الدولة الزندية

أو الدولة الفارسية الثامنة في «العراق» ١١٩٠–١١٩٣ﻫ

كانت «البصرة» في قبضة العثمانيين منذ أرسل السلطان محمد الرابع وزيره قره مصطفى باشا بجيش كبير في سنة ١٠٧٨ﻫ، ثم تغلَّبَ عليها أمير «الجويزة» فرج الله خان ابن مطلب في سنة ١١٠٩ﻫ، فطرده الأتراك في سنة ١١١١ﻫ، وظلت في قبضتهم إلى سنة ١١٩٠ﻫ.

وكانت الدولة العثمانية قد أهملت شئون «البصرة»، فقامت فيها الفتن بين ذوي المطالع، في الوقت الذي كان فيه كريم خان الزندي قد تغلَّب على مملكة «إيران»، فاغتنم فرصة الاضطراب فأعلن الحرب على العثمانيين وأرسل أخاه صادق خان بجيش كبير في أواخر سنة ١١٨٨ه، فحاصَرَ «البصرة» في سنة ١١٨٩ﻫ ومعه عشيرة بني كعب العربية، ودام الحصار ثلاثة عشر شهرًا حتى اضطرها إلى التسليم في سنة ١١٩٠ﻫ في عهد السلطان عبد الحميد الأول، وأسر الفرس متسلم «البصرة» سليمان بك وجماعة من الأشراف والوجوه والتجار، وأرسلهم صادق خان مخفورين إلى «شيراز» عاصمة كريم خان.

ولما استتب أمر صادق خان ﺑ «البصرة» حدَّثته نفسه بالاستيلاء على بلاد «المنتفك»، فأرسل في سنة ١١٩٢ﻫ أخاه محمد علي خان بجيش كبير لغزو «المنتفك»، فاستعدَّ المنتفكيون لقتالهم واجتمعوا ﺑ «الفصيلة» قرب «الفرات»، فالتقى الفرس بهم هناك واشتبكوا معهم بالقتال فاستمرت الحرب يومًا وليلة، فانجلت عن هزيمة الفرس وقُتِل عدد كبير منهم، فلحقهم فرسان العرب فغرق من الفرس في «الفرات» عدد كثير، وغنم العرب أموالهم وخيولهم وعادوا إلى مواطنهم ظافرين، فلما كانت سنة ١١٩٣ﻫ جهَّزَ صادق خان مرة أخرى جيشًا فارسيًّا للاستيلاء على «المنتفك» بقيادة أخيه محمد علي خان أيضًا وأرسل معه عشيرة بني كعب العربية، واستنجد بأخيه عبد الكريم خان فأمده بالجنود الكثيرة، فسارت الحملة والتقت بالمنتفكين في «أبي حلانة» وعليهم يومئذٍ الأميران ثامر بن سعدون وبويني بن عبد الله، فلما رأى العرب كثرة الفرس واستعدادهم خافوا الفشل، فطلبوا الصلح، فشرط عليهم القائد محمد علي خان شروطًا أَبَتْها نفوسهم، فاختاروا الموت على الحياة بالذل، ورفضوا تلك الشروط واستعدوا للحرب، فحدثت بين الفريقين حرب دموية هائلة استمات فيها العرب، فهجموا هجمات شديدة لم يُسمَع بمثلها، فانتهت المعركة بتمزيق الفرس، وقتل القائد محمد علي خان وأخيه مهدي خان، فانهزم مَن بقي من الفرس فلحقهم المنتفكيون وقتلوا منهم عددًا كبيرًا وغنموا أموالًا وسلاحًا وخيلًا، وظلوا يطاردونهم إلى «البصرة»، وهناك حاصروهم فيها وضيَّقوا عليهم الخناق، وصادف في أثناء ذلك موت عبد الكريم خان، فخاف صادق خان على نفسه من أن يمد والي العراق المنتفكين الذين حاصروه فيقع في الأسر، وقد أصبح بعد موت أخيه وحيدًا لا ناصر له، فانهزم ليلًا بمَن معه من «البصرة» في السنة نفسها (سنة ١١٩٣ﻫ)، فدخلها المنتفكيون وكتبوا بذلك إلى حكومة «بغداد»، فأرسلت متسلمًا إلى «البصرة» نعمان بك، وأفل الحكم الفارسي من «البصرة» بعد أن دام في هذه المرة نحوًا من ثلاث سنوات، وعلى أثر وصول المتسلم إلى المدينة أطلق الفرس الأسراء ومن جملتهم المتسلم سليمان بك، فأرجعته الدولة العثمانية إلى منصبه بعد أيام قليلة، ثم وجَّهَتْ إليه بعد أشهر ولاية «العراق»، وهو الذي عُرِف أخيرًا ﺑ «الوزير سليمان باشا الكبير».

وبقيت المدن العراقية كلها بعد هذه الحادثة خاضعةً للعثمانيين إلى أن قامت الحرب العامة المشئومة، فانسلخت منها البلاد العراقية الواحدة تلو الأخرى، بعد حروب طال أمدها وجلبت على أهل البلاد أنواع المصائب وضروب النوائب، وكان سقوط «البصرة» أو «مفتاح العراق» في سنة ١٣٣٣ﻫ، وسقوط «بغداد» عاصمة «العراق» في سنة ١٣٣٥ﻫ، وقامت بعد الحكم العثماني حكومة الاحتلال البريطاني، ثم قامت الحكومة العراقية العربية بعد حوادث يطول ذكرها.

(١) تتمة لما مَرَّ

لا يخفى على القارئ الكريم أن الأمة الفارسية من أقدم أمم العالم وأشدها شوكةً، وهم من الشعوب الآرية؛ أعني إخوان الأوربيين من الرومان أو اليونان وغيرهم، وقد نزلوا بلاد إيران منذ أقدم الأزمنة، وكان لهم استعداد فطري لأسباب التمدن وذكاء وتعقُّل، فأنشئوا الدول ووضعوا الأحكام وساسوا الأمم، ونبغ منهم ملوك عظام مثل كورش ودارا الأكبر وكسرى أنو شروان، وظهر من بينهم طوائف عديدة في أزمان مختلفة من العلماء والفلاسفة والأدباء والخطباء والكتَّاب والأطباء، واعتنوا بالطب وعلم الفلك والطبيعيات والرياضيات، وترجموا العلوم والفلسفة، وبنوا المدن الكبيرة والمراصد والمدارس والمستشفيات، واعتنوا بالري اعتناءً كثيرًا، واشتهرت فيهم بيوتات شريفة وقوَّاد محنكون.

وهم أقدم مَن خالَطَ العرب من الأمم الغريبة، بل من أقدم مَن ساد على العرب، ومن أجل ذلك كانت بين الأمتين منافَسة، خصوصًا في أيام الدولة الساسانية التي كان ملوكها يُخرِجون العرب في أكثر الأحيان من بلادهم بالسيف، فيقابلهم العرب بالغارات على مدن الفرس وينتقمون منهم، على أنهم كانوا يستخدمون العرب في دواوينهم للكتابة والترجمة، وكان أكثر ملوكهم يتقنون العربية، وبعضهم كان ينظم الشعر العربي، ومنهم مَن قرَّب العرب وأعلا شأنهم واتخذهم عضدًا ونصيرًا.

ولم يشتركوا مع العرب في دين واحد إلا عند ظهور الإسلام؛ إذ كانوا في العصور الواغلة في القدم ممَّن يعبدون القوى الطبيعية المختلفة وخاصة الشمس، ثم دخلوا في دين زردشت الذي ظهر بين القرن العاشر والسابع قبل الميلاد، وعلى توالي الأعوام حرَّفوا تلك الشريعة وأدخلوا فيها عبادة النار — أي صاروا مجوسًا — وظلوا على المجوسية حتى جاء الإسلام فاعتنقوه بعد فتح بلادهم بالتدريج، ثم صاروا بعد حين من الدهر فرقًا إسلامية ينتسبون إلى المذهب الجعفري؛ نسبةً إلى الإمام جعفر الصادق، مثل ما عليه كثير من القبائل العراقية اليوم.

مدة حكم الفرس في العراق.
مدة الحكم اسم الدولة
١١٤١ المجموع
٨ الدولة العيلامية، في جنوبي العراق (٢٢٩٥–٢٢٨٧ق.م)
٢٠٧ الدولة الكيانية، في العراق كله (٥٣٨–٣٣١ق.م)
٣٥٢ الدولة البرتية، في العراق كله (١٢٦ق.م–٢٢٦ بعد الميلاد)
٤١١ الدولة الساسانية، في العراق كله (٢٢٦–٦٣٧ بعد الميلاد)
١١٠ الدولة البويهية، في العراق كله (٩٤٥–١٠٥٥ بعد الميلاد)
٣٣ الدولة الصفوية الأولى، في العراق كله (١٥٠٢–١٥٣٥ بعد الميلاد)
١٧ الدولة الصفوية الثانية، في العراق كله (١٦٢٠–١٦٣٨ بعد الميلاد)
٠٣ الدولة الزندية في البصرة، في العراق كله (١٧٦٨–١٧٧١ بعد الميلاد)

أما الذين ملكوا في العراق من غير الفرس كالمغول والأكراد واليونان والأتراك، فمدتهم على الوجه الآتي:

مدة الحكم اسم الدولة
٦٠٦٠ المجموع
٤٥٨٤ السومريون، المغول، مع أهل البلاد (٧٠٠٠–٢٤١٦ق.م)
٥٦٤ الدولةالكوشية، الكردية، مع أهل البلاد (١٧١٤–١١٥٠ق.م)
١١٨ سيادة الآشوريين، الساميين أو العرب (٧٢٩–٦١١ق.م)
٢٠٥ الدولة اليونانية، الإسكندر والسلوقيون (٣٣١–١٢٦ق.م)
٢٢٤ المغول التتر، والتركمان (١٢٥٨–١٥٠٢ بعد الميلاد)
٨٥ الدولة العثمانية الأولى (١٥٣٥–١٦٢٠ بعد الميلاد)
٢٨٠ الدولة العثمانية الثانية (١٦٣٨–١٩١٧ بعد الميلاد)

أما حكم العرب من أهل البلاد وغيرهم فمدتهم على الوجه الآتي:

مدة الحكم اسم الدولة
١٧١٦ المجموع
٤٤٢ الدولة البابلية الأولى «السامية أو العربية» (٢٤٦٠–٢٠١٨ق.م)
٣٦٨ أهل البلاد «الكلدان أو البابليون» (٢٠١٨–١٧١٤ق.م)
٤٢١ أهل البلاد «الكلدان أو البابليون» (١١٥٠–٧٢٩ق.م)
٧٣ الدولة البابلية الثانية «عراقية سامية» (٦١١–٥٣٨ق.م)
١١٤ العرب المسلمون «الخلفاء الراشدون وابن الزبير والأمويون» (٦٣٧–٧٥٠ بعد الميلاد)
١٩٥ الخلفاء العباسيون «الدورة الأولى» (٧٥٠–٩٤٥ بعد الميلاد)
١٠٣ الخلفاء العباسيون «الدورة الثانية» (١١٥٥–١٢٥٨ بعد الميلاد)

وعلى هذا تكون مدة الدول التي حكمت العراق منذ سنة ٧٠٠٠ق.م إلى سنة ١٩١١ على الوجه الآتي:

٨٩١٧ المجموع
١١٤١ مجموع مدة الفرس
١٧١٦ العرب قبل الإسلام وبعده
٦٠٦٠ المغول والأكراد والتركمان واليونان والأتراك

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١