حال الرجل

فوُلِج الرجل في الدنيا، حاملًا على كاهله البلوى، فكانت لهُ بئس المأوى. أيان اندفع يفلح الثرى، ليستنبت القوت بالشقا، فيحيا باذل القوى، وما بدون ذلك يحيا، ولا حياة من السوى، فسقى الأرض من عرق الجبين وروى، وبقوتِه شددها وقوى، فأنبتت لهُ الخبز وأعارتهُ الحِمَى، وأنالتهُ الداءَ والدوا، وأحلتهُ المحل الأعلى، فارتقى وتعلَّا، وسعى في سبيل الكدح واعتنى، فحسن لديه المسعى، وطاب لهُ المرعى. وما زال أن تصلف وطغى، وعلى الخليقة بغى، فدك الأطواد العليا، ونسف ثبيرًا ورضوى، ليمهد الممشى، فيبلغ الأقصى، ويقصر المدى. واقتلع الشجر الأقوى، وفطر الصخر الأقسى، ليبتني السرادق والمغنى، فينعم في ظل المأوى. ونحر الأنعام ليشبع ويتقوى، واستخدم البهايم ليتسلط ويتعلى. حتى إذا ما على الكل استوى، وأمدَّ حكمه حتى إلى السُّها، نهضت ضدهُ الدنيا، وشنَّت عليه غارات البؤسى، فأنكرته النعمى، فارتدَّ يخبط في البلوى، ويهيمُ في وادي الردى، على طريق الفنا، حيث يرجو المنى، من أيدي المنى. حتى جعل يضِجُّ بالشكوى، ويطلبُ الخلاص فلا يعطى، فذهب يستوجد أقدارًا وقضى، ويستوجب أحكام الخفا، فأمل وترجى، وبالأوهام تملى، وعلى المحال دنا وتدلى. فلولا الرجا والذكرى، لنجِعَ بنفسه وقضى، وإلى ربه مضى.

ماذا تشاهد في دنياكَ يا رجلُ
ماذا ترى في وجود كله وجلُ
ذا مرسحٌ في خباهُ الدهر يلعب ما
يستحضر الصاحبان اليأس والأمل
حكمت في الأرض مطلوق اليدين فلا
يعصاك بحرٌ ولا سهلٌ ولا جبل
كل الخليقةِ قد ألقت أزمتها
في راحتيك فأنتَ السيد البطلُ
فما لعينيكَ تبكي وهيَ راضيةٌ
وما لقلبكَ يشكو وهو مبتهلُ
خُلقتَ للكدِّ في هذه الحياة فكن
ما شئت سيَّان منك الكد والكسل
وقد سلكت على هذا الثرى هدفًا
لكلِّ ضيمٍ فلا ريثٌ ولا عجلُ
لكلِّ سن همومٌ للفتى وعنا
لا ينقضي الهمُّ حتى ينقضي الأجلُ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠