الفصل الثاني

سياسة الثقة

ألَّف لوك في عام ١٦٦٠ أول عملين مهمين له (يُعرَفان عمومًا باسم «مقالان عن الحكومة»)؛ أولهما مقال باللغة الإنجليزية عنوانه «سؤال: هل يجوز قانونًا للحاكِم المدني أن يفرض استخدامَ أمورٍ حياديةٍ فيما يختص بالعبادة الدينية ويحدِّدها؟» والآخَر مقال باللغة اللاتينية أشد إيجازًا ولكنه أكثر منهجيةً حول نفس الموضوع.

شهد أيضًا عامُ ١٦٦٠ إعادةَ تشارلز الثاني أخيرًا إلى العرش الإنجليزي، بعد مرور ١١ عامًا على محاكمة والده وإعدامه، حينما عاد إلى إنجلترا من منفاه عاقِدًا العزم على عدم مواصلة ترحاله وسفرياته مجدَّدًا. خلال العشرين عامًا السابقة على ذلك، سعت سلسلةٌ من الحكومات الإنجليزية المتعاقِبة إلى فرض مجموعة كبيرة من الممارسات الدينية على رعاياها المتمردين، وهو ما كان يثير دائمًا الاستياء لدى الكثيرين ويلقى استحسانًا عادةً لدى قلة محدودة للغاية. وطالما كان الاضطراب السياسي والصراع الديني متلازمَين على نحو معقَّد، تاركَين الأغلبية العظمى من الأمة منهكةً من النزاعات المستمرة، ومتعطشةً للسلام والاستقرار. مما لا شك فيه أن مقالَيْ لوك يعكسان ما كانت عليه الأجواء خلال هذا العام، ويتصدَّيان لمسألةٍ طالما كانت محورَ الجدل الديني والسياسي في العقود العاصفة التي أفرزت تلك الأجواء. ومع أن تفاصيل الحُجج التي ساقها في كلا المقالين لم تكن ذات أهمية كبرى، فمن المهم أن نفهم الملخص الرئيسي للمسألة التي عالجاها، وأن نحدد الصعاب التي كانت تمثِّلها هذه المسألةُ بالنسبة إلى لوك الشاب.

كانت هذه المسألة في حد ذاتها تتعلَّق بوضوح بالجانب التطبيقي؛ ففي مجتمع آمَنَ كلُّ فردٍ فيه فعليًّا بصحة الدين المسيحي، لكن سادَتْ فيه اختلافاتٌ عميقة في الآراء حول كيفية ممارسة هذا الدين، مَنِ الذي ينبغي أن يقرِّر أيٌّ من الممارسات الدينية جائز وأيُّها محظور؟ هل ينبغي أن توجد، على سبيل المثال، كنيسة مسيحية واحدة تُدار تحت رعاية السلطات السياسية، يكون كل فرد من الرعايا مجبَرًا على الانتماء إليها، ومرغَمًا على ممارسة العبادة في إطارها على النحو الذي أَمْلَته عليه؟ أم هل ينبغي أن تكون العبادةُ الدينيةُ — بما أنها تعني بمفهومها الصحيح التعبيرَ عن الإيمان الديني الصادق — مسألةً متروكةً تمامًا لضمير كل فرد، معاملةً خاصة بين الإنسان وربه، تتشكَّل وفقًا لما يراه كل إنسانٍ مؤمنٍ مناسبًا له؟ من الصعب لأي مسيحي أن ينكر كليةً قوة أيٍّ من هذين المفهومين، وكلاهما له ما يؤيِّده في نصوص العهد الجديد. استشعَرَ لوك نفسُه في هذا الوقت قوةَ كلا المفهومين بوضوح؛ قوةَ وجود مصدر واحد للدين، وأيضًا قوة الواجب وآداب السلوك، لكن لم تكن لديه صعوبةٌ في المفاضلةِ بينهما وتحديدِ أولويةِ كلٍّ منهما بالنسبة إلى الآخَر.

لو أنَّ ممارسة الدين تُترَك بسلام للاختيار الشخصي، و«لو أنه يُسمَح لكل فرد أن يمارس العبادةَ الدينية بطريقته الخاصة، فلا يتظاهر — بدافع الزهو الشديد بذاته — بأنه أكثر معرفةً وأكثر اهتمامًا بروح غيره من البشر وخلاصهم الأبدي أكثر من اهتمامه بنفسه»، فهذا من شأنه حقًّا أن «يعزِّز السلام في العالم، ويعيد في النهاية تلك الأيام المجيدة التي ظلَّ الإنسان يسعى وراءها منذ زمن بعيد، ولكن بطريقة خاطئة» (مقالان عن الحكومة). لكن أظهرت الصراعات الدينية التي استمرت على مدى عشرين عامًا خطورةَ هذا التسامح؛ إذ إن جميع «هذه الثورات المأساوية التي استغلت المسيحية كلَّ هذه السنوات اعتمدَتْ على هذه الركيزة، حتى إنه ما من مخطط شرير إلا وكان يرتدي قناعَ الدين، وما من تمرد إلا وكان يترفَّق بنفسه فيتخفَّى في زي الإصلاح … وما من أحد شرع في تخريب الدولة إلا وادَّعى أنه لإعلاء الدين.» فالخلط ما بين «الطموح والانتقام» و«مشيئة الله» هو الذي مزق إنجلترا (مقالان عن الحكومة). وكان إعلاء مبادئ المصدر الواحد للدين (ممثلًا في الكنيسة) على مبادئ الواجب وآداب السلوك هو ما حرَّضَ على حدوث اضطراب سياسي. وفي عام ١٦٦٠، كان لوك — شأنه شأن معظم أبناء بلده — يخشى بشدةٍ اندلاعَ الاضطراب السياسي.

fig8
شكل ٢-١: خطاب بطرد جون لوك من كلية كنيسة المسيح.

فضلًا عن ذلك، لم يكن الصدام بين مفهومَي آداب السلوك والمصدر الواحد للدين مقصورًا على الساحة القومية السياسية فحسب. كان الباعث المباشِر لمقال لوك الصادر باللغة الإنجليزية هو عملًا لأحد زملائه الطلاب في كلية كنيسة المسيح، يُدعَى إدموند باجشو، بعنوان «المسألة الكبرى بشأن الأمور الحيادية في العبادة الدينية»، نُشِر في سبتمبر عام ١٦٦٠. كان باجشو من المعتنقين المتحمسين للغاية لمبادئ المصدر الواحد للدين، في وقت كانت فيه الممارسات الدينية في الكلية تعود بقوة إلى «التشدُّد الأنجليكاني» الذي كان ينبذه بشدة. أُعِيد استخدامُ الأرغن والزي الكهنوتي الأبيض في كلية كنيسة المسيح في نوفمبر، فيما سرقَ أنصار باجشو ومؤيدوه في شهر يناير من العام التالي أكبر عددٍ طالته أيديهم من الأَرْدِيَة الكهنوتية البيضاء، وألقَوا بها في بالوعات الكلية. ناصَرَ لوك المَزَاعم المطالِبة بالسلطة على المستويين المحلي والقومي، مشدِّدًا على الحالة الصارخة لعدم الجدارة بالثقة التي عليها أغلبية البشر، وهو ما يمثِّل في أسوأ الأحوال تهديدًا حقيقيًّا بالفوضى، ويمثِّل على أحسن تقدير معوِّقًا هائلًا لآداب السلوك. وكانت الآراء السياسية التي طرحها فظة ومراوغة، والمثير بشأن هذه الآراء أنها كانت تُخضِع العاطفةَ الدينية للمتطلبات السياسية وتطوِّعها لها على نحو صارم؛ فلا بد أن تكون السلطة السياسية — أيًّا كانت أصولها — شاملةً؛ حتى تستطيع الاضطلاع بمهامها. خلق الله العالم والبشر على النحو الذي يعكس تلك الحقيقة؛ ومن ثمَّ لا بد أن تكون مشيئته هي عدم تقيُّد السلطة السياسية بشيءٍ ما خلا أوامره الصريحة، و«الأمور الحيادية» هي كل الأمور التي لم يعلِن الله — سواء أكان بالفطرة أم من خلال وحي إلهي — مشيئته بشأنها. (على سبيل المثال: كانت مسألة الرغبة في ارتداء الأَرْدِيَة الكهنوتية البيضاء من عدمها من الأمور التي افترض قلةٌ من الناس — حتى بين الأنجليكانيين — أن الله قد أعلن مشيئته بشأنها.) لم يستطع مُنظِّر سياسي مسيحي أن ينكر على الفرد حقَّه في الإيمان بمعتقداته الخاصة، ولم تكن المراسم الدينية في حد ذاتها أمورًا تتعلَّق بالإيمان، لكنها ببساطة مسألة تتعلق بالممارسة، وينبغي على المسيحيين الصالحين أن يفعلوا ما يمليه عليهم الحاكِم، وأن يؤمنوا بما يؤمنون هم أنفسهم به. وظهرت المشكلة بوضوح عندما بدءوا يعتقدون أنه ما من شيء يُلزِمهم أن يفعلوا ما أمرهم به الحاكِم. أما في حال المراسم الدينية، كانت هذه المشكلة تظهر على نحو متكرر بعض الشيء؛ لم يستطع مفهوم «الأمور الحيادية» حسْمَ هذه المشكلة من حيث المبدأ؛ ومن ثَمَّ لم ينجح أيضًا مقالا لوك في حلها، وهي أيضًا المشكلة التي لم تستطع الكنيسة الأنجليكانية نفسها أن تحلها عمليًّا خلال فترة «إعادة المَلَكية».

في هذه اللحظة كان لوك نفسه يتعامل مع هذه المسألة بتجاهلها غالبًا؛ كانت المراسم الدينية مجرد مسألة «حيادية»، متروكة لتقدير الإنسان وحرية تصرُّفه، وأيُّ مسألة تتعلق ببساطةٍ بتقدير الإنسان وحرية تصرفه، كان يحدِّدها الحاكِم المدني على نحو سُلطوي؛ لأن الغرض من وجود حاكِم في الأساس كان يتمثَّل تحديدًا في الخروج من نطاق التحيُّز المُتعمَّد للحُكم الشخصي لكل إنسان. اقتضى السلام وجود سلطة مدنية، ولكي تحقِّق السلطةُ المدنية السلامَ كان بمقدورها أن تفعل أيَّ شيء — مهما كان — لم يَحْظُره الله نفسه صراحةً. ولم يُلقِ أيٌّ من هذا الضوءَ بوضوح على المهام التي ينبغي على السلطة المدنية الاضطلاع بها على وجه التحديد.

مقال في التسامح

بعد مرور سبع سنوات، وبعد أن هرب لوك من عالم التدريس العتيق في أكسفورد إلى العالم البرَّاق والمثير للعمل مع شافتسبري، أعاد لوك النظر في هذه المسائل من زاوية مختلفة تمامًا، وتوصَّلَ إلى نتائج مختلفة إلى حدٍّ كبير. تظهر هذه النتائج في كتابه «مقال في التسامح» الذي لم ينشره بنفسه، على عكس عمله الشهير «رسالة في التسامح». كان الحُكم العملي الذي توصَّل إليه في هذا المقال يتطابق إلى حدٍّ كبير مع رأي شافتسبري: يعمل التسامح على إرساء دعائم النظام والوئام المدنيين عن طريق «زيادة القوانين التي تنظِّم المشاركات الكَنَسيَّة قدر الإمكان» (حياة جون لوك). وتظل مسئولية الحاكِم صاحب السيادة هي تنظيم الممارسات الدينية بما يضمن استقرارَ شعبه وسلامته وأمنه؛ لكن مع أن الحاكِم يظل هو بالتأكيد الذي بيده النظر فيما من شأنه تعزيز هذه الغايات، فإنه لم يَعُدْ من المتوقَّع أن يحظى حُكمه عمليًّا بثقة أكبر من حُكم أي مُؤمِن آخَر؛ إذ:

يتعيَّن عليه أن يأخذ بالغَ حذره كي لا تُسَنَّ مثل هذه القوانين، ولا تُفرَض مثل هذه القيود، لأي سبب من الأسباب فيما خلا ضروريات الدولة ورفاهية الشعب الذي نادى بها، وربما لا يكفي أن يظن في ضرورة أو ملاءمة تلك التكليفات أو هذه الصرامة، إذا لم يكن قد فكَّرَ فيها مليًّا دون تحيُّز، وخاضَ نقاشاتٍ حول ما إذا كانت ضرورية وملائمة أم لا، كما أنَّ رأيه (إذا أخطأَ) لن يبرر له سَنَّ مثلِ هذه القوانين، تمامًا مثلما لن يغفر له ضمير الرعية أو رأيهم مخالفته لتلك القوانين، لو اتضح أن التفكير والنقاش كانَا سيؤديان به إلى رأي أكثر استنارة (حياة جون لوك، المجلد الأول).

يشمل نطاقُ الأمور التي يكون للحاكِم حرية التصرف فيها «الأمورَ الحيادية» بأكملها، لكن ممارسته لحرية التصرف محكومة بشدةٍ بالغاية التي وُجِدَ الحاكِم من أجلها. وإذا بذل قصارى جهده للاضطلاع بالواجبات المترتبة على هذه الغاية، فلن يكون حتى «مساءَلًا في العالم الآخر عمَّا فعله بصفة مباشرة من أجل حماية شعبه واستقراره، بحسب عِلمه» (حياة جون لوك، المجلد الأول). لكن إذا حاول التدخل في القناعات الدينية لشعبه على هذا النحو (على غرار ما كانت السلطات الأنجليكانية تحاوله بالتأكيد من التدخُّل في القناعات الدينية للمُنشَقِّين)، فإن تصرفاته ستكون جائرةً بقدرِ ما هي باطلة؛ فكلُّ فرد مسئول عن خلاص نفسه، وما من إنسان يمكن أن يكون لديه سبب وجيه كي يعهد بخلاصه لتقدير إنسان آخَر، وهو ما يكون تقديرًا قاصرًا بالضرورة (حياة جون لوك، المجلد الأول). على أية حال، وعلى نحو أكثر حسمًا، حتى لو ابتغى الإنسان أن يعهد بخلاصه لتقدير إنسان آخر، فلا أحد «يستطيع» أن يفعل هذا بمنتهى البساطة:

ما من إنسان يستطيع أن يمنح غيره سلطانًا … على شيء لا يملك هو نفسه سلطانًا عليه. والآن يتجلى من التجربة وطبيعة الفهم عدمُ قدرة الإنسان على التحكُّم في فهمه أو تحديد الرأي الذي سيعتنقه غدًا على نحو قاطع، فطبيعة الفهم لا يمكنها أن تدرك إلا ما يبدو لها، مثلما لا يمكن للعين أن ترى ألوانًا في قوس قزح غير ما تراها، سواء أكانت هذه الألوان موجودةً فعليًّا أم لا (حياة جون لوك، المجلد الأول).

إنَّ «مقال في التسامح» هو رسالة موجَّهة إلى الحاكِم حول الكيفية التي ينبغي أن يوظِّف بها تقديره الخاص وحرية تصرفه، ويتلاشى بحذر أيُّ تلميح بأن الرعايا لديهم أيُّ حق في حرية التصرف في أمورهم في مواجهة أوامر الملك؛ فواجب الرعية هو الطاعة العمياء. لكن فيما يتعلَّق بالأمور الحيادية، حدَّد لوك فعليًّا منطقةً تستحيل فيها الطاعة العمياء، والأبرز من ذلك أنه أوضح أن هذه المنطقة تتجاوز نطاق الأمور الحيادية وحدودها. ولا يمكن أن يخضع الإيمان البشري لمطالب السلطة، ولا يمكن لأي إنسان أن يكون لديه سببٌ وجيه يدفعه إلى التخلِّي عن معتقداته فيما يتعلَّق بالتكليفات التي يطلبها الله منه بأمر إنسان آخَر؛ فالبشر — بوصفهم معتنقين للمعتقدات، وعلى نحو أكثر تحديدًا بوصفهم معتنقين للمعتقدات الدينية — سواسية؛ فثمة «الأغلبية التي تضيق ذرعًا بالقمع كالبحر المضطرب … التي دائمًا ما يراها الحُكماء وحوشًا جامحة، ويطلقون عليها تلك الصفة» (مقالان عن الحكومة)، والحُكَّام الذين تحتاج إليهم هذه الأغلبية لقمع احتيالها وعُنفها بعضها تجاه بعض (حياة جون لوك، المجلد الأول). والكلُّ يتحمل المسئولية الكاملة عن معتقداته، وسيتعيَّن عليه الإقرار بذلك أمام الله يوم القيامة. لكن، في الوقت نفسه، على الحاكِم أن يُولِي اهتمامًا صارمًا لضرورة الحفاظ على النظام المدني وإقراره، لا أن يحاول عبثًا وبكل صفاقة أن ينوب عن الله ويحل محله. ولم يَعُدْ من الصعب أن نرى كيف أنَّ واجب الطاعة العمياء سيبدو من وجهة نظر لوك ضربًا من الحماقة الشديدة في ظل الظروف المختلفة تمامًا التي فرضها جدل فترة الإقصاء ومواجهة حاكِم عدواني ومحب للانتقام.

رسالتان في الحُكم

إننا لا نعرف بالضبط الوقتَ الذي كَتب فيه لوك «رسالتان في الحُكم»، بل لا نعرف أيضًا يقينًا مقدارَ ما كتبه من هذا العمل في المرة الأولى (أو ما أعادَ كتابته باستفاضة) قبل نشره بفترة وجيزة عام ١٦٨٩. وفي الواقع، ليس لدينا فعليًّا دليل قاطع أنه كتب أيَّ جزءٍ منه خلال الجدل الدائر في فترة الإقصاء، إلا أن الكُتَّاب الذين تناولوا تلك المسألة في العقود الأخيرة، والذين كانوا على درجة كبيرة للغاية من الإبداع وسعة الاطِّلاع، اتفقوا على نقطتين على الأقل؛ أولهما: أن لوك كتبَ الأغلبية العظمى من النص الذي نشره عام ١٦٨٩، في الوقت الذي رحل فيه من بلاده متجهًا إلى هولندا في أواخر صيف عام ١٦٨٣، وثانيهما: أنه كتب فقرات مختلفة من الكتاب (بهيئته التي ظهر عليها عام ١٦٨٣) على مدار بضع سنوات سابقة؛ ومن ثمَّ يعكس النص عددًا من الآراء المتغيِّرة التي تبنَّاها حزب شافتسبري على مدار فترة الصراع.

وكما نرى هذا العمل اليوم، فإنَّ «رسالتان في الحُكم» هو عملٌ وُضِع في الأساس للتأكيد على الحق في مقاومة السلطة الجائرة؛ الحق في الثورة كملاذٍ أخير. (توجد بالطبع موضوعات رئيسية أخرى للكتاب؛ منها: توضيح الأسباب التي تمنح الحكومات شرعيتها في المقام الأول (نظرية التراضي)، والكيفية التي ينبغي أن يفسِّر بها الرعية والحُكَّام علاقة بعضهم ببعض (نظرية الثقة)، والكيفية التي يمكن أن يصير بها للبشر الحق في حيازة السلع الاقتصادية ومدى أحقيتهم في فعل ذلك وحدوده (نظرية الملكية)، وأوجُه التشابه والاختلاف بين الأنواع المختلفة للسلطة البشرية؛ وأخيرًا أوجه الاختلاف بين السلطة داخل العائلة والسلطة في الدولة. تُدرَس كل تلك القضايا في سياق السياسة الإنجليزية في ذلك الوقت، وفي سياق المبدأ الدستوري الإنجليزي.) من الواضح، حتى من الموضوع الأول، أن «رسالتان في الحُكم» كان يشكِّل هجومًا على مزاعم الملكية المطلقة، وأنه توصَّل من خلال هذا الهجوم إلى استنتاجات قاطعة بشأن الحدود الدستورية الموضوعة على سلطات ملك إنجلترا، لكن من غير الواضح بالتأكيد أنَّ لوك عندما استهلَّ كتابة هذا العمل كان يقصد الدفاع عن حق العصيان من جانب مجلس العموم المُنتخَب، فضلًا عن حصول الرعايا الأفراد المتضرِّرين على هذا الحق واستخدامه، وهم الذين لا يشغلون منصبًا رسميًّا داخل السلطة في مجتمعهم.

«رسالتان في الحُكم» هو عملٌ طويل ومعقد يحتوي على كثير من النقاشات والحُجج، التي معظمها — بطبيعة الحال — حُجج لم يطرحها لوك من قبلُ في أي عمل آخَر، بَيْدَ أنه فيما يتعلَّق بحق المقاومة فقط، غيَّر لوك صراحةً وعلى نحو قاطع أحدَ الآراء النظرية التي كان قد دافَعَ عنها بإسهاب في أعمال سابقة؛ ففي كلٍّ من «رسالتان في الحُكم» عام ١٦٦٠، و«مقال في التسامح» عام ١٦٦٧، أكدَّ لوك بوضوح أنَّ واجب الرعية في مواجهة أوامر ملكهم الجائرة هو أن يطيعوا هذه الأوامر طاعةً عمياء؛ ليس هذا بالطبع على سبيل الإقرار بعدالتها، لكنه على أقل تقدير على سبيل الاعتراف بالسلطة التي أصدرت تلك الأوامر، وبالتأكيد عدم عرقلتها بالقوة، فضلًا عن مهاجمة من أصدرها. وفي وقت متأخر يرجع إلى عام ١٦٧٦ تقريبًا، رأى لوك مرة أخرى أنه على الرغم من أن السلطات السياسية البشرية تُعيَّن بموجب القوانين التي وضعها الإنسان، فإن واجب الطاعة السياسية قائمٌ بموجب القانون الإلهي «الذي يَنهى عن مخالفة الحكومات أو حلها»، وأنه يتعيَّن على كل إنسان أن يطيع يقينًا الحكومة التي يعيش في ظلها (الفِكر السياسي لجون لوك).

fig9
شكل ٢-٢: التأكيد على حق المقاومة: كتاب لوك «رسالتان في الحُكم». لاحِظْ غياب اسم المؤلف حتى بعد مرور ثماني سنوات على نشره للمرة الأولى.

من الواضح أن الباعث وراء تغيير هذا الرأي تولَّدَ مباشَرةً من مشاركة لوك السياسية خلال سنوات تأليف هذا الكتاب؛ فقد كان تحوُّلًا جوهريًّا في الحُكم الفِكري كما في الالتزام السياسي؛ إذ كان لوك نفسه قد بدأ يفكر في الآثار المترتبة على رأيه بشمولية بالغة. بالطبع، لم يفكر منهجيًّا في جميع الآراء التي أكَّد عليها في كتابه، واختار بالأخص ألَّا يخوضَ على الإطلاق في مناقشة الكيفية التي يعرف بها الإنسانُ بالفطرة قانونَ الطبيعة، وهو القانون الإلهي المُلزِم الذي — وفقًا لموضوع الكتاب — تستند إليه كلُّ حقوق الإنسان، وتُستنبَط منه غالبًا وعلى نحو مباشِر أغلبيةُ واجبات الإنسان. أثار التغاضي عن مناقشة تلك القضايا كثيرًا من النقد الفِكري لدى كُتَّاب النظرية السياسية الذين جاءوا فيما بعدُ، كما أنه أثار — إبَّان نشر الكتاب وفي الآونة الأخيرة — بعضَ الشكوك في أن النبرة الورعة التي يصطبغ بها نقاشه حول قانون الطبيعة ربما تكون مراوِغة ومخادِعة، لكن الأكيد أنه حدَّدَ بالفعل في محاضراته التي ألقاها عام ١٦٦٤ في كلية كنيسة المسيح عن قانون الطبيعة، بعضَ الإشكاليات الرئيسية في المفهوم المسيحي التقليدي لقانون الطبيعة، وأنه غالبًا شحذ فهمه لهذه الإشكاليات — خلال عمله الأوَّلي المسجَّل في مسوَّدات عام ١٦٧١ — من أجل عمله «مقال في الفهم البشري». وبحلول عام ١٦٨٠، على سبيل المثال، كان يعلم بكل تأكيد أن السؤال عن الكيفية التي يعرف بها الإنسان محتوى قانون الطبيعة، هو سؤال إشكالي للغاية ومثار جدل بالغ، ومع ذلك يشير في «رسالتان في الحُكم» إلى «معرفة» قانون الطبيعة كما لو أنها معرفة ملزمة بالفعل لجميع البشر، حتى مع تَمتُّعهم بكامل حريتهم في الاختيار ما بين الإذعان لها أو الانصراف عنها؛ فهي «أمرٌ محفور بكل وضوح في قلوب البشر كافة.»

لا صلة لهذه الشكوك على وجه العموم بصُلب الموضوع، ولا شك أن محاولة لوك لشرح كيفية معرفة الإنسان قانونَ الطبيعة كانت محاولةً فاشلة في نهاية المطاف حتى من وجهة نظره، لكنَّ ثمة دليلًا قويًّا على أنه مضى في هذه المحاولة وثابَرَ عليها على مدى سنوات عديدة بعد نشر الطبعة الأولى من «مقال في الفهم البشري» عام ١٦٨٩، ومن الحمق أن نظن أنه ربما فعل ذلك لأنه ظلَّ متمسِّكًا بالأمل في نجاح هذه المحاولة. ومن الواضح أيضًا أنه لم يحبِّذ على الإطلاق — لا في هذه الفترة من حياته ولا في أي فترة أخرى — المفهومَ العلماني المتعنِّت عن قانون الطبيعة باعتباره من النظريات المتوافقة تمامًا مع الإنسان، وهو المفهوم الذي اعتنقه أناسٌ من أمثال توماس هوبز. وثمة احتمال آخَر أكثر جاذبيةً، استعرضه لوك فيما بعدُ في عمله «معقولية المسيحية»، وهو تأسيس حقوق الإنسان وواجباته بصورة مباشِرة على مذاهب المسيحية المُنزَلة. لكن، حتى لو كان قد افترض مع عالِم اللاهوت الفرنسي البارز بوسويه إمكانيةَ أن تُستمَد المبادئ السياسية مباشَرةً من كلمات الكتاب المقدس، لما كان لأمرٍ كهذا أن يخدم أغراض شافتسبري السياسية في صراعه ضد تشارلز الثاني. ومن وجهة نظر غير المؤمنين المحدثين، ثمة ما يدعو بالفعل إلى الشك في قوة إقناع النظرية السياسية التي طرحها لوك في عمله «رسالتان في الحُكم»؛ نظرًا لاعتماده البائس على تصوُّره منزلةَ الإنسان في الطبيعة، الذي يرى فيه أنَّ كل إنسان يعيش حياته بناءً على التعليمات الكاملة التي يُمليها اللهُ عليه. يجد معظم الناس حاليًّا (بما فيهم عددٌ كبير للغاية من المسيحيين المتدينين) صعوبةً في فهم هذا الرأي، لكن لا يوجد في التاريخ ما يدعو على الإطلاق إلى الشك في أن يكون هذا الرأي هو ما تبنَّاه لوك.

يرى لوك أن الحقوق السياسية تنبع من الواجبات السياسية، وكلتاهما مُستمدة من مشيئة الله وإرادته. وكما طرح السؤال على نحو بلاغي عام ١٦٧٨: «إذا اكتشف الإنسان أن الله قد أقامه هو وسائر البشر في دولةٍ لا يمكنهم فيها أن يحْيَوا بمعزل عن المجتمع، فهل من الممكن أن يتوصَّل إلى استنتاج آخَر خلاف أنه مسيَّر، وأن الله يأمره باتِّباع تلك القواعد التي تؤدِّي إلى الحفاظ على المجتمع؟» (الفِكر السياسي لجون لوك). كان التغيُّر الجوهري في آرائه السياسية، من الالتزام بالطاعة العمياء إلى الدفاع عن الحق في مناهضة السلطة السياسية الجائرة والتصدي لها، هو تغيُّرًا في مفهومه عن الكيفية التي يمكن للإنسان — بل يتعيَّن عليه أيضًا — من خلالها أن يقيِّم ما من شأنه أن يصون مجتمعه. وبدلًا من ترك هذا التقدير تمامًا إلى الحاكِم واحتفاظ بقية الشعب بالحق فقط في اعتناق معتقداتهم الدينية (ذلك الحق الذي رأى لوك أنه لم تكن لديهم أيُّ سلطةٍ لترْكِه)، رأى لوك في «رسالتان في الحُكم» أن تقدير كيفية صون المجتمع هو حقٌّ وواجب على كل إنسان بالغ. لم يكن هذا بأية حال استنتاجًا مُحدَثًا أو غير مسبوق، لكن — بالنسبة إلى لوك نفسه — كان الأمر يمثِّل بالتأكيد تغيُّرًا كبيرًا للغاية في رأيه وفِكره.

كيف ينبغي بالضبط أن نرى الأسباب التي دفعته إلى تغيير رأيه؟ من الواضح أن تجربة أزمة الإقصاء السياسية المباشرة كانت أسرع الضغوط التي دفعته دفعًا إلى تغيير رأيه. وليس ثمة ما يبرر الاعتقاد بأن لوك ما كان ليكتب عملًا عن النظرية السياسية على غرار «رسالتان في الحُكم»، لولا دور شافتسبري في هذا الصراع السياسي. ولقد ساعد كلٌّ من المناسبةِ التي ألَّفَ فيها لوك «رسالتان في الحُكم»، والباعثِ الذي دفعه إلى تأليفه، في أن يجعل من هذا العمل عملًا خاصًّا بأزمة الإقصاء، لكنه في أوجُه كثيرة كان ضعيفًا في تصميمه حسبما يتضح لنا من جزء «مقدمة إلى القارئ»، ولا يرجع هذا إلى طوله الأصلي فحسب، الذي كان أكثر من ضِعف النص الذي نُشِر في النهاية. جاءت حُجج لوك مغايرة على نحوٍ بالغٍ لأساليب شافتسبري، حتى فيما يتعلَّق بالقضايا الدستورية التي كانت تحظى بأهمية مباشرة في ذلك الوقت، لكن بعيدًا عن هذه التفاصيل المتعلِّقة بالحُكم السياسي العملي، يتضح من مضمون الكتاب ككل أن لوك كان يفكِّر مليًّا في الآثار المترتبة على تغيير رأيه، ولم يكن ببساطةٍ بصدد تحرير ملخص شامل من أجل سيده المثير للقلاقل. لقد كانت تجربة لوك السياسية في ذلك الوقت هي ما دفعته إلى تغيير نظرته إلى السياسة، وغيَّرت في المقام الأول نظرتَه للعلاقة بين السياسة وسائر حياة الإنسان، وكان الحماس الذي حاوَلَ أن يفهم به الآثارَ المترتبةَ على تغيير رأيه، هو ما جعل من «رسالتان في الحُكم» عملًا رائعًا حول النظرية السياسية.

لا شك أنَّ معظم الأعمال المهمة في مجال النظرية السياسية كانت تُبنَى على تلك التجارب السياسية الوليدة المصادفة غالبًا؛ فمن الطبيعي أن يكون الدافعُ لإنعام النظر في شئون السياسة ذا صبغة سياسية صريحة، لكن في حالة «رسالتان في الحُكم» تتدخَّل الظروفُ العَرضية لتأليفه في نص العمل نفسه على نحو بالغ ومحيِّر للغاية؛ فالرسالة الأولى عبارة عن نقد مُفصَّل للمؤلَّفات السياسية لكاتب سياسي سابق عليه، وهو النبيل السير روبرت فيلمر من مقاطعة كنت، وهو من الكُتَّاب المؤيدين للحُكم الملكي في فترة الحرب الأهلية. كان فيلمر من المفكِّرين الذين لديهم قدرة كبيرة على النقد، وكما رأينا، فقد كتب كلٌّ من جيمس تايرل وألجرنون سيدني مقالين آخَرين إبَّان أزمة الإقصاء، يهاجمان فيهما أعمالَ فيلمر؛ ومن ثَمَّ لم يكن استهدافُ لوك لأعمال فيلمر وتصدِّيه لها بالأمر المستغرب. تَميَّزَ فيلمر عن غيره من مؤيدي الحُكم الملكي — الأحياء منهم والأموات — بالطابع المتعنِّت لنظريته عن السلطة السياسية؛ فهي تتسم بنبرتها المتدينة، وفروضها التي تبعث الطمأنينة في نفس أي أنجليكاني، لكنها أيضًا ذات مطالب استبدادية بالقدر الذي يجعلها تضاهي الدعوات العملية التي تنادي بها نظريةُ توماس هوبز الأقلُّ تديُّنًا على نحو مقلِق. ومن غير الواضح تمامًا، ما إذا كان اختيار فيلمر خصمًا في مطلع الثمانينيات من القرن السابع عشر قد جاء تقديرًا لشعبيته بين أنصار تشارلز الثاني، أم أنه كان بالأحرى انعكاسًا لمَلكاته التي تجعل منه هدفًا فِكريًّا جذَّابًا. لكن، حتى فيما يتعلَّق بهذا الجانب، لم يكن المهم في جودة الكتاب الذي سطَّرَه لوك ومحتواه، الباعث الأساسي الذي دفعه إلى كتابته، وإنما التأثير الفِكري لتنظيم أفكاره على هذا النحو البالغ في هجومه على فيلمر، في الرسالة الثانية وكذلك الأولى.

كانت أهم نتيجة مباشِرة لهذا التركيز هي معالجته للمِلكية، ذلك الإنجاز الذي من الواضح أن لوك نفسه كان فخورًا به لأقصى درجة (أعمال جون لوك، المجلد الرابع). لكن ربما كان الأهم هو الأثر الإبداعي للتصدي لمثل هذا العرض الواضح للرأي السياسي، الذي بدأ لوك نفسه يرفضه فيما بعدُ، وهو أثر شملَ الكتاب بأكمله. بالنظر إلى السياق السياسي لأزمة الإقصاء، والسياق الاجتماعي لإنجلترا في أواخر القرن السابع عشر قبل الإقصاء وبعده، يتضح أن آراء لوك السياسية لم تكن راديكالية على نحو استثنائي؛ فهو لم يتوقَّع أن تُطبَّق في أيامه البرامجُ الراديكالية المنادية بتوسيع نطاق حق التصويت، التي اقترحتها حركةُ أنصار المساواة إبَّان الحرب الأهلية الإنجليزية، أو الحركة الميثاقية بعد زمنه بقرن ونصف قرن، بل لم يكن حتى ليرغب في ذلك. لكن النظرية التي طرحها في «رسالتان في الحُكم» كانت راديكالية للغاية؛ فهي نظرية تدعو إلى المساواة والمسئولية السياسية بالاستناد إلى حُكم كل فرد بالغ، وقد عبَّر لوك نفسه في أجزاء متفرقة من الكتاب عن النظرية كما لو أنه كان يعتزم أن تُفهَم بالمعنى الحرفي للكلمة. وبالنسبة إلى الجمهور الذي كان لوك نفسه يفترض أنه يخاطبه، فقد كان ثمة بعض الخطر في أن تُؤخَذ النظرية على هذا النحو الحرفي. (لم يَقرأ معظم البالغين في المجتمع الإنجليزي في ذلك الوقت كتابَ «رسالتان في الحُكم» ولم يفهموه.) وفي الواقع، كان النقَّاد المحافظون فقط — الذين تعرَّضوا لأعمال لوك — هم مَنْ تظاهروا بالاعتقاد أنه كان يعني أن تُؤخَذ آراؤه حول هذه النظرية بالمعنى الحرفي أو أنها كانت تستحق أن تُؤخَذ كذلك، واستمر الحال على هذا النحو لفترة من الوقت بعد ذلك. لكن هذه النظرية وكذلك بعض الشعارات المطروحة في الكتاب وصلت في حينها إلى قطاع أكبر من الجمهور في إنجلترا وأمريكا، وعندئذٍ بات من الصعب جدًّا إنكار طبيعتها الراديكالية الثورية، وكان الوضوح والقوة اللذان عُرِضت بهما الراديكالية في «رسالتان في الحُكم» نتاجَ استجابةِ لوك االمُبدِعة لتحدي فيلمر في المقام الأول.

حقَّقَ هذا التحدي أبلغَ أثر فِكري له في نقده النظرياتِ السياسيةَ، التي سعَت إلى استنباط السلطة السياسية وحقوق المِلكية من الاختيارات الحرة للبشر، وعلى الرغم من أصدائها الأيديولوجية، فقد كان من الواضح أنها في حد ذاتها لا تليق بأن تكون نظريةً عن السلطة الشرعية. كان جوهر آراء فيلمر بسيطًا على نحو غريب، بل إن آراءه بَدَتْ أيضًا لبعض معاصريه أكثر من مجرد آراء غريبة. كان فيلمر يرى أن جميع أشكال السلطة بين البشر تنبثق في الأساس من نفس النوع؛ سلطة الأب في عائلته، وسلطة الملك في مملكته؛ فكل سلطة يمارسها إنسان على غيره من البشر هي سلطة ممنوحة مباشَرةً من الله، وبما أنه ما من إنسان يملك حقَّ التحكُّم في حياته، وبما أنه من حق كل الحُكَّام البشر إزهاق أرواح رعاياهم أو الأعداء الغرباء متى تسبَّبوا — بحسب تقديرهم — في الإضرار بالصالح العام، فلا مفرَّ من أن نَخْلص إلى أن الحُكَّام لم يستمدوا هذا الحق من رعاياهم وإنما من الله نفسه. ويستحيل التوافق بين تحريم المسيحية للانتحار وحقوق الحاكِم، إلا بافتراض أن حقوق الحاكِم هي عطية الله له. ترصد النصوص المسيحية (أو العهد القديم، لنكون أكثر دقةً) مناسبةَ هذه العطية الربانية على وجه الدقة؛ فقد سلَّمَ الله الأرضَ بأكملها للإنسان الأول آدم، وجميع السلطات السياسية وحقوق المِلكية هي نتيجة تاريخية وشرعية لهذه العطية. لقد كانت سيادة آدم حقيقة تاريخية لا يجد مدعاةً لإنكارها سوى الآثمين (أو أولئك الأشقياء الذين لم يصادفهم الحظ كي يتلقَّوا الوحي المسيحي). ومنذ أن فوَّضَ الله الإنسان الأول بحُكم العالم، صار سلطان آدم — الذي هو شكل من أشكال المِلكية بقدرِ ما هو أحد أشكال حُكم البشر وفرض السيطرة عليهم — مُقسَّمًا بحسب سياق التاريخ الإنساني إلى تقسيمات فرعية، لكن كل تقسيم فرعي كان تعبيرًا مباشِرًا عن العناية الإلهية، ولا بد من النظر إليه باعتبار أنه يمثِّل مشيئة الله. وكانت المسئوليات السياسية لأي رجل لم يُصادِف يومًا أن صار حاكِمًا (بل أيضًا المسئوليات السياسية لأي امرأة) هي ببساطة أن يفعل ما يُملَى عليه، وأن يقرَّ بالعناية الإلهية في السلطة السياسية التي وجد نفسه خاضعًا لها؛ ومن ثَمَّ أن يحترم هذه السلطة ويَدين لها بفروض الطاعة. ولم يكن بيان فيلمر لهذا الرأي واضحًا أو مستوفِيَ الأركان، وكان من المستبعَد تمامًا فيما يبدو أن يقتنع مَنْ لم يشعروا أنهم مُلزَمون بطاعة الحاكِم — وهم كُثُر — بأنهم مُلزَمون في دخيلة أنفسهم بتلك الطاعة.

لكن إذا كانت نظرية فيلمر تفتقر إلى قوة الإقناع، فإنها أثارت عددًا من المشكلات المحيِّرة لأي شخص يؤمن أن المصادر العملية للسلطة السياسية بشرية محضة. وربما من الأمور المهمة أيضًا أن الشكل الذي اتخذته نظريتُه قدَّمَ مزاعمَ السلطة السياسية المطلقة على نحوٍ مُستهجَنٍ بوضوح، وكما رأينا سابقًا، لم يجد لوك حَرجًا في اعتبار الطاعة السياسية واجبًا بسيطًا وجوهريًّا للغاية بالنسبة إلى معظم الرجال (وكل النساء تقريبًا) في معظم الأحيان، وهي نتيجة للقانون الإلهي «الذي يَنهى عن مخالفة الحكومات أو حلها.» ومما لا شكَّ فيه أن لوك في خضم الملابسات المحيطة بأزمة الإقصاء، كانت لديه دوافع قوية لإعادة النظر في نطاق هذا الواجب وشموليته، وللتشكُّك في فرضياته السابقة حول الأمور التي جعلته واجبًا بالفعل. مهَّدت كتابات فيلمر الطريق أمامه بسهولة؛ حيث قدَّمَ عقيدة محددة لم يجد لوك عَناءً في رفضها؛ يرى فيلمر أن حقوق الحاكِم هي عطية شخصية من الله، ولا بد من فهمها في الأساس بوصفها حقوقَ مِلكيةٍ، تسري على البشر والأرض والسلع المادية؛ فالرعايا مِلك للحاكِم ويَدينون له بالطاعة؛ لأن الله منحه إياهم من خلال تدابير عنايته الإلهية. وردًّا على ذلك، سعى لوك إلى التمييز بوضوح بين واجبات الرعايا في الطاعة وحقوق الحاكِم في إصدار الأوامر وفرض السيطرة. سوف يتعيَّن في أغلب الوقت على معظم الأفراد في المجتمعات أن يطيعوا حُكَّامهم؛ لأن السلام والنظام المدني شرطان أساسيان لأنْ يحيا الإنسان حياة كريمة، لكن سيكون للحُكَّام في المقابلِ الحقُّ في إصدار الأوامر فيما يختصُّ بالمواضع التي تكون فيها ممارستهم سلطتَهم والأوامرَ التي يصدرونها جديرةً بالطاعة. وإذا كان الحُكَّام أنفسهم يمثِّلون تهديدًا للسلام والنظام المدني، فسيكون لرعاياهم كلُّ الحق في تقدير حجم هذا التهديد ومدى قربه منهم، وإذا بَدَا هذا الخطر جسيمًا بما يستدعي المقاومة، فعليهم أن يقاوموه ويتصدوا له بكل ما أوتوا من قوةٍ؛ ومن ثمَّ منح فيلمر لوك ما كان يتمنى أن يدحضه؛ مساواة عملية وصريحة لكل أصحاب المناصب في السلطة السياسية بطبيعتهم البشرية الصرفة مع مشيئة الله نفسه، لكنه وضع لوك إزاء العديد من المسائل الفكرية الشائكة، من أبرزها مسألتان على وجه التحديد؛ إحداهما: مسألة المواءمة بين المصدر البشري المحض للسلطة السياسية من جانب، وحق الاستحواذ على حياة الإنسان وسجلِّ التاريخ العلماني والديني من جانب آخَر. وثانيهما: هي مسألة شرح الكيفية التي استطاع من خلالها البشرُ أن تكون لهم ملكيةٌ فردية في أي جزء من أرض الله أو خيراتها.

حق المِلكية

كانت مسألة المِلكية على وجه التحديد من المسائل المثيرة للتحدي. وجَّهَ فيلمر نقده نحو نظرية حق المِلكية الأكثر تأثيرًا في القرن السابع عشر، التي صاغها كاتِب القانون الطبيعي الهولندي البارز هوجو جروتيوس. كان فيلمر ينظر إلى جروتيوس على أنه ينادي بفكرتين متناقضتين؛ وهما: رأيه أن الطبيعة كلها بخلاف الإنسان هي ملكية مشتركة للبشر جميعًا، ورأيه أن الأفراد — رجالًا ونساءً — يمكنهم الاتفاق بالتراضي فيما بينهم على امتلاك أجزاء منها. وما جعل هاتين الفكرتين متناقضتين على نحو واضح، في رأي فيلمر، هو الثغرة التي انطوت عليها كلتا الفكرتين فيما يخص قوانين الله للبشر. يرى فيلمر أن هذه الثغرة اتضحت في موقفَيْ جروتيوس المتناقضين؛ اللذين في أحدهما على ما يبدو «قدم المجتمع» برمته بوصفه مالِك الطبيعة، في حين فرض في الآخَر الملكية الخاصة. ومن وجهة نظر أي شخص على دراية أكبر بالتطوُّر التاريخي للمجتمع البشري، لم يكن هذا الاعتراض على درجة كبيرة من الأهمية، إلا أنَّ فيلمر استند إليه في صياغة رأيين نقديين آخرين كان من الصعب التغاضي عنهما؛ أولهما: أن فيلمر درسَ بشيء من التفصيل الصحةَ التاريخية للتسلسل الذي تصوَّرَه جروتيوس، وكان يتطلب من الجنس البشري ككل (أو مجموعات منه في مكان معين) أن يتضافر ويتفق بالإجماع على تقسيم ملكيته لكل الأشياء التي يملكها على نحو جماعي؛ إذا كانت الملكية من قبيل الحق، وإذا كان كل البشر في الأساس يشتركون معًا في ملكية كل شيء، فمن غير الممكن إذن أن يفقد إنسان حقه في كل شيء (أو أي شيء) دون أن يختار عن وعيٍ التخلِّيَ عن هذا الشيء. وثانيهما: أن فيلمر تساءل عمَّا إذا كان الاتفاق بالإجماع بين جميع البشر الذين هم على قيد الحياة في وقت معين، من شأنه أن يكون مُلزِمًا لأي أفرادٍ يأتون لاحقًا ولم يكونوا هم أنفسهم طرفًا في الاتفاق، أو عمَّا إذا كان الاتفاق بالإجماع سيكون مُلزِمًا بالضرورة لأي طرف من أطراف الاتفاق الأصلي، يُحتمَل يغير رأيه بشأن مزايا هذا الاتفاق وجدواه. يرى فيلمر أن المِلكية لا تكون مكفولةً عمليًّا وجائزةً قانونًا إلا إذا كانت تعبيرًا مباشِرًا عن مشيئة الله، شأنها شأن السلطة السياسية نفسها، وبما أنها تعتمد على قرار البشر والتزامهم، فإن أيَّ حق يخضع لتعديلاتٍ لا نهائية. في هذه النقطة على الأقل، كان لوك يتفق إلى حدٍّ كبير مع فيلمر. لقد كان السؤال الخاص بكيفية كفالة حقوق الملكية القائمة، في ظل حكومةٍ من اختيار الشعب برمته، هو سبب فشل حملة «أنصار المساواة» في الحرب الأهلية. وحسبما طالَبَ هنري إرتون بشدة قادة حركة «أنصار المساواة» في بوتني في أكتوبر عام ١٦٤٧: «يسعدني كثيرًا أن أعرف ما الذي فعلتموه أيُّها السادة — أنتم أو غيركم — يمنحكم الحقَّ في امتلاك أي شيء في إنجلترا.» إذا كانت السلطة السياسية لا تُستمَد مباشَرةً من الله، وإنما تعتمد على الاختيار البشري، فربما تبدو فكرةُ حق الملكية واهيةً وضعيفةً على نحوٍ مُقلِقٍ.

كانت استجابة لوك لهذا التهديد بارعة للغاية؛ فهو يرى أنَّ من الصائب على مستوى العقل البشري والوحي الإلهي أن تكون الأرض — شأنها شأن قاطنيها من البشر (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية) — ملكًا لخالقها، وأن الله منحها إلى جميع البشر القاطنين فيها كي يستمتعوا جميعًا بها. ويرفض لوك فكرةَ وجود أيِّ حقٍّ من حقوق الملكية الخاصة، استنادًا إلى افتراض فيلمر أن الله منح الأرض كلها إلى «آدم ونسله تباعًا، ما خلا سائر ذريته»، لكنه قرَّرَ أن يجيب بنفسه إجابةً وافية على الهدف النقدي الرئيسي لهجوم فيلمر على جروتيوس، وهو السؤال عن كيفية أن يكون للإنسان حقٌّ خاصٌّ في أي جزء من هذا الإرث العام، وكانت إجابته عن هذا السؤال هي الأشهر، وهي التي منحت نظرية المِلكية التي صاغها تأثيرها التاريخي البارز والمتنوع. إن العملَ هو ما يميِّز الملكية الخاصة عن الملكية العامة؛ العملَ البدنيَّ للإنسان وكدَّ يده؛ فالعملُ هو ملكية العامِل التي لا نزاع عليها، وبمزج العمل بالأغراض المادية — مثل الصيد وجمع الثمار، وأيضًا زراعة الأرض — يكتسب الإنسانُ الحقَّ فيما اشتغله وما صنعه من هذه المواد؛ ﻓ «حياة الإنسان تقتضي العمل ووجود مواد لاستخدامها، وهذا الشرط يستتبع بالضرورة وجود ممتلكات خاصة.» لقد وهب اللهُ الإنسانَ الأرضَ «للانتفاع بها وبخيراتها ونعمها الكبرى التي يمكنه الاستفادة منها»، لكنَّ الله منحه الأرض كي يُحسِن استخدامها بكدِّه، منحه إياها كي «ينتفع بها المجتهدون والعُقلاء»، وليس لاستغلالها تبعًا «لأهواء المشاكسين والمجادلين أو أطماعهم»، وعلى المجتهدين والعُقلاء أن يستفيدوا منها جيدًا. وهي ببساطة ليست مِلكًا لهم، كي يتدبَّروها حسبما يتراءى لهم تمامًا؛ فهُم وكلاء على العالم، ولا بد أن يُظهِروا وكالتهم تلك في اجتهادهم وعقلانيتهم. ربما يسيطرون على الطبيعة ويستهلكون خيراتها (هذا هو حرفيًّا الغرض من الطبيعة)، لكنهم غير مخوَّلين بأية حال لإهدار أيٍّ منها، «فما من شيء خلقه الله للإنسان كي يُفسِده الإنسانُ أو يدمِّره». ومن خلال ممارسة المجتهدين لوكالتهم تلك، فإنهم يغيِّرون العالَمَ الذي منحه الله في الأساس للبشر، بعدد من الطرق الجذرية. إن العمل نشاطٌ إبداعي؛ فهو «يضفي فَرْق القيمة على كل شيء»، و«يحقق أقصى استفادة من قيمة الأشياء، التي نستمتع بها في هذا العالم.» وفي الأماكن التي لا يجتهد فيها الإنسان كما ينبغي، كما في منطقةٍ مثل أمريكا الغنية بالأراضي التي أمَدَّتْها الطبيعة بوفرة كبيرة في المواد، لن تحصل البلاد على جزء واحد في المائة من النِّعَم التي استمتع بها الناسُ في إنجلترا خلال القرن السابع عشر، «ستجد هناك مَلكًا صاحب أراضٍ كثيرة ومثمرة، يأكل ويسكن، ويرتدي زيًّا أسوأ من زي عامل اليومية في إنجلترا.» العمل قوة طبيعية في الإنسان، ومزاولته فرضٌ عليه من الله، ويحضُّ عليه الفهم العقلاني لمنزلة الإنسان في الطبيعة، وغالبًا ما تكون ثماره نافعة في مُجملها، وهو قديم قِدَم سقوط الإنسان. «في البدء كانت كل الأرض خربة» (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية)، لكن بحلول القرن السابع عشر تحسَّنَ الوضعُ في كثير من ربوع الأرض بفضل عمل الإنسان وكدِّه. وإذا كان العمل هو أصل الملكية، فإن الحق والأهلية ينصهران معًا — في هذا الأصل على الأقل، إن لم يكن بالضرورة بعد توارثه — ولا تَدَع الثمار التي تعود على البشرية جمعاء مجالًا للقلق حيال هذا الأمر. وفي البداية على الأقل، سيكون الأشخاص الذين بحوزتهم ملكية أكبر هم المستحقين لتلك الملكية بالفعل، ولن يكون ثمة ما يعتذرون عنه لمَنْ في حوزتهم ملكية أقل ويستحقونها.

لكن معظم العالم لم يَعُدْ أرضًا خربة؛ ليس لأن عمل الإنسان قد رفع ببساطةٍ من إنتاجيته على نحو هائل فحسب، لكن أيضًا لأن البشر اكتشفوا طرقًا لإيجاد شكل من التفاوت الاقتصادي يختلف عن الشكل الذي أتاحته لهم الطبيعة نفسها بوسائل مباشِرة. يشرِّع العمل مبدئيًّا «حق ملكية» في الأشياء المشتركة في الطبيعة (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية)، وهو حق يحدده الاستخدام؛ وبذلك فإنه يحلُّ المعضلة التي وضعها فيلمر لجروتيوس. في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ البشرية كان حق الملكية مسألةً بسيطةً وليست موضعَ نزاعٍ، «ولم يكن ثمة سبب حينها للنزاع حول حق الملكية أو الشك في ضخامة الملكية التي يمنحها هذا الحق، بل صار الحق والملاءمة أمرين متلازمين؛ لأنه كما أنَّ للإنسان حقًّا في كل ما يستطيع أن يوظِّف فيه جهده، فإنه لا يُبدِي الرغبةَ في العمل بما يفوق مقدار استفادته بهذا العمل وانتفاعه منه» (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية). وكانت الوسيلة التي مكَّنت الإنسان من الهرب من هذه الحالة هي اختراع النقود، التي هي عبارة عن مخزون دائم للقيمة «يستمد قيمته من رضا الإنسان فحسب؛ نظرًا لأنه يمثِّل قيمةً أقل لحياة الإنسان مقارنة بالطعام والكسوة والنقل.» يزيد اختراع النقود من التفاوت بين الملكيات على نحو بالغ، وهو التفاوت الذي أتاحته «درجات الاجتهاد المختلفة» التي يُظهِرها الإنسان، وبحسب تقدير لوك، فقد أتاح هذا تقريبًا للإنسان أن «يمتلك أكثر مما في إمكانه استغلاله»، بما أن في مقدوره أن يكتنز — دون أن يضرَّ بأي شخص — قيمةَ فائض العائد الذي تدرُّه ملكيته في صورة ذهب وفضة. ولا يعتمد التبادل النقدي على السلطة السياسية، كما أنَّ التفاوت الاقتصادي — الذي هو نتيجة للتبادل النقدي — لا يعتمد في شرعيته على القانون المدني لمجتمع معيَّن (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية).

هنا يشدِّد لوك على قضية بالغة الحساسية؛ ففي أي مجتمع سياسي، كما يقرُّ تمامًا، يكون القانون هو المنوط بتنظيم حقوق الملكية (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية)، لكن من الضروري لخدمة أهدافه ألَّا يكون هذا التنظيمُ تعسفيًّا بحق، بل ينبغي عوضًا عن ذلك أن توجِّهَه الأغراضُ التي توجد من أجلها الحكومات والأهداف التي تمنح البشر حقوق السيطرة على العالم المادي. في رأيه، لم تكن حقوق الملكية المُستمَدة مباشَرةً من العمل بحاجة إلى التشريع الذي تضعه الحكومات، ولم تُجِزْ هذا القدر الكبير من تعديلات الحكومة. لكنَّ العمل لم يقدِّم للبشرية سوى الخير. أما دور النقود فكان أكثر غموضًا في مجمله؛ فقد أوجَدَ المالُ على أقصى تقديرٍ أسبابًا للنزاع حول حق الملكية، وأثار شكوكًا حول حجم الملكية وضخامتها. وكان المال هو ما أفاد أنه لم يَعُدْ ثمة تلازُمٌ بين الحق والملاءمة، فقد تأسَّسَ النظام الاجتماعي والاقتصادي بأكمله في إنجلترا خلال القرن السابع عشر على نظامٍ بشريٍّ، شعر لوك في قرارة نفسه أن وضعه الأخلاقي متناقض للغاية. وفي هذه الفكرة تحديدًا من نظريته ودون مفارقة تاريخية، يمكننا أن نراه وهو يركِّز بإيجاز — ولكن على نحو ثاقب — على فتور الجانب الأخلاقي للرأسمالية التجارية، لكن بمقدورنا أن نرى ذلك بكل وضوح، ولا يعود الفضل في ذلك إلى بصيرتنا الخارقة أو مزايا الإدراك المتأخِّر، وإنما لأن لوك نفسه لم يكن يشعر برغبة كبيرة في إنكاره، ولم يكن الغرض من نظرية لوك في الملكية هو إخفاء إحساسه بالخيبة بشأن النظام الاجتماعي والاقتصادي لإنجلترا في ذلك الوقت.

لكنْ، أيَّ نوع من حقوق الملكية رامَ لوك في الحقيقةِ الدفاعَ عنه؟ من الأسهل أن نحدِّد عن يقينٍ نوعَ الملكية الذي تمنَّى أن ينكره، وربما كان هذا هو الأوضح بالنسبة إلى لوك نفسه. كانت «الملكية» حسبما أوردها في أعماله هي الكلمة الرئيسية للتعبير عن حقوق الفرد ومستحقاته، ولو لم تكن ثمة حقوق للفرد، لَمَا ظهَرَ الظلم؛ فإلحاق الظلم بأحدهم يعني أن يُنتزَع منه شيء له الأحقية فيه؛ على سبيل المثال: حياته، أو حريته، أو ممتلكاته المادية. والغرض من وجود الحكومات هو حماية حقوق الأفراد؛ ومن ثَمَّ فالحكومات موجودة كي تكفل لكل البشر حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم المادية. لا شكَّ أن لكل إنسان الحقَّ في صون حياته وحريته، إلا إذا أسقط هذا الحق عنه بالاعتداء العنيف على حياة الآخرين وحرياتهم. بَيْدَ أن أحقية الممتلكات المادية كانت أمرًا أكثر تعقيدًا؛ فالممتلكات المادية التي هي ثمرة مباشِرة لعمل الإنسان وجهده، هي ملكٌ له في حقيقة الأمر، ولا يوجد دليل على أن لوك شَعَر بأدنى قدرٍ من التأنيب لاحتمال أن تكون تلك الممتلكات قد مُنِحَت لآخَرين في حياة مالِكها، أو أن تكون انتقلت إلى ورثته بعد موته (رسالتان في الحُكم، الرسالة الأولى). لكن بما أن مقدار التفاوت الاقتصادي كان يعتمد على أحد أشكال العُرْف السائد بين البشر فحسب، كان من الأصعب تجنُّب الشكوك المثارة حول ضخامة الملكية، ولا نعرف فعليًّا وعلى وجه الدقة رأيَ لوك في هذه المسألة، لكن ثمة العديد من النقاط التي يمكن الجزم بصحتها.

أولى هذه النقاط أن الباعث الرئيسي الذي دفعه إلى أن يناقش في الفصل الخامس من «الرسالة الثانية» الملكيةَ بمفهومنا؛ أَلَا وهو الحق في الممتلكات المادية. كان الرغبة في إنكار حق الملك الحاكِم في أن يفعل ما يحلو له بالممتلكات المادية لرعاياه، دون موافقة صريحة منهم. لقد كان ما زعمه الملك تشارلز الأول حول ممارسته هذا الحقَّ من أجل الصالح العام، هو أحد العوامل الرئيسية التي عجَّلت من اندلاع الحرب الأهلية في بريطانيا، وقد مثَّلَتِ احتماليةُ تجدُّد هذا الحق على يد ابنه تهديدًا سياسيًّا مهمًّا بالنسبة إلى حزب الويج خلال أزمة الإقصاء، وهذا أيضًا من الحقوق التي دافَعَ عنها فيلمر بكل حدَّةٍ. وكانت الوسيلة الأولى التي استعان بها لوك في تأسيس حق الملكية على العمل، هي الوضوح الذي جابَهَ به هذا التحدِّي؛ إنَّ الله — وليس العُرف السائد بين البشر — هو الذي منح الإنسانَ الحقَّ في الانتفاع بثمار عمله. وفي الواقع، فإن العُرف وحده هو الذي منح الملك هذه السلطة التي يتحكَّم بها في رعاياه، وبدلًا من أن تكون له سيادة ملكية على رعاياه والأراضي التي ورثها مباشَرةً عن آدم حين منحه اللهُ الأرضَ واستخلفه فيها، كان على الحاكِم ببساطة — حسبما يرى لوك — أن يستخدم هذه السلطة على قدرِ ما هو متاح منها، وأن يستغلها في حماية الحقوق التي منحها الله نفسُه لرعاياه بصورة مباشِرة.

كان لوك يدرك بالطبع — حسبما يتضح من صياغته لهذا الرأي — أن سلطةً أخلاقية مباشِرة وشفافة على الممتلكات ترتكز على الجهد البدني، لم تتَّسِع (ولم يكن من المتوقَّع أن تتَّسِع) لتشمل نطاقَ التفاوت الاقتصادي الذي أفرزته عمليةُ التبادل النقدي على مدى فترة زمنية طويلة. لكن لم يكن ما يحتاجه لوك ليدحض مزاعم الملوك بأحقية التصرف في ممتلكات رعاياهم بحسب ما يرون أنه الأفضل، هو نظريةً توضِّح سببَ الأحقية الكاملة والصريحة لكلِّ فردٍ من الرعايا في أي شيء حاز ملكيته بالوسائل القانونية والشرعية، ولكن كان ما يحتاجه ببساطة هو تفسير السبب الذي يمكن به أن تكون الملكية الخاصة (وكثيرًا ما كانت كذلك) حقًّا مناوئًا حتى للسلطة السياسية الشرعية. ووفقًا لما أورده لوك نفسه، فإن انتزاع ثمرة مجهود شخصٍ ما هو شكلٌ من الظلم مغايِر تمامًا للظلم الذي يتأتَّى من انتزاع أرباح المضاربة، أو فرْض ضرائب على بيان ريع الأراضي لدى أحد الأرستقراطيين، الذي وصل إلى مالِكه الحالي عن طريق أعمال النهب في الماضي، أو بمحسوبية أحد الأجداد الأوائل المنتمين إلى نسل الملوك. لكن من وجهة نظر لوك السياسية، كانت الاحتمالات المتعلقة بالمحسوبية الملكية هي بالطبع أبرز التهديدات وأكثرها إلحاحًا في ذلك الوقت؛ وما من سبب للاعتقاد بأن لوك كان سيشعر باستهجان أقل في الحالة الثانية عن الأولى.

من الأمور التي يصعب تقييمها رأيُ لوك في نظريته عن المِلكية عندما تأمَّلَها بعد سنوات، ولا سيَّما في السنوات الأخيرة من حياته. ما نعرفه — حسبما ذُكِر بالفعل — أنه كان يفخر بها، إلا أننا لا نعرف بالضبط الأوجه التي منحته هذا القدر من الرضا. وأجرأ رد على هذه المسألة كان ما قدَّمَه سي بي ماكفرسون على نحو مدهش للغاية؛ وهو أن لوك كان يقصد من نظريته أن تكون تفسيرًا للشرعية الأخلاقية للإنتاج الرأسمالي. ثمة حُجة ضعيفة لأخذ هذا الرد على محمل الجدِّ، باعتباره تقييمًا لمقاصد لوك من صياغة نظريته. لكنْ ثمة سؤال أكثر أهميةً؛ وهو: إلى أي مدًى قد يصوِّر هذا الرأي — ولو بشيء من المفارقة التاريخية البسيطة — إحساسَ لوك بالإنجاز الذي حقَّقه بصياغة هذه النظرية؟ لكن يظل هذا الرأي في أقوى أشكاله غيرَ مقنع بالمرة؛ فقد اعتقد لوك — مثل توماس الأكويني — أن كلَّ البشر لديهم الحق في الكفاف المادي، وهذا الحق يتجاوز حقوق ملكية الآخرين. كان لوك يرى أنه حتى إذا كان السعر العادل هو سعر السوق (الفصل الخامس)، فإن الإصرار على عدم البيع إلا بسعر السوق لرجل في احتياج مميت بما يتسبَّب في هلاك هذا الرجل، هو ضربٌ من القتل. وكان يرى أن أولئك الذين ظلوا يعملون طوال حياتهم، لهم الحق في أن يعيشوا في الكِبَر حياةً كريمةً، وليس الحق في مجرد الكفاف فحسب، وكل هذه حقوق كانت تستند مباشَرةً إلى منْحِ اللهِ الأرضَ للبشر أجمعين، وفكرة أن الأعراف البشرية اللاحقة (مثل التبادُل النقدي) ربما تكون لها الأحقية في التعدي على تلك الحقوق، تتعارض تعارُضًا جوهريًّا مع مفهوم لوك عن الملكية. أقرَّ لوك فعليًّا أن السيد يمكنه امتلاك العمل المدفوع الأجر لخادمه. لكن هذا الإقرار العارض نسبيًّا لما كان على أية حال سمة رئيسية للعلاقات الاقتصادية الإنجليزية في زمنه من الصعب أن يكون تأكيدًا لحماسه تجاه الدور المحوري لسوق العمالة بالأجر في الإنتاج الرأسمالي؛ إذ ينكر لوك صراحةً أن الإنسان الذي حُرِم من وسائل الإنتاج (التي منحها الله لكل البشر)، يمكن إجباره على الخضوع والإذعان من خلال التحكُّم في تلك الوسائل (رسالتان في الحُكم، الرسالة الأولى).

يمنح «الإحسان» كلَّ إنسانٍ الحقَّ في أن ينهل الكثير مما يوجد بوفرة لدى الآخَر، كما يحميه من العَوَز الشديد؛ حيث لا يملك سبلًا أخرى للعيش، وليس ثمة ما يبرر استغلالَ شخص لحاجة شخص آخَر، من أجل إرغامه على الخضوع له، بمنع تلك الإعانة التي يُلزِمه الله بتقديمها إلى إخوانه المعوزين، أكثر من أن يكون في مقدور هذا الشخص الأقوى الاستحواذُ على الشخص الأضعف وتسخيره لطاعته، مطالِبًا إياه — تحت تهديد السلاح — إما بالموت وإما بالعبودية (رسالتان في الحُكم، الرسالة الأولى).

fig10
شكل ٢-٣: جون لوك، ١٦٧٦، للرسَّام جون جرينهيل.

ثمة سبب وجيه بصفة عامة للاعتقاد بأن لوك شعر أن مفهومه عن المِلكية يمثِّل تقدُّمًا هائلًا على المنظِّرَيْن البارزَيْن في مجال حقوق المِلكية؛ جروتيوس وبوفندورف، وذلك في شرحه لمنظومة الحقوق التي يُبنَى عليها المجتمع التجاري. لكن ليس ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه كان ينظر إلى منظومة الحقوق هذه بحماس لا يميِّز بين الجيد والرديء. لقد غيَّرَت إنتاجية العمل البشري وجه العالَم بما يحقِّق متعةَ الإنسان، حسبما أراد الله منها؛ وعزَّز التبادل النقدي — الذي هو وسيلة بشرية خالصة — هذا التحوُّلَ بالعديد من السُّبل، لكنه أضرَّ أيضًا بالشفافية الأخلاقية للملكية البشرية بما لا يدع مجالًا لاستعادتها مرة أخرى، وحيثما تصطدم الحقوق المترتبة مباشَرةً على العمل، مع تلك التي تعتمد على التبادلات النقدية المعقَّدة وحدها، سيكون لوك نفسه في وضع صعب لا يسمح له بإجازة الحقوق المترتبة على التبادلات النقدية المعقدة. وفي ذلك الحين كان التاريخ المتشابك لنظرية القيمة المستمدة من العمل، في تبرير الإنتاج الرأسمالي ورفضه، منعكسًا بالفعل من خلال أوجه الالتباس في النظرية التي صاغها.

طبيعة السلطة السياسية

كان ثاني تحدٍّ أثارته كتابات فيلمر في ذهن لوك، أيسرَ في مجابهته في بعض النواحي، وأثار ردًّا أقل أصالة من جهته. لكن لمَّا كان السؤال موضع الخلاف في هذه الحالة سؤالًا عن الحق في مقاومة السلطة السياسية الجائرة، فقد تناوَلَه لوك بقدرٍ من الإسهاب والحماس البلاغي يفوق ما خصَّصَه لموضوع حقوق المِلكية. كان فيلمر يعتقد — كما رأينا — أن كل الرعية مدينون بالطاعة لحاكِمهم؛ لأن الله أسلمهم، حرفيًّا، إلى هذا الحاكِم بما معهم من الأراضي القاطنين فيها. وعلاقة حاكِمهم بهم هي علاقة مالِك بممتلكاته، وكان لوك نفسه يتبنَّى في سنوات مبكرة من حياته وجهةَ نظرٍ إيجابيةً حول مزاعم السلطة السياسية. لكن ليس ثمة ما يدعو للاعتقاد في أنه كان سيجد في مذهب فيلمر المتعنت أيَّ مصدر جاذبية على الإطلاق. لقد استحسن لوك القوةَ التي أكَّدَ بها فيلمر على الأهمية المحورية التي يمثِّلها حظرُ المسيحية للانتحار في النظرية السياسية، لكنه استخدمها لإصابة أفكار فيلمر في الصميم، فلمَّا كان الإنسان في نهاية المطاف مِلكًا لخالقه وليس مِلكًا لنفسه، فإنَّ حقَّ أيِّ إنسان في انتزاع حياة غيره (بما في ذلك حياته هو نفسه) يجب أن يستند مباشَرةً إلى مقاصد الله من خلق الإنسان بوجه عام. ففكرة أن يمتلك إنسانٌ إنسانًا آخَر بالوراثة، فضلًا عن ملايين الأشخاص، ليست لها أية علاقة منطقية بالأغراض التي خلق الله الإنسانَ من أجلها. لقد حوَّلَتِ الحُججُ التي ساقها فيلمر كلَّ الرعايا السياسيين إلى عبيد. كانت العبودية هي الجزاء المُنصِف الذي يمكن أن يلقاه الإنسانُ جرَّاء اقترافه شرًّا ما، لكنها كانت على النقيض من حياة الإنسان الحقيقية، ولا يمكن تحت أي ظرف أن تكون نتيجةَ الآثام التي يرتكبها شخصٌ آخَر. (ولا بد أن لوك شعر بإحراج شديد حيال هذا التحفُّظ بصفته أحد المساهمين في شركة «رويال أفريكا كومبني» لتجارة الرقيق، بما أنه كان يقتضي بوضوح أن العبودية كوضعٍ لا يمكن أن تُورَّث شرعًا من جيل لآخَر؛ فكل أشكال العبودية الشرعية كانت في الأساس ضربًا من العقاب، ولم يكن من الممكن أن تُورَّث جرائمُ الأب أو الأم إلى أبنائهما.) ومن وجهة نظر لوك، كانت العبودية هي النقيض الصريح للسلطة السياسية الشرعية. وما جعل السلطة السياسية شرعيةً، وما أعطى الحُكَّام الشرعيين حقَّ السيادة، هو الخدمات الفعلية التي بمقدورهم أن يقدِّموها إلى رعاياهم، وقد قدَّموها بالفعل؛ ومن ثَمَّ، لا يُعد الملوك الشرعيون مالكين لرعاياهم، بل خدمٌ لهم.

رأى فيلمر (حسبما كان في الواقع رأيُ لوك في شبابه) أن الإنسان عنيد وأناني وميَّال إلى النزاع بدرجة تحتِّم ألَّا يُترَك دون مساعدة للسعي نحو خلاصه الفعلي، وقد تولَّتِ العنايةُ الإلهية حمايتَه، وكان ذلك في المقام الأول من خلال إخضاعه دائمًا لمنظومةٍ من السلطة الفعَّالة. ظلَّ لوك طوال حياته الفكرية متفقًا مع هذا التقييم لطبيعة الإنسان والسلوكيات الممكن توقُّعها منه، لكنه عمد بثقة في «رسالتان في الحُكم» إلى توسيع نطاق هذا التقييم ليشمل الحُكَّام بقدرِ ما يشمل الرعية، واستخلص منه نتائج مختلفة تمامًا عمَّا استخلصها فيلمر. في كتاباته الأولى كانت ثمة هوَّة واسعة بين الحاكِم الإله وبين الأغلبية «التي يرى الحُكماء دومًا أنها وحوش جامحة ويطلقون عليهم تلك الصفة» (مقالان في الحكومة)، لكن هذه الهوة اختفت في «رسالتان في الحُكم»، وغالبًا ما صار يُنظَر إلى الحاكِم بالصورة نفسها التي يُنظَر بها إلى رعاياه، على أنه يسلك طريق «القوة، التي هي نهج الحيوانات والوحوش» (رسالتان في الحُكم).

إنَّ العقل على النقيض من القوة؛ فالعقل هو الذي يميِّز الإنسان عن الحيوان، وطريق العقل هو الطريق الذي تريد مشيئة الله أن يسلكه الإنسان، ويستطيع الإنسان — بل يتعيَّن عليه أيضًا — من خلال إعمال عقله أن يعرف ما يريد اللهُ منه أن يفعله، والعقل هو الذي يتيح للإنسان تقدير النهج الأفضل في الأمور التي لا يكون لمشيئة الله دخل مباشِر فيها. والعقل موجود لدى كل البشر البالغين الأصحاء عقليًّا؛ فقد وُلِد جميع البشر أحرارًا وعاقلين، وإنْ كانت هذه مَلَكاتٌ عليهم أن يتعلموا كيفية ممارستها بمرور الوقت، وليست صلاحيات وقدرات يحوزون عليها كاملةً عند ولادتهم. وكل البشر — بوصفهم مخلوقات الله العاقلة التي تعيش في عالمٍ مِن خلق الله — سواسية، سواء في حقوقهم الرئيسية أم في الواجبات المكلَّفين بأدائها.

وفي ظل هذه المساواة في الحقوق والواجبات، وبعيدًا عن الوقائع التاريخية الفعلية لكل زمان ومكان، يجابه البشر بعضهم بعضًا فيما يسمِّيه لوك الحالة الأصلية، وهذه الفكرة على الأرجح هي أكثر أفكاره التي أُسِيء فهمها على الإطلاق؛ نظرًا للدور الذي تؤديه فكرة مشابهة جزئيًّا في كتابات توماس هوبز. يصف هوبز الحالة الأصلية للبشر (في مرحلةِ ما قبل بناء المجتمعات) بأنها حالة صراع عنيف تتولَّد عن الحماس والعداء، والعقل وحده هو القادر على إنقاذ الإنسان منها، والخوفُ من الأخطار المميتة هو الحافز الوحيد الذي لديه ما يكفي من القوة للتغلب على تلك الخِصال المعادية للمجتمع لدى الإنسان. ويتبنَّى لوك وجهةَ نظر أقل انفعالًا بشأن المخاطر الفعلية التي يمثِّلها البشر بعضهم لبعض، ويقرُّ بالخِصال الاجتماعية واللااجتماعية في الطبيعة البشرية، لكنه في المجمل لا يختلف كثيرًا عن هوبز (أو في الحقيقة عن فيلمر) في حُكمه على ماهية الإنسان والتصرفات المتوقعة منه. لكن بينما يمكننا فهم الحالة الأصلية من وجهة نظر هوبز على أنها صورة توضِّح الكيفيةَ التي كان الإنسان سيتصرف بها لو لم يكن خاضعًا لسلطة سياسية، فإن هذه العبارة وفقًا لرأي لوك لا تشير ببساطة إلى ميول الإنسان وتوجُّهاته على الإطلاق؛ فالحالة الأصلية من وجهة نظره هي الحالة التي خلق الله عليها كلَّ البشر عندما أتى بهم إلى العالم، قبل الحياة التي يحيونها، وقبل المجتمعات التي تأسَّست بعيش تلك الحياة. ولم يكن الغرض من ذلك هو بيان الحالة التي عليها الإنسان وماهيته، وإنَّما بيان حقوق البشر وواجباتهم بوصفهم مخلوقات الله.

أقصى حقوق الإنسان وواجباته أن يقدِّر أوامرَ خالقه فيما يخص الكيفية التي يريده أن يعيش وفقًا لها في هذا العالم، الذي هو أيضًا من خلق الله، وما يقتضيه الله من جميع البشر في الحالة الأصلية هو أن يعيشوا طبقًا لقانون الطبيعة، ويستطيع كلُّ إنسان بإعمال عقله أن يفهم مضمونَ هذا القانون وفحواه. لكن مع أنَّ لوك كان مقتنعًا تمامًا أنه يتوجَّب على البشر فَهْمُ هذا القانون والواجب المنوطين به للالتزام بمتطلباته وقدرتهم على ذلك، فإنه لم يكن واثقًا البتة في مطلع ثمانينيات القرن السابع عشر في الكيفية التي يُعتقَد — بل يتعيَّن أيضًا — أن يَستخدم بها البشر هذه القدرةَ لفهم هذا القانون. وكما سنرى، انشغل لوك طوال حياته الفكرية بمسألة الكيفية التي يستطيع بها الإنسان التمييز بين القواعدِ التي يمليها عليه قانونُ الطبيعة، وأشكالِ التحيُّز والإجحاف السائدة في مجتمعه؛ مع ذلك استطاع لوك أن يغضَّ الطرفَ بسلام عن مسألة كيفية فهم الإنسان لمضمون قانون الطبيعة في كتابه «رسالتان في الحُكم»، لكن كان المهم ببساطة هو واجب البشر في الالتزام بهذا القانون وقدرتهم على ذلك، مع قدرتهم أيضًا — بوصفهم مخلوقاتٍ حرَّةَ الإرادة — على اختيار الإخلال به وعدم الامتثال له. ولم تكن ثمة معارضة في صفوف مَنْ كان يعتزم لوك الجدال معهم في هذا الوقت على هذا الحُكم؛ ولو كان قد حاوَلَ إثباتَ هذا الحُكم في مَعرض نقاشه، لكانت تلك المحاولة غير مجدية ومستنفدة فكريًّا تمامًا، شأنها — على سبيل المثال — شأن محاولة إثبات وجود خالق إلهي في هذا العمل نفسه.

في الحالة الأصلية تتساوى الواجبات المنوط بها إلى كل إنسان بموجب قانون الطبيعة مع الحقوق المكفولة له بموجب هذا القانون، وأهم هذه الحقوق هو محاسبة الآخَرين على خرقهم لهذا القانون ومعاقبتهم وفقًا لذلك: السلطة الإجرائية لقانون الطبيعة التي بمقتضاها فقط يصير هذا القانون نافذًا ومعمولًا به بين البشر على الأرض؛ فليس لأي إنسان الحق في قتل نفسه؛ لأن كل البشر مِلك الله (تقييد واضح لمفهوم وجود أي ملكية للبشر في أجسادهم). لكن يحق لكل إنسان إنزال العقوبات — بما يصل أيضًا إلى عقوبة الموت — بأي إنسان يَنتهك قانون الطبيعة انتهاكًا بالغًا يَستوجب هذه العقوبة، وبخاصة إنزالها بأي إنسان آخَر هدَّدَ حياة أي إنسان دون مبرر. فإفساد أيٍّ من عطايا الله وإهدارها كان يمثِّل مخالفةً لقانون الطبيعية، لكن سلب حياة أي إنسان أو إهدارها كان يمثِّل جُرمًا ذا وقع خاص. كانت الحالة الأصلية حالة من المساواة، وكان لا يزال من الممكن فيها — حتى في العالم المتحضر في عصر لوك — أن يلتقي البشرُ بعضهم ببعض من حين لآخَر. ومتى التقى الأفراد خارج إطار سلطة سياسية شرعية مشتركة، فإنهم وفقًا لهذا المفهوم يلتقون أيضًا بوصفهم سواسية: سواء اجتمع مواطن سويسري وآخَر هندي في غابات أمريكا، أو التقى ملك إنجلترا بملك فرنسا في معسكر القماش الذهبي لتقرير مصائر بلديهما. ومن وجهة نظر فيلمر، التي كانت تتفق في الواقع مع وجهة نظر كثير من نقاد القرن الثامن عشر الذين تعرَّضوا للنظريات المتعلقة بالحقوق الطبيعية، كانت الحالة الأصلية زعمًا مفتعَلًا عن ماضي الإنسان، أو تعديلًا مُلفَّقًا في سجل الكتاب المقدس، أو ضربًا من التاريخ التدنيسي المزيَّف بالكامل، لكن لا شك أنها من وجهة نظر لوك لم تكن ضربًا من التاريخ على الإطلاق؛ إذ إنها كانت حقيقة قائمة في العالم في عصره بقدرِ ما هي حقيقة قائمة منذ آلاف السنين، وترمي بظلالها على جميع المجتمعات السياسية الإنسانية طوال أي مستقبل محتمَل. ولم يكن ما أوضحته تلك الحالة للإنسان الشكلَ الذي كانت عليه حياته في الماضي، وإنما ما يمكن أن تبلغه السلطة السياسية بين البشر مستقبلًا.

كانت مسألة ما يمكن أن تبلغه السلطة السياسية بسيطة بما يكفي: الجمع بين السلطات التي في أيدي البشر تنفيذًا لقانون الطبيعة، وما يترتب على ذلك من تخلِّي عموم المجتمع السياسي عن هذه السلطات بمختلف أشكالها. تمثَّلت مزايا هذا الدمج في أنه يقدم فرصةً أكبر للحُكم بحيادية على قواعد الحياة العامة ووضعها موضع التنفيذ، وكذلك في تحسين توقعات إقرار السلام التي يطرحها هذا الحياد. أما عن خطورة هذا الدمج، وهي الخطورة التي كانت تستحوذ على ذهن لوك أثناء الكتابة، فقد تمثَّلت في الزيادة الهائلة في السلطة القسرية التي منحها هذا الدمج للحاكِم السياسي صاحب السيادة، بالإضافة إلى الخطر القائم على الدوام في احتمال إساءة استخدام هذه السلطة أيضًا؛ فالتحيُّز سمة رئيسية في الطبيعة البشرية، وكلما زادت السلطة زادت مخاطر التحيُّز وفداحة عواقبه؛ وحيثما ازداد فساد السلطة بفعل المداهنة والخضوع، صارت مخاطر التحيُّز أوسع نطاقًا. أدرك لوك ما تُمثله السلطة العليا من قيمة فعلية لخدمة الأغراض البشرية، لكنه كان يخشاها أيَّما خشية، وظنَّ — مثلما لا يزال لدينا جميع الأسباب التي تدفعنا إلى أن نظن مثله — أنه لا يمكن الوثوق فيها إلا عندما يرى الأشخاص المنوطون بها أنهم مسئولون (ويمكن أن يتحملوا المسئولية) تجاه الأشخاص الذين يمارسون تلك السلطة عليهم.

تشكَّل كثير من الدول في عصر لوك — بحسب معرفة لوك نفسه — عن طريق الغزو والمعارك العنيفة؛ ومن ثَمَّ لم تكن السلطة السياسية في تلك الدول ترتكز بأية حال على دمج سلطات مواطنيها تنفيذًا لقانون الطبيعة. وحسبما يرى لوك، لم تكن تلك الدول تمتلك سلطة سياسية شرعية على الإطلاق، بل كانت عبارة عن كيانات أُسِّسَت على القوة، وليس الحق؛ فهي ليست بمجتمعاتٍ مدنية على الإطلاق. ولم تكن علاقة المعتدي بالمعتدى عليه، حتى بعد قرون من الزمان، علاقةَ سلطةٍ سياسيةٍ، وإنَّما هي علاقة حرب مقنَّعة (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية).

تعتمد السلطة السياسية في المجتمعات المدنية على مبدأ الاتفاق، أو التراضي، في نهاية الأمر. وفي المقابل، يتعارض النظام الملكي المستبد مع المجتمع المدني (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية)، وغالبًا ما كان يتعيَّن على المواطنين التابعين للنظام الملكي المستبِد أن يطيعوا المُمسِك بزمام السلطة السياسية، إذا كان ما يأمر به في ذلك الحين فيه نفع، أو إذا كان عصيان أوامره سيلحق ضررًا وخطرًا بالآخرين؛ بَيْدَ أن الممسِك بزمام السلطة السياسية ليس له الحق بأية حال في توجيه أوامر إلى رعاياه، وما من شيءٍ يخوِّل لإنسان أن تكون له سلطةٌ سياسيةٌ على أشخاص بالغين إلا بموافقة هؤلاء الأشخاص أنفسهم. وكان هذا رأيًا خطيرًا، أثار إشكاليتين أساسيتين لدى لوك؛ أولهما: الإشكالية التي كانت ذات أهمية بالنسبة إلى فيلمر، وهي إثبات أن هذه الاتفاقيات قد حدثت بالفعل، لا سيَّما في إنجلترا. وثانيهما: الإشكالية الأهم في ضوء النقد الفوضوي الحديث لمفهوم السلطة السياسية نفسه؛ وهي بيان الأسس المنطقية التي يمكن على أساسها افتراض أن كلَّ فرد بالغ في أي مجتمع سياسي شرعي قد وافَقَ على حاكِمه السياسي. لم يكن رد لوك بليغًا في أيٍّ من الحالتين؛ فقد تملص لوك من التحدي التاريخي الذي يقتضي تقديم نماذج على هذا الاتفاق، وبيان اللحظة الفعلية في تاريخ إنجلترا التي حدث فيها هذا الاتفاق، وبما أن جميع أطراف النزاع في أزمة الإقصاء قد اتفقت على أن إنجلترا دولة شرعية، وتظاهر الجميع بتأييده — ولو بالكلام فقط على أقل تقدير — لدور المؤسسات النيابية الإنجليزية في رفع موافقتهم على التشريع، فلم يكن هذا بوسيلة مكلِّفة على الإطلاق. أما فيما يتعلق بالتحدي الثاني المتمثِّل في بيان الكيفية التي يمكن بها افتراضُ أن كل فرد بالغ في أية دولة شرعية يستطيع الاضطلاع بواجبات سياسية صريحة وواضحة تجاه تلك الدولة، وأنه يتحمَّل تلك الواجبات بالفعل، فقد تناوله لوك على نحو أكثر تفصيلًا من خلال التمييز بين نوعين من الموافقة: الموافقة الصريحة (العلنية)، والموافقة الضمنية. من خلال الموافقة الصريحة يصير المواطن شخصًا له كامل العضوية في مجتمعه طوال الوقت، يتمتع بكل الحقوق والواجبات المترتبة على تلك العضوية؛ أما الموافقة الضمنية، وهي الأسلم للمواطن، فإنها تجعل المواطن خاضعًا لقوانين دولته ما دام فيها، لكنها لا تمنحه عضويةَ المجتمع ولا الحقوق المترتبة على هذه العضوية (ويقصد بها حقوق الاختيار السياسي في المقام الأول). فسَّرَتِ الموافقة الصريحة السببَ في تمتُّع أعضاء نظام الحُكم الشرعي بنطاق مناسب من الحقوق والواجبات، لكنها فعلَتْ ذلك من خلال التجاهُل المداهِن لحقيقة أنه ما من مواطن إنجليزي في ذلك الوقت كان يتحمَّل طواعيةً تلك المسئولياتِ عند بلوغه سن الرشد؛ أما الموافقة الضمنية، فإنها تضمن — على نحو تطميني — أنه على جميع المواطنين في إنجلترا الإذعان للقانون، لكنها تُلقِي قليلًا من الضوء على الذكور البالغين المعاصرين لِلوك الذين يرى لوك أنهم يتمتَّعون بكامل العضوية في مجتمعه.

لكن خلال أزمة الإقصاء لم يكن نطاق العضوية في المجتمع السياسي مَثارَ جدل وخلاف بالغ، على نحوِ ما كان في مناقشات بوتني أثناء الحروب البرلمانية بين روَّاد حركة أنصار المساواة، وقائدَيْهم العسكريَّين كرومويل وهنري إرتون في شتاء عام ١٦٤٧. صاغ لوك معالجته لفكرة التراضي من أجل أن يتناول مجموعةً من القضايا الأقل تطلُّعًا، وكان الهدف منها في المقام الأول أن تفسِّر السببَ في إمكانية وجود علامة جوهرية فارقة بين المجتمعات السياسية الشرعية والأخرى غير الشرعية، وهي الإمكانية التي أنكرها كلٌّ من فيلمر وهوبز. المجتمعات السياسية الشرعية هي تلك المجتمعات التي يكون للحكومة فيها حق الطاعة. وتقدِّم الواجباتُ التي يدين بها الأفراد بعضهم تجاه بعض بموجب قانون الطبيعة — حتى في الحالة الأصلية فيما قبل بناء المجتمعات — تفسيرًا كافيًا لوجوب طاعة الحُكَّام على معظم الأفراد غالبيةَ الوقت في المجتمع السياسي المستقر. لم تكن نظرية لوك عن التراضي نظريةً حول الالتزامات السياسية للمواطنين، والكيفية التي يتسنَّى بها أن تكون ثمة واجبات سياسية على المواطنين. وعلى نحو أكثر تحديدًا، فإنها لم تكن غالبًا مجرد محاولة بائسة كي يثبت للساخطين اجتماعيًّا أن مصدر الأمان الكامل لهم يكمن في الحفاظ على النظام الاجتماعي، وإنما هي بالأحرى محاولة لشرح الكيفية التي يتسنَّى بها أن تكون للحُكَّام (حُكَّام المجتمعات المدنية، على الرغم من أنهم ليسوا حُكَّامًا لأنظمة ملكية مستبدة) حقوقٌ في السلطة السياسية.

لا شك أن ما كتبه لوك كان بغرض الإعلان عن الحق في الثورة، لكنه لم يكن معاديًا للسلطة السياسية على الإطلاق؛ فالسلطة السياسية — في إطار حدودها السياسية الواجبة — تعود بنفع هائل على الإنسان. وحتى بعيدًا عن التعريف التشريعي لتلك الحدود، يمكن — بل ينبغي أيضًا — أن تكون ممارسة الحق الملكي من أجل الصالح العام، على الرغم من حَرْفية القانون. فمن المتوقع فعليًّا أن تحوز السلطةُ السياسيةُ الثقةَ التي تستحقها إذا مُورِست على أساس من الحكمة والمسئولية، وإذا كان التمسك بالمبادئ الدستورية بمنظوره الضيق هو في نهاية الأمر محاولةً لضمان حكومةٍ تكون السيادةُ فيها للقانون وليس لفرد، فإن لوك وَضَع — كملاذ أخير — نوايا البشرِ الحسنةَ فوق الصرامة الدستورية؛ وفي النهاية، فإن كل الحكومات التي مرت على البشرية كانت حكوماتِ أفرادٍ (الفِكر السياسي لجون لوك). اهتمَّ لوك في جانب كبير من الرسالة الثانية بالقضايا الدستورية، لا سيَّما العلاقات القائمة بين الملكية الخاصة والرضا الشعبي والمؤسسات النيابية وسلطة سَنِّ القوانين (السلطة التشريعية)، وحازت الرسالة الثانية على استحسان المستعمرين الأمريكيين بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمان، بفضل إصرارها الشديد على عدم مشروعية فرض الضرائب دون تمثيل نيابي. لكن على الرغم من المعالجة البارعة للقضايا الدستورية في «رسالتان في الحُكم»، فإنها لم تكن في صميم التزاماتها الجوهرية عملًا مؤيدًا للمبادئ الدستورية، بل كانت تنادي بحقين يستعصي تحقيقهما؛ وهما: حق الحاكِم في مجتمع سياسي شرعي في استغلال النفوذ السياسي على نحوٍ يتنافى مع القانون من أجل خدمة الصالح العام؛ وحق جميع الأفراد في الخروج على الحاكِم — حتى لو كان في مجتمع سياسي شرعي — متى أساء استخدام نفوذه على نحو صارخ.

مركزية الثقة

تقع فكرة الثقة في صميم مفهوم لوك عن الحكومة، وتلعب دورًا محوريًّا في إدراك ازدواجية هذه الرؤية وتناقُضها؛ فالحكومة — من وجهة نظر لوك — عبارة عن علاقة بين أفراد، بين أناس يتمتعون بالمقومات التي تجعلهم جميعًا أهلًا للثقة، ويمكن لأيٍّ من هؤلاء الأفراد خيانة هذه الثقة، بل هذا ما يئول إليه الأمر أحيانًا. والثقة من أقدم المفردات الواردة في فِكر لوك، ووجوبُ الثقةِ وخطورتُها ضروريان للوجود البشري؛ فالناس «يَحْيَون بالثقة» كما كتبَ لوك عام ١٦٥٩. وبعدها بسنوات قلائل، وجَّهَ لوك في محاضراته انتقادًا غايةً في الحدَّة إلى الرأي القائل بأن مصلحة الفرد يمكن أن تكون الأساس الذي يُبنَى عليه قانون الطبيعة، وذهب في نقده إلى أن هذا الرأي لا يجعل قانونَ الطبيعة متناقضًا في ذاته فحسب، وإنما تستحيل معه أيضًا فكرة المجتمع ذاته والثقة التي هي ميثاق المجتمع (مقالات حول قانون الطبيعة)، ومن أبرز الأمثلة وأوضحها على أهمية الثقة في حياة الإنسان القَسَم وقطع الوعود؛ فالوعود والأقسام مُلزِمة لله نفسه (رسالتان عن الحُكم). ولعلَّ اللغة هي «الوسيلة المهمة، والرابطة المشتركة التي تربط أفراد المجتمع» (مقال في الفهم البشري)، لكن ما أتاح لها أن تكون فعلًا وسيلةً للربط بين أفراد المجتمع هو قدرتها على التعبير عن التزامات بعضهم تجاه بعض، وعن التعهدات والأقسام الوعود المغلظة التي تُبنَى عليها بالضرورة ثقة بعضهم في بعض، والتي تشكَّلت منها الروابطُ التي تربط حياتهم المشتركة (رسالة في التسامح). وكانت مخاطر الإلحاد أنه أزال كل الشق الإلزامي من هذه التعهدات؛ مما اختزل قانون الطبيعة إلى مصالح فردية متضاربة وبدَّدَ كلَّ الأسس التي تؤيِّد ضرورةَ وجود الثقة بين البشر. ولما حُرِم البشر من العناية الإلهية وتُركوا لِحَالهم، لم يكن لدى الناس أيُّ سبب وجيه ليثق بعضهم في بعض؛ ومن ثَمَّ فقدوا القدرةَ على العيش معًا في مجتمع. ولولا فساد الإنسان (سقوط الإنسان)، لَظلَّ الناس ينتمون إلى مجتمع واحد (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية). الفساد الأخير هو أن يصير الإنسان غير مدرِك لحقيقة اعتماده على خالقه؛ وهو ما أدَّى إلى تفسُّخ «الجماعات الصغرى والمتشعبة» العديدة في زمن لوك، إلى أولئك الأفراد المنعزلين والعديمي الثقة الذين كانت تتألف منهم تلك الجماعات. وبقدرِ ما يستحق البشر ثقة بعضهم في بعض، فإنهم يساعدون في تماسُك المجتمع الذي قصده الله لهم، وبقدر ما يخونون ثقةَ بعضهم في بعض، فإنهم يساعدون في انحلاله وتفسُّخ أركانه. ومما لا شك فيه أن المُمْسِكين بزمام السلطة السياسية هم مَنْ لهم هذه السلطة؛ إما لتعزيز مقاصد الله، وإما لمخالفتها على نحوٍ سافِرٍ للغاية. ونظرًا لأن الأفراد على دراية تامة بحاجتهم إلى أن يثقوا بعضهم في بعض، ولأنهم يستشعرون العون الذي يمكن أن تقدِّمه لحياتهم هذه السلطةُ المُجمعة المعنية بتنفيذ القانون الطبيعي، فإنهم بوجه عام سيُولُون حُكَّامهم الثقةَ الكاملة على نحوٍ يفوق ما يستحقه هؤلاء الحُكَّام. ولأنَّ السلام ضروريٌّ للغاية من أجل العيش في «أمان وراحة ورخاء» (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية)، فإن ثقتهم في حُكَّامهم على هذا النحو هو أمر مرغوب ومستحب بوجه عام.

لم يشكِّك لوك — على غرار اللاسلطويين المُحدثين — في السلطة السياسية نفسها، على الرغم من إدراكه التام بالمخاطر التي تمثِّلها، وإنما ما شكَّك فيه بالأحرى هم البشر الذين تُرِك لهم الحبل على الغارب، أولئك الذين لم يعودوا يفهمون معنى اعتمادهم على خالِقهم. يرى البشر الذين لا يزالون على وعي بهذا الاعتماد أنَّ محاولة ثقة بعضهم في بعض، حكَّامًا ومواطنين على حد سواء، هي أمرٌ واجب في ظل قانون الطبيعة، لكنه واجبٌ طلبًا للسلام وليس واجبًا لإنكار الدروس المستفادة بحُكْم الخبرة والتجارب. ولا يعني واجب الثقة أن يكون المرء ساذجًا، بل ربما لا يكون أيضًا حقًّا ممنوحًا للمرء يخوِّل له ذلك، وحتى الملك المستبِد — في ظل الحالة الأصلية هو ورعاياه — ليس ببعيد عن أن يكون محلَّ ثقة غيره من البشر. ويحق للحُكَّام المدنيين أن يحظوا بثقة أكبر؛ وإذا كانوا يستحقونها، فربما هم على ثقة في أن ينالوها. لكن خيانة الثقة أمر محتمَل لأي إنسان، حتى حاكِم المجتمعات الأكثر مدنيةً، وهكذا هي حياة البشر، ولا بد أن نحاول الوثوق بعضنا في بعض، على المستوى الشخصي وكذلك على المستوى السياسي؛ لكن علينا جميعًا أيضًا أن نقدِّر الوقتَ والحدَّ الذي خان به الآخرون ثقتنا فيهم.

قد تبدو الثقة مفهومًا واهيًا وأحمق لا يستدعي أن يتصدر مشهد الفهم السياسي، والعلاقاتُ التي تربط بين آراء لوك الدينية ومفهومه عن مدى أهلية الإنسان للثقة لن تحبِّب الكثيرين اليومَ (ومن المفترض ألا تحببهم) في تقديره لتلك الأهلية، لكن لم تكن رؤيته للسياسة وحياة الإنسان بصفة عامة — حسبما ارتآهما — باعتبارهما تستندان في النهاية إلى الثقة؛ وجهةَ نظرٍ سطحيةً، وعدمُ دقتها كان أمرًا ضروريًّا، وكانت استحالة الهروب من حالة عدم الدقة هذه هي نقطتها المركزية، ولا يزال هذا هو النهج في عالم السياسة.

الخيانة عكس الثقة؛ وكان علاج خيانة الثقة في عصر لوك هو الحق في القيام بثورة على الحاكِم؛ فوجود سلطة حيادية يمكن اللجوء إليها كان أعظم فائدة يمكن أن يقدِّمها مجتمع سياسي شرعي لأفراده. وحيثما وُجِدت هذه السلطة، فإنها تستبعد حالةَ الحرب بين الأفراد، وتمحو الحاجة إلى الاحتكام إلى الله مباشَرةً، والذي كان يمثِّل عنصرًا جوهريًّا وأصيلًا في هذه الحالة (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية). لكن الحيادية إنجاز بشري وليست إحدى وقائع القانون الدستوري؛ فالحُكَّام بشر بالمعنى الفعلي للكلمة، وهم يتبوءون السلطةَ بحُكم القانون، وتنبع أحقيتهم في التمتُّع بطاعة رعاياهم من التطبيق الحيادي لهذا القانون، وحيثما يأتوا بأفعال تتنافى مع هذا القانون أو خارجة عنه بما يضر بمصلحة رعاياهم، فإنهم يصيرون طُغاةً، وحيثما ينتفِ القانون، يبدأ الطغيان (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية). والحاكِم متولي السلطة الذي يستخدم القوةَ بما فيه إضرار بمصالح رعاياه وبما يتنافى مع القانون، إنما يدمِّر سلطته، فهو يضع نفسه في حالة حرب مع رعاياه المتضررين، ولكل فرد من هؤلاء الرعايا الحقُّ في الخروج عليه تمامًا حسبما كانت ستتعيَّن مقاوَمةُ أي معتدٍ غاشم آخَر (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية).

كان يُنظَر إلى هذا الفِكر في إنجلترا في عصر لوك على أنه مذهب شديد التطرف؛ وبذل لوك قصارى جهده من أجل التقليل من فداحة الآثار الفعلية المترتبة عليه، وما من حاكِم يقصد بحقٍّ الخيرَ لشعبه سيخفق في أن يجعل أفراد شعبه يشعرون بذلك، ولا حاجة بمثل هذا الحاكِم إلى أن يخشى مقاومة شعبه، وسوف تمرُّ أعمال الطغيان الطائشة دون مقاومة، ما دام أنه لا يمكن لضحاياها توقُّع الدعم فعليًّا من إخوانهم المواطنين، ولا يمكنهم أن يأملوا التصدي للطاغية ومقاومته بمفردهم، ووحده التهديدُ الصريحُ — الفعلي أو المحتمَل — لممتلكات الأغلبية وحرياتهم وحياتهم (وربما دينهم أيضًا)، وهذه «سلسلة طويلة من الأفعال»، سيكون كفيلًا بإشعال فتيل المقاومة، لكن إذا اشتعلت نيران المقاومة حقًّا، فلا غموضَ حول المسئول عن اندلاعها. تُعتبَر مخالفة الحكومة وإزعاجها خرقًا لقانون الطبيعة؛ والتمرُّدُ دون سبب عادل ضد حكومة شرعية يعني بدء حالة حرب (وبدء حالة الحرب فعلٌ جائر، والحروب الوحيدة التي يُنظَر إليها بوصفها عادلةً، هي تلك الحروب التي تُشَنُّ دفاعًا عن النفس). لكن عندما يقاوم المظلومون الطغيانَ، فإنهم ليسوا هم مَنْ يزعجون الحكومة أو يعيدون حالةَ الحرب؛ فالتمرد هو «معارضة ضد السلطة، وليس ضد أشخاص»، فلا سلطة للحاكِم الظالم، والحُكَّام الظالمون هم المتمردون الحقيقيون. وعلى غرار أي شخص يستخدم قوةَ الحرب لتنفيذ أغراضه على نحو جائر وفرضها على شخص آخَر، فإن الحاكِم الظالم ينسلخ عن طبيعته «ليتقمص الطبيعة الحيوانية عندما يتخذ القوة — التي هي من طبيعة الحيوانات والوحوش — قاعدةَ الحق التي يحتكم إليها»، وهو بذلك الصنيع قد جعل نفسه «عرضةً لأن يطيح به الشخص المتضرر ومعه بقية البشر الذين سوف ينضمون إليه في تطبيقه للعدالة، شأنه شأن أي حيوان ضارٍ أو مؤذٍ يستحيل للبشر التعايُش معه، أو الشعور بالطمأنينة والأمن في وجوده (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية).»

إنَّ القضاء على الحيوانات الضارة هو حق مكفول للبشر كافة، لكن في المجتمع السياسي الشرعي لا يمكن أن يُنظَر حتى إلى أسوأ الطغاة على أنه حيوان ضارٍ؛ فإلى جانب حق الفرد في الثأر نظير الأضرار التي تصيبه، عليه واجبٌ أيضًا، وهو الحفاظ على المجتمع المدني. الثورة من وجهة نظر لوك ليست عملًا انتقاميًّا، وإنما هي عمل إصلاحي يهدف إلى إعادة بناء النظام السياسي المنتهَك. وخلال أزمة الإقصاء، ومرةً أخرى إبَّان حُكم جيمس الثاني، صار الملك — من وجهة نظر لوك — طاغيةً، وأساء استخدامَ الترخيص الذي حصل عليه بموجب الصلاحيات التي يجيزها له منصبه (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية)، وفي إطار الدستور الإنجليزي، نظرًا لأن الملك احتفظ بجزء من السلطة التشريعية المنوط بها سن القوانين، فلم تكن ثمة سلطة أعلى منه يكون مُلزَمًا بالمثول أمامها للمساءلة؛ لكنْ وراء الإجراءات الشكلية للدستور تكمن حقيقة المجتمع الإنجليزي، أو «جموع الشعب» حسبما أوردها لوك في الرسالة الثانية. وحيثما يثار الجدل بين الحاكِم وقطاع من شعبه، وحيثما يرفض الحاكِمُ قبولَ حُكم المؤسسات النيابية التي عبَّرت عن إرادة شعبه، فلا بد أن يكون الفَيْصل المناسب هو الاحتكام إلى رأي جموع الشعب، التي كانت أول مَنْ وضعت ثقتها في الحاكِم. وتستطيع جموع الشعب، بل يتعيَّن عليها أيضًا، أن تقدِّر في دخيلة نفسها ما إذا كان لديها سبب وجيه تتظلَّم به أمام الله للخروج على الحاكِم وخلعه بالقوة (رسالتان في الحُكم، الرسالة الثانية). وهذه المقاومة هي حقٌّ وواجبٌ في آنٍ واحد؛ لأن الشعب هو وحده مَنْ في مقدوره الجمع بين حق الانتقام الفردي ومسئولية إعادة بناء النظام السياسي، وحق القضاء على مَنْ خانوا ثقته، وواجب استعادة الثقة التي من دونها تستحيل عمليًّا حياةُ الإنسان.

«رسالتان في الحُكم» هو عمل موجَّه إلى المتطلبات السياسية لإنجلترا، ذلك البلد الذي أثبت قاطنوه — على مدى خبرة تاريخية طويلة — أنهم يشكِّلون كيانًا واحدًا، وأن لديهم الكفاءة السياسية للتصرُّف على هذا النحو. يوجد في إنجلترا دستور قديم ينبغي استرداده وإصلاحه (تمهيد الرسالة الثانية)، وما من وسيلة يمكننا أن نعرف من خلالها إلى أي مدًى كان لوك يعتبر أن سكان البلدان التي نَعِمت بتجارب تاريخية أقل حظًّا تتمتع بالقدر نفسه من الكفاءة السياسية العملية، ولا شك أن سكان تلك البلدان أيضًا لهم الحق — أفرادًا كانوا أم جماعات — في مقاومة السلطات الغاشمة والانتقام منها من جرَّاء الضرر الذي ألحقته بهم. لكن حيثما لا يوجد نظام سياسي شرعي من الأساس يستدعي إصلاحه، فمِن غير المرجَّح أن تجتمع معًا توقُّعات الانتقام والبناء. وعلى الرغم من التعقيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يشوب النظام الملكي الاستبدادي (علينا ألا ننسى أن لوك قد عاش لسنوات في فرنسا قبل الفترة التي بدأ فيها الكتابة)، فإنه لم يكن مجتمعًا مدنيًّا على الإطلاق. وفي القرن التالي على ذلك عندما شرع ديفيد هيوم في نقد النظرية السياسية لِلوك، لم يَسُؤْه شيءٌ أكثر من هذا التناقض اللامبالي والضيِّق الأفق بين إنجلترا والنظم الملكية المستبدة في القارة الأوروبية. كان هيوم في بعض النواحي ناقدًا غير متفهم لحُجج لوك ولم يتحرَّ الدقة فيها؛ وبحلول أواخر القرن الثامن عشر، اتضح من مسار الثورة الفرنسية أنه — حتى فيما يتعلق بهذه المسألة — تحمل مفاهيم لوك أكثر مما أقَرَّه هيوم. بَيْدَ أن هيوم أدرك حقًّا بوضوحٍ بالغٍ المدى الذي اعتمدت به آراء لوك السياسية في «رسالتان في الحُكم» على تجربة سياسية بعينها، والثقافة التي عزَّزتها هذه التجربة، في مجتمعٍ يتمتع فيه قطاعٌ كبير من المواطنين العاديين بالحق في تمثيل أنفسهم سياسيًّا، وتوقعهم ممارسة هذا الحق. وكان جوهر فهم لوك نفسه لحقِّ الثورة أنه حق المجتمع في الحفاظ على نفسه كمجتمعٍ، وقدرته على الاضطلاع بهذا الدور، ولم يفترض لوك قطُّ أن الانتقام العادل في حد ذاته سيكفي لخلق مجتمع مدني جديد من العَدْم.

رسالة في التسامح

كان آخِر عمل رئيسي عن النظرية السياسية هو ما كتبه لوك في منتصف ثمانينيات القرن السابع عشر في هولندا، وكان يناقش قضيةً أوسع نطاقًا؛ إنه كتاب «رسالة في التسامح»، وهو أبسط وأكثر شموليةً من «رسالتان في الحُكم»، وتعتمد حُججه في حقيقة الأمر على التسليم بصحة الدين المسيحي (أو على الأقل، صحة بعض الأديان المؤمنة بوحدانية الله، التي يكون فيها الإيمان الصحيح مطلبًا أساسيًّا للعبادة الدينية السليمة، والعبادة الدينية هي الواجب الرئيسي المنوط بالإنسان). لكن داخل العالم المسيحي الأوروبي الحُجج محفوظة لكل بلد أو طائفة، إن كانت محفوظة على الإطلاق. ولأن الواجب الرئيسي للإنسان في حياته هو أن يسعى نحو خلاصه (رسالة في التسامح)، ولأن العقيدة والممارسة الدينية هما الوسيلة التي يتعيَّن على الإنسان استخدامها في الاضطلاع بهذا الواجب؛ فلا يجوز شرعًا أن يطغى نفوذُ السلطة السياسية البشرية على أيٍّ منهما. والسلطة السياسية هي المنوط بها حماية الخيرات المدنية، على نحو أكثر تحديدًا ثمار جهود الإنسان والحرية والقوة البدنية التي هي وسائل الإنسان لجني تلك الثمار (رسالة في التسامح)؛ فرعاية أرواح البشر ليست من سلطة الحاكِم. إذا رأى الحاكِم أن أفعاله للصالح العام، ورَأَى رعاياه العكس، فلا يمكن أن يكون ثمة حاكِم بينهما على وجه الأرض (رسالة في التسامح)، ولا بد من ترك الحُكم فعليًّا لله، وحيثما يشكِّل الاضطهاد العنيف القائم على أسس دينية تهديدًا لممتلكات الأفراد وحياتهم، يكون للمضطهَدين كلُّ الحق في رد القوة بالقوة (رسالة في التسامح)؛ ويكون في مقدورهم ممارسة هذا الحق وسيمارسونه بالفعل. ويُستثنَى من حق التسامح الديني فريقان رئيسيان: فريق تتعارض معتقداته الدينية تعارضًا مباشرًا مع السلطة الشرعية للحاكِم، وفريق لا يؤمن بالله.

إنَّ الحق في أن ينقذ الإنسان روحه لا يعني الحق في محاولة فرض حكم سياسي شخصي ضد السلطة المدنية، فلا يوجد حق — كما شدَّد لوك بالفعل في مقاله الذي كتبه عام ١٦٦٧ — في إنكار وجود الله، ما دام أن الإيمان بالله هو «الأساس الذي تقوم عليه كلُّ أشكال الفضيلة»، والإنسان الذي يفتقر إلى ذلك هو حيوان ضارٍ غير جدير بأن يكون عضوًا في أي مجتمع. لا داعي لاستخدام القوة ضد الآراء التأملية أو المعتقدات الدينية، ما دام أن الحقيقة كفيلة بإظهار نفسها بنفسها، وقلَّمَا تلقَّتْ كثيرًا من العون من جانب القدير (رسالة في التسامح)؛ وهو أمر غير مُجْدٍ أيضًا، بما أنه ما من إنسان يستطيع أن يختار اختيارًا مباشِرًا ما يؤمن أو يشعر به؛ لكنَّ الإلحاد ليس مجرد رأي تأملي، وإنما يشكِّل أيضًا أساسًا لأفعال غير أخلاقية لا حصر لها. ولمَّا كان حق التسامح يعتمد على حق كل إنسان وواجبه في السعي نحو خلاصه، فهو إذن ليس بالحق الذي يمكن لأي ملحد أن يطالِب به على الدوام.

fig11
شكل ٢-٤: هل كان لوك إنسانًا بلا عيوب حتى في نظر خادمه؟ لوحة من إعداد كاتِب لوك وخادِمه الأسبق سيلفانيوس براونوفر، تصوِّر لوك في المنفى بهولندا عام ١٦٨٥.

إنَّ القناعة بأن الحقيقة كفيلة بإظهار نفسها بنفسها هي بالطبع قناعة متفائلة، بَيْدَ أنها لم تكن تمثِّل الأساس الذي استند إليه لوك في التزامه بالتسامح. والمدهش في الأمر أن وجود الله لم يكن بالحقيقة التي يمكن أن تُترَك لإظهار نفسها بنفسها؛ ومن ثَمَّ فإنَّ رفض التسامح مع الملحدين — على الرغم ممَّا يمكن أن يمثِّله لنا اليوم من إهانة — لم يكن ليتفق اتفاقًا كاملًا مع حُجة لوك؛ فالكفر بوجود الله، حتى في مجرد الفِكر فحسب، يمحو وجود كل شيء (رسالة في التسامح). كتب لوك «رسالة في التسامح» في وقت متأخر من شتاء عام ١٦٨٥، عقب مناقشات مطوَّلة مع صديقه ليمبورخ، وفي مواجهة الاضطهاد المتفاقم للهوجونوت على يد الملك لويس الرابع عشر. لم يكتب لوك هذا العمل من أجل إنجلترا وحدها، ولكن من أجل شعب أوروبي، وربما كان هذا الشعب هو المستفيد الأكبر من تطبيق مبادئ لوك في هذا العمل؛ ففي القرن التالي على ذلك، رأى فولتير أن كتاب «رسالة في التسامح» يمثِّل جوهرَ مفهوم لوك عن السياسة، وهي السياسة المنسجمة تمامًا مع رسالة مقاله الرائع التي من الواضح أنها وثيقة الصلة بالحياة المدنية في كل مكان على وجه الأرض. لكن إذا كانت رسالته السياسية عالميةً بقدرِ ما هي واضحة، فإنها كانت تستند أيضًا في نهاية الأمر إلى قناعة واحدة، وهي القناعة بأن على الإنسان واجبات دينية، ويمكنه معرفة تلك الواجبات وماهيتها، وكان كفاح لوك من أجل تبرير هذه القناعة هو ما أدَّى إلى وضع مؤلَّفه هذا، الذي يُعَدُّ أروع إنجازاته الفكرية على الإطلاق؛ لكن لم يُكلَّل هذا الكفاح بالنجاح، ولكن انتهى بشيء قريب جدًّا إلى الخضوع والاستسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠