الدولة الصفوية الثانية

أو الدولة الفارسية السابعة في «العراق» ١٠٣٢–١٠٤٨ﻫ

كانت الدولة العثمانية قد وجَّهَت إيالة «العراق» إلى الوزير يوسف باشا في سنة ١٠٢٥ﻫ، وكان هذا الوزير ضعيف الرأي، فحدثت بينه وبين رئيس شرطة «بغداد» بكر أغا فتنةٌ في سنة ١٠٢٨ﻫ في عهد السلطان عثمان الثاني، وكان بكر أغا قد جلب الأهلين إليه وكثرت أتباعه واستولى على جميع شئون الحكومة العراقية، من إدارية وعسكرية، حتى لم يَبْقَ للوزير غير الاسم، وآلَتْ تلك الفتنة إلى الحروب في نفس «بغداد»، فقُتِل يوسف باشا واستولى بكر أغا على الولاية، وكتب إلى السلطان يطلب تثبيته فيها، فوُجِّهت الإيالة إلى غيره، فانتقض على الدولة وأعلن استقلاله في «العراق»، فما كان من السلطان إلا أن أرسل الجيوش إلى قتاله، فلما حُوصِرت «بغداد» وضاق الحال ببكر أغا، استنجد بالشاه عباس الأول الذي تولَّى عرش إيران سنة ٩٩٥ﻫ الموافِقة لسنة ١٥٨٦م، ووعده بالدخول تحت سيادته على أن يكون الحكم له والخطبة والسكة باسم الشاه، فوافَقَ على ذلك الشاه وأنجده.

وفي أثناء ذلك اصطلح بكر أغا مع القائد العثماني حافظ أحمد باشا، ووُجِّهت إليه الإيالة ورُفِع الحصار عن «بغداد»، ورجعت عساكر السلطان، غير أن الجيش الفارسي الذي جاء لنجدة بكر أغا كان قد اقترَبَ من بغداد بعد أن أبرم بكر أغا معاهدة الصلح مع القائد العثماني، فكتب بكر أغا إلى قوَّاد الفرس يطلب منهم الرجوع ويخبرهم بما تمَّ من أمر الصلح، فأَبَوا عليه ذلك وأصروا على دخول بغداد حسب أمر الشاه، وبعد مخابرات حاولت الجيوش الفارسية دخول «بغداد» فمنعها بكر أغا، فحدثت بين الطرفين عدة معارك انتصَرَ في آخِرها بكر أغا، وظل يطارد الفرس حتى أخرجهم من ديار «العراق».

فلما علم الشاه بذلك استشاط غضبًا وزحف بنفسه على «بغداد» في سنة ١٠٣٢ﻫ، وهو يقود جيشًا كبيرًا حتى اقترَبَ منها، وكتب إلى بكر أغا يطلب منه تسليم المدينة، فأبَى بكر أغا عملًا بمعاهدة الصلح التي من شروطها ألَّا يدع الفرس يدخلون «بغداد».

وعندها حمل الشاه على المدينة وحاصَرَها حصارًا شديدًا، وضيَّقَ عليها من كل الجهات، ودام الحصار ثلاثة أشهر، كان فيها بكر أغا مدافِعًا دفاع الأبطال حتى ضاق به الحال وخارت قوى عساكره، واشتد القحط في المدينة.

أما الشاه فإنه لما عجز عن فتح «بغداد» حربًا، عمد إلى الحيلة والخداع وراسَلَ سرًّا محمد أغا بن بكر أغا — وكان محافظًا على قلعة «بغداد» — فوعده بالمناصب والأموال حتى خدعه ففتح له أبواب المدينة ليلًا، فدخلتها جيوش الشاه على حين غفلةٍ من بكر أغا والأهلين، فانهزم المدافعون واختفى الناس في بيوتهم واشتغل كلٌّ في نفسه، فما أصبح الصباح إلا والشاه قد دخل «بغداد» بمَن معه، وذلك في ٩ شوال سنة ١٠٣٢ﻫ الموافِقة سنة ١٦٢٣م.

دخل الشاه عباس الأول بغداد، فقتل أكثر رجال الحكومة التركية من عسكريين وإداريين حتى رجال الدين، منهم القاضي نوري أفندي، وخطيب الجامع الكبير محمد أفندي وغيرهما، وفتك بالسُّنَّة فتكًا ذريعًا، وصادَرَ أموال المثرين منهم، وارتكبت جنوده أنواع المنكرات من قتل وسلب ونهب وتخريب، أما بكر أغا فإن الشاه قتله أشنع قتلة، ثم قتل أخاه عمر أغا أيضًا، وفعل هذا الشاه أفعالًا لا تأتلف مع ما كان عليه من الحكمة وحسن السيرة وحبِّ التقدم والعمران.

وبعد أن هدأت «بغداد» أرسل الشاه وزيره قاسم خان بجيش كبير لفتح «الموصل»، فافتتح هذا القائد في طريقه «كركوك»، ثم توجَّهَ إلى «الموصل»، وعليها إذ ذاك والٍ تركي اسمه حسين باشا، فدافع عنها أيامًا ثم عجز واضطر إلى تسليمها، فدخلها الفرس واضطهدوا أهلها وفتكوا بهم كما فتكوا بأهل «بغداد»، وكان الشاه يومئذٍ مقيمًا في «بغداد»، وقد تمَّ أمره في «العراق» — إلا البصرة — في مدة شهرين بعد فتح «بغداد»، ثم ذهب إلى «كربلاء» ثم «النجف»، ومنها عاد إلى «بغداد»، وجعل لحمايتها خمسة آلاف جندي فارسي بقيادة صفي قلى خان، وولَّى الحكم فيها لرجل من خاصته اسمه «صاري خان»، وكتب إلى رؤساء القبائل العربية بلزوم السكينة والطاعة، ثم عاد إلى مقره.

فلما كانت سنة ١٠٣٦ﻫ أمر الشاه قائده صفي قلي خان بالزحف على البصرة، فحمل عليها من «بغداد»، فحاصَرَها حصارًا شديدًا، وكانت حينذاك في قبضة أمرائها المستقلين بها،١ وبينما صفى قلي خان يهاجم «البصرة» إذ فاجَأَه نعي الشاه — عباس الأول الصفوي — فترك الحصار وعاد إلى مقره.

وبقيت المدن العراقية في قبضة الصفويين — عدا البصرة — ست عشرة سنة تقريبًا (١٠٣٢–١٠٤٨ﻫ)، ثم أخرجهم منها السلطان مراد خان الرابع العثماني في سنة ١٠٤٨ﻫ الموافِقة لسنة ١٦٣٨م، بعد حروب استمرت أعوامًا خسر فيها الفريقان — الأتراك والفرس — خسائر عظيمة، وعادت للعثمانيين في عهد الشاه صفي الدين خان الثاني المدعو «سام ميرزا» حفيد الشاه عباس الأول.

(١) حملات الفرس على العراق

لما تولَّى عرش «إيران» الشاه طهماسب الثاني وآنس في نفسه قوة، طلب من الدولة العثمانية أن تعيد إلى مملكته جميع البلاد التي أخذتها من أسلافه، وأنفذ عنه مندوبًا إلى «الأستانة» للمفاوَضَة مع رجال الحكومة في هذا الطلب، وذلك سنة ١١٤٢ﻫ، فلما لم تُجِبْه الدولة بشيء، حمل بجيوشه الفارسية على «تبريز» فاستولى عليها، ثم على «همدان» ثم «كرمنشاه»، فحدثت من أجل ذلك فتنة عظيمة في عاصمة آل عثمان، ثار الجيش فيها على رجال الدولة، ناسبًا هذا الحادث إلى خيانتهم، فقتل عددًا منهم، ثم امتدت الفتنة إلى السلطان أحمد الثالث فخُلِع سنة ١١٤٣ﻫ، وبُويِع السلطان محمود الأول ابن السلطان مصطفى الثاني، فجهَّزَ هذا الجيوش لقتال الفرس، وكان الشاه قد توجَّه نحو «العراق» واجتاز بجيوشه الحدود ونهب القرى، ثم قصد «بغداد» سنة ١١٤٣ﻫ وحدثت بينه وبين أحمد باشا أمير «العراق» عدة حروب كانت سجالًا، وفي أثناء ذلك استردَّ الأتراك «تبريز»، فلما علم الشاه بذلك أوقف الحرب وانسحب من «العراق» وطلب الصلح، وكادت تقرر شروطه لولا نادر خان القائد الأكبر للجيوش الفارسية الذي عارَضَ في تلك المعاهدة، وحمل بجيوشه على «العراق»، فعادت الحرب بين الدولتين فانتصر الفرس وتقدَّموا حتى حاصروا «بغداد»، فاستنجد أحمد باشا بالسلطان، وظل مدافِعًا حتى جاءته النجدات بقيادة الصدر الأعظم عثمان باشا الأعرج سنة ١١٤٤ﻫ، والتقت بالفرس، وبعد معارك دموية انتصر الأتراك قرب «بغداد» وانسحب الفرس، وعلى أثر ذلك سار عثمان باشا بجيوشه قاصدًا «الموصل»، فلحقه الفرس بعد أن لمُّوا شعثهم فالتقوا به وعادت الحرب، فقُتِل عثمان باشا وانهزمت جيوشه، فتقدَّم الفرس حتى مدينة «الزور»، وعندها طلب الشاه الصلح فتقرَّرت شروطه على أن تعاد «همدان» و«تبريز» للفرس، وتبقى «روان — أريوان» و«شروان» و«العراق» للأتراك، وتمَّ الصلح في منتصف جمادى الأولى ١١٤٩ﻫ.٢

(٢) حملة نادر خان الأولى على العراق

ولما مات الشاه طهماسب الثاني سنة ١١٥١ﻫ، وخلفه ابنه الشاه عباس الثالث، تولَّى الوكالة عنه القائد نادر خان، فطمع ﺑ «العراق» وحمل عليه حتى اقترب من «بغداد» وحاصَرَها في عهد الوزير أحمد باشا الذي تولَّى إيالة «العراق» سنة ١١٤٩ﻫ،٣ فأرسلت الدولة العثمانية جيشًا كبيرًا لقتال الفرس، وبعد عدة وقائع اندحَرَ الجيش الفارسي وجُرِح نادر خان، ولكنه بعد قليل لمَّ شعثه وأعاد الكرة على «العراق» وانتصر على الأتراك، فوجَّهَتِ الدولة العثمانية جيشًا آخَر سنة ١١٥٢ﻫ، فانتصر عليه نادر خان، وعلى أثر ذلك تقرَّرت المعاهدة الصلحية بين الدولتين على اعتبار الحدود التي كانت على عهد السلطان مراد خان الرابع فاتح «بغداد»، وعادت جميع البلاد التي كان الأتراك قد افتتحوها من الفرس إلى أهلها — الفرس — عدا «العراق».

(٣) حملة نادر شاه الثانية على العراق

عندما خلع الفرس الشاه عباس الثالث وتوصَّل نادر خان إلى الجلوس على عرش «إيران»، وقرض الدولة الصفوية وأعلن نفسه ملكًا وسُمِّي «نادر شاه»، ولُقِّب ﺑ «طهماسب الثالث»، طمعت نفسه ﺑ «العراق» فطلب سنة ١١٥٦ﻫ من الدولة العثمانية أن تعترف بالمذهب الشيعي وتعتبره مذهبًا خامسًا، وتخصِّص له ركنًا في الحرم الشريف «الكعبة» — وهو يعلم أن سياسة الأتراك تخالِف هذا الطلب، وأنهم بالطبع يرفضونه — فرفضت الدولة العثمانية طلبه، فاتخذ ذلك الرفض ذريعةً للحرب، فحمل على «العراق» وأغار على «البصرة» و«القرنة» وذلك سنة ١١٥٦ﻫ، وتوغَّلَ في البلاد الفراتية حتى وصل «الحلة»، ثم حاصَرَ «بغداد» وظل يتهدَّدها برمي القنابل أيامًا دافَعَ في أثنائها الوزير أحمد باشا دفاع الأبطال، حتى عجز نادر شاه عن فتحها وسار عنها إلى «كركوك» فافتتحها، ثم توجَّه نحو «الموصل» فاستولى على جميع القرى المجاورة لها، ثم حاصَرَ «الموصل» أيامًا، فساقت الدولة العثمانية جيشًا كبيرًا لقتاله، وبعد حروب كانت سجالًا بين الفريقين انسحب الفرس عن «الموصل» وساروا إلى جزيرة ابن عمر، فاستردَّ الأتراك «كركوك»، وفي أثناء ذلك أعاد الكرة نادر شاه على «الموصل»، فردَّه أهلها بالخسران؛ لمناعة أسوارها التي كانت عونًا لهم على الدفاع، فلما بلغ الأتراك ذلك حملوا على نادر شاه ثم ضيَّقوا عليه قرب «روان»، ولكنهم دحروا، وبعد ذلك وتوجَّه نادر شاه إلى جهة «أرضروم»، وكتب إلى السلطان محمود الأول يطلب تسليم إيالات «وان» و«الموصل» و«بغداد»، فلم يُجِبْه السلطان بغير إرسال الجنود لقتاله، فخاف نادر شاه عاقبة التوغُّل في البلاد العثمانية فعدل عن طلبه، وبعد مفاوضات طويلة تم الصلح معه على اعتبار الحدود القديمة، وذلك سنة ١١٥٩ﻫ.

١  استقلَّ هؤلاء الأمراء في سنة ١٠٠٥ﻫ، وأولهم أفراسياب وآخِرهم حسين باشا، ثم أرسل السلطان محمد الرابع في سنة ١٠٧٨ﻫ جيشًا بقيادة وزيره قره مصطفى باشا، فافتتح «البصرة» عنوةً وطرد منها هؤلاء الأمراء، ثم تغلَّبَ عليها أمير «الحويزة» فرج الله خان في سنة ١١٠٩ﻫ، فطرده العثمانيون منها في سنة ١١١١ﻫ، وظلت في قبضتهم إلى أن استولى البريطانيون عليها في سنة ١٣٣٣ﻫ.
٢  وفي رواية أن نادر خان حاصَرَ «بغداد» سنة ١١٤٥ﻫ، وظل محاصِرًا لها نحو خمسة أشهر وعاد منها بالفشل، ثم حاصَرَها سنة ١١٤٦ﻫ عشرين يومًا، ثم ارتحل عنها. وفي رواية أخرى أنه استولى على «كركوك» سنة ١١٤٥ﻫ، ثم حاصَرَ «بغداد» أيامًا في السنة نفسها، ففشل ورفع الحصار وأرسل نركس خان القائد بجيش كبير إلى «الموصل» فحاصَرَها، ولكنه عاد بالفشل أيضًا في السنة نفسها (سنة ١١٤٥ﻫ).
٣  هو غير أحمد باشا بن حسن الذي تولَّى إيالة «العراق» بعد موت أبيه سنة ١١٣٥ﻫ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١