الدولة الصفوية الأولى

الدولة الفارسية السادسة في «العراق» ٩١٤–٩٤١ﻫ

تمهيد

أسَّسَ الدولة الصفوية في «إيران» إسماعيل بن حيدر بن جنيد بن الشيخ صفي الدين الأردبيلي الصوفي، وسُمِّيَتْ بهذا الاسم؛ نسبةً إلى صفي الدين المذكور، وليس لهذا البيت قرَابَة مع إحدى العائلات المالكة في إيران ولا في غيرها، ولا كانت تُعرَف هذه السلالة بغير رئاسة التصوف بادئ بدء، ثم قوي أمرها على عهد جنيد وكثر أتباعها واشتهرت، وظل أبناؤها يتدرجون في الزعامة على أتباعهم شيئًا فشيئًا حتى عظم شأن حيدر بن جنيد، ولما مات نهض ابنه إسماعيل وجمع الجموع — وكان حازمًا عالي الهمة — فحمل على «أذربيجان» ٩٠٥ﻫ واستولى عليها، ثم على «شيروان» ٩٠٦ﻫ، ثم على «ما وراء النهر»، فبلاد «فارس»، ﻓ «خراسان»، ﻓ «العراق العجمي»، ﻓ «كردستان»، ﻓ «ديار بكر». وأسَّسَ مملكة واسعة الأطراف، وهو أول ملوك الدولة الصفوية، وأول ملوك «فارس» الذين تلقَّبوا بالشاهات — أي السلاطين.

(١) استيلاء الشاه إسماعيل على «العراق»

دخلت سنة ٩١٤ﻫ، فطمع الشاه إسماعيل في «العراق» وصاحبه يومئذٍ السلطان مراد — أو مراد بك — ابن يعقوب آخِر ملوك دولة الخروف الأبيض «آق قويونلي» التركمانية،١ وكان قد أناب عنه على «العراق» أحد رجاله الأمير مبارك — بارك — فحمل الشاه على «العراق» قاصدًا «بغداد»، وأرسل في مقدمته أحد قواده المدعو «لا لاحسن»، فحاصَرَ «بغداد» وعجز أميرها عن الدفاع، وانتصر القائد الفارسي على حامية المدينة واحتلَّها عنوةً في السنة نفسها، وعلى أثر ذلك توجَّهَ الشاه إسماعيل إلى «بغداد»، فلما دخلها فتك بأهلها من السُّنَّة والنصارى، ثم سار عنها واستناب عنه نائبًا فيها، وترك قسمًا من جنوده لحماية المدينة وعاد إلى مقره بعد أن زار العتبات المقدسة، وخضعت له أكثر المدن العراقية.
أما السلطان مراد فإنه فرَّ مستجيرًا بالملوك والأمراء، فأمدُّوه بالجيوش والأموال، فألَّفَ جيشًا كبيرًا وسار به لاسترداد «بغداد»، فتمكَّنَ في سنة ٩١٦ﻫ من طرد جيوش الشاه منها، فعادت إليه هي وما يتبعها، بعد أن ملكها الفرس نحوًا من سنتين — أي سنة وبضعة أشهر — وكان الشاه إذ ذاك مشغولًا في حروب «خراسان»، فلما انتهى منها تهيَّأ لأخذ «بغداد» ثانيةً وحمل عليها بجيش عرمرم وقاتَلَ السلطان مراد حتى قهره وطرده، واستولى على «بغداد» عنوةً سنة ٩٢٠ﻫ — وهي المرة الثانية — فانقرضت دولة الخروف الأبيض التركمانية من «العراق» بعد أن ملكته ٤٤ سنة تقريبًا، منها نحو الأربعين (سنة ٨٧٤–٩١٤ﻫ) قبل إغارة الشاه الأولى، ونحو الأربع سنوات قبل الغارة الثانية، وأول ملوك تلك الدولة حسن بك المعروف ﺑ «حسن الطويل»، وآخِرهم السلطان مراد أو مراد بك هذا، وهي التي قامت في «العراق» على أنقاض دولة الخروف الأسود «قره قوبونلي» التركمانية.٢

ولما دخل الشاه إسماعيل «بغداد» ثانيةً، أعاد القتل وأعمل السيف بالسُّنة والنصارى وفتك بهم، ولم يمسَّ اليهود بسوء لأنهم تجسَّسوا له قبل دخوله «بغداد» وبعده، وغالى في الانتصار لمذهب الشيعة وأتباعه، وأعلن المذهب الشيعي رسميًّا في مملكته، وبالَغَ في اضطهاد مَن بقي من السُّنة، حتى إنه أجبَرَ كثيرين منهم على التشيُّع.

وبعد أن استتبَّ أمر الشاه في «العراق» — بغداد والبصرة والموصل وما يتبع ذلك — ولَّى على «العراق» ﺑ «بغداد» أحد رجاله «إبراهيم خان» وعاد إلى مقره، ثم أمر فأُعِيد بناء حرم الكاظمين والقبة التي على الضريحين سنة ٩٢٦ﻫ،٣ وأمر بكري النهر الذي كان قد احتفره علاء الدين عطاء الملك حاكم «العراق» من قبل هوكو، وجره من «الفرات» إلى مدينة «النجف»؛ لأن الرمال كانت قد تراكمت فيه وسدَّتْ مجراه فسُمِّي ﺑ «النهر الشاهي».٤

(٢) الشاه طهماسب الأول وذو الفقار الكردي

ولما مات الشاه إسماعيل (٩٠٥–٩٣٠) وجلس مكانه ابنه طهماسب الأول، طمع في «العراق» الأمير ذو الفقار بن نخود سلطان رئيس قبيلة موصلو من عشيرة كلهور الكردية، الذي كان مستوليًا على أطراف «لورستان»،٥ فحمل بالكلهوريين على «بغداد» وحاصَرَها أربعين يومًا، فاستولى عليها في سنة ٩٣٠،٦ وأسَّس بها دولة كردية، وأحسن السيرة والتدبير حتى ملك «العراق» كله تقريبًا، وخاف من طهماسب الأول، فاحتمى بالسلطان سليمان القانوني العثماني، وخطب له على المنابر وضرب باسمه السكة، وأرسل له وفدًا لعرض خضوعه والدخول تحت سيادته، ولكنه لم يَكَدْ يستريح حتى حمل عليه الشاه طهماسب الأول سنة ٩٣٦ﻫ الموافِقة لسنة ١٥٣٠م، فاستعدَّ له ذو الفقار وتحصَّنَ في «بغداد»، فحاصَرَها الشاه أيامًا حتى عجز عن استردادها لحصانة أسوارها، فاضطر لاستعمال الحيل والخداع حتى تمكَّنَ من إغراء أخوَيْ ذي الفقار وأطمعهما بالمناصب والأموال، فاغتالَا أخاهما وقتلَاه — وقيل مات مسمومًا — وفتحَا أبواب المدينة، فدخلها الشاه في السنة نفسها (٩٣٦ﻫ)، وانقرضت الدولة الكردية التي لم تَدُمْ إلا نحو ستِّ سنوات.

دخل الشاه طهماسب «بغداد»، فسلَّمت له المدن العراقية كلها تقريبًا، فأعاد أعمال أبيه في دار السلام من اضطهاد السُّنَّة والفتك بهم، ثم ولَّى على «بغداد» «بكلو محمد خان» وفوَّض إليه شئون البلاد العراقية، وسار هو عائدًا إلى مقره، وظلَّ رجاله في «العراق» يضطهدون أبناء السُّنَّة ويحكمون بما تشتهيه نفوسهم؛ مما حمل السلطان سليمان القانوني على الانتقام من الفرس؛ انتصارًا لأبناء مذهبه السُّنَّة، فصمَّمَ على فتح «العراق» وأخذه منهم.

(٣) خروج «العراق» من يد الفرس

دخلت سنة ٩٤٠ﻫ الموافقة لسنة ١٥٣٥م، فعزم السلطان سليمان القانوني على أخذ «العراق» من الفرس، فأرسل إبراهيم باشا الصدر الأعظم والقائد العام بجيشٍ كبيرٍ لقتال الشاه طهماسب الأول، وسار هو في إثره بجيش آخَر، فدخل إبراهيم باشا «تبريز» أولًا بالأمان، ثم سار منها قاصدًا «بغداد»، فلما اقترب منها هرب حاكمها الفارسي «بكلو محمد خان» بجيوشه؛ خوفًا من الأسر، فسلَّمت المدينة وفتحت أبوابها للقائد العثماني، فدخلها باستقبال عظيم في شهر جمادى الآخرة سنة ٩٤١ﻫ، وبعد أيام قليلة وصل السلطان إلى «بغداد»، ودخلها بين التهليل والترحيب والتقديس على حسب عادة العراقيين مع كل فاتح. ثم فتحت الجيوش العثمانية مدينة «الموصل» في السنة نفسها، ودانت المدن العراقية كلها للعثمانيين، وزالت دولة الصفويين بعد أن حكموا «العراق» ٢٥ سنة تقريبًا، منها نحو سنتين بعد الغارة الأولى التي كانت في سنة ٩١٤ﻫ، وما بقي فهو بعد الغارة الثانية التي حدثت في سنة ٩٢٠ﻫ.

أما «البصرة» فإنها كانت يوم مجيء السلطان سليمان تابعةً للفرس، وكان عليها حاكم فارسي اسمه راشد خان، وكان قد بلغه سقوط «بغداد» وغيرها، فخاف على نفسه ومنصبه، فسار إلى «بغداد» للمثول بين يدي السلطان وعرض الطاعة والخضوع، فرَقَّ له السلطان فأقرَّه على «البصرة»، على شرط أن تكون الخطبة والنقود باسم السلطان، وأن يكون ممتثِلًا لأوامر ولاة «بغداد» الأتراك في المسائل الهامة، فعاد راشد خان إلى منصبه، ولكنه بعد قليل استبدَّ بالأمور كأن لم تكن له رابطة بالعثمانيين، فاضطروا إلى إرسال جيش تحت قيادة الوزير إياس باشا لطرد راشد من «البصرة»، فلما قرب الجيش انهزم منها راشد ودخلها الجيش العثماني، وذلك في سنة ٩٥٣ه. «وظلت هذه المدينة في قبضة الأتراك إلى سنة ١٠٠٥ﻫ، فاستقلَّ بها أمراؤها ثم أعادها الأتراك إليهم في سنة ١٠٧٨ﻫ، ثم تغلَّبَ عليها أمير «الحويزة» فرج الله خان في سنة ١١٠٩ﻫ، فطرده الأتراك في سنة ١١١١ﻫ، وبقيت في قبضتهم إلى أن تغلَّبَ عليها كريم خان الزندي في سنة ١١٩٠ﻫ، ثم عادت للأتراك في سنة ١١٩٣ﻫ، وبقيت تحت حكمهم حتى قامت الحرب العامة، فاستولى البريطانيون عليها في سنة ١٣٣٣ﻫ.»

وبقي «العراق» في قبضة العثمانيين ٩١ سنة تقريبًا (٩٤٨–١٠٣٢ﻫ)، ثم عاد للصفويين، ثم للأتراك.

١  وكان إذ ذاك ملكًا على العراقَيْنِ — العراق العجمي، والعراق العربي — وبلاد فارس.
٢  ودولة الخروف الأسود هي التي أخذت العراق من الجلائريين الذين جاءوا بعد الدولة الأيلخانية، التي قرضت الدولة العباسية على يد زعيمها هولاكو.
٣  ولكنه لم يتم بناء الحرم، فأتمه السلطان سليمان القانوني حينما فتح «بغداد»، وبنى مئذنةً لا زالت حتى اليوم باقية، وهي أول مئذنة بُنِيت هناك.
٤  وهو المعروف الآن ﺑ «نهر الهندية»؛ نسبةً إلى آصف الدولة أحد أمراء «الهند» في «لكنهور» الذي كراه عند مجيئه إلى «العراق» لزيارة قبور الأئمة سنة ١٣٠٩ﻫ.
٥  لورستان: هو إقليم «الأهراز» أو «عربستان»، ويُسمَّى «جبال البختيارية» أيضًا.
٦  وفي روايةٍ كان استيلاؤه على «بغداد» سنة ٩٣٤ﻫ، فاستردَّها منه الشاه «طهماسب» سنة ٩٣٥ﻫ، ولكنها ضعيفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١