العروبة

ألقيت هذه القصيدة بمؤتمر الثقافة العربي الأول، والذي أقامته جامعة الدول العربية بلبنان عام ١٩٤٧م.

لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
الأرضُ مسكٌ، وهمسُ الدوحِ ألحانُ١
هل الحِسانُ على العهدِ الذي زعمت؟
وهل رِفاقُ شبابي مثلَما كانوا؟
أين الصبا؟ أين أوتاري وبهجتُها؟
طوت بساط لياليهنَّ أزمان
أرنو لها اليومَ والذكرى تُؤرِّقني
كما تنبَّه بعد الْحُلمِ وسنان٢
هَبْني رجعتُ إلى الأوتارِ رنَّتَها
فهل لشَرْخِ الصبا واللهوِ رُجْعان؟٣
لا الكأس كأسٌ إذا طاف الحباب بها
بعد الشبابِ، ولا الريحانُ ريحان٤
ما للخميلةِ؟ هل طارت بلابلُها
وصَوَّحتْ بعد طول الزهْوِ أفنانُ؟٥
وهَل رياضُ الهوى ولَّت بشاشتُها
وغادرْت ضاحكَ النُّوَّارِ غُدران؟٦
كم مّد غصنٌ بها عينًا مشرَّدةً
إلى قدودِ العذارى وهُو حيران٧
لقد رأى البانَ لا تسعَى به قدمٌ
فيا لدَهْشتِه لمَّا مشى البَانُ٨
غِيدٌ لها من شذَى لُبنانَ نفحتُه
ومن مجانيه تُفَّاحٌ ورمَّان٩
من نَبْعِه خُلِقَتْ، ما بالُها صرفتْ
سِرْبَ الشفاه الحيارَى وهو ظمآن؟١٠
عينان أسكرتا شعري فإن عَثَرَتْ
به السبيلُ، فعذرًا فهو نشوان١١
وطلعةٌ كخدودِ الزهرِ غازلها
من الأصائِل أطيافٌ وألوان١٢
من الملائِك إلَّا أنها بشرٌ
وأنَّ نظرتَها البَهماء شَيْطَانُ١٣

•••

لله أيامُنا الأولَى التي سلفتْ
وللصبابةِ مَيْدانٌ ومَيدان١٤
والحبُّ كالطير رَفَّافٌ على فَنَنٍ
له إلى الإلْفِ تغريدٌ وتَحنان١٥
هيمانُ والماءُ في لُبنانَ عن كَثبٍ
لكنَّه بسوَى الأمواهِ هيمان١٦
بدت له جارةُ الوادي الخصيبِ ضُحًا
كلُّ الأحبةِ في لُبنانَ جيران
فأرسل العينَ في صمتٍ بلاغتُه
بكلِّ ما قاله في دنياه سَحبان١٧
وللعُيونِ أحاديثٌ بلا كلِمٍ
وكم لها في الهَوى شرحٌ وتبيان
والحبُّ سِرٌّ من الفِرْدوسِ نَبْعَتُهُ
وخيرُ ما يحفَظُ الأسرارَ كتمان١٨
رنا لها فتمادتْ في تدلُّلها
العينُ غاضبةٌ، والقلبُ جذْلانُ١٩
وغطَّتِ الوجهَ بالمِنْديلِ في خَفَرٍ
كما توارَى وراء الشكِّ إيمانٌ٢٠
وأعرضتْ وإباءُ الغِيدِ لُعْبَتُها
فكلَّما اشتدّ عُنْفًا فهو إذعان٢١
إنَّ العذارَى — حماك اللهُ — أحْجِيَةٌ
بها النفورُ رضًا، والحقُّ نُكْران٢٢
هَزَزْتُ أوتارَ شعري حول شُرْفَتِها
كما ترنَّم بالأسحارِ رُعْيان
شعرٌ من الله تلحينًا وتهْيئَةً
لا النَّايُ نايٌ، ولا العِيدانُ عِيدان
إذا شدا أنصتتْ أُذْنُ الوجودِ له
وللوجودِ كما للناس آذان
شدا لها فرأى ليلُ الهوى عَجَبًا
ولْهى يجاذبُها الأشواقَ ولهان
رَيّا حوت فتنةَ الدنيا غلائلُها
يضمُّها شاعرٌ للعِيد صَدْيَاُن٢٣
لانتْ لشعري كما لانتْ معاطفُها
والشعرُ سِحرٌ له بحرٌ وأوزان٢٤
فتنتُها حينما همّتْ لتفتِنَني
والشعرُ للخفراتِ البِيضِ فتّان٢٥
سلاحُها لحظُها الماضي وأسلحتي
فَنٌّ يجرِّدُه للغزوِ فَنّان٢٦
كان الشبابُ شفيعي في نضارتِه
الزهرُ مؤتلِقٌ، والعودُ فَيْنان٢٧
ماذا إذا لمحتني اليومَ في كِبَري
وملءُ بُرْدَيَّ أسقامٌ وأَشجان؟٢٨
طويتُ من صَفَحاتِ الدهرِ أكثَرها
وَعرَّقتني تصاريفٌ وحِدثان٢٩
إني كتابٌ إلى الأجيال تقرؤهُ
له التغنِّي بمجدِ العُرْبِ عُنوان

•••

مَجدٌ على الدهرِ مذ كانت أوائلُه
ودولةٌ لبني الفُصحى وسُلطَانُ
صَوَارِمٌ ريعت الدنيا لوثبتِها
وحُطِّمتْ صَوْلَجاناتٌ وتيجان٣٠
الناسُ عندهُمُ أبناءُ واحدةٍ
فليس في الأرض ساداتٌ وعُبْدان٣١
تراكضوا فوقَ خيلٍ من عزائمهم
لهم من الحقِّ أَسْيافٌ وخُرْصان٣٢
وكلمَا هدموا لِلشركِ باذخةً
أُقيم للدينِ والقِسْطاسِ بُنيان٣٣
في السلم إن حَكموا كانوا ملائكةً
وفي لَظى الحرب تحتَ النقْعِ جِنَّان٣٤
أقلامُهم سايرتْ أسيافَ صولتهِم
للسيفِ فتحٌ، وللأقلامِ عِرفان٣٥
فأين مِن شرعِهم روما وما تركت؟
وأين من علمهم فُرْسٌ ويونان؟٣٦
كانوا أساتذةَ الآفاقِ كم نهِلتْ
من فيضِهم أممٌ ظَمْأَى وبُلدانُ٣٧
كانوا يدًا ضمَّت الدنيا أصابعُها
ففرّقتْها حَزازاتٌ وأضغان

•••

تنمرَ الغربُ واحمرَّت مخالبُه
وأرهفت نابَها للفتكِ ذُؤبان٣٨
ثاراتُ طارقٍ الأولى تُؤَرِّقُهم
وما لما تتركُ الثاراتُ نسيان٣٩
تيقَّظ الليثُ ليثُ الشرقِ محتدمًا
فارتجَّ منه الشرى واهتزَّ خَفَّان٤٠
غضبانَ ردَّ إلى اليافوخِ عُفْرَتَه
وَمَنْ يصاولُ ليثًا وهو غضبان؟٤١
لقد حَميْنا أُباةَ الضيمِ حَوْزَتنا
من أن تُباحَ، ودِنَّاهُم كما دانُوا٤٢

•••

بني العروبةِ إنَّ الله يجمعُنا
فلا يفرِّقُنا في الأرضِ إنسان
لنا بها وطنٌ حرٌّ نلوذُ به
إذا تناءتْ مسافاتٌ وأوْطَانُ
غدا الصليبُ هلالًا في توحُّدِنا
وجمَع القومَ إنجيلٌ وقرْآن
ولم نبالِ فُروقًا شَتَّتتْ أُممًا
عدنانُ غسّانُ أو غسّانُ عدنان٤٣
أواصرُ الدَّمِ والتاريخِ تَجمعُنا
وكلُّنا في رِحابِ الشرقِ إخوان

•••

قلبي وفيضُ دموعي كلّما خطرتْ
ذكرىَ فِلَسْطين خفَّاقٌ وهتَّان
لقد أعاد بها التاريخُ أنْدلُسًا
أخرى، وطاف بها للشرِّ طوفان
ميراثُنا في فتى حِطِّينَ أين مضى؟
وهل نهايتُنا يُتْمٌ وحِرمان؟٤٤
ردّوا تراثَ أبينا ما لكم صِلَةٌ
به، ولا لكُم في أمرِنا شان
مصيبةٌ برِم الصبرُ الجميلُ بها
وعزّ فيها على السُّلْوانِ سلوَانُ
بني فلسطين كونوا أُمَّةً ويدًا
قد يختفي في ظِلالِ الوردِ ثُعبان
وكيف يأمَنُ رُعيانٌ وإن جَهِدوا
إذا تردَّى ثيابَ الشَّاءِ سِرْحان؟!٤٥

•••

ومصرُ والنيلُ ماذا اليوْمَ خطبُهما؟
فقد سَرى بحديثِ النيلِ رُكْبان
كنانةُ الله حصنُ الشرق تحرُسُه
شيبٌ خِفافٌ إلى الْجُلَّى وشُبَّان٤٦
أَبَوْا على القسر أن يرضَوْا معاهدة
بكل حرفٍ بها قيدٌ وسَجَّانُ٤٧
وكم مَشَوْا للقاء الموتِ في جَذَلٍ
والموتُ منكمشُ الأظفارِ خَزْيان٤٨
لكل جسمٍ شرايينٌ يعيشُ بها
ومصرُ للشرقِ والإسلامِ شِرْيان

•••

بني العروبة مُدّوا للعلوم يدًا
فلن تُقامَ بغيرِ العلمِ أركانُ
جمعتُمُ لشبابِ الشرقِ مؤتمرًا
بمثله تزدهي الفصحى وتزدان
فقرِّبوا نَهجهم فالروحُ واحدةٌ
وكلُّهم في مجالِ السبقِ أقران
لا تبتغوا غيرَ إتقانٍ وتجربةٍ
فقيمةُ الناسِ تجريبٌ وإتقان
وحبِّبوا لغةَ العُرْبِ الفصاحِ لهم
فإنّ خِذْلانَها للشرقِ خِذْلان
قولوا لهم: إنَّها عُنوانُ وَحْدَتهِم
وإنَّهم حولَها جندٌ وأعوان
وكمِّلوهم بأخلاقٍ ومَرْحَمةٍ
فإنَّما المرءُ أخلاقٌ وِوِجْدان

هوامش

(١) مسك: طيب له رائحة ذكية. همس الدوح: حفيف الأشجار الخافت.
(٢) أرنو: أنظر وسنان: نعسان.
(٣) شرح الصبا: أوله. رجعان: رجوع وعودة.
(٤) الحباب: هو ما يعلو الكأس من فقاعات.
(٥) صوحت: جفت.
(٦) ولت: مضت وذهبت. بشاشتها: فرحتها وابتسامتها. غدران: جمع غدير.
(٧) مشردة: تائهة. قدود: قوام.
(٨) البان: غصن الشجرة الطري.
(٩) شذا: الرائحة الذكية النفاذة. نفحته: رائحته. مجانيه: حصاده.
(١٠) نبعه: أصله. سرب: جماعة.
(١١) عثرت: سقطت وكبت. نشوان: فرحان متمايل.
(١٢) طلعة: رؤية وجهه. أصائل: جمع أصيل وهو الوقت من بعد العصر إلى غروب الشمس. أطياف: أخيلة.
(١٣) البهماء: المبهمة.
(١٤) سلفت: مضت. الصبابة: رقة الشوق وحرارته.
(١٥) رفاف: متحرك مرفرف. فنن: غصن. الألف: الأليف المحبوب.
(١٦) هيمان: هائم عطشان. كثب: قرب.
(١٧) سحبان: هو سحبان بن وائل خطيب العرب وضرب به المثل في الفصاحة.
(١٨) نبعته: أصله.
(١٩) رنا: نظر بطرف عينه. جذلان: فرحان.
(٢٠) خفر: شدة الحياء. توارى: استتر واختفى.
(٢١) إذعان: خضوع.
(٢٢) أحجية: ألغاز. النفور: البعد والجفاء.
(٢٣) ريا: بمعنى ناعمة. غلائلها: الملابس الشفافة الرقيقة. صديان: عطشان.
(٢٤) لانت: رقت وأطاعت. معاطفها: جوانبها.
(٢٥) فتنتها: سحرتها. الخفرات: شديدي الحياء.
(٢٦) لحظها: النظر بمؤخرة العين. يجرده: يجرد السيف من غمده أي: يخرجه.
(٢٧) فينان: الحسن الطويل.
(٢٨) بردي: البرد كساء أسود تلبسه العرب.
(٢٩) عرقتني: بمعنى أجهدتني. تصاريف: نوائب ومكاره. حدثان: أحداث.
(٣٠) صوارم: قواطع. ريعت: فزعت. صولجانات: جمع صولجان وهو عصاة الملك.
(٣١) عبدان: عبيد.
(٣٢) تراكضوا: أسرعوا في العدو. خرصان: الرماح.
(٣٣) الشرك: الكفر. باذخة: عالية. القسطاس: العدل.
(٣٤) لظى: نار ملتهبة. النقع: الغبار. جنان: من الجن.
(٣٥) صولتهم: الشجاعة والإقدام.
(٣٦) شرعهم: منهجهم وطريقتهم.
(٣٧) الآفاق: النواحي. نهلت: أخذت وشربت. فيضهم: عطائهم.
(٣٨) ذؤبان: ذئاب.
(٣٩) طارق: هو طارق بن زياد الفاتح العربي المشهور.
(٤٠) محتدمًا: هائجًا غاضبًا. ارتج: اهتز. الشرى: طريق كثير الأسود. خفان: الملك.
(٤١) اليافوخ: المخ. عفرته: بمعنى لبدة الأسد. يصاول: يهاجم.
(٤٢) أباة الضيم: الذين لا يرضون بالذل والهوان. حوزتنا: بلادنا.
(٤٣) عدنان: من آباء العرب وأطلق اسمه على العدنانيين نسبة إليه. غسَّان: أبو العرب الغساسنة ويدينون بالمسيحية.
(٤٤) فتى حطين: هو القائد العربي الشهير صلاح الدين الأيوبي المنتصر في معركة حطين.
(٤٥) رعيان: رعاة. تردى: لبس. الشاء: الكثير من الغنم. سرحان: الذئب.
(٤٦) كنانة الله: المقصود «مصر». شيب: بيض الشعر. خفاف إلى الجلَّى: يهرعون في خفة وسرعة إلى ميدان القتال.
(٤٧) أبوا: رفضوا. القسر: الإكراه على الأمر. معاهدة: المقصود معاهدة سنة ١٩٣٦ التي كانت مبرمة بين مصر وإنجلترا.
(٤٨) جذل: فرح. منكمش الأظفار: أظفاره غير طويلة لا يستطيع أن ينشبها في ضحاياه. خزيان: مستحٍ وخجلان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١