا تَنظُري إليه. لا داعي لأن تنظري إليه.»

كان صوت جوليان هادئًا. «يجب أن أراه. سيكون عدم رؤيته أسوأ. ناوليني الكشاف.»

دون اعتراض آخر، ناولتها ميريام الكشاف. ببطء سلطته جوليان على جثة لوك، ثم جثت على ركبتَيها أمام رأسه وحاولَت أن تمسح الدم عن وجهه بطرف تنورتها.

قالت ميريام برفق: «لا جدوى من ذلك. فلم يعد أي شيء موجودًا في مكانه.»

قالت جوليان: «لقد ضحَّى بحياته كي يُنقذَني.»

«بل ضحَّى بحياته كي ينقذنا جميعًا.»

شعر ثيو فجأة بإرهاق شديد. قال في نفسه: يجب أن نَدفنه. يجب أن نواريه الثرى قبل أن نتابع طريقنا. لكن نتابع طريقنا إلى أين وكيف؟ بطريقة ما يجب أن نحصل على سيارة أخرى وطعام ومياه وأغطية. لكن الحاجة الأشد كانت للماء في الوقت الحالي. كان متعطشًا للماء، وكان عطشه يطغى على جوعه. كانت جوليان جاثية على ركبتَيها بجوار جثة لوك، تحتضن رأسه المهشم في حجرها، وينسدل شعرها الداكن على وجهه. لكن دون أن يصدر عنها أي صوت.

ثم انحنى رولف وأخذ الكشاف من يد جوليان. وسلَّطه بالكامل على وجه ميريام. طرفت بعينيها في ضوئه الرفيع القوي، ورفعت يدها أمام وجهها في حركة غريزية. كان صوته خافتًا وغليظًا ومشوشًا كأنه يُحاول الخروج عنوة من حنجرة مريضة. قال: «طفل مَن الذي في أحشائها؟»

خفَّضت ميريام يدها ونظرت إليه بثبات لكنها لم تتكلم.

كرر: «سألتكِ طفل مَن الذي في أحشائها؟» كان صوته أوضح تلك المرة، لكن رأى ثيو أن جسده كله كان ينتفض. اقترب ثيو من جوليان على نحوٍ غريزي.

فالتفت إليه رولف. «لا تتدخَّل في هذا الشأن! لا شأن لك بهذا الأمر. أنا أسأل ميريام.» ثم كرر بعنف أكبر: «لا شأن لك بهذا الأمر على الإطلاق!»

جاء صوت جوليان من الظلام: «ولمَ لا تَسألني أنا؟»

التفت إليها للمرة الأولى منذ وفاة لوك. انتقَل ضوء الكشاف بثبات وبطء من وجه ميريام إلى وجهها.

قالت: «لوك هو والد الطفل.»

كان صوت رولف خافتًا جدًّا: «هل أنتِ متأكدة؟»

«أجل متأكدة.»

سلط الكشاف على جسد لوك وتمعنه باهتمام مهني بارد وكأنه جلاد يتأكد من موت المحكوم عليه بالإعدام، وأنه لا حاجة لأن يجهز عليه برصاصة رحمة أخيرة. ثم استدار بحركة مباغِتة حادة وسار مبتعدًا عنهم، وتعثر بين الأشجار وارتمى بجسده على إحدى شجرات الزان وأحاطها بذراعيه.

قالت ميريام: «يا إلهي، يا له من توقيت لطرح ذلك السؤال. ويا له من توقيت لمعرفة إجابته.»

قال ثيو: «اذهبي إليه يا ميريام.»

«لن تُفيدَه مهاراتي. سيحتاج لأن يتقبل ذلك الأمر بنفسه.»

كانت جوليان لا تزال جاثية أمام رأس لوك. وقف ثيو وميريام معًا، يحدقان بثبات في شبح رولف الداكن وكأنما يخشيان أن يختفيَ وسط ظلال الغابة الأكثر ظلامًا إن أشاحا بنظرهما عنه. لم يُسمَع له أي صوت لكن بدا لثيو أنه يحكُّ وجهه بلحاء الشجرة كحيوان معذَّب يحاول التخلص من الحشرات التي تلدغه. ثم بدأ يضرب الشجرة بجسده كله كأنما ينفِّس عن غضبه وألمه في خشبها الصلب. بينما كان ثيو يراقب أطرافه المنتفضة في محاكاتها للشهوة تُعزِّز اقتناعه بأنه من غير اللائق النظر إلى شخص يعاني ذلك القدر الهائل من الألم.

أشاح بوجهه وقال لميريام بصوت خافت: «هل كنتِ تعرفين أن لوك هو والد الطفل؟»

«أجل، كنتُ أعرف.»

«هل أخبرتْكِ بذلك؟»

«بل خمنته.»

«لكنكِ لم تقولي شيئًا.»

«ماذا كنتَ تتوقع مني أن أقول؟ ليس من عادتي أن أسأل عن هوية آباء الأطفال الذين أُولِّدهم. الطفل يظل طفلًا مهما كان.»

«ذلك الطفل مختلف.»

«القابلة لا تراه كذلك.»

«هل أحبَّتْه؟»

«هذا ما يريد الرجال دومًا أن يعرفوه. من الأفضل أن تسألها هي.»

قال ثيو: «ميريام، أرجوكِ تكلمي.»

«أظن أنها كانت تشعر بالأسى لحاله. لا أظن أنها أحبت أيًّا منهما، أعني رولف ولوك. لكنها بدأت تُحبك، أيًّا كان ما يعنيه ذلك، لكني أظن أنك تعرف ذلك. ما كنت ستقف هنا الآن لو لم تكن تعرف ذلك أو تأمل حدوثه.»

«ألم يَخضع لوك من قبل للفحوصات؟ أم أنه توقف هو ورولف عن الذهاب إلى فحوصات الحيوانات المنوية؟»

«توقف رولف عن الذهاب إليها، على الأقل في البضعة الشهور الأخيرة. فهو يعتقد أن فنيي الفحص صاروا مُهملين ولا يتكبدون عناء فحص نصف العينات التي يأخذونها. أما لوك فكان معفيًّا من تلك الفحوصات. فقد كان يعاني من الصرع الخفيف عندما كان طفلًا. كان لوك غير مستوفٍ للمعايير كجوليان.»

كانا قد ابتعدا قليلًا عن جوليان. وبينما كان ثيو ينظر إلى هيئتها الجاثية المعتمة، قال: «إنها هادئة جدًّا. من شأن أيِّ أحد أن يظن أنها ستلد هذا الطفل في أفضل الظروف المُمكنة.»

«وما هي أفضل الظروف الممكنة؟ النساء يلدن في الحروب، والثورات، والمجاعات، ومعسكرات الاعتقال، والمسيرات. لديها الضروريات التي تحتاج إليها، أنت وقابلة تثق فيها.»

«هي تثق في ربها.»

«ربما عليكَ أن تحاول أن تفعل مثلها. فقد ينالك شيء من سكينتها. لاحقًا عندما يولد الطفل، سأحتاج إلى مساعدتك. بالتأكيد لن أحتاج إلى قلقك.»

سألها: «وهل تفعلين أنتِ؟»

ابتسمت ابتسامة تنم عن فهمها للسؤال. «تعني هل أومن بالرب؟ كلا، لقد فات الأوان فيما يخصُّني. لكني أومن بقوة جوليان وشجاعتها وأومن بمهارتي. لكن إن عبر بنا لبر الأمان فسأُغيِّر رأيي، وأرى ما إذا كان بإمكاني أن أوطد علاقتي به.»

«لا أظن أنه يقبل المساومات.»

«بل يقبلها. قد لا أكون مؤمنة لكني درست الكتاب المقدس. فقد كانت أمي حريصة على ذلك. أعرف أنه يقبل المساومات بكل تأكيد. لكن من المفترض أنه عادل. إن كان يريد أن أومن به، فعليه أن يعطيني برهانًا.»

«على أنه موجود؟»

«على أنه يبالي.»

وظلا واقفين ينظران ذلك الجسد المعتم التي كان بالكاد يمكن تمييزه عن جذع الشجرة الأكثر عتمة، والذي بدا كأنه جزء منه، لكنه كان ساكنًا الآن لا يتحرك، يستند إلى الشجرة وكأنما بلغ به الإرهاق مبلغه.

سأل ثيو ميريام وهو يدرك عدم جدوى السؤال: «هل سيكون على ما يرام؟»

«لا أدري. كيف لي أن أعرف؟»

تحركت من جانبه وسارت تجاه رولف، ثم وقفت في صمت تنتظر وهي تعلم أنه بحاجة إلى شخص يواسيه، ولم يكن يوجد أحد يمكن أن يلجأ إليه سواها.

نهضت جوليان من أمام جثة لوك. وشعر ثيو بعباءتها تلامس ذراعه لكنه لم يلتفت لينظر إليها. كان يَجتاحه مزيج من المشاعر، الغضب الذي كان يعلم أنه لا يحق له الشعور به، وراحة قوية أقرب إلى البهجة؛ لأن رولف لم يكن هو والد الطفل. لكن الغضب كان هو الشعور الأقوى في تلك اللحظة. كان يريد أن ينفجر فيها غضبًا، وأن يقول لها: «أتلك حقيقتكِ إذن؟ بائعة هوى لأفراد الجماعة؟ ماذا عن جاسكوين؟ كيف تعرفين أنه ليس والد الطفل؟» لكن تلك الكلمات لم تكن ستُغتفر أو ستُنسى إن كان تفوَّه بها. كان يدرك أنه لا يحق له السؤال لكنه لم يستطع أن يكتم كلماته الحادة المنطوية على اتِّهام أو يخفي الألم المستتر وراءها.

«هل أحببتِ أيًّا منهما؟ هل تحبين زوجك؟»

قالت بهدوء: «هل أحببتَ زوجتك؟»

رأى أن سؤالها كان جديًّا وليس انتقاميًّا، فأجابها إجابة جدية صادقة. «أقنعت نفسي أني أحبها عندما تزوجتها. واستحضرت بداخلي المشاعر الملائمة دون أن أعرف ما هي تلك المشاعر الملائمة. منحتُها صفات ليست بها ثم كرهتها لأنها تفتقر إليها. كان ممكنًا فيما بعد أن أتعلم أن أحبها لو كنت اهتممتُ باحتياجاتها أكثر من اهتمامي باحتياجاتي.»

قال في نفسه: ذلك وصف دقيق للزواج. ربما تلخص تلك العبارات الأربعة حال معظم الزيجات، ناجحة كانت أم فاشلة.

نظرت إليه بثبات لبرهة ثم قالت: «تلك هي إجابة سؤالك.»

«ولوك؟»

«لا، لم أحبَّه، لكنني أحببت حبه لي. كنت أغبطه لقدرته على أن يحبَّ بتلك القوة، وأن يشعر بتلك القوة. لم يُكِنَّ لي أحد من قبل مشاعر بتلك القوة؛ لذا منحته ما أراد. لو كنتُ أحببته لكان …» سكتت لبرهة ثم قالت: «لكان ذنبي أهون.»

«ألا تظنين أن تلك كلمة أكبر من أن تستخدم لوصف فعل بسيط ينم عن الكرم؟»

«لم يكن فعلًا بسيطًا ينمُّ عن الكرم. بل كان إشباعًا لرغبة في نفسي.»

كان يُدرك أن ذلك ليس بالوقت المناسِب لخوض ذلك الحديث، لكن متى يحين الوقت المناسِب؟ كان يجب أن يعرف وأن يفهم. قال: «لكنكِ كنتِ ستعتبرين الأمر عاديًّا، أو لكان ذنبك أهون، على حد تعبيرك، لو كنتِ أحببتِه. أنت إذن تتفقين مع روزي مكلور في أن الحب مبرِّر وعذرٌ لكل شيء؟»

«كلا، لكنه فطرة جُبِل عليها البشر. ما فعلته هو أني استغللت لوك بدافع الفضول وكسر الملل، وربما كنوع من الانتقام من رولف لأن اهتمامه بالجماعة يفوق اهتمامه بي، وعقابًا له لأني ما عدتُ أحبه. هل يُمكنكَ أن تتفهَّم ذلك؟ هل يمكنك أن تتفهم الحاجة لأن تؤذي شخصًا لأنك لم تَعُد تحبه؟»

«أجل أتفهَّمه.»

أضافت: «كانت علاقتنا مبتذَلة ومتوقَّعة ووضيعة.»

قال ثيو: «ورخيصة.»

«كلا، لم تكن كذلك. لم يكن أي شيء يتعلَّق بلوك رخيصًا. لكنها تسبَّبت له بأذًى أكثر مما أسعدته. لعلك كنتَ تحسبُني قديسة؟»

«كلا، لكني كنت أحسبك امرأةً صالحة.»

قالت بهدوء: «ها قد بتَّ تعرف أني لست كذلك.»

حدَّق ثيو في الظلام شبه التام ليجد أن رولف قد ابتعد عن الشجرة وكان يسير عائدًا إليهم. توجهت ميريام ناحيته كي تستقبله. حدَّق ثلاثتهم في وجه رولف مترقبين، بانتظار كلماته الأولى. عندما اقترب منهم، رأى ثيو أن وجنتَه اليسرى وجبهته كانتا مجروحتين وأن جلدهما قد انسلخ عنهما.

كان صوت رولف هادئًا تمامًا لكن نبرته كانت غريبة حتى إنه خُيِّل لثيو في لحظة من الحماقة أن غريبًا قد انسل بينهم في الظلام: «قبل أن نتابع طريقنا، علينا أن ندفنَه. ذلك يعني أن ننتظر حتى يحلَّ الضوء. من الأفضل أن نخلع عنه معطفه قبل أن تتيبَّس جثته أكثر. نحتاج لكل الثياب المدفئة التي بحوزتنا.»

قالت ميريام: «لن يكون من السهل دفنُه دون رفش. الأرض ليست صلبة لكننا نحتاج لأن نحفر حفرة بطريقة ما. لا يُمكننا أن نكتفي بتغطيته بأوراق الشجر.»

قال رولف: «يُمكن لذلك أن ينتظر حتى الصباح. سننزع عنه معطفه الآن. فلم يعد بحاجة إليه الآن.»

بعد أن اقترح تلك الفكرة لم يصدر عنه أي بادرة لتنفيذها وكانت ميريام وثيو هما من قلبا الجثة وحرَّرا المعطف من ذراعيه. كانت الدماء تلطخ كُمَّيه بكثرة. شعر ثيو في يده بابتلالهما بالدماء. وضعا الجثة على ظهرها مرة أخرى ووضعا الذراعين بمحاذاتها.

قال رولف: «غدًا سأستولي على سيارة أخرى. أما في الوقت الحالي فلنَحصُل على أكبر قسط ممكن من الراحة.»

جلسوا مُتلاصقين بين غصنَي شجرةِ زان ساقطة. منحهم غصن بارز، كان لا يزال عامرًا بأوراق الخريف البرونزية الذابلة، شعورًا مزيَّفًا بالأمان، وتجمعوا تحته كأطفال يُدركون أنهم أساءوا التصرف، ويختبئون سُدًى من البالغين الذين يبحثون عنهم. جلس رولف إلى الطرف وبجواره ميريام التي كانت جوليان تتوسَّطها هي وثيو. بدا كأن أجسادهم المتيبسة من فرط التوتُّر قد نشرت توترهم في الهواء من حولهم. كانت الغابة نفسها مضطربة؛ فقد كان هواؤها المتوتِّر يحمل حفيف أصواتها الخافتة المتصلة وهمسها؛ ولم يستطع ثيو النوم، وأدرك من أصوات الأنفاس غير المنتظمة والسعال المكتوم والهمهمات والتنهيدات الخافتة أن الباقين يشاركونه يقظته. سيَحين وقت النوم. سيحين عندما يحل دفء النهار، وعندما يُدفن ذلك الجسد المتيبِّس، الذي كان لا يزال حيًّا في أذهانهم مع أنه مُتوارٍ عن الأنظار على الجانب الآخر من الشجرة الساقطة. كان يحسُّ بدفء جسد جوليان الملاصق لجسده ويعرف أنه لا بد أنها تشعر تجاهه بنفس الراحة. كانت ميريام قد ألقت بمعطف لوك حول جسد جوليان فخُيِّل لثيو أنه يشم رائحة الدماء الجافة عليه. كان يشعر كأنه عالق في برزخ زمني، يحسُّ بالبرد والعطش ويسمع أصوات الغابة العديدة، لكنه لا يعي مرور الوقت. كباقي رفقائه تحمَّلَ وانتظر حلول الفجر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠